تحميل رواية «قلبي يسطا» PDF
بقلم هاجر عبدالحليم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ قلبي يسطا بقلم هاجر عبدالحليم.
رواية قلبي يسطا الفصل الأول 1 - بقلم هاجر عبدالحليم
في ورشةٍ تملؤها رائحة الزيت والحديد،
حيث لا صوت يعلو فوق صليل المفاتيح وصخب المواتير…
التقت عالمان لا يجمع بينهما شيء:
هي: دُرة هاشم
مهندسة تؤمن أن العلم يُقاس بالدقة، وأن الحياة لا مكان فيها للفوضى.
وهو: يوسف السفروت
أسطى صنعتْه الأيام قبل الحديد، رجلٌ يعرف كيف يُصلح الأعطال… إلا ما انكسر في داخله.
لم يكن لقاؤهما عابرًا…
بل كان شرارةً أشعلت صراعًا بين العقل والواقع،
بين نظامٍ تعيشه هي، وواقعٍ يعيشه هو.
من تدريبٍ بدأ بالتحدي،
إلى أخطاءٍ كادت تكلّفه كل شيء،
إلى ورشة احترقت، وكرامةٍ أُهينت،
ثم قلوبٍ لم تعد تعرف طريق الرجوع.
وفي كل مرةٍ كانا يظنان أن النهاية اقتربت…
كان القدر يعيد جمعهما من جديد،
لكن بصورةٍ أشد قسوة… وأعمق أثرًا.
الفصل الأول: شحم وحرير*
_الحرفيين. الثامنة صباحًا. الشمس سوط، والهواء مزيج من جاز محترق وعرق رجال._
“يا أسطا يوسف… الزبون هيعلقنا على باب الورشة! العربية بايتة من إمبارح!”
كان نصف يوسف العلوي غائبًا في جوف سيارة نصف نقل تحتضر. النصف السفلي فقط يعلن عن وجوده: بنطال جينز لونه الأصلي مات تحت طبقات الشحم،
ظهره العريض كان خريطة من الخدوش القديمة والجديدة، كل ندبة تحكي عن معركة مع حديد لا يلين. عضلات ساعديه معقودة، والعروق فيها حبالٌ زرقاء تنبض تحت الجلد كلما أحكم قبضته على المفتاح الإنجليزي.
“قول للحاج إن الكربراتير مات وخليه يطلعله شهادة وفاه
سحب رأسه للخارج، ونفث نفسًا محبوسًا. مسح جبينه بظاهر كفه المتسخ، فترك خطًا أسود على حاجبه. ثم بصق على الأرض بجانب حذائه، وكأنه يبصق على الدنيا كلها.
تسعة وعشرون عامًا عمره، لكن الملامح سرقت منه عقدًا كاملاً.
مات الأب وهو في السابعة عشرة، وترك له إرثًا من حديد: ورشة، وأمًا مكسورة، وثلاث أخواتٍ ينتظرن اللقمة.
خلع حلم المدرسة، وارتدى الأفرول. ومن يومها، صار “الأسطا يوسف”.
لسانه سوط، لكن يده ميزان.
“يا عبده بسرعة هاتلي الشاي ريقي نشف بقا صحرا! !”
اندفع عبده، صبيٌ في السادسة عشر، يحمل كوبًا زجاجيًا يغلي. ملعقةٌ منتصبة في قلبه من فرط السكر.
يوسف التقطه دون أن ينظر، ارتشف رشفةً أحرقت شفته ولم تهتز له شعرة. أشعل سيجارة.
هذا هو طقس الملوك في مملكته: أول سيجارة بعد الإفطار.
وفجأة…
صمت.
صمتٌ مطبق، غريب، كأن أحدًا ضغط زر كتم الصوت على العالم.
الصنايعية تجمدوا. . الكاسيت الذي كان ينبح بالمهرجانات ابتلع لسانه.
دخل الزجاج على مملكة الشحم.
وقفت عند العتبة.
فارعة الطول، بقوامٍ يصرخ أنه لم يذق يومًا شقاء. بنطال كحلي مكويّ بحد السيف،. فوقه جاكيت جينز، وعلى كتفها حقيبة لابتوب جلدية. في يدها خوذة صفراء تمسكها بأصابع لم تعرف الخشونة قط.
شعرها كستنائي، معقود في ذيل حصان مشدود. بشرتها بلون الحليب، وحاجباها مرسومان بدقة. عطرها… يا الله. عاصفةٌ من الياسمين أطاحت برائحة الجاز في لحظة.
قطعةٌ من حرير سقطت سهوًا في برميل زيت.
