الفصل 6 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس 6 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
17
كلمة
10,135
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

في النادي.. حيث تجلس سهر مع والديها حول طاولة دائرية يتناولون إحدى الوجبات الخفيفة..

خرج صوت تمارا حانقًا مستاءً

((ها قد جاء خطيبك المبجل يا سهر))

رفعت سهر وجهها وما إن رأت الرجل القادم حتى استقامت واقفة تقول له بلهفة وحرارة

((مرحبًا يا قصي.. لقد تأخرت))

بادلها قصي ابتسامته الجذابة قائلًا وهو ينظر لها ثم لوالديها

((مرحبًا يا سهر، مرحبًا يا حمايّ الحبيبين، كيف حالكما؟))

أومأ والد سهر بكلمات الحمد لقصي مبتسمًا في حين تمتمت تمارا من بين أسنانها المطبقة

((مرحبا يا صهري العزيز، لم أراك منذ آخر مرة كنا نتحدث بشأن تحديد حفل زفافكما))

اجتاح التوتر على وجه قصي، ككل مرة تلح تمارا بتعجيله للزواج.. إلا أنه قال بابتسامة مرتبكة مجاملة تواري تذبذب صوته

((نعم صحيح، أنا انشغلت قليلًا في عملي بشركة عائلتي، ولكن أعدك أن أعوض عن هذا التقصير))

كانت سهر تحدق بأمها بصدمة من طريقة كلامها مع خطيبها بهذه الطريقة المهينة.. إلا أنها حاولت أن تحكم سيطرتها على الموقف ورسمت ابتسامة تخفف من وطأة كلمات أمها الجلفة.. لتعقب في حرج وهي تشير للمقعد الفارغ بجانبها

((اجلس هنا يا قصي))

نظر قصي لوالديها يسأل بتهذيب بعد لحظات تردد

((سأحب أن اجلس هنا ولكن هل يمكن أن أسرق سهر منكما لدقائق قليلة؟))

ساد صمت مطبق بينهم وتمارا ترشق قصي بنظرات طويلة عدوانية قبل أن تجيبه مستمرة باستفزازه

((اجلسا حول تلك الطاولة أمامنا، كما تعلم حتى لو تم عقد قرانكما فلا يعني أن تأخذا راحتكما وكأنكما متزوجين!))

اضطربت ملامح قصي بمزيد من التوتر إلا أنه قال مبتسما بامتنان يغلفه الحرج

((شكرًا لكِ يا حماتي الجميلة))

تقدم قصي نحو احدى الطاولات أمام طاولة والديّ سهر.. ثم أزاح بلباقة كرسي لسهر لتجلس عليه وجلس هو مقابلها..

كانت سهر تشعر بإحراج بالغ يلفها من كلام وتصرفات أمها مع خطيبها أكثر منه.. إذ أن أمها لم تعد أبدًا تعامله بألفة وتودد كما كانت تفعل في بداية خطبتهما عندما كانت لا تفكر بشيء إلا استمالته واسترضائه!

تنهد قصي جالسًا وشبّك كفيه ببعضهما فوق الطاولة وهو يتساءل باهتمام

((كيف حالك يا باربي؟ وكيف حال صحة والدك؟))

تململت سهر في مكانها ثم أسندت رأسها بكفها وهي تجيبه منتشيه ببهجة

((بألف خير، وأبي حالته بحمد الله حالته مستقرة هذه الأيام.. وأنت؟))

غمغم قصي بكلمات الحمد سعيدًا للنظر لخطيبته التي يشبه وجهها شكل لعبة "الباربي" ثم طلب لها كأس عصير وله فنجان قهوة.. ثرثرا وتجاذبا الحديث في مواضيع عامة قبل أن تقول له من بين حديثها وهي تقلب الثلج في كوب العصير

((اليوم سأزور صديقتي لأرى مكتبها الجديد، والديّ سيوصلانني لهناك لأجلس عندها لمدة قصيرة))

عند ذكر سهر سيرة صديقتها رفع قصي وجهه لها متجهمًا عاقدًا حاجبيه قبل أن يصدر عنه تأوه مندهش

((أوه فعلًا؟ تلك صديقتك المفضلة.. ذكريني ما اسمها؟))

خرج سؤاله في أخر الجملة بلامبالاة ظاهرية تخفي ترقبه للإجابة لتخبره اسمها ((شيري أعني شيرين))

ظهر تمثيل قصي فاشلًا تمامًا وهو يبدي الذهول بينما يقول متظاهرًا بأنه تذكرها الآن

((أوه نعم شيرين تلك.. نعم.. تذكرت.. المهم قولي لي مجددا ما هو اسم الشركة التي تعمل فيها؟))

هزت كتفها وهي تجيبه بعفوية

((تعمل في شركة القاني بالفرع الثاني القابع في مدينتنا.. لقد ترقت لمرتبة مشرف.. هل سمعت باسم الشركة سابقًا؟))

رفع حاجبيه وهو يتابع حديثه الفضولي بصوتٍ خالٍ من أي حماس

((أوه نعم بالتأكيد، هل انتقلت حديثًا للشركة في هذا المنصب؟))

((لا هي تعمل في شركة القاني من بداية تأسيس هذا الفرع هنا.. لكن انتقلت إلى القسم الآخر فقط مؤخرًا بعد أن حصلت على ترقيات متتالية))

ارتعاشه طفيفة لم يظهرها سرت في جسده مما سمعه.. وأنكس نظره الشارد بإماءة من رأسه متمتمًا بصوتٍ يكسوه القلق

((مبارك لها المنصب، لا بد أنها تستحقه))

واستمر في شروده عابسًا وكأنه يفكر بحل معضلة ما.. فشيرين تعمل في نفس شركة القاني معه.. هو لم يسبق وأن رآها في الشركة لأنها كانت تعمل في مبنى وقسم آخر، لكن ها قد تأكد من أنه تم نقلها كمشرفة للقسم الذي يعمل هو به!

ازدرد قصي غصة مسننة ومزيد من القلق يكتسحه.. عليه أن يكون أكثر حذرًا قدر الإمكان حتى لا تعرف أنه خطيب سهر.. وإلا سيتم كشفه حقيقته بسهولة! إنه يجاهد منذ انتقال شيرين للمكوث في منزل عائلة سهر ألا يتواصل أو يزور سهر.. لكنه متوقع تماما في أي لحظة أن تنكشف حقيقته مهما بذل جهده في إخفاء الأمر!

لم تنتبه سهر على القلق الجلي في وجه خطيبها وهي منتشيه بالحماس بينما تتحدث عن شيرين

((نعم هي تستحقه حقًا، فقد بدأت عملها في شركة القاني قبل سنوات كموظفة خدمة عملاء على إحدى مشاريع الاتصالات، وبعد مرور وقت من التحاقها بكوادر الشركة وبناءً على مؤشرات الأداء الفعلية خلال تلك الفترة تم ترقيتها درجة ثم درجة إلى أن وصلت لموقعها الحالي كمشرفة لقسم ما))

عاد قصي مجددًا يتغنى بها دون أن يظهر شيئا من حالة القلق التي يعيشها

((أوه فعلًا؟ إنها إنسانة مجدة ورائعة!))

