الفصل 47 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
12
كلمة
5,972
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل التاسع عشر

شركة القاني.. قبل الغروب..

كان هذا اليوم مختلفا قليلا عن باقي أيام العمل وقد كان هناك زيارة مفاجئة من رئيس مجلس إدارة شركات القاني إلى فرعهم القابع في هذه المدينة لتفقدهم..

جال الرئيس للشركة بمختلف أقسامها ولأن القسم الذي كانت تعمل شيرين به كان آخر ما دخله الرئيس مع حاشيته اضطرت أن تُؤخر من موعد عودتها..

حزمت أمتعتها وقبل أن تغادر وقفت عند النافذة تتطلع للسماء قبيل الغروب والتي بدت في هذه اللحظة رائعة بمشهد خلاب وهي تتلألأ بالألوان البرونزية المتألقة مكتسحة أجواء المكتب ذو الجدران الزجاجية لترمي بأشعتها اللامعة على ملامح وجهها فتبدو بشرتها بإضاءة ذهبية..

جفلت فجأة على صوت إحدى زميلاتها وهي تدلف للداخل

((لقد غادر الرئيس فارس القاني المبنى أخيرا، استطاعت جميع أقسام فرعنا هذا أن تعطيه انطباعا جيدا بحمد الله))

ربتت الزميلة فوق كتف شيرين تستطرد مشيدة

((عليكِ أن تكوني فخورة بنفسك اليوم فقد أبليت كمشرفة لهذا القسم بلاءً حسنا أمام زيارته التفقدية رغم أنها كانت فُجائية))

ابتسمت شيرين بشحوب رغم الحزن اللامع في عينيها متمتمه

((أنا كذلك بالفعل..))

تدخل معتز يقاطع حديثهما وهو يقف عند باب المكتب

((ألم تنتهي ساعات عملكن أيتها السيدتين؟ خاصة أنتِ يا شيرين فلا زلت عروسا))

كانت تهم شيرين بقول شيء عندما ردت زميلتها شاهقة وهي تشير بسبابتها عبر زجاج النافذة

((انظروا ها هو السيد فارس القاني يغادر الشركة))

تمتمت شيرين ونظرها مصوب نحو رئيس مجلس الإدارة المهيب الذي يخرج من الشركة نحو سيارته

((هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس لشركات القاني بشكل شخصي! من يراه لا يقدر أن ينكر بأنه صاحب كاريزما عالية ورجل مثير للإعجاب رغم تجاوزه عمر الستين..))

خرجت آخر الكلمات من شيرين بطيئة خافتة قبل أن تبترها وهي تضيق عينيها نحو الرجل الذي يستقل المقعد الأمامي في السيارة لتشهق عاليا وتقول جاحظة العينين

((يا إلهي.. هل هذا قصي؟))

ناظرتها زميلتها باستغراب متسائلة

((قصي من؟))

كان لازال نظر شيرين مصوب نحوه والدهشة تلفها أكثر وأكثر مُرددة

((أوه إنه قصي سامح.. ماذا يفعل بسيارة الرئيس ولماذا يجلس وراء المقود!؟))

التفتت نحو معتز هاتفة

((معتز تعال أليس هذا قصي سامح؟))

اقترب معتز من النافذة وهو يقول ببساطة

((نعم إنه قصي من يقود سيارة الرئيس))

ثم التفت نحو شيرين يتابع منبها

((لقد جاء مدير القسم وأمرني أن أعطي "مُغادرة ساعتين" لقصي سامح ليقود سيارة رئيس مجلس الإدارة بعد أن شعر سائقه بالإعياء فجأة، فقصي كان يعمل سائقًا خاصًا للسيد فارس القاني قبل أن يتوسط له ويجعله يعمل هنا في شركته))

تطلعت شيرين بمعتز متعجبة وتساءلت بذهول عارم

((رباه! هل كان قصي ذاك الأبله يعمل سائقا خاصا لرئيس مجلس إدارة شركة القاني يا معتز!؟ أمر لا يصدق حقا!))

هزّ معتز كتفيه يرد بهدوء

((نعم وأنا مثلك صُدمت كثيرًا بمعرفة هذا الأمر، لا بد أنه عندما كان يعمل سائقا لديه كان يأخذ راتبا أعلى من راتبه الحالي كموظف عادي بائس هنا))

التفتت زميلة شيرين لها تسألها بشيء من الرّيبة

((إذن هل علينا يا شيرين أن نُعامل قصي معاملة خاصة ومختلفة عن غيره من الموظفين هنا بعد معرفتنا بهذا الأمر؟))

ازدردت شيرين ريقها بارتباك ثم قالت بلامبالاة مزيفة

((بالتأكيد لا.. لم قد نغير معاملتنا له؟ لقد كان مجرد سائق.. لو كان شخصا مهما للسيد فارس القاني لما جعله موظف عادي في خدمة العملاء لما يقارب الثلاث سنوات بدون أيّ ترقية..))

