تحميل رواية «قصة اليتيمة» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت طفلة صغيرة لم أتجاوز خمس سنوات حين ماتت أمي. تزوج أبي من امرأة أخرى، كانت زوجة أبٍ بكل ما تحمله الكلمة من ألم وحرمان. تعلمت أشغال البيت كلها في سن مبكر من أختي الكبرى قبل أن تتزوج لتتركني مكانها لأهتم بإخوتي الأربعة وأنا لا أزال طفلة في الحادية عشرة من عمري. أغسل وأطبخ وأنظف. كنت أول من يصحو وآخر من ينام، ورغم ذلك لم أكن أسلم من توبيخ وقسوة زوجة أبي، فكنت دائمًا ما أُضرب بالسوط لأتفه الأسباب. في أحد أيام الشتاء الباردة، مرضت ولم أقوَ حتى على الوقوف، فحضرت العشاء لإخوتي. بعدما تعشى الجميع، دخ...
رواية قصة اليتيمة الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
كنت طفلة صغيرة لم أتجاوز خمس سنوات حين ماتت أمي. تزوج أبي من امرأة أخرى، كانت زوجة أبٍ بكل ما تحمله الكلمة من ألم وحرمان. تعلمت أشغال البيت كلها في سن مبكر من أختي الكبرى قبل أن تتزوج لتتركني مكانها لأهتم بإخوتي الأربعة وأنا لا أزال طفلة في الحادية عشرة من عمري. أغسل وأطبخ وأنظف. كنت أول من يصحو وآخر من ينام، ورغم ذلك لم أكن أسلم من توبيخ وقسوة زوجة أبي، فكنت دائمًا ما أُضرب بالسوط لأتفه الأسباب.
في أحد أيام الشتاء الباردة، مرضت ولم أقوَ حتى على الوقوف، فحضرت العشاء لإخوتي. بعدما تعشى الجميع، دخلت في آخر الليل لأنام وأصبت بحمى شديدة، فنزعت سترتي لأخفض من حرارة جسمي. كنت أتألم في صمت، وما إن غفوت حتى جاءت زوجة أبي وانهالت علي بالضرب.
وأمسكتني من يدي ورمتني في الفناء وقالت لي:
"لن تدخلي حتى تنظفي المطبخ."
وأقفلت الباب ومنعت إخوتي أن يفتحوه لي. كانت تمطر بغزارة والساعة حوالي الثالثة ليلًا. دققت الباب بهدوء وترجيتها أن تعطيني سترتي وحذاءً، ولكنها تجاهلتني. فيئست ودخلت المطبخ وبدأت في تنظيفه. كنت أحاول أن أسرع قليلًا، إلا أن الماء كان شبه متجمد، حتى الكبريت أخذته معها حتى لا أسخن الماء كعقاب إضافي لي.
لقد كنت خائفة وأشعر بالبرد، وبينما أنا أعاني سمعت صوتًا غريبًا في الفناء. توقفت هنيهة لأتأكد مما سمعت، وفعلاً كان صوت خطوات بالخارج، شخص ما يتجول في فناء البيت. زاد خوفي وتوتري، فمنزلنا لم يكن كبيرًا، كان مجرد فناء صغير به سلالم ضيقة تأخذ إلى سطح المطبخ وثلاثة أبواب: باب الحمام، وباب المطبخ، وباب غرفتنا التي كان بداخلها باب آخر يؤدي إلى غرفة أبي وزوجته. وحتى لو افترضنا أن أحدًا قد خرج من الغرفة لكنت سمعته لأن باب الغرفة كان يصدر صوتًا مزعجًا ومستحيل أن لا أسمعه. كنت متجمدة في مكاني والأصوات تقترب شيئًا فشيئًا حتى وصلت باب المطبخ الموصد، وكنت قد وضعت دلوًا أمام الباب حين جلبت الماء من الخارج، فسمعت وكأن أحدًا ما غير مكانه.