((وشركة القاني التي تعمل بها رائعة فهي تقوم بإتاحة الفرص للكوادر الداخلية للتقديم على الوظائف العليا الشاغرة في جميع الأقسام بلا استثناء بناءً على الجهود المبذولة من قبل الموظفين))

احتسي قصي من القهوة التي صنعتها الماكينة بتلذذ ثم قال متهكمًا

((أول مرة أجد أحد يمتدح هذه الشركة))

عقدت سهر حاجبيها معقبة

((لماذا؟ شركة القاني تخدم شريحة واسعة من أبناء الوطن بامتلاكها فرعين وتساعد على توظيف وتدريب ما يزيد عن ألف موظف))

همهم قصي لها بشبه موافقة لتستطرد سهر بعبوس وهي تزم شفتيها

((ليتني كنت إنسانة مثابرة وناجحة مثل شيرين، لكن أنا لا أماثلها حتى بالنصف))

رشقها قصي بنظرات مرحة عرف من خلالها أنها تقصد بكلامها أن يغرقها بالإطراء وينفي كلامها.. فعقّب على كلماتها مستنكرًا

((لماذا تتحدثين عن نفسك بهذا الشكل؟ وهل هي أفضل منكِ بشيء حتى لا تضاهيها روعة؟))

تنهدت سهر وهي تسند ظهرها للكرسي ثم قالت بدلال وعبوس

((الكثير يا قصي يخبرونني بأني إنسانة تافهة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مما ينبغي وهذا يُنفِّر الناس من شخصيتي ويغطي على جمالي))

صدر من قصي صوت خشن مستنكر وهو يميل لها

((على العكــــــــــس.. أنتِ جميلة كباربي وشخصيتك أجمل))

كلامه جعل ابتسامتها تتسع فقالت مغترة بدلال

((هل حقًا شخصيتي جميلة بنظرك؟ لأنني أسمع البعض يقول بأني إنسانة تافهة ومستعرضة؟))

أومأ نافيًا ثم تشدق ببساطة يناغشها متلذذا بحمرة خديها

((لا أبدًا.. وحتى لو كنتِ كذلك فهذا ليس مهم.. من السهل أن تغيري شخصيتك، أما الوجه فلا مساحيق الزينة ولا عيادات التجميل قادرة على تغييره ليماثل جمَالك وحُسنك أنتِ))

ضحكت سهر بخفوت على كلامه وهي تنظر له بحب متدفق وشعرت بأنها لا تريد إلا أن تبقى معه، فقد أفسدها بحبه ودلاله بطريقة تجعلها لا تكاد تتخيل حياتها بدونه.. فلا يدع شركة عائلته التي يتسلم إدارتها ولا شيء آخر يشغله عن الاهتمام بها.. وكأنها هي فقط محور حياته وكل ما يهمه في هذا العالم..

صدح رنين هاتفه ليخرجه قصي متمتمًا

((لا بد أنه مدير أعمالي، سأرد عليه))

فتح الخط وهو يدير ظهره للجهة الأخرى بمنأى عنها ثم أخفض صوته يجيب بنبرة توهم من يسمعه أنه رجل ذو شأن ومكانة..

عقب انتهائه من المكالمة استدار نحو سهر يغمغم وهو يعيد الهاتف لجيب قميصه

((أنا بحاجة للرحيل الآن فلدي عمل))

أخرج بقشيش يضعه داخل القائمة ثم اعتدل واقفًا وهو يسمع سهر تقول

((إذن أنا سأغادر الآن مع والدي حتى يوصلاني لشركة شيرين.. إلى اللقاء))

=============================

جلست سهر على إحدى الكراسي الموضوعة أمام مكتب شيرين التي سألتها مبتهجة وهي تراها تنظر في أرجاء الغرفة بينما تحبس أنفاسها بانبهار

((هذا هو مكتبي الجديد في مبنى القسم الذي تم نقلي له.. ما رأيك به يا سهر الليالي؟))

التفتت سهر لها تقول بحفاوة وإعجاب

((رائع.. مذهل يا شيري))

جلست شيرين خلف مكتبها منفرجة الأسارير.. ففرحة ترقيها لا تزال تملؤها.. ورغم أن تخصصها الجامعي في المحاماة لا يمت أي صلة من قريب أو بعيد لمجال ونوع عملها في الفرع الثاني لشركة القاني التي تدير واحدًا من أكبر مراكز الاتصال في المنطقة منذ سنوات طويلة.. إلا إنها استطاعت أن تحصل على هذه الترقية بعملها المجد والتزامها وعلاقتها الطيبة مع باقي زملائها..

تراخت في جلستها ثم قالت بابتسامتها المشعة وصوتها المفعم بالحماس

((العلاوة التي أضيفت لراتبي مع هذه الترقية هي المذهلة بحق يا سهر الليالي))

رفعت سهر حاجبيها وهي تقول بنبرة تسلية

((من حقك أن تشعري بالفخر وقد ترقيتِ لرتبة مشرفة يا شيري، كان علينا أن نحتفل بمثل هذا المنصب بشكل أفضل))

تلألأت ملامح شيرين بالفخر ولأول مرة تكون كذلك، فقد كانت الأجدر بهذا المنصب ومنذ زمن.. لكن مدير الموقع السابق كان عائقًا في ترقيتها لأنه كان خائفًا أن يأتي اليوم الذي تأخذ منصبه وبالتالي كان عليه أن يحيط نفسه بمجموعة من المديرين الفاشلين مثله ممن لا يملكون أدنى فكرة عما يحدث حولهم لكن يخافون بدورهم على مناصبهم.. لكن ها قد ذهب وجاء مدير موقع غيره ورأى بأنها صاحبة أفضل مهارات وخبرة لتكون في موقعها كمشرفة هنا..

اعتدلت شيرين في جلستها وبدأت تعود للنظر في الحاسوب أمامها بينما تسترسل بعجلة

((حسنًا يا سهر سأعود لعملي الآن بما أنه قد انتهت فترة راحة الغداء بالفعل ويمكنك المغادرة))

حملت سهر حقيبتها واستقامت واقفة قبل أن تنظر باستغراب هي وشيرين عندما تناهى إلى سمعهما صوت رجولي مألوف

((هل جئت بوقت مناسب إذا كانت قد انتهت فترة راحتك؟))

تمتمت شيرين بصوت باهت وعينيها تتشرب هيئة الرجل الذي يلج متقدمًا مرتديًا حلة داكنة ((وليد!))

ابتسم وليد وقال بصوت رائق مبحوح

((نعم يا كحيلة العينين))

زعقت سهر به بغلٍ وانفعال

((اخرس والا ألقت تهمة التحرش اللفظي بك، واحتجت إلى محامي ليخرجك من السجن أيها المحامي الأخرق))

اتسعت عينا شيرين وهي تردع صديقتها بصوتٍ خافت

((سهر اخفضي صوتك، أنتما في مكاني بالعمل ومكتبي مفتوح))

غمغمت سهر من بين أسنانها

((ولكن يا شيري..))

رجتها شيرين هامسة بقلق

((أرجوكِ يا سهر غادري.. أستطيع تدبر أمري وحدي، ولكن لا أستطيع المخاطرة وإثارة أي صوت أو أي جلبة هنا))

التفتت سهر تنظر لوليد تزم شفتيها بغضب حقيقي قبل أن توجه لنظراته المستمتعة كلماتها المهددة

((حسنًا سأغادر المكان، وأنت الأخر إياك أن تطيل هنا وتسبب المشاكل لها))

اكتفى وليد أن يحافظ على ابتسامته التي تزيد من جاذبيته الرجولية الفارضة لحضورها الطاغي بينما يرى سهر ترحل من المكتب بخطوات عنيفة..

نظر للجهة الأخرى لشيرين التي تسدد نظراتها المشتعلة لحدقتيه مباشرة فكبّلها بأغلال نظراته.. لتندلع في الأجواء نيران ذكريات الماضي بينهما لم يخمدها إلا صوته قائلًا بتسلية

((صديقتك سهر إنسانه لطيفة))

لم تعلق على كلامه الساخر إنما رمقته بنظرات محتقرة.. مما جعله يتقدم أكثر ليجلس على إحدى الكراسي أمام طاولة مكتبها ويجلس واضعًا ساقًا فوق أخرى هادرًا

((في البداية.. مبارك الترقية في عملك))

اخترقت رائحة عطره الرجولي النفاذ مسامات أنفها وشعرت بشيء من التأثير إلا أنها تمَالكت نفسها وردت عليه ببرود

((بدون مقدمات أخبرني لماذا جئت.. الم أُعلِمك أني أريد أن يكون كل تعاملك مع المحامي الخاص بي؟ هل تريد أن أقاضيك لمجيئك لمكان عملي؟ لا أتهاون بأي شيء يمس سمعتي أو عملي))

رفع حاجبيه وهو يقول لها باستمتاع

((يبدو أن زياتي أزعجتك))

ردت عليه على الفور

((نعم كثيرًا))

صمت قليلًا وشبك أنامل يديه ببعضها ثم قال بهدوء يكتنفه

((ألا خطط مستقبلية لكِ في العمل بالمحاماة المجال الذي قمت بدراسته في الجامعة؟))

((لا.. فكل ما يتعلق بالمحاماة وما درسته في الجامعة نسيته كليًّا بعد مرور أكثر من عِقد على تخرجي.. ولا أفكر إلا أن أبقى موظفة هنا في شركة القاني.. فيها أمان وظيفي وتأمين صحي وضمان اجتماعي وعلاوات.. ماذا أريد أكثر؟))

همهم لها وليد وهو يومئ برأسه بتسلية.. فطالعته بعينيها الكحيلتين وجعلت أطراف رموشها تغطي جزء من نظرتها وهي تقول