“السلام عليكم. ورشة الأسطا يوسف ؟انا مش مصدقة اني دخلت الحارة سليمة فضلت ادور عليها واسال كتير بس كويس وصلت بسلامة فينه بقا صاحب الورشة؟”
صوتها كان موسيقى في سوق النحاسين. رقيق، لكن تحته طبقةٌ جليدية من تعالي أولاد الذوات.
عبده شرق بالشاي.
صنايعي في الركن أطلق صفيرًا
يالهوي ع الجمال برميل لبن وقشطة يدخل ع الزيت والله م ينفع؟
أما يوسف؟
رفع عينيه ببطء. مسحها من حذائها الأبيض الذي يساوي أجرة شهر، صعودًا على البنطال الذي لم يرَ ترابًا، وصولًا إلى الوجه الذي لم تلفحه شمس.
لم يرمش.
ثم… بصق.
بصقةٌ مدروسة، استقرت على الأرض بين قدميه وبينها. خطٌ فاصل.
“وعليكم. خير حضرتك جاية ليه؟”
قالها وهو جالس، . لم يكلف نفسه عناء القيام.
هنا أرضه. وقانونه. وهي الدخيلة.
ابتلعت ريقها، لكن قناع البرود لم يسقط.
“أنا المهندسة دُرة هاشم. الشركة ودتني عندك اتدرب تدريب ميداني لمدة شهرين واسم حضرتك على رأس القايمة الخاصة بالورش المتعاقدة معانا”
مدت له ورقةً رسمية. أناملها طويلة، وأظافرها مطلية بطلاءٍ شفاف. يدٌ لم تصافح الخشونة يومًا.
يوسف لم يلمس الورقة. أشار بذقنه إلى كرسي خشبي مكسور، بقايا زيت وبوية متيبسة على سطحه.
“حطيها هناك. واه بالمناسبة إيدك الحساسة دي لازم تتغسل بعد م تخرجي من الورشة.”
انفجر الصبيان في ضحكٍ مكتوم.
وجه دُرة تحول إلى لوحة ألوان. أحمر القهر، وأبيض الغضب.
“أنا ماجتش أهزر هنا وياريت تلزم حدك وبلاش تلميحات سخيفة. ده شغل. وشركتي هتديك تمن تدريبي يعني في مصلحة مش هتعملها لله.”
يوسف أطفأ سيجارته ببطءٍ مستفز في بقايا الشاي.
اقترب خطوة. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية.
صوته انخفض، فصار أخطر. صار فحيحًا.
“انا مش عايز فلوس
“ولو عليكي عايزة تتعلمي
مد سبابته وإبهامه، وأمسك بطرف جاكيتها. لم يلمسها، لمس القماش فقط، كأنه يمسك خرقة متسخة.
“تقلعي الحرير ده. وتلبسي الأفرول وترمي الضوافر العيرة دي في أول صفيحة زبالة. وتمسكي مفتاح 13. وتغسلي إيدك بجاز، مش بصابونة دوف. يابسكوتة لو سمعتي الكلام”
ترك الجاكيت يسقط من بين أصابعه.
“ساعتها… يمكن أبص في ورقتك. غير كده، الباب ده يفوّت قطر مش جمل.”
الورشة كانت مقبرة. الأنفاس محبوسة. الكل ينتظر انهيار الأميرة وبكاءها.
دُرة سحبت نفسًا عميقًا، ملأت به صدرها حتى آخره.
أبوها حذرها: “الورشة مرمطة و ذل دا شغل الرجالة مش الحريم ابعدي عن الطريق دا واعقلي
أمها صرخت: “مايصحش يابنتي انا مش موافقة بصراحة وابوكي لو عرف مش هيعديها ع خير”.
خطيبها السابق سخر: “إنتِ مهندسة، مش صبي ميكانيكي”.
“فين الأفرول يسطا؟”
سؤالٌ واحد، هادئ، قاتل في هدوئه.
حاجب يوسف ارتفع.
“بردو مصممة عنيدة انتي ؟”
“ملكش دعوة بيا لو سمحت ورد ع سؤالي انت دلوقت بتتعامل معايا ف شغل ولو قصرت مشيني دا حقك مقدرش اعترض وحقي كمان اخد فرصتي كاملة
يوسف ضحك. ضحكةٌ قصيرة، خالية من أي بهجة.
“بتتحديني يا باشمهندسة؟”
“ماشي …. يا عبده! هات لها أفرول الواد بلية. أصغر مقاس عندك. واللي عليه بوهية زرقا، عشان يليق على عينيها ”
بعد لحظة، كان الأفرول في يدها.
أزرق، ممزق عند الركبة، . على الكم بقعة شحم سوداء متيبسة.
أمسكته بطرفي أصابعها. القرف كان سيد الموقف في عينيها.
“اي القرف دا ييع بجد الحمام فين بقا؟”
أشار يوسف برأسه إلى بابٍ من الصاج الصدئ.