ثم اتجهت الخطوات إلى السلالم وكانت واضحة، ثم بدأ ذلك الشيء يدق علي من فوق السطح. ورغم كل هذا الرعب كان خوفي من زوجة أبي أكبر. أكملت غسل الأواني وأنا أقرأ كل ما أحفظ من القرآن، ثم جريت نحو الغرفة وأنا أدق كالمجنونة والتفت يمينًا ويسارًا ورأيت الدلو عند السلالم فزاد ذعري. وما إن فتح الباب حتى دخلت واختبأت تحت الفراش حتى أني نسيت أني كنت مريضة. لم أعرف ما كان ذلك الشيء ولم أذكر لأحد ما سمعت لأني خفت أن أزرع الرعب في نفوس إخوتي، فقد كان حالهم أسوأ من حالي وكثيرًا ما يعاقبون بالمبيت في المطبخ.
بت ليلتي تلك خائفة أترقب حتى قام أبي ليصلي الفجر. أحسست ببعض الأمان فغفوت، ولكن ليس كثيرًا، فما هي إلا ساعة حتى جاءت زوجة أبي كعادتها تصرخ وتركلني في كل مكان من جسدي الصغير. نهضت ضعيفة متوترة، جهزت إخوتي للذهاب إلى المدرسة، نظفت الغرف والفناء وتأخر الوقت فذهبت كعادتي غير مرتبة إلى المدرسة بشعري المنفوش الذي دائمًا ما أحاول توضيبه بتبليل يدي بالماء والمسح عليه وأنا أجري قبل أن يغلق باب المدرسة. وكنت ما زلت أفكر في أحداث الليلة الماضية ولكني حاولت أن أوهم نفسي أني كنت أتخيل.
انقضى النهار وعدت إلى البيت في المساء وجدت أبي قد اشترى لنا سمكًا فنظفته وقليته للعشاء وذهبت أساعد أختي الصغيرة على مراجعة دروسها قبل وقت النوم لأن زوجة أبي تطفئ الأنوار باكرًا وتمنعنا من إشعالها.
المهم بعد قليل ذهبت لأخذ العشاء لأبي ولكن لسوء حظي رأيت قطة تخرج من المطبخ فاصفر وجهي لأنني خفت أن تكون قد أكلت كل السمك الذي قليته. اقتربت من المطبخ وأنا أكاد أموت خوفًا، وفعلاً وجدتها أكلت معظمه ولم تترك إلا بعض السمكات. حمدت الله ووضعتها في طبق وأخذته لأبي وزوجته في غرفتهما فهما يأكلان معًا ونحن نأكل في المطبخ.
وأخبرت إخوتي بما حدث فتعاطفوا معي وأكلنا خبزًا وماءً ولكن آلمني جدًا مبيتهم جياع دون عشاء. وبينما أنا أكنس الفناء وجدت تلك القطة أمامي وكنت منزعجة منها فانهلت عليها ضربًا بالمكنسة ولكن فجأة توقفت لأنني اندهشت من ردة فعلها. لم تكن كباقي القطط، لم تهرب ولم تتحرك، بالعكس أخذت تنظر إلي وكأنها تريد أن تتكلم. خفت منها رميت المكنسة ودخلت الغرفة وأقفلت الباب جيدًا وتركتها في مكانها متجمدة.
أخذ كل منا مكانه للنوم، أما أنا فقد أشعلت شمعة فوق الخزانة لأراجع دروسي، وكنت أضعها بعيدة عني حتى لا تحرقني ثانية ولكني سرعان ما غفوت ورأيت تلك القطة أمامي مباشرة عند وجهي. كان شكلها مرعبًا فحاولت إبعادها أو الابتعاد عنها ولكنني عجزت عن ذلك كأن حجرًا ضخمًا كان فوقي. وكنت كلما تحركت تتبرز على ملابسي وأنا عاجزة على فعل شيء وكأن قوتي سُلبت مني.
فجأة انسحبت إلى الوراء وقالت لي:
"هذا بيتي، سأتركك هذه المرة ولكن إياك أن تعيديها، لن يحصل لك خير."
وغادرت الغرفة وقمت أنا مرتعبة ورحت حتى أطفئ الشمعة. والعجيب أني سقطت ثلاث مرات لأن رجلي اليمنى كانت مشلولة تمامًا فجلست وأخذت أدلكها وأستغفر الله وأقرأ ما تيسر لي من القرآن. وفي المرة الرابعة وقفت على رجلي فحمدت الله. والعجيب أني وجدت الباب مفتوحًا وكنت متأكدة أني أقفلته وكان الكل نائمًا فتيقنت أنني لم أكن أتوهم وأن هناك خطب ما في بيتنا.
كما تعهدت منذ ذلك اليوم أن لا أؤذي قطة في حياتي وهذا ما حصل.