أيدتها زميلتها بشيء من التردد

((معك حق.. ثم لم يسبق وأن طلب أحد أصحاب المناصب الكبيرة في الشركة منا نحن المسؤولين عن هذا القسم أن نتعامل معه بحذر، لا داعي للخوف منه))

عادت شيرين تنظر من خلال الزجاج بشرود لتتمتم بتحسر

((كم هم محظوظين أبناء الأثرياء ومن ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب))

ضحكت زميلتها بخفوت عليها لكن بعد ذلك أشارت لها أن تسير معها ليغادرن المكان..

عندما خرجن من مبنى الشركة التفتت شيرين لمعتز متسائلة باستغراب

((هل حان وقت مغادرتك يا معتز!؟ فعلى حد علمي الرجال في قسمنا معظمهم يأخذون نوبات مسائية..))

ظل معتز يسير معهن نحو إحدى الساحات التي يركن الموظفين سياراتهم بها مجيبا

((فعلا لم تنتهِ ساعات عملي بعد لكن أريد أن أضع أغراض قصي في سيارته، أعطاني مفتاحها قبل أن يذهب لقيادة سيارة الرئيس..))

عندما وصل معتز للسيارة التي طابقت الوصف الذي أعلمه قصي أخرج المفتاح فتساءلت شيرين بتعجب

((هل يعقل أن تكون هذه سيارة قصي!؟ فهي حديثة جدًّا.. وتبدو باهظة الثمن))

أومأ معتز بالإيجاب وهو يفتح باب السيارة

((نعم هذه هي سيارته لقد أخبرني أين يركنها بالعادة.. انظري لقد فُتحت بمفتاحه..))

تجهمت ملامح شيرين وبقيت واقفة أمام السيارة تتفحصها فلكزتها زميلتها التي استغربت تحديقها

((ما بك يا شيرين؟))

قالت شيرين وهي تتفحص السيارة

((أذكر بأني سبق ورأيتها.. ولكن أين.. أين رأيتها!))

أغمضت شيرين عينيها تعتصر ذاكرتها بمحاولة تذكر أين رأت هذه السيارة الفريدة من نوعها قبل هذه المرة..

فتحت عينيها شاهقة..

نعم لقد تذكرت! هذه السيارة هي نفس سيارة خطيب سهر التي جاءت بها عندما كانت تقطن في الفندق الذي حجزه مُعاذ لها.. لا يمكن أن تخطأ ففي ذلك اليوم ارتطمت بها من الخلف ثم قامت بتفحص كل جزء منها خوفا من أن تكون قد تسببت بأي أضرار جسيمة..

ازدردت شيرين ريقها وهي تسير إلى السيارة من الخلف حيث تسببت لها هناك بعدة صدمات..

لكن سرعان ما لفتها حيرة أكبر وهي تجد أن السيارة سليمة تماما من الخلف وخالية من أي خدش..

هل يمكن أن تكون سيارة مختلفة أم أن صاحب السيارة قام بإصلاح الضرر!

شردت شيرين بنظرها قليلا مُفكرة قبل أن ترفع يدها وتضرب جبينها شاعرة بالغباء..

أفكار غبية تلك التي تدور في عقلها..

فما دخل قصي خطيب سهر بقصي سامح هذا الأبله الذي يعمل بالشركة! أساسا وماذا فيها لو امتلك الاثنين نفس نوع السيارة ولونها!

=============================

كانت نورين تجلس على الأريكة في الصالة ترفع هاتفها تتبادل الحديث مع والدتها عندما سألتها بفرحة عارمة

((إذن هل اتفقتم على أن تبقوا هنا في هذا البيت لوحدكما بعيدا عن بيت العائلة؟))

أكدت لها نورين بهدوء

((نعم يا أمي، رغم أن معظم أفراد عائلته لطيفين معي إلا أنى شعرت بالراحة لانفرادي في بيت وحدي خاص بي، لكن هناك أمور أصعب من أن أشرحها تؤرقني هنا..))

بترت نورين كلامها وهي تجفل على صوت فتح الباب فهتفت بصوتٍ عال

((لقد جاء مُصعب.. تعال إلى هنا))

تسٌّمر مُصعب مكانه وهو يتطلع ببلاهة عليها كيف تلوح له من مكانها بلهفة ليجلس بجانبها.. كأنهما ليسا متخاصمان منذ أيام! حتى انتبه بأنها تمسك الهاتف تتحدث بمكالمة فيديو.. فتقدم بهدوء منها متسائلا

((مع من تتحدثين؟))

تطلعت له بابتسامة مبتهجة وقالت وهي تقبض على ذراعه وتشده إليها ليظهر بالصورة

((أمي.. إنها تريد الحديث معك قليلا))

تطلع مُصعب بالشاشة ليشعر بشيء من الحرج أمام والدتها.. فتلعثم وتعثر قائلًا

((أهلا يا عمة.. كيف حالك؟))

لمعت عينا والدة نورين بالامتنان وهي تغدقه بالترحيبات ثم هدرت

((أنا بخير، أنتَ كيف حالك بني؟))

تمتم بتهذيب وخفوت كلمات الحمد.. فتابعت ريحانة تقول بمشاعر صادقة وعاطفة

((أنا أدعو لك دائما بالصحة والعافية أنتِ وابنتي..))