“المية قاطعة من إمبارح. والترباس مكسور. خدي بالك لا حد يدخل عليكِ بالغلط.”
غمزةٌ وقحة من صنايعي، وضحكةٌ مكتومة.
دخلت.
ثلاث دقائق بالتمام.
خرجت.
الأفرول كان فضفاضًا عليها، فشمرت الأكمام حتى المرفق، ورفعت البنطال، وعقدت حبلًا حول خصرها النحيل. شعرها ما زال معقودًا، لكن خصلةً متمردة أفلتت على وجنتها. وعلى طرف أنفها… نقطة زيت سوداء.
صارت واحدة منهم. بالفعل.
“عبده. إديها المفتاح بسرعة خليها تبدا.”
صوته خرج جافًا، خشنًا.
التقطت المفتاح. كان ثقيلاً، باردًا، غريبًا على راحة يدها الناعمة.
“قولي المطلوب مني اي بسرعة وانا اعمله؟
“هقولك بلاش تستعجلي ع رزقك..” أشار إلى كومةٍ من إطارات الكاوتش المهترئة.
“هتفكي العجل ده. كل فردة فيها 17 مسمار. تفكي وتربطي. معاكي للساعة خمسة. الغلطة الواحدة بخصم ربع يوميتك وصلت ولا اعيد؟”
“وصلت يا أسطا. انا بفهم بسرعة مش حمارة والله”
قالتها وهي تسدد نظرتها في عينيه مباشرة.
أدار ظهره وعاد إلى سيارته.
لكن كل دقيقتين، كانت عينه تخونه.
يراقبها.
يدها الناعمة احمرت، ثم جُرحت. أظافرها التي كانت تحفةً فنية تكسرت واحدةً تلو الأخرى. العرق تصبب على جبينها، فالتصق الأفرول بظهرها، وبرزت تفاصيل جسدها
لكنها لم تئن. لم تطلب ماء. لم تجلس ثانيةً واحدة.
دقت الخامسة.
الورشة تفرغ.
دُرة كانت عند الحوض الصدئ، تحاول عبثًا أن تزيل السواد من تحت أظافرها بصابونةٍ حجرية. الماء ينزل خيطًا رفيعًا.
رفعت وجهها للمرآة المشروخة.
لا تعرف هذه المرأة.
وجهها أحمر من الشمس والمجهود. شعرها ثائر. سوادٌ من الشحم تحت عينيها كأنه كحل.
لكنها كانت… تبتسم.
ابتسامةٌ حقيقية، واسعة، لم تعرفها منذ سنوات. ابتسامة الإنجاز. ابتسامة من تصنع شيئًا بيديها.
خرجت.
وجدت جاكيتها الجينز معلقًا بعناية على مسمارٍ بعيدٍ عن الزيت.
وبجواره كيسٌ أسود صغير.
فتحته بفضول.
صابونة ديتول جديدة. علبة مناديل مبللة. وزجاجة ماء باردة، عليها قطراتٌ من الندى.
لا ورقة. لا رسالة.
ولا أحد يجرؤ في هذه الورشة أن يفعلها سواه.
التفتت تبحث عنه.
كان هناك.
عند الباب الصاج الضخم، يدير ظهره لها. يدفع الباب الثقيل ليغلقه.
عضلات ظهره كانت لوحةً منحوتةً تحت الفانلة الحمالات المبللة. خطوطٌ من العرق، وندوبٌ قديمة، وندبةٌ جديدةٌ تنزف قليلاً.
وحيد.
كما كان دائمًا.
يحمل الورشة والهم على كتفيه.
“ميرسي اوي ليك حقيقي كنت محتاجة منك دا يايوسف انت ذوق جدا
همست بها. لم تكن واثقة إن كان سيسمعها وسط ضجيج صاج الباب.
لم يرد.
لم يلتفت.
لكن يده… يده توقفت على الباب لثانية.
ثانيةٌ واحدة،
ثم أكمل إغلاق الباب، وأسدل الستار على اليوم الأول.
*
رواية قلبي يسطا الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر عبدالحليم
_اليوم التالي. الورشة ذاتها. لكن الهواء مثقلٌ بترقّبٍ كئيب._
دخلت دُرة الثامنة تمامًا.
سروالُ جينز قديم، وحذاءٌ رياضي. شعرها معقودٌ بإحكام. وفي يدها كوبٌ حراري.
لم تحمل الجاكيت.
بل أفرولًا كحليًّا جديدًا، مطويًّا بعناية في كيس. خاصتها.
الصنايعية صفّروا:
“يا صلاة النبي! الباشمهندسة بقت أسطى ولا إيه؟”
يوسف كان غائصًا تحت سيارة BMW، لا يظهر منه سوى ساقيه.