رواية قصة اليتيمة الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
كنت أفكر دائمًا في حالي وكيف لي أن أكمل حياتي مع هذا العذاب، ولكنني رغم صغر سني كنت دائمًا أفكر في إخوتي وأرأف لحالهم، فكانت ابتسامتي لا تفارقني رغم ألمي، والحمد لله.
وبدأت أخاف من ظلمة الليل وسكونه، فلم تعد لياليّ كباقي الليالي، لأن الخوف قد تغلغل إلى قلبي الصغير، فأصبحت أُعد العشاء وأنظف المطبخ في وقت مبكر حتى لا أضطر إلى البقاء وحدي خارج الغرفة. وهكذا حتى جاءت تلك الليلة التي لن تُمحى من ذاكرتي.
كانت زوجة أبي عند أهلها، وعند عودتها لا أدري ماذا أحضرت معها، فأكلت هي وأبي في غرفتها، وأمرتني أن أغلي بعض حبات البطاطا لكي أتعشى أنا وإخوتي. وفعلاً وضعتها على النار، وخفت أن أبقى وحدي في المطبخ، فدخلت الغرفة واستلقيت عند حافة الفراش، فغفوت لأن يومي كان حافلاً بالأعمال المنزلية من غسل وكنس، ولم أفق إلا على صوت أختي الصغرى وهي تقول لي:
"انهضي أختي، أنا أشم شيئًا يحترق."
فركضت إلى المطبخ وأختي تتبعني، فوجدت البطاطا قد احترقت، فارتعبت وسمعت صوت باب غرفة أبي يُفتح. فأخذت البطاطا وخبأتها، وبدأت أنتظر من سيطل علينا في المطبخ، لكن للأسف لم يظهر أحد، ولكن الموجع أن ذلك الشخص قام بغلق باب غرفتنا وأقفل عداد الكهرباء الذي كان في الغرفة. وهكذا بقيت أنا وأختي في ظلام دامس. كانت أختي تبكي وأنا أهدئها. ثم خرجت إلى الفناء أبحث عن شيء نفترشه، فلم أجد إلا لحافًا قديمًا وصندوقًا ورقيًا، فافترشناه وأخذت أختي في حضني وتغطينا بذلك اللحاف، ولم أنتبه للوقت كم كانت الساعة ولا كم بقي للصباح.
المهم غفت أختي في تلك الظلمة، ولكني لم أنم، ليس بسبب البرد ولكن بسبب الخوف. ومن سوء حظي عادت تلك الخطوات لتعكر ليلتي أكثر مما هي عليه، ولا ضوء أشعله وأرى من يحوم حولي أو يخفف عني ما أنا فيه. وأصبحت أشعر أنني لست وحدي، وكأن طيفًا ما يقترب مني حتى أني أحسست بشيء بارد فوق يدي، فأغمضت عينيّ الاثنتين كانتا لا ترى شيئًا أصلاً، وبدأت أبكي وأبكي بحرقة، ورحت أذكر الله وأدعي وأقول في نفسي ربما تكون أمي من يحاول أن يؤنسنا ويحمينا ويخفف عنا. لم أكن أعي في ذلك الوقت أن الأموات لا يعودون ولا بأي شكل من الأشكال إلى هذه الدنيا.
وترجيت ربي بدموع حارة أن يخلصني مما أنا فيه، فهو وحده القادر على ذلك. وفجأة لم أعد أشعر بشيء لا ببرد ولا غيره، وكأن دعائي قد استجيب، ونمت حتى سمعت أبي وقد قام لصلاة الفجر، فأيقظت أختي وجريت إلى الحمام وأنا أحملها، متظاهرة أني كنت آخذها للحمام، ولم أكن أجرؤ حتى على إخباره أو التلميح له لأنني أعلم عقابي سيكون أضعافًا مضاعفة من زوجته.
لابد أن الجميع يعرف قصص سندريلا وبياض الثلج اللتان عانتا من ويلات زوجة الأب، ولكن للأسف في القصص الحقيقية لا يوجد أمير أو جنية تخلصك مما أنت فيه مثلما نقرأ في القصص. في واقعنا الله وحده هو من يمكنه تخليصك من كل ما تعانيه بإخلاص الدعاء واليقين بالله.