أمسكت كف نورين يد مُصعب تشد عليها بامتنان فرفع مُصعب ذراعه يحيط بكتفها بينما يرد بابتسامة رجولية خلابة لوالدة نورين

((شكرا لمشاعرك ودعواتك الطيبة))

تسللت راحة عجيبة واطمئنان لصدر ريحانة مثل كل مرة تتحدث مع زوج ابنتها بالهاتف وترى وجهه السمح الهادئ وكلامه الراكز الكيِّس.. فتمادت هذه المرة في طلبها وقالت بما يبطنه الرجاء

((كم أتمنى فقط لو تنورونا في زيارة لبيتنا أنتما الاثنين، سأكون ممتنة جدًّا لك لو حصل ذلك))

قاطعتها نورين تقول بلهجة مشددة وكأنها تحذرها في الضغط أكثر على مُصعب

((أمي ما هذا الذي تقولينه، كيف تطلبين منه زيارتكم معي؟ يكفي حديثنا عن طريق الهاتف هنا))

تلبكت ريحانة ونكست رأسها مكسورة الخاطر ثم ازدردت ريقها لتقول متذرعة

((معك حق.. سأغلق المكالمة الآن.. أخاك يريدني بشيء.. إلى اللقاء حبيبتي))

أطلقت نورين بعد هذه المكالمة تنهيدة حزينة كانت تجيش في صدرها وصمتت للحظات قبل أن تتيقظ لذراع مصعب التي تحيط بها بحميمة.. فدفعت ذراعه عنها بطريقة تعمدت أن تكون مهينة..

ثم وضعت هاتفها في جيب قميصها المنزلي قائلة بنظرة صلف

((لقد أغلقت أمي.. لا داعي الآن لنتصرف بود مزيف))

تجهمت ملامحه واستنكر بخشونة

((هل تمازحيني الآن يا نورين!؟))

نظرة تكذيب ساخرة أطلّت من عينيها وهي تقف من مكانها قائلة بكلام صريح

((لا أمازحك.. لن أتصرف كأنني بخير معك طالما لا أشعر معك بالأمان، فأنت لا زلت ترفض الحديث عن الموضوع الذي أريد التحدث عنه وترفض أن تكون صادقا أو صريحا معي بخصوص المشاعر التي تكنها لي))

وقف مُصعب هو الآخر من مكانه يواجهها رادا بلهجة حازمة

((ولن أغير رأيي فأنا لا أحب التحدث بأي شيء يتعلق برشا التي لا يربطني بها إلا اسم العائلة وهو نفس ما يجبرني ألا أتخلى عن مسؤوليتها وأكون متواجدا عندما تحتاجني! ما أملكه لك هو وعد بأن أكون حريصا ألا أفعل أي شيء يقلل من احترامك أو يسيء لك))

عينا نورين لم تفارقا عينيه.. لم تكن تتحداه.. بل بدت وكأنها تستشف صدقه لتقول بنبرة يلفها الانكسار والتوسل

((هل أنتَ صادق حقا؟ هل يمكنني أن أثق في كلامك؟))

أجابها بهدوء متأصل فيه

((هذا الأمر راجع لك.. من جهتي لم يسبق وأن فعلت ما يسيء لك بشهادتك ولن يتغير موقفي مستقبلا.. كل ما أطلبه منك أن تحترمي رغبتي بعدم فتح ماضّي مع ابنة عمي والمرأة التي انفصلت عنها ولا تكيلي اتهامات غير منصفة بحقي))

طالعها وهي تطرق بنظراتها للأرض كأنها خجلة أو نادمة لموقفها منه...ثم قال لها بصوتٍ خال التعابير قبل أن يبارحها

((طابت ليلتك.. يا نورين))

أغمضت نورين عينيها اللتان تفيضان حزنًا ثم استدارت تمضي نحو الغرفة التي تنام فيها لتخلد للنوم قبل أن يعييها الحزن والألم القابعين في داخلها..

بقيت لساعات على فراشها تتقلب فيما دموعها تنهمر في الظلام وجوانحها تضج من فرط الحنين..

هل ردة فعلها متطرفة؟ لكنه لا يظهر أي لين بأنه قد يبوح لها بأسرار ماضيه وحقيقة مشاعره وما ينشده مستقبلا!

هي ليست مهتمة جدًّا بطلب الحب منه وتوسله فما بداخلها من حب يكفي كلاهما ويكفي لإنجاح هذا الزواج.. لكنها تخشى أن يحمل بقلبه حبًا لأخرى يجبره يوما على الرحيل عنها أو أذية قلبها الذي لن يتحمل منه أمرًا كهذا!

بعد أن صنع لها كرامة بين أهله وعزها ومنع أي أحد أن يتجرأ عليها.. حتى والدته.. لن تستطيع بعد كل هذا أن تتنازل وترتضي أنصاف مشاعر وردود أفعال لغيرة محتملة.. فهي امرأة تغار وبشدة.. وهو إن لم يستطع أن يراها امرأته الوحيدة فلن تستطيع أن تتشاركه مع امرأة أخرى تحمل هذه المكانة عنده ويكون لها ما لها هي فيه..