سمع وقع خطواتها، فتجمدت عضلة في فكه. لم يلتفت.
البارحة لم يذق النوم.
“انت ذوق اوي يايوسف” كانت تطعنه كلما أغمض عينيه.
، همس لنفسه. “يومين وتهرب مش هتكمل للاخر نفسها قصير ومش هستحمل مرمطة الشغل عمرها كله”
“صباح الفل يسطا اكمل فك وربط زي م علمتني امبارح؟”
صوتها واضح، موجهٌ لظهره المختفي تحت السيارة.
ساد الصمت.
ثم اندفعت ساقه من تحت السيارة، وضربت الأرض.
“اتاخرتي خمس دقايق”
خرج. وجهه ملطخ بالشحم، وفي قبضته شمعة احتراقٍ متفحمة.
قذف الشمعة في برميل القمامة، وأشار بذقنه نحو مرسيدس عتيقة في الركن.
“العربية دي بتاعة معالي المستشار. جابت جوان وش سلندر. هتفكي الوش معايا. ولو مسمار اتقطم… تمنه عليكِ.”
ابتلع الصنايعية ريقهم.
وش سلندر؟ هذه جراحة قلب مفتوح. تحتاج أسطى له عشر سنوات.
يريد كسرها. يريدها أن ترحل.
نظرت دُرة إلى المرسيدس، ثم إليه.
فهمت.
ماشي رغم اني فاهمة حركاتك كويس بس خليني معاك للأخر.”
قالتها، ودفنت خوفها في صدرها.
_الحادية عشرة. الشمس سيف، والورشة جحيم._
ذراعاها غارقتان في الشحم. وجهها يقطر عرقًا. خصلةٌ متمردة التصقت بجبينها.
ويوسف فوق رأسها. ظله يجلدها.
“حلي المسمار ده. لأ… مش كده! هتفوتي السِّن!”
صوته سوط.
“بمفتاح العزم يا هانم، مش بإيدك! فاكراه برطمان مربى؟”
“وسعي… وسعي بقولك! ولا أجي أشيلها انا؟”
كل كلمة طعنة.
كل توجيه إهانة مغلفة.
وهي صامتة. تعض شفتها حتى أدمتها.
في الجامعة حفظت النظرية.
هنا… هنا الجحيم العملي. ويده هي المرجع.
“بس… سيبي.”
دفع يدها فجأة ليمسك المسمار بنفسه.
تلامست أصابعهما.
لحظةٌ واحدة.
يده خشنة، متشققة، جمرةٌ ملتهبة.
يدها ناعمة، غارقة في السواد.
ومستها الكهرباء.
انتفض، وسحب كفه كأنها لدغته. وهي تجمدت مكانها.
“إيه؟ اتشليتي م تتحركي ياهانم؟”
صرخ ليستر ارتباكه. صدره يعلو ويهبط.
“خلصي! المستشار لو جه ولقاها كده هيقفلنا الورشة!”
ابتلعت ريقها، وعادت.
قبضت على المفتاح، وهجمت على آخر مسمار.
مسمارٌ مصدٍ، متشبثٌ بالحديد كأنه جزء منه.
بذلت كل قوتها.
“يوسف… المسمار قافش، لو قرصت عليه هيـ…”
“قولتلك حلي بقا بلاش شغل عيال!”
قاطعها دون أن ينظر. كان يمسح عرقه بظاهر ذراعه، فبرزت عضلة ساعده كالحجر.
ضغطت.
تك.
صوت الكسر شق سكون الورشة.
الصمت.
صمتٌ جنائزي.
المسمار انشطر. نصفه في قلب المحرك، ونصفه يرتجف في كفها.
وجه دُرة صار رمادًا.
استدار يوسف ببطء. عيناه كانتا قطعتين من الليل.
نظر إلى الشظية في يدها، ثم إلى الجرح في المحرك.
ثم إليها.
“عملتي إيه؟”
همس. والهمس كان أرعب من صراخه.
الصنايعية تراجعوا. عبده اختفى خلف الكوريك.
لسانها انعقد.
“أنا… حذرتك… كان قافش وقولتلك هيتكسر أنا…”
“إنتِ إيه؟!”
قبض على ذراعها. أصابعه الفولاذية تركت بصمتها على الأفرول. جسده كله يهدر. كان قريبًا حد الاختناق. أنفاسه لاهبة على وجهها.
“إنتِ عارفة عشان نطلع ده لازم نخرط في البلوك؟ عارفة الموتور ده بكام؟ عارفة المستشار هيعمل فينا إيه؟!”
كان يرتجف. غضبًا، ورعبًا.
هذه سمعته. لقمة عيشه. عرق عشر سنين.
“بخمسين ألف يا باشمهندسة! هتجيبيهم منين؟
أفلت ذراعها بقرف.