لقد عانيت أنا وإخوتي الأمرين وما زلنا نعاني، لأن جروح الصغر لا تندمل أبدًا، بل تظل معك مهما حاولت تجاهلها والتظاهر بالقوة.
المهم في اليوم التالي ضربتني زوجة أبي بسبب حرقي للبطاطا، وعاقبتني بيوم حافل بكل أنواع الأعمال المنزلية الشاقة التي لم أنتهِ منها إلا في وقت متأخر من الليل. ثم دخلت الغرفة فجلست في فراشي بعدما أشعلت ما تبقى من الشمعة. وكانت أختي مريضة ربما من برد ليلة الأمس، لذا أخذتها في حضني ورأسها على صدري، وأنا أداعب شعرها بيد وأمسك كراسي باليد الأخرى، وأحاول أن أحفظ دروسي بصوت خافت، وشردت قليلاً وأنا أفكر في تلك الأمور التي أسمعها. هل أخبر أبي عنها أم أصمت، لأنني ربما كنت أتخيل فقط.
وفي ركن الغرفة كان لدينا مدفأة من حجر ما يسمى بالعامية (شيميني)، لم نكن نوقد فيها نارًا، كانت في غرفتنا منذ زمن بعيد جدًا، فمنزلنا توارثه أبي أباً عن جد. وكانت تلك المدفأة دائمًا مغطاة بشرشف تزينه تلك الأواني العتيقة التي كانت تذكرني بأمي لأنها هي من اشترتها من عملها على ماكينة الخياطة. المهم في تلك الليلة سمعت صوتًا غريبًا يصدر منها، كان لامرأة تردد تهويدة أو ربما تئن، لا أدري. تسمرت في مكاني، جحظت عيناي وبدأ قلبي يخفق بسرعة كبيرة، لم أنهض من مكاني. أخذت أستمع جيدًا وأراقب المدفأة. فجأة خف ضوء الشمعة، فتذكرت أنها كانت توشك على الانتهاء، ولحظي السيء انطفأت الشمعة فعلاً وساد ظلام دامس. خفت كثيرًا خاصة بعدما سمعت خطوات تقترب مني من جهة المدفأة وكأن أحدًا يجر رجليه بخطوات ثقيلة نحوي، فارتعبت وهذه المرة صرخت بأعلى صوتي منادية على أخي، وذلك لأنه كان ينام بالقرب من المدفأة. فجأة أنار ضوء الغرفة، لقد كان أبي اقترب مني وقال لي:
"ما بك يا ابنتي؟"
بدأ يهزني وأنا جالسة مصفّرة خائفة، فأخبرته عن ما سمعت، لكنه طبعًا لم يصدقني وقال لي:
"نامي كنتِ فقط تحلمين."
لا أدري إن كنت حقًا أحلم أو إن كانت هذه الأشياء تحدث معي فعلاً أم لا، ولكن ما كنت متأكدة منه أن في تلك الليلة رأيت غطاء المدفأة كان مكشوفًا، وأختي في مكانها، وأنا من كنت أحتضنها ولا أتذكر أني وضعتها في فراشها. فمن فعل ذلك؟ زيادة على ذلك كان إخوتي في أماكنهم مفزوعين من صراخي هذا، هذا إذا ما شككت أن أحدهم كان يحاول إخافتي. فما التفسير لكل هذا؟
لكن كعادتي براءتي غلبتني فلم آبه لخوفي، وتمنيت لو تكون فعلاً أمي هي التي تعتني بنا، فهذا كان يرضيني ويهون علي الأمور، وتمنيت لو أراها حتى ولو كانت شبحًا أو طيفًا، ورغم أني كنت أعلم أن هذا مستحيل.
رواية قصة اليتيمة الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
تقول: أصبحت زوجة أبي ناقمة عليا لأنني سببت لها الأرق ليلة أمس بسبب صراخي.
لقد كنت أحس أنها تكرهني أنا بالأخص، ربما لأنني كنت متفوقة في دراستي وهي التي لم تر مدرسة في حياتها، أو ربما لأني كنت دائمًا مبتسمة مهما فعلت بي ومرحة، أنشر البسمة على وجوه إخوتي حتى في أسوأ الظروف.
ولم تكن معاملتها السيئة تؤثر فيّ، لأنني كنت قد تعودت عليها، وكان همي إخوتي وراحتهم، أما هي فلم أكن أهتم لها.