أطلقت نفسا مرتجفا تستمر بالتفكير..

الآن لا خيار لها إلا أن تعود كما السابق معه وتثق بكلامه.. خاصة وأن ليس له سوابق في الغدر أو الخداع معها أو مع غيرها!

شعرت نورين برغبة مضنية في العودة من تلقاء نفسها والاندساس بجانبه على السرير بدون أي مقدمات كأنه

لم يحدث شيء بينهما..

هزت رأسها نافية بعنف.. سيكون من المهين لها أن تعود من تلقاء نفسها له وهي التي بدأت الأمر برمته بعد أن أسمعها كلاما جارحا ليس من السهل أن تنساه! عليه هو أن يعتذر أولا أو يصالحها..

تنهدت ببؤس ولوعة.. فهي مشتاقة له والحنين الكبير والشوق العارم بداخلها ينقضان عليها!

مرت دقائق أخرى قبل أن تزيح الغطاء من فوقها وتعتدل جالسة تحسم الصراع المحتدم في داخلها وتقرر أن تذهب إليه..

اقتربت من باب غرفة نومه وكلها رهبة..

ازدردت ريقها قبل أن تفتح الباب دون أن تطرقه..

كان الظلام الحالك يعمّ المكان لكن شعرت بتململه على السرير دليل عدم نومه!

تماسكت وتصرفت كما لو أنها لم تشعر به أو بحركته وتابعت تتقدم نحو السرير.. سحبت الغطاء ثم اندست داخله.. لم يحرك مُصعب ساكنا مكانه فلم ترى نظراته مِمَّا تفعله.. نعم هو لم يكن يعرف كيف ستكون نهاية هذا الشجار والخصام الذي حصل بينهما.. لكن أبدًا.. أبدًا.. لم يتوقع أن تعود هكذا بهذه البساطة!

بقي على حاله لدقائق قبل أن يعطيها ظهره ويسترخي مكانه.. فتجمعت الدموع في عينيها بألم بالغ.. وفتحت شفتيها تقول بصوتٍ متحشرج.. خافت

((لقد اشتقت لك.. جدًّا))

مرت ثانية.. دقيقة.. دقيقة ونصف.. ثم ضمّت شفتيها وأغمضت عينيها تمنع دموعها الحارقة من السقوط..

تقطّع قلبها على حالها فقد تمادت في إذلال نفسها والنيل من كرامتها ولم تجد منه حتى تجاوبا.. فما كان منها إلا أن ملأت رئتيها بالهواء وزفرته في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالاتها البائسة..

الآن ماذا لو فهم أن عودتها للنوم في نفس الغرفة تعني موافقتها أن يظل غامضا ويستمر في إخفاء ماضيه عنها!

كانت تغرق في جلد ذاتها على ما فعلته ندما وقهرا عندما شهقت بصدمة ما إن شعرت به يجذبها من ذراعها إلى حضنه ثم يغمرها بين ذراعيه.. يحتجزها بين ضلوعه حتى توجعت عظامها..

استنزفت آخر ذرات ذخيرة صبرها لتدفن نفسها في عنقه بقوة.. وتطبق عليه بذراعيها محتضنة إياه بشدة من فرط توقها واشتياقها له.. لكن بعد دقائق أبعد وجهه عنها يطالعها من خلال انعكاس ضوء القمر الخافت الذي يمر من خلال النافذة على وجهها.. عيناه تخترقان عينيها اللامعتين كأنه يتخذها بوابة فيعبر منها إلى عمق روحها.. ثم قال بصوتٍ أجش فيه بحة

((إيّاك أن تجافيني مجددا، مهما حدث بيننا))

اختلجت شفتاها وهي تهمس بألم

((لن أفعلها مجددا.. أبدًا))

تدفقت دموعها فسارعت تدس وجهها في عنقه، ودفء صدره يتسلل عبر الحرير لجسدها..

هدأت أنفاسها واطمأنت روحه قبل روحها من قربها فرفع يده يمسح على ظهرها.. منتشي بما تظهره من عواطف تمحي كل ليلة تلوّع فيها من حرمان أُرغم عليه..

ومضى وقت لم يجافي أحدهما النوم.. لأن نوري بقيت بين كل وقت وآخر تشدد من احتضانها له وتغمر أنفها فيه تنعم بعبير عطره العبق الممزوج برائحته الرجولية.. فتشعرها بالوطن.. بالانتماء.. وتجبر كل ما فيها على الاسترخاء.. حتى تذمر أخيرا

((اهدئي يا عفريتة، أريد النوم بعد وقوفي في المشفى في عمل استمر لأكثر من إثني عشرة ساعة))

ضحكت بخفوت وهي تحتضنه أكثر هامسة

((مُصعب.. أنا أفكر في الانتقال من غرفتي تلك.. إنها ضيقة ومزعجة وليس هناك تلفاز أو مكان لشاحن هاتفي قريب من السرير))

شعرت بضحكة خافتة تنفرج عنه فاقترحت وهي ترفع يدها تداعب ذقنه

((إذن هل أنتقل مع أمتعتي إلى هذه الغرفة!))