((هل من المنطقي أن تحرض موكليك ليعاودوا رفع تلك القضية عليّ مجددا ويطالبوني فيها بدفع مبالغ طائلة من أجل عملية قد يحتاج ولدهم أن يقوم بها خلال العشر سنوات القادمة؟))

ضحك وليد لملامح الامتعاض على وجهها وقال متهكمًا

((لقد اصطدمت بابنهم ومن حقهم أن يحصلوا على كل التعويضات اللازمة ليضمنوا عودة ابنهم كالسابق بلا أي خدش))

تغضنت ملامحها وانعقد حاجبيها لتهتف بغضب

((هذا عندما يكون الخطأ كليًّا يقع على عاتقي لا على ابنهم.. فقد كنت استخدم حقي في الطريق استخدامًا مشروعًا ولم أقع في أي تقصير أو مخالفة تُحمِّلني جزءً من المسؤولية في حادث الدهس))

قال وليد بابتسامة متلاعبة

((صحيح معكِ حق.. لكن أنتِ تعرفين يا كحيلة العينين حسب قانون السير المعمول به في بلادنا فإن السائق يتحمل دائمًا مسؤولية وقوع حوادث السير بشتى أنواعها عندما تكون مركبته طرفًا في هذه الحوادث))

ردت بعصبية حانقة

((نعم أعرف، وربما هذا ما جعل بعض الأشخاص يستغلون هذا القانون بافتعال حوادث مصطنعة))

قال لها وليد ببساطة مستفزة

((ولكن موكليّ على حسب رؤيتي فهم ليسوا من الممتهنين لهذه المهنة.. كل ما في الأمر أن ولدهم كان يركض بالشارع بتهور واصطدم بسيارتك أنتِ دون غيرك.. لسوء حظك.. وعائلته قررت أن تستغل ما حدث لاستنزافك حتى آخر رمق فيكِ وحتى يحصلوا على تأمين دهسه من شركة التأمين))

تهاوى التحدي عن ملامحها وأخفضت وجهها ثم غمغمت بصوتٍ واهن متألم ظلمًا

((قانون مجحف، فلماذا لا يتحمل المشاة مسؤولية كاملة كما السائق عندما لا يلتزمون بقانون المشاة المتعلق باستخدام الأماكن المخصصة لهم؟))

اخذ وليد نفسًا من بين شفتيه مفكرًا قبل أن يقول

((أتفهم معاناتك فهنا يتم التعامل بنص القانون لا بروحه))

أدار وليد عينيه في الأجواء قبل أن يقول عارضًا بنبرة ذات مغزى

((هل تريدين أن تشكي لي عن الظلم الذي تشعرين به إزاء القضايا المرفوعة عليكِ كصديق.. بعيدًا عن كوني محامي خصومك؟))

رفعت شيرين وجهها عند عرضه هذا وتصلبت ملامحها واشتدت نظراتها حتى بدت كصقر جارح وهي تقول

((في الشكوى مذلة، وأنا نبض خافقي كبرياء))

ثم أعقبت كلامها آمرة

((والآن أكرمني برحيلك، ولو سمحت فليكن كل حديثك بشأن القضية مع محاميّ الخاص.. فأنا لم أعد شيرين القديمة التي كنت تظهر في حياتها من حين لآخر فقط لتظهر جبروتك وبأنك قادر على كسرها وذلها!))

رفع حاجبه ليقول مبتسما بنبرة جليدية مستفزة

((لقد كنت انتقم منكِ لخيانتك! كنت عاشق مطعون بكرامته وحبه.. تخبطي جعلني أفعل أي شيء في سبيل وقف نزيف قلبي.. حتى لو كان إضرام النار فيكِ))

ارتعش شيء في داخل شيرين.. وذاكرتها تعود لذلك اليوم الذي كانت تحلم فيه بالزفاف كأي فتاة، وتكوين أسرة هي سيدتها مع من اختارته واختارها شريكة لحياته.. قبل أن تصل تلك الرسائل لوليد ولعائلته..

فقالت بصوتٍ قاسي رغم تحشرج صوتها

((وما فعلته بي كان أنكى من حرقي حية يا وليد بتركي في يوم زفافنا والزواج من امرأة أخرى أمام كل من كان من المفترض أن يحضر زفافك بي!))

ثم استرسلت كلامها باختناق

((يا ليتك اكتفيت بذلك، لكنك حرصت على أن تشوه سمعتي وأخلاقي أمام كل من في القرية ونشر تلك الرسائل وخصوصياتي.. رغم أن ما فعلته لم يكن خيانة إلا من وجه نظرك وحدك.. أمّا من وجهة نظري لا.. فقد كتبت رسائل الحب لشخص غيرك في وقت كنت اعتبر نفسي منفصلة عنك!))

قال وليد لها بصلابة وثبات

((لقد انتهى وقت العتاب والحديث في موضوع مرّ عليه سنوات طويلة، فكما سبق وقلت سأعود لكِ عندما يشفى قلبي مما فعلتيه بي.. وأظن بأن هذا الوقت أتى))

ظلت مشدوهة النظر له للحظات! هل يظن أنه يمكنه أن يعود بهذه البساطة بعد أن دمر حياتها حرفيًا؟ هل يظن بأنها يمكن أن تنسى وبكل بساطة ما عانته من آلام وأوجاع نفسيه عندما تركها في نفس اليوم المقرر لزفافهما في ظل ظلم كل من في القرية لها؟ ألا يعرف بأنها آنذاك ظلت حبيسة منزلها لأشهر طويلة بمعزل عن البشر بسبب المضايقات الاجتماعية التي تعرضت لها ولتجنب أي كلمات أو مواقف تقلل منها وتنال من سمعتها فما نالته منه وتسبب بنظرة سوداوية تجاهها، وقلل من فرص زواجها مرة أخرى.. بل وما قد تسبب لها بصدمة نفسية عندما أعلن زواجه بنفس اليوم من أخرى غيرها.. وبسبب هذا وتزامنًا مع وفاة والدتها من المرض والحزن عليها، قرر والدها الرحيل من القرية والانتقال لمكان آخر في المدينة بلا أي أملاك أو أموال تاركًا منجرته ومصدر رزقه الوحيد هناك! وكل هذا فقط ليرضى وليد بانتقامه ورد كرامته المزعومة منها!

لم تجد شيرين إلا أن تتمتم متسائلة بنبرة ساخرة مريرة كالحنظل

((ماذا! نعود؟ هل أنتَ مجنون؟))

تغضن جبينه وقال بجفاء

((نعم مجنون أنا لأقرر العودة لكِ بعد خيانتك لي، ولكني أدركت بعد مرور كل هذه السنوات بأن حكاية قلبي لن تنتهي معكِ، ولن أشفى أبدًا منكِ، لذا يكفي انتقاما ولنعد لبعضنا))

لا تعرف شيرين كيف ضحكت بتوتر ضحكة مبتورة قبل أن تقول ساخرة

((أنتَ مجنون يا وليد لظنك بأنك قد تفلت بكل الإجرام الذي فعلته بحقي ثم تطالبني بكل بساطة أن أعود لك وبدون أي نقاش.. لأن هذا لن يحدث.. على جثتي فقط))

هدر لها بجمود

((اعرف أن كلامك يعكس جرحك العميق لما قمت به معكِ.. لكن أذيتك كانت الطريقة الوحيدة لتشفى كرامتي وقلبي على حدٍ سواء وأعود لأتقبلك مجددًا في حياتي وزوجة لي.. الآن أنا لا أطلب الكثير.. أريد منّا فقط العودة لخط سيرنا الصحيح في الحياة، للطريق الذي أضعناه في وقتٍ ما من عمرنا دون أن نشعر))

سألته وهي تضع عينيها في عينيه

((وكيف ستقبل كرامتك أن تتزوجني أمام نفس الأشخاص الذين شهدوا الفضيحة المدوّية بي؟))

وضع يديه على المكتب ومال برأسه منها يقول

((أنا لم أفضح شيء مما حدث.. كل ما قيل سببه فقط إلغاء زفافنا المفاجئ بنفس اليوم المفترض أن يُعقد فيه، وكل تلك الألسن ستخرس عندما أعود لكِ.. أنا سبيلك الوحيد لتُرَد لكِ كرامتك المهدورة وتعودي للقرية مرفوعة الرأس لأنهم سيعرفون بأني لم أعد لكِ إلا بعد أن تأكدت كذب ما أُشيع عنكِ))