ومع ذلك، كان هناك أمر يفطر قلبي حقًا ويدميه، وهو سماع صديقتي وهي تتحدث عن أمها، فتخبرني تارة أنها لا تنام إلا في حضنها، أو لا تغفو إلا على صوتها.
والأدهى والأمر حين تسألني: كيف أستطيع العيش من دون أم؟
أو عندما أذهب لأناديها، فتفتح لي أمها الباب وتطلب مني انتظارها بالداخل، فأقف أتأملها وهي تلبسها معطفها وحذاءها، وتنصحها أن لا تتحدث إلى الغرباء، وأن تنتبه على نفسها، وأن تضع يداها في جيبها حتى لا تبردا.
وأقول في قرارة نفسي: أمي كانت ستكون أحن من أمها وأطيب منها بكثير، لأنها أجمل وأشطر منها بكثير، رحمة الله عليها.
كنت أعتصر ألمًا وأنا أراقبها كيف تعاملها، وأنا من حرمت كل شيء: الحب والحنان وملابس العيد واللعب والألعاب.
وابتليت بزوجة أب قاسية، ولم يتوقف الأمر هنا، بل زادت معاناتي حين قررت فجأة تلك اللئيمة تعلم القراءة والكتابة على حساب دراستي.
فراحت تجبرني على تعليمها في كل الأوقات، ومع أعمال البيت لم يعد يتسنى لي وقت للدراسة، وتراجع مستوايا وانتبه أساتذتي للأمر، كيف لا وأنا من كنت الأولى في صفي وأخذوا يوبخونني.
وفي أحد الأيام، عرضت عليا صديقاتي أن أنضم إليهن كأمينة للمكتبة المدرسية، فوافقت دون تردد لأنها كانت فرصتي الوحيدة لمراجعة دروسي.
وفعلًا ذهبت وأخبرت زوجة أبي أنهم غيروا توقيت المدرسة، وأعطيتها استعمال زمن جديد غير الذي كانت قد أخذته مني في بداية السنة الدراسية، ولكن هذه المرة ملأت كل ساعات الدراسة الفارغة فيه.
وفعلًا بدأت أتردد على المكتبة وتحسنت درجاتي، وأحسست أن الدنيا أصبحت أخيرًا تبتسم لي.
ولم تشك زوجة أبي في الأمر أبدًا، فاطمأن قلبي وأخذت أحضر لامتحاناتي، ورحت أحلم بنجاحي وبإتمام دراستي والعمل والاستقلال...
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فلم أكن محظوظة إلى تلك الدرجة.
لأنه ولسوء حظي، أستاذي للغة العربية كان أحد أقرباء صهرنا، وقرر يومًا أن يذهب إلى أهلي ويخبرهم أنني لا أخرج مع صديقاتي في الوقت المحدد، وأني أقضي وقتًا في المكتبة مع بعض الفتيات ومعنا مسؤول المكتبة، وأنه يخاف عليا وعلى سمعتي...
وآه لو تعلم ماذا فعلت بي في ذلك اليوم المشؤوم يا أستاذي، لقد حكمت عليا بالإعدام وسلبت مني متنفسي الوحيد، فدراستي كانت حياتي وكتبي كانت رفيقي والقلم كان نبضي.
فلم يحاولوا حتى أن يفهموا، وكل ما فعلوه هو أنهم حرموني من الدراسة ومنعوني من الخروج من البيت إلى الأبد، ولم يعد لي متنفس إلا اللجوء إلى ربي سبحانه وتعالى، أدعوه ليل نهار أن يفرج عني ما أنا فيه.
آه يا مدرستي، آه يا صديقاتي، وألف آه يا أبي، فقط لو تستمع لي للحظة حتى أشرح لك.
ولكن كيف وقد انهالت عليه زوجته وعليا بكل أنواع الشتائم والسباب، ولتشحن أبي أكثر بدأت تلعب على وتر الشرف عنده، وأني كنت سأضع رأسه في الوحل متسائلة: ماذا كنت أفعل مع رجل غريب في المكتبة؟
وكأن المكتبة حانة والعياذ بالله، أو كنت فيها وحدي كل هذا الهول، لأنها تجهل أصلًا معنى المكتبة ولا تعرف أنها داخل أسوار المدرسة، والرجل الذي تتحدث عنه في الأصل هو أستاذ وكان قد ساعدني كثيرًا في استدراك دروسي التي فاتتني جزاه الله خيرًا.