“اطلعي بره. بدل م تخربي علينا انتي وش نحس”
أشار بإصبعٍ مرتجف نحو الباب. صدره العريض يتحرك كالموج.
“بره ورشتي. تدريبك خلص. روحي شوفيلك مكتب مكيف دا اللي يليق بيكي”
عيناها اغرورقتا. دموع قهر، لا ضعف.
“أنا حذرتك! قولتلك قافش! إنت اللي ماسمعتش!”
صرخت فيه. لأول مرة. صوتها شق هدوءه.
“فاكر نفسك مين عشان تدوس على الخلق؟ أنا غلطت وهدفع تمنها! بس إنت كمان غلطان!”
اقتربت منه، ودموعها تشق طريقها في الشحم على وجنتيها. لم تهب طوله، ولا اتساع منكبيه، ولا النار في عينيه.
“فاكرني هعيط وأجري؟ لا يا أسطا. مش هسيب مليم من تمن الموتور إلا لما أدفعه. من عرقي! سامع؟ مش من فلوس أبويا!”
نزعت أفرولها، وقذفته عند قدميه.
“وتدريبي… هكمله غصب عنك. الشركة بعتاني، مش سيادتك!”
استدارت. لم تركض.
مشت وظهرها مشدود كالرمح، دموعها تنهمر، وكرامتها تنزف.
الورشة صمتٌ مطبق.
لا أحد يتنفس.
يوسف واقف كالصنم، يحدق في الأفرول الملقى.
كان دافئًا. وعبقها فيه. خليطٌ مجنون من عطرها والجاز.
همس عبده من خلفه:
“يا أسطا… البت دي ماعيطتش. دي هزقتك. وأول مرة أشوف واحدة تمشي من هنا راسها في السما تعرف إنها شبهك نسختك بالظبط مش بتجلي ولا بتخاف من حد.”
لم يرد يوسف.
انحنى ببطء، والتقط الشظية المكسورة.
قلبها في كفه الخشنة.
كانت محقة. المسمار ميت. وهو تعجلها. تكبره هو من كسره.
رفس برميل القمامة، فـ انبعج.
“قفلوا الورشة. كله يروّح ا.”
صوته خرج مكسورًا.
_التاسعة ليلًا. شقة دُرة في المهندسين._
تجلس في غرفتها، شاشة اللابتوب تضيء وجهها.
تبحث: “استخراج مسمار مكسور من وش السلندر بدون خراطة”.
كفاها ملفوفتان بالشاش الطبي.
دخل والدها.
“مالك يا دُرة؟ حد ضايقك؟
رفعت رأسها بهدوء.
“لا يا بابا. أنا اللي كسرت مسمار في موتور مرسيدس.”
“بخمسين ألف جنيه.”
“بسيطة. أكلم الشركة نلم الموضوع، وننقلك مكان تاني. إيه اللي جابرك على الورش والقرف؟”
أغلقت دُرة اللابتوب.
“لأ.”
وقفت أمامه.
“أنا اللي كسرته، وأنا اللي هصلحه. وهكمل تدريبي في نفس الورشة. ”
“إنتِ اتجننتي؟ بعد ما مسح بكرامتك الأرض؟”
” عشان خايف على لقمة عيشه يا بابا. ولو انا مكانه كنت عملت أكتر.”
ابتسامةٌ متعبة شقت شفتيها.
لسانه متبري منه، بس إيده أنضف من ناس كتير. ومش هخلي حد نضيف يتأذي بسببي.”
_نفس اللحظة. سطح بيت يوسف في بولاق._
يجلس وحيدًا في العتمة.
أمامه كوب شاي بارد، وعلبة سجائر فارغة.
وفي حجره… أفرولها.
الذي رمته.
غسله.
ونشره.
وينتظر أن يجف.
أصابعه الخشنة تمر على القماش الكحلي، على التطريز الذهبي “م. دُرة”.
“خمسين ألف يا يوسف يا حمار.”
حدث نفسه بصوتٍ أجش. فكه المربع متصلب.
“هتجيبهم منين؟ ولو جابتهم هي… كسرت عينك العمر كله. هتفضل شايف نفسك طول عمرك مديون لواحدة لابسة حرير.”
رفع الأفرول إلى أنفه دون وعي.
وهنا أدرك أنه وقع ف حبها
رواية قلبي يسطا الفصل الثالث 3 - بقلم هاجر عبدالحليم
وقفت دُرة أمام الباب الصاج، كأنها لا تواجه مكانًا، بل تختبر قرارًا اتخذته بصعوبة.
الأفرول الكحلي كان مرتبًا بدقة، وعلى صدره اسمها الصغير يلمع بالذهبي.