داعبت شبه ابتسامة وجهها وهي تقول

((ومن قال لك بأني اهتم بما يحاكى عني وعن سمعتي في القرية؟ كل ما بيننا الآن هو تلك القضية))

قال لها بفظاظة بصوته البغيض على قلبها

((تعرفين يا شيرين بأن آخر ما أفكر به هو رضاكِ على العودة رغم أن وجودها سيكون أفضل، خاصة وأنتِ تعرفين أنه لا خيار أمامك بهذه الظروف التي تعيشينها إلا أن تخضعي لي))

فارت الدماء في عروقها وهي تتلمس التقليل منها في كلامه.. فردعته بصوت مختنق وهي تشدد على كلماتها

((ليس لي رد لك إلا "على جثتي أن يحدث ذلك يا وليد".. أُفضِّل أن أبقى وحيدة على أن يربطني شيء بك))

صوتها المنخفض ونبرتها المجروحة أشعرته بألمها الكامن في داخلها إلا أنه ظل على جبروته وهو يسألها

((ألم تنكسري بعد يا شيرين بعد مرور كل هذه السنين؟ هل حقا تفضلين أن ينتهي الحالي بك كعجوز وحيدة بلا ولد ولا سند ولا أقارب باستثناء أخوالك الذين لا يزالون يعيشون في القرية ولا يعرفون عنكِ شيئًا! عمرك يا شيرين لا يسعفك أن تتحدي وتماطلي في شيء سيحدث رغمًا عنكِ عاجلًا وآجلًا))

منحت شيرين نفسها لحظة واحدة تمتص فيها تلك الإهانة في سخريته قبل أن تقول بصوتٍ ناعم جميل تستفزه رافضة أن تشعره انكسارها

((ولكن أنا بالفعل سأتزوج قريبًا، لذا يبدو منظرك بكل صدق الآن أحمقًا وأنت تظن أن لك القدرة أو السلطة في حياتي وقرارتي بعدما فعلته بي!))

عقد حاجبيه يسألها على الفور بعدوانية

((ماذا تقصدين؟))

نظراته المظلمة أسرت روحها وفي ذات الوقت أشعرتها بالتشفي.. مجرد حديثها عن زواجها أمامه قلب حاله لهذا الحد.. فكيف عندما يراها متزوجة من رجل غيره.. ويعرف هوية من ستتزوج به! أنهت شيرين تخيلاتها السادية بحقه وشمخت بذقنها ثم قالت بصوتٍ صلب كالصخور

((يفصلني وقت قصير قبل أن أكون متزوجة بالفعل من رجل آخر رائع..))

داعبت تلك الابتسامة الواثقة ثغره وهو يقول بصوتٍ مسيطر

((أنا أحيط بالفعل يا شيرين بحياتك من كل الجوانب، ولو كان هناك أي رجل في حياتك أو حاول التقدم لكِ لم أكن لأجد صعوبة في المعرفة.. فتوقفي عن إغاظتي وادعاء الكذب))

لذة بالتشفي غمرتها أكثر مما سبق وهي تقول مؤكدة

((أنا لا أدّعي، هناك رجل بالفعل تقدم لي وأنا وافقت وسنتزوج قريبًا))

اندلعت النيران في حدقتيه وهو يقوم من مكانه ويقترب منها مشرفًا عليها بطوله المهيب فتضطر أن ترفع رأسها كي تواجهه وهو يقول محافظًا على ابتسامته اللعينة

((هل وافقتِ عليه حقًا؟ ظنًا منكِ أنكِ تنتقمين مني بهذه الطريقة؟))

انتشى قلبها بل ضحكت وشعت عيناها برضا انتقامي

((يبدو أني أخذتك الآن على محمل الجد إلى حد بدأت أن تظن أن كل صغيرة وكبيرة سأفعلها أو أقولها أنتَ المقصود بها.. على رسلك يا وليد، حياتي لا تتمحور عليك، لقد تلاشيت واختفيت من عالمي منذ زمن طويل))

خلخل خصلات شعره بأصابعه بتوتر ليقول بابتسامة يكبح من خلالها غضبه الذي على وشك الاندلاع

((من هذا الذي تجرأ على طلب يدك؟ ومِن مَن قام بطلب يدك إذا كان المتبقي من عائلتك هم أخوالك الذين لا يزالون يعيشون في القرية؟))

بعينين ضبابيتين راقبت هيجان غضبه وأجابتها بهدوء أثار حفيظته

((ليس لكَ أي علاقة بأي تفاصيل أخرى))

بينما بدت عيناه في هذه اللحظة مظلمتان.. لا بل مجرمتان ككل حرف نطق به صارخا بهياج وهو يصفع كفيه فوق مكتبها

((قلت لكِ أخبريني من، من هذا الذي يجرؤ على الاقتراب من المرأة التي أريدها))

اهتزت حدقتيها وارتعش جسدها وهي تنظر من خلال الباب المفتوح والفاصل الزجاجي برعب خوفًا من أن يتجمع أحد..

عليها ألا تستفزه أو تسمح له بأن ينفعل فهو أكثر من قادر على التسبب بفضيحة مدوية لها الآن قد تؤثر على عملها هنا.. عليها أن تكون أكثر حذرًا.. لم يمضِ الكثير على ترقيتها الجديدة وكل من حولها يتبرص على فرصة ليثبت أنها ليست جديرة بها..

وجهت شيرين نظرها له وبحثت عن صوتها في مكان ما بحنجرتها لتستدعيه وتقول راجية بخفوت

((اهدأ.. أرجوك اهدأ.. الباب مفتوح وصوتك عالي))

لم يخفض من نبرته وهو يزعق بغضب مستعر بينما يدور حول المكتب ليقترب منها

((لا لن أفعل عندما أعلم أن هناك رجل آخر تجرأ على الاقتراب من ممتلكاتي))

هاجمته شيرين من مكانها بحقد تغلغل بداخلها بقسوة وهي جالسة فوق الكرسي بأسلوب باهت لا مفعول له

((أنا لست من ممتلكاتك ولست حق مكتسب لك))

اهتزت حدقتيه وهو ينحني برأسه ببطء مغمغما

((بل أنتِ كذلك.. وإذا كنت في الماضي تركتك بملء إرادتي فأنا الآن قررت بأن ينتهي كل هذا ونعود لبعضنا))

لم يكن أمامها إلا أن تتحامل على آلام الماضي وسياط كلامه بصبر قبل أن تأخذه على محمل عقله وتقول بصوتٍ سقيم

((اخرج أيها الهمجي، لقد كنت اختلق ما قلته سابقًا.. أساسًا من سيقبل الزواج بي بعد ما شوهت سمعتي بفعلتك!))

تراجع وليد للخلف وهو لا يزال يطالعها بعينيه محافظًا على قسوة تعابيرها حتى قرر أن يقول بصوتٍ سادي مميت

((اعرف ذلك وهذا ما يجعلني أمرر كذبك الآن، لكن إياكِ أن تفكري حتى مجرد تفكير بالأمر يا شيرين))

رمى ما في جعبته ثم غادر المكان كله تاركًا إياها مكانها والخوف يسكنها مما قد يفعله..

أغمضت عينيها تهدئ أنفاسها المتزايدة.. عليها أن تُعجِّل في زواجها قبل أن يعلم وليد به ويفسده.. لن تطلع أحد على زواجها قبل أن يتم إلا قلة قليلة!

=============================

بمجرد أن شعرت زاهية التي كانت جالسة في حديقة منزلهم بين الزرع والمساحات الخضراء وقع أقدام تقترب منها حتى التفتت لتقول بابتسامة

((كيف حالك يا مُصعب؟ هل عدت الآن؟ عافاك الله))

ابتسم لها لتعود وتدعو ابنها بحنان

((ما رأيك أن تصعد لتغتسل ريثما أخبرهم أن يجهزوا لك الآن الطعام وتأكل هنا معي؟ لقد أكلنا على الغداء..))