المهم أن معاناتي زادت أكثر مما كانت عليه، وحياتي أصبحت لا تطاق، حتى أني حاولت الانتحار في مرات عديدة.
فكنت مرة أصعد إلى سطح بيتنا محاولة أن أرمي بنفسي من الأعلى، ولكن أعود وأتراجع.
أتعرفون لماذا؟ فقط من أجل أبي المسكين الذي توقعت أنه لن يتحمل الأمر وربما يموت من الصدمة، والناس لا ترحم وقد يفسرون موتي بشكل خطأ، خاصة زوجة أبي.
وفي أحد المرات حزمت أمتعتي لأهرب من البيت، وتسللت ليلًا حتى وقفت عند باب المخرج، ثم فكرت في إخوتي وماذا سيحدث لهم بعدي، فتراجعت وعدت إلى فراشي وأنا أستغفر الله.
ولكن الآن أنا أعي الحقيقة وأعلم أن ذلك فضل من الله، لأنه هو من حفظني من التشرد والضياع، ولله الحمد والمنة.
المهم في تلك الليلة المؤلمة بكيت كثيرًا حتى تورمت عيناي، وفكرت كثيرًا لأجد حلًا يعيدني إلى صفوف الدراسة، ولكن دون جدوى.
فهيهات أن أجد من يعينني.
كنت أجلس في المطبخ وحدي وأنا أفكر فيما حدث معي وماذا سيحدث لي، ولم أنتبه لنفسي ولا للساعة حتى سمعت شخصًا يناديني، كان صوتًا خافتًا ما زالت نغمته في أذني ليومنا هذا.
وقفت قليلًا حتى أتبين الأمر فتكرر مرة أخرى، ظننته أحد إخوتي يناديني لأن الوقت كان متأخرًا جدًا.
فأطفأت ضوء المطبخ وركضت إلى الغرفة، وعند دخولي أول ما شد انتباهي شيء ما دخل المدفأة.
وقفت قليلًا وأخذت أنظر إلى الغرفة بتمعن، كان إخوتي نيام وهلعت على صراخ زوجة أبي:
اطفئي النور.
تساءلت: ماذا أفعل؟ أردت أن أرى فقط ما الذي دخل إلى المدفأة، ولكنني خفت من زوجة أبي بالأخص بعد كل ما حدث معي وما مر بي.
فأطفأت النور وأسرعت إلى فراشي وأنا أرتجف من الخوف.
وما إن غفوت حتى هزني أحدهم بكل قوة فقمت مفزوعة، لقد كان أخي.
لم أر وجهه في الظلام ولكن صوته كان يرتجف وترجاني أن ينام بجانبي، فقلت له: نعم طبعًا.
وأخذته في حضني، لقد كان يرتعش فسألته: مابك؟ هل أنت بردان؟
والعجيب أنه سألني: هل أنت من كنت واقفة عندي منذ قليل وتسحبينني؟
فاندهشت وقلت: لا، كنت نائمة.
فأقسم لي أنه رأى امرأة في الظلام كانت تسحبه من قدميه نحو المدفأة وأرادت أن تدخله فيها.
ارتعبت مما سمعت، أشعلت الشمعة وأخذت أهدأ من روعه، وقلت له إنه ربما كان يحلم فقط.
ولكنه ظل مصرًا على رأيه، وأنه رآها جيدًا ولم يكن يحلم، حتى أنه ظنها زوجة أبي تريد أن تخيفه.
فطلبت منه أن يصمت ويحاول النوم، وفي قرارة نفسي كنت أعلم أن بيتنا فيه خطب ما ولابد لي أن أعرف ما هو.