لم يبتسم على غنجها المتعمد بل قطب حاجبيه ثم قال بعد لحظات ادعاء للتفكير

((أدعمك في هذه الخطوة وأنصحك بهذه الغرفة بشدة))

رفعت حاجبيها تسأله بمكر محبب

((لماذا تنصحني فيها بشدة؟))

شدد من احتضانها مجيبا إياها

((إيجارها مجاني.. واسعة المساحة.. السرير في داخلها كبير ومريح.. وأهم من ذلك فيها رجل ينتظرك كل ليلة))

=============================

منزل وليد..

جلس على كرسيه الوثير يتصفح بعض الأوراق بتركيز شديد.. عيناه القاتمتان تعملان بآلية مفرطة وأنامله الممسكة بقلمه تخط بسرعة..

مدّ كفه يضع حفنة من الأوراق في إحدى الجوارير قبل أن يغادر مكتبه ويتجه نحو غرفة النوم.. فتح الباب يدلف للداخل هادرا

((كيف حالك يا كحيلة العينين؟))

لم ترد شيرين المتمددة فوق السرير بل أغمضت عينيها وأعطته ظهرها.. فرفع حاجبيه بتلاعب رغم إنهاك وجهه

((الناس ترد السلام عندما يُلقى يا كحيلة العينين! فما خطبك الآن!؟))

ردت بصوتٍ شديد الوجوم

((اغرب من أمام وجهي))

ظل يخطو حتى وصل عندها وجلس على طرف السرير من جهتها يقول وزاوية ثغره تميل بابتسامة

((ما بادرة التمرد هذه؟ لقد ظننت أن الفترة السابقة كانت كفيلة بقمعها من جذوتها!))

رفعت شيرين التي لا زالت مستلقية عينيها اللتين تطلقان الشرر عليه دون أن ترد.. فعمّ الصمت بينهما لدقائق قبل أن تطل فجأة تلك النظرة الجارفة الحارة في عينيه..

دبّ خوف أكبر فيها وهي تدرك ما الذي يريده الآن.. فهيئته بدت كأنه أسد جائع لم يأكل شيء منذ أيام بينما فريسته تجلس أمامه!

انحني برأسه يدس وجهه في تجويف عنقها يتشبع من عبقها.. ثم شعرت بشفتيه عند رقبتها هامسا بحرقة

((أنا أشتاق لقربك مجددا حد الموت يا شيرين))

أطبقت على أسنانها وأغمضت عينيها لتقول بقهر مكتوم

((إذن تصرف كأنك رجل ملتاع بالاشتياق وصاحب كلامك بأفعال يا وليد))

ظل على حالة النشوان الغارق بها وهو يسألها

((ما هي الأفعال التي تريدين مني فعلها؟))

لم تجبه وتحملت قربه خائفة من عقابه فكل ما فعله سابقا ولّد في نفسها رهبة منه.. ففكرت بأن عليها أن تسمح له أن يفعل ما يريد.. فهي على كل حال قريبة جدًّا من التحرر منه..

تصلب جسدها ثم استسلمت بوجه كانت ملامحه أبأس ما يكون وتقبلت لمساته..

لم تذرف دمعة واحدة كأن دموعها نضبت لتتحول واحة أحاسيسها الى صحراء قاحلة..

مرّ الوقت عليهما.. دقيقة أولى.. ثانية.. وثالثة..

ورغما عنها لم تقدر على التحمل أكثر فانفجرت صارخة وهي تدفعه بقوة عنها

((ابتعد.. ابتعد.. بتُ أشمئز من قربك.. تبا لك ولي لأني وافقت على الزواج منك.. أنا أكرهك))

اعتدلت جالسة على السرير وقلبها يرتفع ويهبط.. اختفت التعابير من وجهه وهو يقول

((عليك يا كحيلة العينين أن تستسلمي لي فأنتِ لن تتخلصي مني))

عصرت قبضتيها تحاول لجم غضبها الذي يتصاعد بجوفها.. عليها أن تصمت ولا ترد عليه وتستفزه.. لكنها لم تتملك نفسها وألقت كلماتها عليه بمنتهى الحقد

((بل سأفعل فزواجنا كله كان قائما على الخداع، أنتَ خدعتني ونقضت العهد الذي كان بيننا))

رد بصوتٍ هامس حار يتعمد إيلامها كما تؤلمه بكلماتها

((لن أسمح لك أن تتحرري مني قبل أن أمل منك أنا وأتوقف عن حبك.. وقتها فقط سألقيكِ كالخرقة البالية))

قرر كالعادة أن يأخذها رغما عنها مُبررا لنفسه بأنها لو تعلم بماهية أحاسيسه وعاطفته الحقيقية تجاهه ستعذره..

شعر باستمرار تصلبها فمرّ في عينيه نظرة إشفاق بدّدَ بعض الجمود والقساوة على محياه لكنه أصر على ما يريد الإقدام عليه.. فبدأ يلثمها ويبثها حبه وشوقه..