في يدها كيس أسود، وفي عينيها ثبات لا يشبه التردد.
كانت واقفة كمن عقدت اتفاقًا مع نفسها: لا عودة قبل الإتمام.
الباب انفتح من الداخل.
ظهر يوسف.
تجمد مكانه في اللحظة نفسها.
لم تتحرك عيناه في البداية، كأنه يحاول التأكد أن الصورة حقيقية.
وجهه مرهق، تحته هالات داكنة، وذقنه غير محلوقة منذ يومين، وملابسه كما هي منذ الأمس.
كان يتوقع أنها لن تأتي.
“صباح الخير يسطا”
ثبتت نظرتها عليه دون تحدٍّ، كأنها تضع مسافة هادئة بينهما.
تحرك فكه ببطء، وابتلع ريقه قبل أن يرد.
“اي اللي جابك؟.”
وضعت الكيس على الأرض بحذر، ثم انحنت وفتحته.
تحركت أصابعها بثبات، وأخرجت الأدوات واحدة تلو الأخرى.
زرجينة، طقم بنط، WD-40، وعلبة جوانات.
رفعت رأسها إليه.
“ده تمن غلطتي المبدئي. سألت وقالوا لي دي العدة اللي تطلع المسمار المكسور من غير خراطة.”
في الخلف، تحركت رؤوس الصنايعية، وارتفعت همهمات خفيفة.
انتقل بصر يوسف بين الأدوات ووجهها ببطء، وكأنه يزن الموقف كله من جديد.
شاطرة محاولة كويسة بس ياتري جيبتي فلوس العدة منين؟
” دي فلوسي يسطا
ثم توقفت لحظة قصيرة قبل أن تكمل، وهي تشد على طرف الكيس.
“هشتغل بيها واوعدك هصلح غلطتي في فلوس جيالي من جمعية كنت داخلاها اول م قبضها هديلك تمنها ودا وعد شرف مني
صمت
لم يكن صمته رفضًا واضحًا، ولا قبولًا صريحًا.
كان صمت رجل فقد عاد يراجع حدوده لأول مرة منذ وقت طويل.
ثم استدار ودخل الورشة.
“إلبسي الجوانتي طيب.”
الساعة 2 ظهرًا
كانت الشمس فوق الورشة بلا رحمة، والحديد يحتفظ بحرارتها كأنه يضاعفها.
تحت السيارة المرسيدس المرفوعة على الزحافة، كانت دُرة مستلقية، تتحرك بحذر، وذراعاها تعملان تحت ضغط شديد.
الأفرول التصق بجسدها، وشعرها خرج من نظامه الصارم.
فوقها، كان يوسف يراقب كل حركة، ينحني أحيانًا، يشير بيده:
“لفي براحة… سنة شمال… أيوه… دوسي سنة كمان… حاسبي!”
ثم حدثت الحركة الصغيرة.
اهتزاز خفيف في الكوريك.
توقف الهواء للحظة.
“في إيه؟”
خرج صوتها سريعًا.
لكن قبل أن يصل رد، انخفضت السيارة سنتيمترًا.
“دُرة حاسبي!!”
انفجر صوت يوسف في المكان.
تجمد الجميع.
وانضغط الحديد على الزحافة.
واحتُبس ذراعها تحت الوزن.
خرجت منها صرخة قصيرة، لم تكتمل، ثم انكسر الصوت داخل الألم.
ارتبك المكان بالكامل.
“ارفعوا العربية!!”
تحرك يوسف بعنف، ورمى المفتاح من يده.
“عبده الكوريك! بسرعة قبل م تتاذي يلا حالا
وجهها شحب فجأة، وشفاها ارتجفت وهي تنظر إليه.
“يوسف… دراعي… هيتكسر.”
توقفت عينه عندها لثانية أطول من اللازم.
ثم خلع فانلته الحمالات ورماها جانبًا.
“وسعوا كده يابهايم!!”
دفعهم بجسده دون تفكير.
“لما أقول ارفعوا… ارفعوا معايا!”
“يا أسطا إنت اتجننت؟ دي طن ونص!”
“قولت ارفعوا انتو مش بتفهمو كلامي يتسمع بدون مناقشة!!!”
ارتفع صوته حتى غطى الفوضى.
وببطء شديد، تحركت السيارة سنتيمترًا.
! شد دراعها يا عبده!”
نجح عبده في سحب ذراعها.
وفي اللحظة نفسها، فقد يوسف توازنه.
سقط تحت السيارة.
وارتدت الزحافة بعنف.
اندفعت دُرة إليه فورًا.
ركعت بجواره، ويدها ترتفع إلى وجهه دون وعي.
كانت ترتجف.
“يوسف! إنت كويس بصلي انا اسفة والله سامحني بس ليه تعرض نفسك للأذي هيكون حلو يعني.؟!”
فتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها من زاوية الألم.
“عشان…”
توقف، ثم أكمل بصوت متهدج:
“عشان الأسطا… مايسيبش صنايعي عنده يتأذي. حتى لو… حتى لو الصنايعي ده… باشمهندسة غبية.
آخر النهار
كان يوسف جالسًا على كرسي خشبي، وظهره ملفوف بالشاش.
ودُرة أمامه على إطار كاوتش قديم، وذراعها ملفوف.
الصمت بينهما كان مختلفًا عن بداية اليوم. أثقل، أهدأ.
بقولك بالنسبة للي حصل..”
قالت وهي تنظر للأرض.
“أنا والله هصلحه بس الصبر.”
هز رأسه ببطء.
“المسمار طلع خلاص.”
“إمتى دا؟”
“سر المهنة مش هقولك.”
أخرج من جيبه قطعة معدنية مكسورة، ووضعها في يدها.
“خدي. احتفظي بيه. للذكري عشان لما تخلصي شغلك معايا تفضلي فاكراني”
لم تسحب يدها.
ولم يسحب هو يده.
نهض ببطء، متألمًا.
“روحي. أبوكي هيقلق. عليكي”
“هاجي بكرة مش همشي انا ه قلبك”
ضحك.
ضحكة قصيرة، حقيقية، خرجت لأول مرة من صدره منذ وقت طويل.
رواية قلبي يسطا الفصل الرابع 4 - بقلم هاجر عبدالحليم
رابع يوم. الساعة 10 الصبح. الورشة هادية على غير العادة.
كان يوسف جالسًا على كرسي خشبي، لافف شاش على كتفه وظهره، في وضع يوحي بثقل الألم أكثر من الراحة.
حركة ذراعه كانت محدودة، وكأن الجسد ما زال يتذكر ضربة اليوم السابق.
دُرة وصلت في موعدها تمامًا، في الثامنة إلا دقيقة.
خطواتها كانت أهدأ من المعتاد، لكن حضورها لم يفقد ثباته.
ذراعها الأيسر كان في جبيرة خفيفة، لكنها رغم ذلك ارتدت الأفرول كما هو، وكأنها ترفض الخروج من هذا المكان.
في يدها السليمة كيس صغير.
“جبتلك شاي بلبن من إيد أمي. والدكتور قال لازم تشرب حاجة تدفي عضمك.”
وضعت الكوب أمامه بحذر شديد، كأنها تضع شيئًا أثمن من مجرد مشروب.
نظر يوسف إلى الكوب، ثم إليها.
“مش قولتلك ماتجيش وإنتِ متجبسة يابنتي الشغل مش هيطير؟”
جلست أمامه على إطار كاوتش قديم، وبدأت تربط شعرها بهدوء، وكأن السؤال لم يربكها.
“بلغتك اني هاجي وانا مش برجع عن كلمتي لانها سيف”
قبل أن يرد، شقّ الصمت صوت كلاكس حاد من الخارج.
كلاكس خشن، ه آخر أكثر قوة.
توقفت حركة الورشة فجأة.
تقدمت سيارة سوداء فخمة، توقفت بعنف أمام المدخل، وقطعت الشارع بالكامل.
تبادل الصنايعية نظرات سريعة، ثم ساد توتر واضح.
“يا ساتر… ده المستشار هاشم يالي قاعدين يكفيكو شر الجايين.”
اعتدل يوسف في جلسته.
وفي اللحظة نفسها، تغير وجه دُرة بالكامل.
الألوان انسحبت من ملامحها.
وصل.
فتح باب السيارة.
نزل رجل ببدلة كحلية، ونظارة شمس، وملامح جامدة لا تعرف الليونة.
كانت خطواته محسوبة، باردة، وكأن المكان يجب أن يصمت احترامًا لوجوده.
دخل الورشة.
توقف في المنتصف.
بدأت عينه تلتقط التفاصيل: الزيت، الكاوتش، الصبيان، ثم يوسف الجالس بفانلة حمالات وشاش، ودُرة بجانبه بذراع مجبسة وملامح مرهقة.
تصلبت ملامحه لحظة… ثم تحولت إلى قرف واضح.
“دُرة.”
جاء الاسم كأنه اتهام.
“إيه اللي مقعدك هنا؟ وإيه المنظر دة المرة الجاية هترجعي جثة انا مش قولتلك مفيش شغل ف الورشة تاني جيتي بردو من ورايا؟”
نهضت دُرة بسرعة.
جسدها ثابت، لكن يدها السليمة كانت تمسك طرف الأفرول كأنها تبحث عن توازن داخلي.
تحركت عينه إلى ذراعها المجبس.