رواية قصة اليتيمة الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
...... تقول سأتحدث عن أبي فالكثير منكم سألني عنه و لماذا لم يحرك ساكنا ليساعدنا ولماذا لم اخبره عن ما كانت تفعله زوجته بنا في الحقيقة لم يكن ابي شابا جليدا بل كان عجوزا بسيطا طيبا وكان يحبه جميع من في بلدتنا ويحترمونه كثيرا
ولأنه لم يكن صغير السن كنت أرى كم انهكته الأيام والسنون وقد انجبنا بعدما غزى الشيب شعره وخانته صحته فبالكاد كان يخرج الى المسجد في اوقات الصلاة وربما كانت معاناته اكثر منا بكثير فنحن فقدنا أمنا اما هو فقد نصفه الآخر
كان الجميع يخبرنا كم كان يحب امي وكنا نلاحظ كيف أثر رحيلها على صحته وحياته حتى لم يعد في الجسد طاقة لتغيير الزوجة او الاعتراض على تصرفاتها لذا كنت ارفأ لحاله وأرى كم كان يعاني في صمت رحمة الله عليه
كنت أحب ابي كثيرا لأنني أعلم أنه عانا كثيرا في صغره فقد مات والده وهو في سن صغير جدا فقامو بتزويج امه من عمه الذي كان قاسيا وسرعان ما طرده من البيت بعدما انجب اولادا آخرين من امه فعاش اخوته عيشة رغيده وكبر ابي مشردا يكد ويشقى ليكسب لقمة عيشه ولا يرى أمه أي جدتي الا في الخفاء او عندما يغيب زوجها اي عمه عن البيت
لهذا لم اعاتبه ابدا لا سرا ولا علنا على ما كنا نمر به وانا أسامحه على كل شيء وأسأل الله ان يغفر له و لي خاصة إن كنت قصرت في حقه رغم اني اعلم انني لم افعل ولكني اخاف ان اكون قد عاتبته دون ان انتبه خاصة عندما كنت أُعاقب بشده ولكن اعرف كم كنت تحبني يا أبي وكم كنت تنتضر زيارتي بعدما تزوجت بفارغ الصبر
فرحمة الله عليك يا أغلى ما كنت املك في هذه الدنيا بعد أمي
تراكمت الأحداث وإمتدت الظواهر الغريبه الى إخوتي وهذا ما أقلقني كثيرا واصبحت خائفة عليهم أكثر من خوفي على نفسي كان أخي ليزال مرتعبا مما حدث معه في الليلة السابقه
لذا تعمدت في هذه الليلة التماطل حتى تنام زوجة أبي و غيرت فراش أخي الذي كان ينام بين باب غرفتنا والمدفأه و وضعته بجانبي ولكنني تركت مسافة بيني وبينه خوفا من زوجة ابي التي كانت تتعمد تنويمه في ذلك المكان فوق فراش رث فقط لأنه كان يعاني من تب.ول لا ارادي وبحجة ان رائحة تنبعث منه
و نمنا في تلك الليله ونحن نمسك بأيدي بعضنا لأنه كان خائفا و للأسف الشديد بال أخي في هذه الليله ربما من خوفه... وكان من عادة زوجة ابي كلما أفاقت ليلا وخرجت من غرفتها الى الحمام تأتي وتحسس فراشه وفي هذه المره وجدته مبللا
فنهالت عليه بالشتائم واستيقض الجميع على صراخها ورحنا ننضر اليها وكالعادة كان عقابها مؤلما جدا وشديدا عليه وعلينا كلنا لقد جردته من كل ملابسه امامنا وإنهالت عليه ضربا بالسوط و امسكته من يده ورمته في فناء البيت عاريا وأقفلت الباب بالمفتاح وحذرتنا من أن نفتح له والا سنلاقي اضعاف ما يلاقيه فبقي أخي المسكين خارجا رغم اننا كنا في فصل الشتاء والجو بارد جدا
أما نحن فكنا نقف امام جلادنا لا حول لنا ولا قوة لا نبدي أي ردت فعل غير البكاء والحسرة على أم ماتت قبل أن نتعلم منها كيف نواجه قسوة الحياة وقبل ان نشم رائحتها وقبل حتى أن ننطق بإسمها رحمة الله عليها
كانت السماء تمطر بغزارة في تلك الليلة ورغم ذالك قضى أخي معضم الليل في المطبخ عاريا وانا قضيتها واقفه امام الباب أبكي نسيت كل شيء عن الخوف و الرعب حتى أمر المدفاة نسيته كنت افكر فقط في أخي وانه ربما يموت من البرد و فجأة سمعت حركة في غرفة ابي ضننتها هي