وبينما هو يرتفع في مقامات الشوق والرغبة.. كانت هي تغرق في مشاعر ذُل وعجز..

وبينما هو يطير ويحلق.. كانت هي تهوي..

أغمضت شيرين عينيها وازداد جسدها تصلبا تحت وطأة لمساته لكنها بقيت مستسلمة له.. فظل مستمرا فيما يقوم بها حتى بدأ العرق البارد يتصبب منها إلى الحد الذي التصقت منامتها القطنية بجسدها..

فتحت شيرين فمها بتأوه خافت فربط هو أنينها بنشوتها.. وأثاره الأمر ليستمر فيما يفعله أكثر..

قبل أن يتيقظ أخيرا بأن جسدها يرتجف وهذه الرجفة.. ليست طبيعية..

ازدرد ريقه عندما توقفت فجأة عن الرجفان.. وببطء اقترب إلى نبضها ليجد أنه خافت..

رفع وجهه بخوف ليرى عينيها زائغتين.. وجهها شاحب.. بشرتها شفافة.. شفتيها جافتين.. صدرها بالكاد يتحرك..

لامس بكفه وجهها ليجده باردا كالثلج..

انتفض فجأة مُفلتا إياها لتتهاوى أمامه على ظهرها وكأنما قد فارقت الحياة..

ظل يطالعها بذهول منقطع الأنفاس.. لا يعرف كيف يتصرف.. قبل أن يَهتدي ويسارع إلى رفع ساقيها على المسند.. حررها من ملابسها الضيقة وقفز إلى منضدة الزينة يأخذ زجاجة عطر ذو رائحة نفاذة قوية ورش القليل على يده التي قربها من انفها..

تململت شيرين مكانها قبل أن تشهق بخفوت وما إن لاحظت حالها حتى سارعت بضم ملابسها لها تخفي عُريها عن عينيه هامسة بيأس وعذاب

((ابتعد عني))

تراخت أعصاب وليد المُنهارة وتنفس الصعداء وهو يرى ألوان الحياة تعود لوجهها..

بيدين مرتجفتين تناول شاف الماء وسكب القليل على كفه المضمومة ثم مسحه برقة على وجهها.. عنقها.. وشعرها.. بينما هي تسترسل بهمس صوتها المرتجف

((توقف أرجوك وابتعد عني))

تنهد وليد بإنهاك ثم جلس بجانبها يبحث عن نبضها ليجد أن قوته قد عادت إليه بعض الشيء.. فأصدر نفسا مرتجفا مرتاحا..

عاودت شيرين التأوه بأنين أشد وتقول بخفوت معذب

((أرجوك ابتعد عني واتركني))

قال بصوتٍ متهدج من كمية الرعب الذي عاشه قبل قليل

((أرجوكِ أنتِ يا شيرين اهدئي والتقطي عدة أنفاس عميقة))

تجمدت نظراتها تطلع له ليعاود القول برجاء مُلّح وعينين متألمتين غارقتين بذنبه

((أرجوك تنفسي بعمق وحسب، لن افعل إلا ما تريدينه لكن تنفسي جيدا))

ظل يُصر عليها برفق مما جعلها تستجيب له وتأخذ عدة انقاس عميقة.. فتبدأ المزيد من الألوان تعود إلى وجهها مما جعله يغمض عينيه ولسانه يلهج بكلمات الحمد لله..

لكن شيرين أجهشت بالبكاء.. فأحاط بذراعيه جسدها وقربها منه هامسا بصوتٍ متحشرج مكسور

((اقسم لك من هذه اللحظة بأني لن أقربك قبل أخذ موافقتك، لكن لا تفعليها مجددا وتخيفيني عليك، قلبي لن يتحمل وستتوقف نبضاته))

تلوت شفتا شيرين المرتجفين بسخرية وكأن ما حدث قبل قليل حدث بإرادتها!

قبلها وليد بعمق على جانب رأسها قبل أن يشد من ضمها له بقوة وغضب عارم يتصاعد من أعماقه من نفسه..

عليه ألا يفعلها مجددا إذا أراد ألا يتكرر شيء كهذا مرة أخرى! لقد تعب مِمّا يفعله أكثر منها ويريد فقط زواجا طبيعيا معها!

لا ينكر بأنه هو من بدأ كل شيء بهذه الطريقة..

لكن الآن لم يعد يستهوي ما يفعله.. لم يعد راضيا عما يأخذه منها.. يريد منها خضوعا بشكل كامل غير مشروط.. يريد منها أن تصرخ باسمه عاليا وهي بين أحضانه.. يريد منها أن تبادله استعار مشاعره وعواطفه المتقدة.. سئم وملّ من تقاذف الإهانات بينهما بما يوغل من كرهها له!

شعر بها تحاول الابتعاد منه بقوة فتركها مستسلما لإرادتها وابتعادها عنه.. ازدرد ريقه عندما أعطته ظهرها وانكمشت على نفسها.. ووجد نفسه لا يستطيع البقاء بعيدا عنها أكثر فاقترب منها..