قاطعها في هدوء وهو يضع يديه في جيبي بنطاله

((أمي لا داعي، لقد طلبنا أنا وزملائي من إحدى المطاعم وأكلنا هناك كالعادة))

قوست حاجبيها بغضب أمومي وهي تقول بحزم

((لا أفهم لماذا يا مُصعب لا تحب أن تأكل بالعادة معنا أي من وجبات الطعام.. وإذا ما فعلت فتقتات الفُتات وكأنك مرغم))

لا ينكر مُصعب أن والدته في الأشهر الأخيرة باتت تشعر به دائمًا بنظرة أمومية مشعة من عينيها لم يرها بهذا الوضوح من قبل.. ربما لأنها تعرف بأنه أكثر من عني له ابن عمه يحيى! وكان شاكرًا لهذا فقال لها بعينين تشعان امتنان

((أمي لا تقلقي عليّ، لطالما كنت معتادًا أن اطلب أكلًا جاهزًا في عملي))

ضيقت عينيها مغمغمه

((ماذا فيه أكل المطاعم لتفضله على البيت؟ عليك الاهتمام بصحتك أكثر، مؤخرًا خسرت الكثير من وزنك..))

أخفض نظره يتطلع لنفسه وهو يجيبها بحنق

((أمي لطالما كنت كذلك ثم إن ما مررنا به مؤخرًا ليس قليلًا))

تكدرت ملامحها لتذكيرها مُصعب بما حدث فدمدمت بصوت متأسف ((معك حق))

ألقى السلام عليها ودلف لداخل منزلهم ثم صعد الدرج الذي ينتصف الصالة للدور العلوي إلى حيث جناحه..

فتح الباب ودلف للداخل يغير ملابسه ويأخذ حمامًا سريعًا بروتين يومي معتاد عليه بعد عودته..

كان يجفف شعره بالمنشفة عندما سمع صوت فتح الباب من قِبَل نورين التي كانت تحمل صينية فيها عدة أطباق ثم تطلعت نحوه ليسألها بتعابير مبهمة

((أين كنتِ يا نورين؟))

ارتكبت قليلًا واضطربت يديها التي تحمل فيها الصينية فعاجلها بسؤال آخر

((هل طلب منكِ أحد الخروج من هنا؟))

سارعت تجيبه نافية بلهفة

((لا أبدًا، بل أنا من خرجت بنفسي.. لقد كنت في منزل سمية.. أنا أعتذر كان يجب عليّ أن استأذن منك قبلًا.. لكن ليس عندي هاتف وظننت بأنك لن تمانع لأن بيتها لا يفصله عنّا إلا حديقة المنزل الخلفية))

كان الخوف قد أخذ منها كل مأخذ فجأة من ردة فعله وهي تراه يطالعها بوجوم فأشاحت بوجهها جانبًا.. لكن وصلها صوته مدمدمًا وقد انفرجت ملامحه

((سمية؟ كيف حال يديها؟))

رفعت عينيها له تسأله بانشداه

((إذن لا تمانع أن اذهب عندها كل حين وآخر؟ فأمك طلبت منها ألا تدخل المطبخ وبالتالي البيت كله!))

رفع مُصعب إحدى يديه يمرر أنامله في شعره المبتل بينما يهدر لها بتأنيب مشيرًا بعينيه للصينية التي تحملها

((حسنا لا بأس يا نورين، ولكن ألم تخبريني بأنكِ لا تريدين النزول للأسفل وجعلتني أطلب من أمي ذلك؟ لأجدكِ الآن قد خرجتِ من تلقاء نفسك!))

امتلأ وجهها بابتسامة غير عادية وهي ترد بغموض بينما ترفع الصينية التي تمسكها

((أنا فقط أعددت كمية قليلة من الطعام لك لتأكله بعد عودتك للعمل.. طعام مختلف عن الذي صُنِع للباقين))

جلس على طرف فراش السرير هادرا بوجوم

((أنا! أنتِ تعرفين أني آكل قبل العودة لهنا))

سارعت تجلب منضدة صغيرة تضعها أمامه قبل أن تضع الصينية فوقها قائلة

((صنعت لك الفاصولياء بدون إضافة أي من البصل أو الثوم))

صوب نظراته إليها يغمغم

((لم أفهم عليكِ))

أجابته بحماس وهي تمسك يديه وتضع الملعقة

((لقد لاحظت بأنك لا تحب نكهات الثوم ولا البصل في الأكل، مع أني لا أدري كيف يمكن صنع وجبة طعام بدون هذه المنكهات.. لكن صنعتها لك بدون إضافتها))

ظهرت الحيرة عليه فدفعته ليأكل قائلة برجاء رقيق

((هيا أرجوك تذوق، فقط ملعقة على الأقل))

بمجرد أن تناول أول لقمة حتى سألته مترقبة

((ما هو رأيك؟))

ضاقت عينيه وقوس حاجبيه مجيبًا إياها بنزق

((لا بأس به))

عادت تسأله بإلحاح

((هل الملح جيد أيضًا؟))

زفر بضيق قبل أن يقول مجددًا

((لا بأس به أيضًا))

صدح صوتها مجددًا تجذبه لها وهي تقول بلهفة

((أخبرني ما هي الأطعمة والنكهات التي ترغبها وسأحاول صنعها بالطريقة التي تحبها))

ثم عادت تسترسل كلامها وهي تشبك أناملها بحماس

((لقد حسبت الملح بالملي.. فأنا أعرف بأن مدبرة المنزل نعمة تطلب منهم أن يعدو الأكل بدون وضع الملح أبدًا من أجل ضغط والدك.. وأنت لا تحب أن تستخدم الملّاحة بعد طهي الأكل مثل باقي عائلتك.. لذا هل أعجبك ملحه؟))

كان ينظر لها بملامح مبهمة وهو يراها تتحدث عن ملح ونكهات الطعام بشيء من الشجن.. فأرخى نظراته يبتسم لأول مرة منذ دخل هنا تلك الابتسامة الرجولية النادرة التي تحلّي محياه الوسيم وهو يقول

((ملحه جيد.. أستطيع أكله.. أخيرًا وجدت منكِ فائدة واحدة حتى لو لم تكن بأمر مهم))

اغترّت وهي تقول له بعذوبة ماكرة

((صدقني أنا مليئة بالفوائد والمميزات، ولكن بحاجة منك فقط أن تعطيني فرصة لأريك إبداعي))

عقد حاجبيه قائلًا بهدوء وتحفظ

((لا شكرًا، لنتوقف عند مسألة الطهي))

أومأت له تقول دون أن تنحسر ابتسامتها السخيفة

((بشكل مبدئي حسنًا، المهم أخبرني ماهي الأكلات الأخرى التي تحبها؟))

ازداد التواء حاجبيه وهو يقول لها مفكرًا باختصار

((ليس هناك شيء معين، هم خمس أو ست أنواع من الأطعمة التي أحبها وأكررها على مدار السنة))

زمّت شفتيها بإحباط ويداها على حجرها في دلالة إلى يأسها وفراغ حيلتها من عدم مجاراته في الحديث معها.. ثم قالت عابسة

((مهما بدوت صعبًا لكن لن أيأس أبدًا، سأحاول بذل جهدي لأسحب البساط من تحت أقدام المطاعم دون أن تشعر أنتَ بنفسك))

عاد يأكل من أمامه دون أن يعطيها أي انتباه أو يتحدث معها.. فشعرت بأن هذا الذي أمامها هو أكثر رجل غامض قابلته.. دخيلته لا يمكن الوصول إليها ولا التكهن بها.. ينظر لكل شيء نظرة لامبالية، وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يثير دهشته..

