رواية قلوب على الهامش الجزء السابع 7 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة السابعة كان المساء ثقيلاً، والبيت غارقًا في سكونٍ يشبه الفراغ. داخل غرفة المعيشة، جلست هدى على أحد المقاعد، تحتضن وسادة صغيرة، وعيناها شاردة نحو التلفاز، الذي كان يبث برنامجًا وثائقيًا عن حياة الطيور المهاجرة! دخل يوسف بهدوء، دون أن يلتفت إليها في البداية. وضع مفاتيحه على الطاولة الجانبية، ثم قال بصوت هادئ:
–مشوفتكيش بقالي كتير. أجابت دون أن تحوّل بصرها: –عندى محاضرات كتير اليومين دول. صمت. جلس على المقعد المقابل، وراح يتفحّص ملامحها، باحثًا عن شيءٍ لم يقله أحد بعد. –إنتِ كويسة؟ ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت: –اه. هزّ رأسه، وأشاح بوجهه نحو النافذة، حيث كانت الأضواء الخافتة تنعكس على الزجاج. –ماما وبابا برده مشوفتهمش بقالي كتير. أجابته دون تردّد، لكن بنبرة جامدة: –هتلاقيهم مشغولين ده العادي يعني. نظر إليها مطولاً،
ثم قال بنبرة أخف: –بس أنا معاكي, لو احتاجتي أي حاجة عرفيني. ابتسمت هذه المرة بسخرية خفيفة: –مش هحتاج, متقلقش. أراد أن يسأل. أراد أن يقول لها: لماذا وجهكِ شاحب؟ ولماذا عيناكِ لا تلتقيان بعينيّ؟ ولماذا أشعر وكأنكِ تخفين شيئًا؟ لكنه لم يفعل. اكتفى بإيماءة رأسه. نهضت هي بهدوء، حملت الوسادة بين يديها، وقالت قبل أن تغادر الغرفة: –هطلع أنام, عن إذنك. ثم مضت، وبقي هو وحده، يتأمل الفراغ الذي خلّفته كلماتها.
توجه يوسف للشرفة، يحتسي قهوته السوداء دون سكر، كعادته حين يضيق صدره. فتح هاتفه، وتردّد لثوانٍ أمام اسم “صفية جابر” في قائمة المحادثات. ثم كتب: مساء الخير أستاذة صفية، آسف على الإزعاج، بس كنت عايز أراجع خطة التطوير وفكرت نضيف جزء خاص بالتدريب العملي على الوسائل التعليمية الحديثة. ايه رأيك؟ مرّت دقيقة… ثم اثنتان. كان يرى “يكتب الآن…” ثم تختفي. وأخيرًا جاء الرد:
–مساء النور, ممكن ننقاشها في المدرسة بكرة مع أستاذ محسن أفضل. كان ردًّا مهذبًا… لكنه شديد البرودة. فكّر في كتابة شيءٍ آخر… شيئًا شخصيًا، كأن يسألها: هل أنتِ بخير؟ تبدين مرهقة في الأيام الأخيرة. لكنه تراجع. كتب: –كنت حابب أخد رأيك إنتِ الأول قبل ما نعرضها عليه, لأن رأيك مهم بالنسبالي. جاء الرد سريعًا هذه المرة: –أشكرك, بس المهم فعلًا هو رأي الإدارة, مش رأيي الشخصي. تنهّد يوسف، وأغلق الهاتف للحظة. في ذهنه، قفز وجه رنا.
جميلة، أنيقة، قوية الملامح… لكنها صاخبة دائمًا، ومليئة بالشكاوى، لا تترك للسكينة مكانًا. صفية، على النقيض، كانت كهدوء الفجر… جادة، بسيطة، وربما صعبة المنال. لكن هناك شيءٌ فيها لا يُنسى. قال في سره: –مبتهزرش ولا بتتكلم معايا خارج إطار العمل, مهما حاولت, وبرده مش بتروح عن بالي. أعاد فتح الهاتف. أسف لو أزعجتك حقيقي, مقصدتش. تأخر الرد هذه المرة كثيرًا. ثم جاء مختصرًا:
–معلش يا أستاذ يوسف, ميصحش يكون فيه بينا رسايل في الوقت المتأخر ده حتى لو ليها علاقة بالشغل. ابتسم، رغم البرود. حتى في صدّها… تحفظ كرامتك دون أن تجرحك. أغلق المحادثة، ووضع الهاتف جانبًا. لكنه ظلّ يتأمل اسمهما على الشاشة… يوسف صفية. مجرد اسمين، بينهما مسافة، لكنه يشعر أنها أقرب مما يتخيّل… وأبعد مما يستطيع. -أغلقت صفية الهاتف بهدوء، وتركته على طرف المكتب دون أن تنظر إليه ثانية.