احتضنها من الخلف فأغمضت عينيها تقول بصوتٍ مستنزف

((دعني وليد.. أرجوك.. أنسيت قسمك قبل ثوانٍ؟))

قاطعها برقة يشدد من ضمها لصدره

((أريد أن أحتضنك وحسب))

ارتجف جسدها إثر ما يفعله ثم سألته بصوتٍ محتقن

((لماذا تفعل بي كل هذا؟ ألم يكفك ما اقترفته بحقي طوال السنوات الماضية؟))

أجابها بتلقائية بصوتٍ متهدج

((لأني أحبك))

سألته مختنقة العبرة

((هل تعذب أحد لمجرد أنك تحبه؟))

بلع ريقه يجيبها بتهدج ((ما حيلتي يا كحيلة العينين وحبك في قلبي يزيد يوما بعد يوم حتى أكاد أشبه المجانين.. لا تعرفين كم أفزعني طوال السنوات الماضية أن أظل أسيرا لك حتى بعد ما أخرجتك من حياتي.. كان لزاما عليّ أن أعيدك لعالمي حتى لا أفقد آخر ما تبقى من ذرات عقلي))

تنهدت شيرين نفسا كان يجيش.. وكم بدت ‏مؤلِمه جدًا تلك التنهيدة التي كتمت فيها ألمها المبرح لتقول بصوتها المختنق

((لكن أنا لا أريدك أن تعود لحياتي فهناك أمور لا تغتفر، بسببك قلبي انطفأ للأبد ولن يعود كما كان مهما حاولت أنا.. أو أنتَ..))

أكد عليها بإصرار صوته الهامس

((بل سيعود كما كان وأكثر توهجا فثقي بي.. المهم ألا تغربيني من حياتك يا وطني.. يا منفاي.. سأعترف لك أخيرا بأني كنت مشاركا في الخطأ عندما صببت اهتمامي في الماضي على فتاة غيرك وعندما انفصلت عنك.. لكن ها هو العمر أمامنا لأعوضك كما تريدين))

تجمدت ملامحها الخالية من أي معلم حياة وقست نبرتها وهي تقول

((صدقني لا شيء ستفعله قد يهدئ روحي الملتاعة بسببك، خاصة أني حتى هذه اللحظة أعاني من نتاج انتقامك المجحف بي.. إذا امتلكت القدرة على العودة إلى حياتي رغما عني فلن تملك قدرة إعادة الزمن والتراجع عن كل ما فعلته بي.. مهما فعلت ومهما قدمت فلن يكون كافيا لتغلغل السعادة والرضا التامين في داخلي..))

حاولت أن تقاومه وتحرر نفسها عنه فتراخت ذراعيه..

فجلست مكانها وهي تكمل بصوتٍ أجوف لا حياة فيه

((الآن رجاء غادر من هنا أو سأفعل أنا))

=============================

في المطبخ الواسع..

دلفت رتيل للداخل تقول باستغراب لسمية المنشغلة بتنسيق قوارير الزرع الموضوعة عند النافذة

((ألم تطلب منك الحاجة أن تتوقفي عن عملك هذا!؟))

جفلت سمية على صوت رتيل لكن سرعان ما رسمت لها ابتسامة رقيقة وهي تقول

((نعم لقد توقفت بالفعل، كنت فقط أسقي هذه الزهور))

تمتمت رتيل وهي تخرج دله

((هل تحبين أن تحتسي معي القهوة؟))

جلست سمية عند الطاولة تقول بامتنان

((شكرا لك، سأحب ذلك))

بمجرد أن أنهتها رتيل وسكبت القهوة في فنجان سمية حتى تساءلت بفضول

((إذن هل حددتم يوم عقد القران؟))

ظهر شيء من التردد على سمية وهي تجيب بخفوت

((لا ليس بعد.. بل حتى هذه اللحظة أشعر بالتردد والتشتت إذا ما كان يجب أن يتم الزواج أو لا، قلبي يريد لكن عقلي يستمر بتحذيري..))

رفعت رتيل حاجبيها وهي تسألها

((لكن لماذا؟))

هزت سمية إحدى كتفيها تقول بوهن

((أخشى أن يتكرر عند زواجي من مَالك ما حدث أثناء زواجي الأول))

هتفت رتيل باستهجان

((تخشين؟ إياكِ أن تقولي بأنك لا زلت تحبين زوجك الأول؟ الحب ليس للأول.. الحب للأفضل حتى لو كان عاشرًا))

لم تستطع سمية كتم ضحكتها على كلامها، ثم أخرجت نفسا عميقا قبل أن تقول بصراحة

((لم أقصد هذا، بل كل ما في الأمر أنا أخشى من الارتباط بشكل عام بسبب كل ما مررت به سابقا مع زوجي السابق، أنا لن أتحمل الخروج من علاقة أخرى مستنزفة ومدمرة، أخاف أن يكون مَالك رغم كل ما يبدو عليه من مثالية لا يناسبني وأظل بقية عمري أدفع ثمن اختياري))