انتظرته أن ينهي طعامه ليقوم من مكانه للاغتسال

((وظبي المائدة واستعدي للنوم))

فعلت ما أمرها به ببلادة.. وعندما أطفأ مُصعب النور قامت بالقفز فوق السرير متمددة وهي تمسك أداة التحكم عن بعد تفتح التلفاز مغمغمه

((اليوم نهضت بوقت متأخر، لذا سأسهر على التلفاز))

لن تنكر أن اليوم كان رائعًا لعدم اضطرارها للقيام بأعمال المنزل في الأسفل أو في المطبخ.. لقد وجدت وقتًا لتقوم بكل ما كانت تريد فعله من ترتيب وتنظيف في جناحها.. لكنه رفع الغطاء يضطجع تحته قائلًا بصرامة

((أريد النوم، اغلقيه))

بعناد طفولي رددت ((لا أريد))

فجأة ابعد الغطاء عنه وقام من مكانه.. أحضر فراشًا وغطاءً آخر وبهدوء دلف للشرفة وأغلقها خلفه.. فاتسعت عينيها وأغلقت التلفاز ثم لحقته تفتح الشرفة هادرة بشيء من الاعتذار والندم

((حسنًا أغلقت التلفاز، لا يوجد شيء يستحق المشاهدة، عد مكانك))

إلا أنه أعطاها ظهره قائلًا بخفوت لوجوده في الشرفة

((اغربي عن وجهي أريد النوم))

فخطت بخفة نحوه وأخفضت نفسها تهمس بأذنه

((حسنا سأحضر غطائي وفراشي لأنام بجانبك.. انتظرني))

تحفز يستدير لها قائلًا بحزم

((إياكِ أن تحضري شيء، ابتعدي فقط))

طفرت الدموع من عينيها وهي تقول برجاء

((أرجوك أريد أن أكون معك))

زفر مُصعب بضيق وأصابعه تمشط خصلات شعره بعصبيه مكبوتة.. إلا أنه اعتدل واقفًا من مكانه وحمل الفراش والغطاء للداخل.. ليلقيه أرضا ثم اتجه نحو الثلاجة الصغيرة الموضوعة في الزاوية وما إن فتحها حتى صدح صوته باستياء

((من أخذ كل علب المشروبات الغازية خاصتي؟))

تطلع نحوها بتجهم بالغ ونفاذ صبر في إشارة لكونها المدانة الوحيدة.. فابتسمت له ابتسامة متذبذبة وهي تقول بصوتٍ خافت

((لقد كان هناك الكثير منها فتخلصت منهم، أنتَ ممرض وأكثر من تعرف بأن هذه المشروبات تتسبب بهشاشة العظام عند شربهم بإسراف..))

كان صوتها في نهاية الحديث يخفت تدريجيًا حتى بترته تماما وهي تشعر بملامحه تزداد تجهمًا حتى رفع سبابته محذرًا إياها بلهجة شديدة

((إياكِ أن تقتربي من ثلاجتي وما أضعه فيها، إذا أردتِ أن نضل على وفاق هنا.. هل تفهمين؟))

هزت رأسها على الفور ودون أن تنحسر ابتسامتها المتلبكة ثم قالت له تراضيه

((في المرة المقبلة إذا عبأتها سأترك لك عبوة أو اثنتين))

زمجر بها لترفع كلتا يديها تغلق فمها ليتقدم من السرير دون أن يحيد نظراته الحادة عن عينيها ثم عاد يدفن نفسه فيه..

وبهدوء هي انضمت للنوم بجانبه تغمغم بما قد يلطف الأجواء بينهما

((أهلًا بعودتك.. فالسرير لا شيء بدونك))

ثم حاولت أن تقترب منه تقلص المسافة بينهما وهي تراه متمدد مكانه يعطيها ظهره فهدر على الفور بتحذير نزق

((وإياكِ ثم إياكِ أن تطوقيني بقدميك وذراعيك كالأمس، مرافقي لا تزال تئن ألما، والا فخلية النحل التي أريتك إياها في ذلك اليوم سأحطمها فوق رأسك))

تغضن جبينها لتتشدق له مستخفة

((سمية تمر دائمًا عليها ولا يلمسها النحل، قالت بأن نحل العسل غير مؤذي))

وصلها رده بفتور

((سنرى إذا ما كان مؤذي أو لا عندما أجربها عليكِ))

لكزت كتفه بيدها بحنق.. ثم قالت له بضجر

((حياتك مملة.. من المشفى للبيت فقط، وفي أيام إجازتك الثلاثة خلال الأسبوع تقضيها في النوم هنا.. ماذا تفعل غير هذا؟ لم أرَ في حياتي شخصًا هادئًا ومنعزلًا مثلك))

ثم وضعت رأسها فوق الوسادة وهي تشعر بألم حاولت عدم إظهاره.. لم لا يطيقها ولا يحاول الاقتراب منها؟ أنه ينفر منها بطريقة مريبة.. وكأنه كلما حاول أن يجبر نفسه على الاعتياد عليها يظهر شيء ليمنعه!

لو لم يقم معها علاقة زوجية في أول لقاء بينهما لقالت دون رادع بأنه عاجز!

وهنا بدأت الهواجس تغمر عقلها.. فهل يمكن أن يكون تباعده هذا بسبب ما حدث بينهما في أول ليلة؟ هل يمكن أن يكون في واقع الأمر لا يصدقها وما زال الشك ينتابه فيما حدث رغم ادعائه عكس ذلك حتى لا يغرق القريتين في الدماء؟

عند هذه النقطة بتر مُصعب سيل أفكارها وفتح عينيه يجيبها هامسًا بصوتٍ لا حياة فيه

((حياتي هكذا فقط منذ موت يحيى))

اختفي الدم من وجهها وهي تسمع جوابه كماء ناري يصب فوق رأسها لتذكر سر زواجهما الذي تجاهد لنسيانه! ازدردت ريقها ثم تمتمت بخفوت قبل أن تغمض عينيها

((رحمه الله وغفر له))

=============================

ليلًا كانت تتقلب شيرين على سريرها بتوتر وأرق وكأنها تتقلب فوق جمر من نار.. رغم إخراجها وليد من حياتها إلا أنه لم يتوانى أن يظهر كل سنة.. في حياتها ليظهر جبروته عليها ويذلها.. وأحيانا أكثر أو أقل من سنة..

أخف ما في الأمر أنه اليوم عندما حضر إلى مقر عملها الذي ترقت فيه وصار لها فيه منصب كبير، فشعرت بأنها تستطيع أن تجابهه وتكون ندًا له! فقد كانت مواجهتهما متكافئة على عكس ما كانت عليه عند أول مواجهة لهما بعد رحيلها مع أبيها من القرية!

ضيقت عينيها تجتذب تلك الذكرى المريرة البعيدة.. قبل سنوات طويلة عندما كانت حديثة التخرج في بداية العشرينات من عمرها.. حيث كانت تعمل موظفة في دوام جزئي في أحد المطاعم مع سهر.. التي التقت بها أول مرة في حياتها هناك ولم تكن تعرف بشأن خلفية عائلتها الثرية..

كانت شيرين تعمل في غسل الأطباق كالعادة عندما قالت متسائلة

((لا يوجد عمل كثير اليوم، لماذا يا ترى لم يأتي أي من الزبائن لأكثر من ساعة يا سهر؟))

((ببساطة لأنه هناك رجل ما جاء ليحتفل بعيد زواجه مع زوجته وقام بحجز المطعم كاملًا لهما))

زمّت شيرين شفتيها ثم قالت بقليل من الغبطة

((حقًا؟ كم هو لطيف أن يصدر تصرف رومانسي مثل هذا من رجل))

تابعت شيرين عملها في غسل الأطباق قبل أن تتفاجأ بدخول أحد الموظفين من زملائها يقول آمرًا

((المدير يطلب منكِ يا شيرين أنتِ وسهر أن تقوما بإيصال الأطباق التي طلباها السيد وزوجته لهما))

استدارت شيرين له معترضة

((وظيفتي هنا أن أقوم بغسل الأطباق في المطبخ لمدة تسع ساعات فقط.. إيصال الأطباق للزبائن هي وظيفتك أنتَ هنا كنادل))

ابتسم الشاب النادل بشماتة وقال

((السيد الذي حجز المطعم أمر أن يتم توصيل الأطباق من قبل النادلات فقط.. وبما أنه لا يوجد لدينا نادلات هنا فهي مهمتك أنتِ وسهر))

خرج صوت سهر حادًا معترضًا

((اعتذر للمدير وأخبره أن هذا ليس عملنا هنا.. فليوظف أخريات غيرنا للعمل كنادلات))

خرج الشاب من المطبخ ليوصل رد شيرين وسهر للمدير وسرعان ما عاد محملًا تحذير مدير عملهم

((المدير يشتعل غضبًا وأخبرني إذا رفضتما توصيل الأطباق للسيد الذي قام بحجز المطعم له ولزوجته فاعتبرا نفسكما مفصولتان.. ها ماذا أرد عليه؟))

ضربت شيرين المنشفة الذي كانت تمسكها بالطاولة وهي تقول باقتضاب

((هذا ليس عدلًا، أنا تقدمت لهذه الوظيفة لأنه قيل لي بأن كل ما عليّ القيام به هو غسيل الأطباق دون أن اضطر إلى التعامل مع الزبائن))

قالت سهر بتجهم وببرود

((اذهب وأخبره أننا لن نوصل أي شيء.. وسنترك العمل هنا بمجرد أن ينتهي اليوم))

هز الموظف كتفيه ببساطة واستدار مغادرًا وهو ينوي إيصال ردهما لمديره.. في حين التفتت شيرين بقلق لسهر تقول