جلست في سريرها، احتضنت طرف الشال الصوفي فوق كتفيها، وراحت تُحدّق في اللاشيء… فقط السكون. كان لازم أكون واضحة. همست لنفسها كمن يُقنع قلبه، لا يُبرّر لفعل. أنا مبحبش المسافات الرمادية, كل شيء عندي يا أبيض يا أسود… لكن شيئًا ما في صدرها كان يتململ… يوسف، بحضوره المربك، بنظرته التي تخترق طبقات الجمود، بصمته حين تُصدّه… لا يبتعد. وهي؟ لماذا تفكر فيه أصلًا؟ ابتسمت بسخرية خفيفة، ونظرت إلى السقف:
–يا بنت جابر، أنتِ عندك بيت، وعندك مسئولية، مش وقت الكلام ده خالص. ثم تنهدت… بس ليه قلبي بيرتبك لما اسمه بيظهر أدامي! أشاحت بوجهها بعيدًا، كما لو كانت تُخفي عن نفسها اعترافًا. ثم نظرت إلى صورة على الجدار —صورة قديمة تجمعها بأختها سناء، وزوج أختها الراحل، وياسين وهو رضيع. اقتربت منها، مررت أصابعها على الزجاج. عادت للخلف لسنوات مضت… عندما رحل زوج سناء، وترك لها ياسين قطعة لحم حمراء, جاءتها سناء تبكيه وتقول كمن تشبث
بآخر أمل له في الحياة: صفية, خليكي جنبي متسيبينيش, أنا وياسين محتاجينك. كانت هذه الجملة، بداية تحوّل صفية من بنت لأم، من أخت صغرى لحامية البيت. منذ تلك اللحظة, قررت أن تجعل ما تبقى من عمرها, لعائلتها, أن تكون الأم والأب والأخت وكل شيء لهم, منعت سناء من أي محاولات للعمل, وأمرتها أن تكرّس وقتها كله لياسين, بينما هي ستتحمل عبء المسؤولية والعمل من أجلهما.
صوت قطار بعيد يتسلل من الشارع، يُعيدها من أفكارها, مسحت دمعة خفيفة سالت بلا قصد، وهمست: –أمي وأبويا راحوا بدري، مالحقتش أشبع منهم… بس كنت دايمًا حاسة إنك مكانهم يا سناء، عمرك ماقصرتي معايا لحظة. دلوقتي جه دوري أردّلك الجميل… وماليش حق أفكر في يوسف، ولا غيره. صمتت لحظة… لكن شيئًا في قلبها يهمس بهدوء: –بس هو… مختلف. -في هدوء الصباح، جلست رنا أمام شاشة اللاب توب، تتصفح التصميمات التي أرسلها نور في وقت سابق.
رنا الجارحي… خريجة هندسة معمارية من أعرق الجامعات، بتقدير امتياز, لكنها منذ التخرج، لم تمارس المهنة يومًا، كانت دائمًا ابنة سليم الجارحي قبل أن تكون المهندسة رنا. حتى عندما حاولت التقدّم للعمل في إحدى الشركات، قال لها الجارحى: هتشتغلي ليه؟ ناقصك فلوس؟ بنت سليم الجارحى تقعد في بيتها معززة مكرمة وكل اللي هي عايزاه يجيلها لحد عندها! لم تعلم لماذا وافقت؟ هل كان لها أصلًا حق الاختيار؟
ولذلك، حين قرر يوسف أن يسلّمها تصاميم الفيلا لتكون مسئوليتها، أحست بشيء من التقدير… حتى وإن لم يقصده. أمسكت هاتفها، فهناك شيئًا ما بداخلها كان يُلحّ عليها.. ترددت لثوانٍ… ثم ضغطت على الرقم. رنّ الهاتف ثلاث مرات، قبل أن يردّ صوته الهادئ المعتاد: –ألو. قالت بنبرة متماسكة… ولكن خلفها كان صوتُ ارتباكٍ خافت: –صباح الخير يا بشمهندس نور، أسفة على الإزعاج. –صباح النور يا آنسة رنا، مفيش إزعاج أبدًا، تحت أمرك.