تكدرت ملامح رتيل وانعقد حاجباها بشدة لتوبخها

((أوه.. أوه.. أوه كم أنتِ نكديه.. النكد مزروع بداخلك.. بل أنتِ مصنوعة من حب تكدير الذات.. عيشي حياتك يا امرأة بشكل صحيح، فالحياة لا تجري بهذا الشكل البائس.. وحذرك وخوفك حتى لو كان مبررا فهو سيفقد حياتك لونها.. على الإنسان أن يستمتع ويغامر ويجرب ويحب قبل أن يمضي العمر ولا يبقى منه شيء))

ثم تمتمت رتيل بخفوت وامتعاض

((سيكون مَالك مرضي الوالدين لو لم يتزوج منك فأنتِ تفكرين وتتصرفين كعجوز متشائمة على حافة القبر وستنغصين عليه حياته))

اعترفت سمية مستسلمة

((معك حق))

زمّت رتيل شفتيها ثم قالت متسائلة بعد لحظات

((سمية.. أخبريني.. أنتِ تحبين مَالك.. صحيح؟))

رفعت سمية عينيها باستغراب لها ثم شردت بهما بتفكير قبل أن تقول بعفوية

((الحقيقة.. ومنذ سنوات طويلة أحس معه بالحماية والأمان.. أراه رجلًا متحمّلًا للمسؤوليّة.. حنونٌ جدًّا مع يزيد.. كاملَ الرجولة..))

كانت سمية أثناء تعدادها صفات مَالك تبتسم دون أن تعي على نفسها فقالت رتيل تبادلها نفس الابتسامة مؤكدة

((لو سألتني مِن البداية كنت لأقول لك اتبعي قلبك وتزوجي منه دون أي تردد))

تصاعد رنين وصول رسالة لسمية تقاطع حديثهما فانتشلت هاتفها لتطالع الرسالة دون أن تشعر برتيل التي أسرعت تقف بجانبها وتناظر محتواها..

كانت الرسالة من مَالك

"لماذا لم تتواصلي معي اليوم؟ توقفي عن وضع تلك الحواجز بيننا لأنني رغم كل شيء تفعلينه أزيد تعلقا بك يوما بعد يوم.. لن أقول أكثر من هذا.. فموعد عقد القران قريب وأنا أدخر كل شيء له"

لكزت رتيل سمية تقول بحنق ممزوج بالغبطة

((حاذري يا سمية أن تتسع تلك الابتسامة على وجهك أكثر ولا يغرنك كلامه، فالرجل بطبعه يبدع في التودد للمرأة التي يريد الزواج منها بكل الطرق والأساليب المتاحة أمامه.. حتى يتزوج منها ويضمن وجودها فيبدأ في إهمالها والانشغال عنها بأمور أخرى))

اتسعت عينا سمية بلا فهم لتؤكد رتيل

((صحيح زوجي لم يحاول التودد لي قبل أو بعد الزواج، لكن أنا أعرف ذلك، هكذا هم معظم الرجال يحبون المٌتمنعات، ولا يسيئون إلا لمن يضمنون بقائها وحبها))

تنهدت سمية لما سمعته وهي تميل بوجهها مفكرة..

لم تستطع أن تنكر كلامها.. فالجميع في البدايات يَهتمون.. يَسألون.. يُهاتفون دون انقطاع..

لكن بعد الزواج وضمان البقاء تبدأ الحرارة بالتناقص.. والشغف بـالزَوّال.. والحجج بالامتثال..

قالت رتيل منتشله إياها من شرودها

((على كل حال أنا سأذهب لأتجهز للمغادرة لزيارة أمي سأبيت عندها يومين.. نجوم ستهتم بفهد وبَاسم لكن دعي يزيد يقضي وقته معهم))

قطبت سمية حاجبيها متسائلة باستغراب

((هل ستذهبين اليوم عند والدتك أيضًا!؟ أنتِ تذهبين عندها وتبيتين هناك كل نهاية أسبوع تقريبا!؟))

انفعلت عليها رتيل تقول

((نعم لأني بارة بأمي لطالما كنت كذلك))

هزت سمية رأسها بحيرة أما رتيل فغادرت المطبخ نحو مجلس النساء عند حماتها لترى إذا ما كان عندها أي زائرات..

طرقت الباب بهدوء ثم دلفت للداخل لتضيق عينيها وهي تتمعن بوجه المرأة الجالسة بجانب حماتها رغم أنها كانت منكسة الرأس بينما تضم كلتا يديها في حجرها بارتباك.. فتقدمت للداخل بخطوات بطيئة ثم خمّنت بحذر

((أنتِ.. أنتِ هي..))

رفعت شيرين وجهها وخضرة عينيها تتوهج لتؤكد بثبات

((أنا شيرين.. زوجة وليد الكانز ومن ستكون طليقته قريبا))

جحظت عينا رتيل لما سمعته في حين تنحنحت الحاجة زاهية مكانها وقد طفح التوتر على ملامحها الممتعضة..

لتأمر لرتيل بشيء من الارتباك

((ابنتي اذهبي ونادي الحاج، إنها تريده في أمر ما))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...