((سهر ماذا لو صدق وعيده وقام بطردنا من هنا؟))

أعادت سهر خصلاتها للخلف وهي تقول بلامبالاة

((فليفعل.. وقتها سأطلب السماح من أمي وستعود لتسمح لي بالعيش معها ومع والدي وريثما أجد وظيفة أخرى سأعود لأتمرد عليها مرة أخرى))

عقدت شيرين حاجبيها وقالت بتيه وهي تجلس على احدى الكراسي

((لكن أنا وضعي مختلف.. أنا أعمل هنا من خلف ظهر والدي، فما يعتقدان بأني أخرج كل صباح من البيت لأني أتدرب في إحدى مكاتب المحاماة.. إذا فُصِلت من هنا فلا أعرف أين سأجد متجرًا آخر لأعمل فيه دون أن اضطر للاختلاط مع موظفين أو زبائن قد يتعرفون عليّ))

شعرت سهر بضيقها فأزرتها وهي تميل برأسها

((إذن هل ستصعدين فوق لخدمتهم؟))

هزت شيرين رأسها بعزم ثم طالعتها تقول وهي تخرج من المطبخ

((نعم.. مجرد دقائق نضع الطعام فيها وينتهي الأمر))

.

.

بدأت شيرين بحمل الأطباق هي وسهر وإيصالها للزبون الذي كان قد حجز دورًا كاملًا من المطعم له ولزوجته للاحتفال بعيد زواجهما.. لم تخفِ شيرين بمجرد دخولها المكان انبهارها من الزينة والبالونات التي نُسِّقت بطريقة مميزة احتفاءً بطلب الزبون..

وصلت الفتاتين لطاولة الزبون ووضعن الأطباق من الصينية فوق الطاولة..

غادرت سهر المكان في حين قالت شيرين وهي ترسم ابتسامة رسمية ومرحبة

((هل أنتَ بحاجة لأي شيء آخر يا..))

ضاعت آخر كلماتها في نهاية حديثها وشحب وجهها بينما تلاشت تلك الابتسامة من على وجهها تدريجيا عندما رفع الرجل أمامها وجهه بعنجهية..

لم تصدق أنه هو.. وليد..

كانت تنظر له بمقلتين مرتاعتين لا تصدق إلى أي حد وصل بانتقامه منها بينما هو يلتهم ملامحها بهدوء ونهم..

قبل أن يسأل وليد زوجته بينما عينيه تفترسان ملامحها باستمتاع ونشوة

((هل أنتِ بحاجة لأي شيء آخر يا حبيبتي؟))

رمقت شيرين بغيظ المرأة الجالسة مقابله تهز وجهها السمح.. ثم عادت تنظر لوليد قائلة من بين أسنانها

((هل هناك أي أوامر أخرى يا سيدي؟))

أخبرها وليد بصوتٍ فاتر أجوف

((أريد منكِ أن تحضري لي الهدايا التي جلبتها لزوجتي ووضعتها عند الزاوية بعد نصف ساعة))

هزت شيرين رأسها وهي تقول بغيظ يكاد يلتهمها

((حسنًا.. أي أوامر أخرى؟))

غمغم بفظاظة جمدتها

((احتاطي حذرًا أثناء حملك الهدية الحمراء الضخمة لو سمحتِ))

شعرت شيرين بنفسها غارقة بالذل، ويغمرها الهوان وهي تتلقى أوامره.. دموع حارقة لذعت حدقتيها ولكنها احتجزتهم خلف أهدابها وهي تدرك أنها تخدم الرجل وزوجته التي تزوجها في نفس اليوم الذي هجرها فيه في يوم زفافهم المفترض.. فأومأت له متمتمه بخفوت

((لا يعتريك القلق سيدي))

استدارت على الفور مبتعدة عنه بإعياء ومسرعة الخطى نحو دورة المياه.. أغلقت الباب خلفها مختليه بنفسها لتبكي ذلها لوحدها.. لدقائق.. فقط دقائق تعطي الحرية وتسمح لدموعها أن تنهمر كالأمطار قبل أن تخنقها وتموت..

.

.

استشعر وليد ضيق زوجته أثناء تناولهما الطعام ليرفع رأسه يسألها

((هل هناك شيء يا حبيبتي؟))

أجابته بخفوت وهي تقطع بلباقة قطعة اللحم أمامها بالسكين

((كانت طريقة كلامك مع النادلة فيها شيء من الفظاظة رغم لباقة حديثك، عليك أن تكون ألطف مع من هم أقل منك حظًّا في الحياة))

ضيق وليد عينيه معقبا بتصميم

((بل علينا يا حبيبتي ألا نعطي أي شخص أكبر من حجمه في هذا العالم، فيتمرد))

عقدت زوجته حاجبيها معترضة

((ولكن يا وليد..))

قاطعها ينهي النقاش بابتسامة

((يكفي يا حبيبتي تحدثًا عن أُناس من أمثالهم.. لا أريد أن أفسد يومنا الخاص ومفاجأتي لكِ بمناسبة تخرجك))

استسلمت لكلامه وهي تعتدل واقفة

((سأذهب لدورة المياه))

أومأ لها وليد وهو يراها تبتعد عن الطاولة تزامنا مع قدوم شيرين التي كانت تحمل الهدايا كلهم هدية فوق الأخرى يكاد يختل توازنها عند مشيها..

وضعت الهدايا فوق كرسي فارغ بغلظة ثم طالعت وليد بازدراء وهي ترفع أحد حاجبيها للحظات بتحدٍ سافر.. أسفت لنفسها أن تعترف أن محاولته لإهانتها نجحت في أن تطولها وأصابتها في الصميم.. وكان بإمكانها أن تطلب من سهر إحضاره، لكنها أصرت على الاستجابة لأمره وجلبتهم بنفسها.. ثم سألت وليد بثبات تحسد عليه

((هل هناك أي شيء آخر سيدي؟))

لم يلن قلبه على ما يفعله بها بل اتقدت مقلتيه بمزيد من الرغبة في إذلالها.. فهدر لها بمجرد اختلائهما بصوتٍ متلاعب.. أجش

((كيف حالك يا كحيلة العينين؟))

قربت رأسها له قائلة بصوتٍ مرتجف وقد فشلت في إخراجه صلبًا

((لماذا جئت خصيصًا لهذا المطعم الذي أعمل به رغم أنه لا يتناسب مع مكانة أشخاص مثلك.. هل تنتقم مني؟))

انعكف فمه بتهكم يجيب ببطء شديد

((لماذا قد انتقم منكِ يا شيرين؟ ثأري وقد أخذته منكِ بعد فضح حقيقتك وتركك في يوم زفافنا.. فماذا بقي لأنتقم لأجله؟))

برقت عينيها بشراسة ثم قالت وهي ترمقه باحتقار

((إذن كرر هذا الكلام على نفسك لعلك تستوعبه، لا أريد شيئًا إلا أن أبقى بعيدة عنك وعن تلك القرية البائسة))

ثم رسمت تلك الابتسامة التي لا تفشل في استفزازه وهي تشمخ بذقنها بينما تقول بعنفوان وكبرياء

((سأتزوج من رجلًا آخر ينسيني البؤس وأيامي التي عشتها معك، مثلما تزوجت غيري))

قاطعها قائلًا وهو يضغط على كل كلمة تخرج من فمه كالطلقة

((اخرسي.. يا شيرين.. ولا.. تحلمي.. بذلك))

ثم اعتدل واقفًا ينفث الهواء كنيران مشتعلة وصرّ على أسنانه بهسيس مخيف لها

((هل تظنين بأني سأسمح لكِ بالزواج من رجل غيري؟))

تحدته بذروة لا تنطفئ بحدقتيها هادرة

((ولماذا قد احتاج لإذنك؟ ومن أنتَ غير حقير كنت مخطوبة له))

برقت مقلتاه بقوة وهو يميل بوجهه منها

((لن اسمح لكِ حتى أن تحلمي بالارتباط برجل غيري، حتى لو ترتب الأمر عليه أن أقتل أي رجل يفكر بالاقتراب منكِ))

تهديده الإجرامي تسرب إلى جسدها كصعقة تيار كهربائية قشعرت جلدها.. فأطبقت شفتيها بقوة وملامحها تشع بالعنف لتهتف فجأة وقد بدأ جدار محافظتها على هدوئها بالتصدع مهددا بالانهيار

((هل أنتَ مجنون! لقد تزوجت من غيري فبأي حق تمنعني من الزواج من غيرك؟))

رد أمام عينيها الكحيلتين اللتان تفيضان أمامه بالغل والإحساس العارم بالظلم

((لن تكوني لأحد غيري.. فلا تحلمي بغير ذلك.. أما متى سأتزوجك فهذا يعتمد على متى تخفت شعلة الانتقام والكره التي أملكها تجاهك))

كانت أنفاسها في تهجد في حين عاد شيء من الهدوء لوليد وهو يأمرها

((وهذا أخر يوم لكِ في هذا المطعم.. لا أفهم كيف قَبِل رجل كوالدك على عملك في مثل هذا المكان))

هتفت به باستنكار محمل بكل طاقات الغضب داخلها

((ألا تفهم بأنه ليس لكَ علاقة بحياتي يا وليد حتى لو عملت في نادي ليلي!))