أمك لو شافتك هتموت من حسرتها عليكي”
كان يوسف صامتًا، لكن عضلات فكه كانت مشدودة بشدة.
ثم قام ببطء.
جسده كان متعبًا، لكنه وقف بثبات أمام الرجل.
“اتفضل يا سيادة المستشار”
نظر إليه المستشار من أعلى لأسفل، ببطء مقصود: الفانلة، الشاش، آثار الزيت، ثم الأرض.
“إنت بقا يوسف؟”
“أيوه أنا.”
مسح يوسف عرقه بضهر يده، ثم قال بثبات: “اللي بنتك كانت هتموت في ورشته امبارح، وهو اللي شال عربية طن ونص عشان يلحقها.”
صمت المكان.
تحركت عينا المستشار نحو دُرة.
هزت رأسها بهدوء: “أنا كويسة يا بابا.”
ضحكة قصيرة خرجت منه، بلا روح.
“كان فين عقله لما ساب واحدة زيك تنزل تحت عربية؟ دي مسؤوليته! لو كان جرالك حاجة كنت قفلتله الورشة دي وشمعتها بالشمع الأحمر!”
ساد توتر كثيف داخل الورشة.
الصنايعية توقفوا تمامًا.
وجه يوسف تغير.
لم يعد غضبًا فقط… بل شيء أثقل.
اقترب خطوة.
“الورشة دي فاتحة 4 بيوت. وفيها عيل زي عبده ده، أبوه مات ومايعرفش غيري. تقفلها عشان بنتك واحدة متدلعة واتشاقت شوية”
“يوسف!”
أمسكت دُرة ذراعه السليم.
“بابا مايقصدش.”
“لا قاصد!”
“وإنت فاكر نفسك مين؟ عشان بنتي تتجبس وتتمرمط عندك؟ انا ممكن اشتريك انت والورشة بتاعتك دي؟”
في لحظة واحدة، تحرك يوسف.
لم يلمس المستشار.
بل أمسك يد دُرة، وأبعدها بلطف، ثم وضعها خلف ظهره.
حركة واحدة فقط… لكنها كانت واضحة تمامًا.
كان يحميها.
حتى من أبيها.
“لا يا سيادة المستشار. فلوسك عمرها م تشتري رجالة.”
ثبت نظره عليه.
“فلوسك تشتري حديد، تشتري مسامير، تشتري عربية زي اللي بره. بس الرجولة. مظنش فلتت منك شوية”
تقدم خطوة.
أصبحت المسافة بينهما ضيقة جدًا.
“وبنتك… بنتك أشرف من الشهادة اللي متعلقة في مكتبك. عشان وقفت في الشحم، واتعورت، وما جريتش. عليك تقولك الحقني وهاتلي”
توقف لحظة.
ثم أكمل بصوت أهدأ لكنه أثقل: “عايز تقفل الورشة؟ اقفلها. بس قبل ما تقفلها، خد بنتك. عشان ورشتي… مابيدخلهاش حد مكسور العين”
سقط الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا… بل صدمة.
المستشار لم يرد.
ظل ينظر إليه فقط.
ثم حوّل نظره إلى دُرة.
لكنها لم تكن تنظر إليه.
كانت تنظر إلى يوسف.
وعيناها ممتلئتان بشيء جديد.
شيء لا يشبه الخوف.
“دُرة. يلا.”
“حسابك في البيت.”
لكنها لم تتحرك.
“مش ماشية يا بابا”
“تدريبي لسه ماخلصش. وأنا… أنا مش مكسورة العين. أنا مرفوعة الراس إني في الورشة دي.”
تغير وجه المستشار ببطء.
“هتعصي كلامي؟ عشان ده؟”
“عشان نفسي يا بابا. عشان أنا لقيت نفسي هنا. ومبسوطة وانا هنا”
سكت لحظة.
ثم قال:
“انتي حرة”
استدار وغادر.
صفع باب السيارة بقوة، وانطلقت السيارة بسرعة.
بعد رحيله
سكن المكان لثوانٍ طويلة.
قبل أن يكسره عبده بصوت مذهول: “يا دين النبي… يسطا. إنت هزقت المستشار بالطريقة”
انفجر المكان.
ضحكات، تصفير، إعجاب.
“أجدع أسطا في مصر!”
“الباشمهندسة طلعت بمية راجل!”
لكن يوسف لم يسمع أي شيء.
كان ينظر إلى دُرة فقط.
وهي تنظر إليه.
ذراعها في الجبس، ووجهها متعب، لكن نظرتها مختلفة تمامًا.
“إنتِ اتجننتي؟”
“أبوكِ ممكن يدمرك روحيله”
“مش فارقة”
اقتربت منه.
عدلت الشاش على كتفه ببطء.
هو لم يتحمل.
أمسك يدها السليمة، وضغط عليها.