–كنت بس عايزة أتناقش مع حضرتك في شوية حاجات في التنفيذ بإذن الله, ممكن نتقابل انهارده؟ سكت للحظة، ثم قال بصوت منخفض: –أظن أن المهندس حازم هو المسؤول عن المشروع دلوقتي… ممكن حضرتك تنسقي معاه. تجمدت ملامحها. حاولت أن تُخفي انزعاجها، لكنها لم تستطع: –مش فاهمه قصد حضرتك, مين حازم؟ –أنا طلبت من الإدارة حد غيري يمسك مشروع حضرتك, محدش بلغك؟ قالت بتوترٍ لم يَخفَ عليه: –لا محدش قالي حاجة, مين قال إني عايزة حد غيرك يكمل؟
صمت من جديد، كأن صدى كلماتها باغته… ثم أجاب بهدوء: –صدقيني، بشمهندس حازم كفء جدًا، وهو أفضل مني بكتير. رفعت حاجبيها، وقد تكسّر صوتها قليلاً: –مش عايزة الأفضل, أنا عايزاك إنت! غصّ حلقها بالكلمات، لكنها أطلقتها….. للمرة الأولى. نور لم يردّ على الفور. شعرت أن أنفاسه تغيّرت على الطرف الآخر. ثم قال بصوت خافت: –معلش يا أستاذة رنا, أنا آسف فعلًا, بس أنا حقيقي اعتذرت عن المشروع. رفعت يدها إلى جبينها، وقالت بنبرة خافتة:
–ليه طيب؟ فيه حاجة ضايقتك؟ تنهد نور، ثم قال: أبدًا, بس أنا حاليًا مش هقدر أكمل المشروع ده, بعتذرتاني مرة. وساد الصمت على الخطين. لحظة لا صوت فيها، لكنها كانت أصدق من ألف حوار. أغلق الهاتف بعدها دون وداع. أما هي، فظلت تُحدّق في الفراغ… قلبها يضجّ بشيءٍ يشبه الخوف، ويشبه البداية. أغلقت الهاتف ببطء، كأنها تخشى أن ينكسر في يدها.
ظلت تحدّق في الشاشة المظلمة، للحظة شعرت أن العالم كله صامت… كأن كل الأصوات توقفت، إلا الصوت الذي في صدرها. -ايه اللي أنا قولته ده؟ سؤالٌ خرج منها همسًا، لكنه ارتطم بجدران قلبها كصدى هائل. لم تكن تلك الكلمات التي قالتها على الهاتف عادية… لم تكن محسوبة، ولم تمرّ عبر منطقها المعتاد. مش عايزة الأفضل, أنا عايزاك إنت. ردّدتها في عقلها، بصوتها المرتبك، فشعرت برجفة في أطرافها. منذ متى أصبحت ضعيفة؟
ومنذ متى تسمح لقلبها أن يتكلم قبلها؟ سارت بخطى بطيئة إلى الشباك، فتحت الزجاج، ودخل الهواء البارد إلى الغرفة… أغمضت عينيها. كانت تظن أنها تعرف نفسها… فهي رنا الجارحي، الواثقة، المتماسكة، التي لاتحتاج لأحد. وضعت يدها على صدرها، كأنها تُهدّئ من اضطراب قلبها, تكاثرت الأسئلة بداخلها: لماذا ليس يوسف؟ لماذا لم تشعر معه أبدًا بهذا الارتباك؟ ولا بالقلق؟ كل شيء بينها وبينه كان منظمًا… مرتبًا… باردًا.
فتحت عينيها، ونظرت إلى انعكاسها في زجاج النافذة, وتمتمت: –نور… مكنتش في حساباتي ولا في خططي, معرفش إيه اللي حصل! ثم جلست على طرف السرير، وضمت ساقيها بذراعيها، كأنها تحاول أن تلملم شتات نفسها. ياربي, إيه اللي بيحصلي ؟ هو أنا…؟ وصمتت. لكن عيناها، كانتا تجيبان بنعمٍ لا تُقال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!