وقاحتها في نهاية الحديث جعلت ملامحه تتوتر للحظات.. قبل أن يضرب بساقه الكرسي ويوقع الهدايا كلها أرضًا فيُسمع صوت تهشمها عاليًا..

اتسعت عينا شيرين مما فعله لكنها شهقت بصدمة وهي تسمع صوته يتعالى في المكان كله

((أين الإدارة هنا.. هل هذه طريقة للتعامل مع الموظفين هنا؟))

ارتبكت قليلًا وتطلعت حولها بتشتت قبل أن تسأله متوترة بصوتٍ خفيض مضطرب

((لماذا قمتَ بكسر الهدايا؟))

لم يجبها بل تابع الصراخ باستياء

((أين الإدارة في هذا المطعم!))

شحب وجه شيرين واستدارت للخلف وصوت مديرها في المطعم يتناهى لسمعها.. وبمجرد أن وقف المدير أمامها حتى سارع يسال قلقًا

((سيد وليد هل حصل شيء هنا؟))

أخفض المدير نظره أرضًا إلى حيث إحدى الهدايا المهمشة بأجزاء متناثرة ثم نظر نحو شيرين شزرًا

((كيف كسرتي الهدية التي جلبها السيد وليد لزوجته يا شيرين؟))

فهمت شيرين سبب الجلبة التي قصد فعلها وليد.. فنظرت له ترمقه بشرر مدافعة عن نفسها

((هذا الوضيع الذي أمامك من فعلها))

بهت وجه المدير ليهتف بها بصدمة

((كيف تتحدثين عن زبوننا بهذا الشكل!))

التفتت لوليد عندما قال ببرود بينما يرمقها بتشفي وارتواء

((هل هكذا تعلمون النادلات في مطعكم أن يتعاملوا مع الزبائن؟))

تدخل المدير آمرًا على الفور

((اعتذري منه يا شيرين اعتذري من السيد وليد حالًا عن كسرك الهدية وإساءتك الكلام معه))

الألم الفظيع الذي فاض من عينيها الكحيلتين جلد بلهيب سياطه أعماق روحه وهو يرى الموقف الذي أوقعها به خاصة وأنه لا يوجد أي كاميرات داخل هذا المطعم البسيط.. ولكنه تجاسر على نفسه وداس على أي مشاعر شفقة وليدة ليقول للمدير

((أول وآخر تجربة لي في هذا المطعم.. شكرًا لإفسادكم يومي المميز هذا مع زوجتي))

تقدم وليد جُمان التي كانت تقف جانبًا وتراقب المشهد ببهوت ليمسك يدها بنية المغادرة.. بينما المدير يلح في الاعتذار له

((اعتذر منكَ يا سيد وليد، هي في الأصل تعمل هنا في غسل الصحون لا تقديم الطلبات، من الاستحالة أن نوظف أشخاصًا غير كفؤين للتعامل مع الزبائن المحترمين من أمثالك))

حانت من وليد بطارف عينيه نظرة لشيرين التي كانت تقف مكانها وقد لاحت على شفتيه ابتسامة تشفي وهو يرى وجهها المحتقن وقبضتاها المشدودتان على جانبها.. فغدت السادية في داخله راضية جدًا عما فعله.. فلا هو ولا قلبه سيهدأ قبل أن يأخذ بثأره كاملا منها.. حتى النهاية..

انتبه وليد للمدير المستمر باعتذاره بقلق

((أرجوك رافقنا للأسفل يا سيدي وأعدك بأنك لن تكون إلا راضيًا وسيتم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمعاقبة الموظفة))

هرعت شيرين للمطبخ وهناك جلست على إحدى الكراسي حول منضدة المطبخ ثم دفنت وجهها في كلتا يديها تجهش ببكاء عنيف..

جلست سهر على كرسي قريب منها ورفعت راحة يدها تمررها على ظهرها المهتز ثم قالت تواسيها بصوتٍ متعاطف

((توقفي عن البكاء، ستجدين مكان أفضل للعمل فيه))

قالت من بين شهقاتها بصوتٍ مكتوم

((أنتِ لا تفهمين يا سهر.. أنا بحاجة للمال من أجل دفع آخر قسط للدورة التي أخذتها قبل فترة))

ارتفع حاجبا سهر متسائلة

((ألم تنهي ثمن تلك الدورة بعد؟))

أبعدت شيرين يديها عن وجهها المحتقن بالدموع

((مدير المكان يعرفني فأمهلني مدة لأدفع ما تبقي عليّ))

تحفزت سهر لتسألها بحزم ((شيرين أخبريني كم المبلغ المتبقي لأقساط تلك الدورة وسأدبره لكِ الآن في هذه اللحظة.. أخبريني كم هو فقط؟))

رشقتها شيرين بنظرات مقتضبة وهي تسألها بحيرة

((من أين لكِ المال يا سهر؟ هل العمل هنا يكفي أساسًا إيجار المنزل الذي تسكنين فيه؟))

زفرت سهر بضجر قبل أن تعود وتلح عليها

((وما شأنك بمصادري.. أخبريني فقط إلى كم أنتِ بحاجة؟))

فغرت شيرين شفتيها تنوي الإجابة قبل أن تنتبه لسهر تنظر لأحد ما خلفها.. فحركت نظراتها إلى حيث تنظر صديقتها واستدارت لتجد وليد واقفًا بصمت وعينين مظلمتين.. مالت على الفور للأمام واندفعت واقفة وهي تهتف به

((منذ متى وأنتَ هنا أيها الحقير؟))

لم يجبها بل حافظ على صمته وتعابيره.. فشعرت سهر بوجود ماضي أو قيد ما بينهما..

في حين ظل وليد يسدد نظراته مباشرةً لحدقتيها المتأججتين رغم تبلدها بالدموع قبل أن يقول بصوتٍ فاتر أجوف

((إياكِ أن تفكري في العمل بمكان مشابه لهنا))

رشقته بشرر لاهب.. بالكاد وبشق الأنفس تمسك نفسها من الانقضاض عليه وتمزيقه.. لكن وقبل أن يستدير متجهًا لخارج المطبخ أخرج من جيب سترته مغلفًا وألقى به على الطاولة أمامها بإهمال ثم انصرف مغادرًا..

سقطت شيرين جالسة على مقعدها دافنة وجهها بين كفيها.. في حين فتحت سهر المغلف لتصدر منها شهقة دهشة قبل أن تقول

((هناك مال في المغلف.. ورق نقدية ذا قيمة كبيرة))

أبعدت شيرين وجهها عن مرمى يديها ثم قالت وهي تنظر للمال بصدمة ((الوضيع.. هل يظنني متشردة؟))

تزايدت وتيرة أنفاس شيرين بغضب وبدأت ترمش بعينيها بمحاولة منع المزيد من الدموع من التساقط..

دخل أحد الموظفين الذي يعمل في المطعم يقول بصرامة

((المدير يا شيرين يقول لكِ أن تحزمي أغراضك وتغادري المطعم فورا، وأنتِ يا سهر تعالي لتنظفي الفوضى التي أحدثتها صديقتك))

إلا أن سهر تخصرت وهي تقول بصوتٍ ناعم مستفز

((لن افعل فأنا مستقيلة))

اعترض الموظف ((ولكن لا يمكنك أن تستقيلي بمنتصف اليوم وبدون حتى أن نجد بديلة عنكِ عون شيرين))

رسمت سهر له تلك الابتسامة المستفزة وهي تقول

((ليست مشكلتي أننا نعمل هنا بدون أي ضمان أو عقد))

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...