فركضت الى فراشي ولكن حين تحققت رأيت ابي فارتحت وفرحت خرج ابي وأحضر أخي الى فراشه ودخل غرفته فبدأت زوجته تصرخ وتقول له انها تريد ان تعاقبه ليتوقف عن تبليل فراشه وأنها تريد مصلحته وابي يحاول ان ينطق بحرف ولكن دون جدوى فصراخها كان يصل الى الشارع
فقلت في قرارة نفسي سبحان الله انها تريد قت.لنا لا تعليمنا
و اسرعت الى أخي فجففته وألبسته ملابسه وأخذته في حضني ثم سألته ماذا كنت تفعل وفي الحقيقه كنت احاول أن اعرف بشكل غير مباشر إن كان قد رأى او سمع شيءا في الخارج فقال لي أنه كان يشعر وانه حاول اشعال الموقد ليتدفأ ولكنه لم يعرف كيف
فقلت في نفسي سبحان الله الليله حتى الأشباح ربما رأفت بحالنا فنامت باكرا وتركتنا لما نحن فيه
و في اليوم التالي اصبح أراقب أخي خوفا عليه أن يمرض بسبب ما عاناه البارحه واصبحت زوجة أبي تستشيط غضبا فحزمت امتعتها وذهبت لزيارة اهلها
بعد مغادرتها قمت بغسل ملابس أخي وفراشه وانا سعيده كنا نشعر بفرحة عارمه عندما تغيب عن البيت وحتى أبي كنت اشعر انه مرتاح أكثر في غيابها المهم انها تركت لي الفرصه لأنني قررت ان أخبر ابي بكل شيء الليلة
رواية قصة اليتيمة الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
منذ أن توقفت عن الدراسة استبدلت مدرستي بسطح بيتنا، ومحفظتي بكل أنواع الكتب التي تطالها يدي، وكثيرًا ما كنت أقرأ منها لأختي. أما القلم والأوراق البيضاء، فكانت ملاذي الوحيد أخط فيها كل ألمي ومكبوتاتي. بقيت على هذا الحال حتى يومنا هذا، فقد استبدلت الأوراق بصفحاتي على الفيس ولم أتوقف يومًا عن الكتابة، فهي شغفي وملاذي وسندي بعد الله سبحانه وتعالى طبعًا. كنت أحول جراحي إلى كلمات، ومعاناتي إلى أبيات، وذكرياتي إلى قصص، وكل جميل من حياتي إلى خواطر، أما آهاتي ويأسي إلى استغفار وتوبة ورجوع إلى الله تعالى.
المهم في تلك الليلة بعدما غادرت زوجة أبي إلى بيت أهلها، حضرت العشاء باكرًا، عشيت إخوتي وأخذت لأبي عشاءه. وعندما انتهى، ذهبت لآخذ الصحون من عنده وأنا مصرة على أن أخبره.
لقد كان أبي رجلًا ذا هيبة عظيمة، قليل الكلام كثير الصمت، لا نكاد نسمع صوته إذا تحدث، وكنا نحترمه احترامًا لا يوصف ولا نتكلم معه إلا في الأمور المهمة وطبعًا بعد انتقاء كلماتنا جيدًا. لذا كان من الصعب أن تفتح معه موضوعًا أو تسأله عن شيء، ليس لأنه قاسٍ أو متعجرف، لا بل كان حنونًا جدًا، ولأننا تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن نحترم عزلته وهيبته.
المهم دخلت عليه في تلك الليلة وأنا مترددة، ثم استجمعت قواي وسألته:
"أبي؟"
فقال لي:
"نعم بنيتي."
فارتحت لنبرة صوته وزادت ثقتي بنفسي وقلت له:
"أبي، أنا أرى أشياء غريبة ومريبة تحدث هنا في بيتنا، وحتى أخي رآها وسمعها."
كان أبي دائمًا مطأطأ الرأس ينظر إلى المسبحة التي لا تفارق يده، فتوقف عن التسبيح وشعرت أنه يسأل نفسه: هل أخبرها أم أكذبها وأنكر الأمر برمته؟ سكت للحظات أو ربما دقائق أو ساعات لا أدري، المهم أنني كنت أنتظر بتلهف جوابه. لقد سكت حتى قرر أخيرًا الكلام فرفع رأسه ونظر إليّ وقال لي:
"أين إخوتك؟"
قلت:
"تعشوا وناموا."
قال لي:
"أنت متأكدة؟"
قلت:
"نعم."
قال لي:
"أغلقي باب الغرفة وتعالي."
ففعلت بسرعة وعدت إليه، فعاد وسألني:
"هل أخبرت أحدًا بالأمر؟"
قلت:
"لا يا أبي."
فقال لي:
"اجلسي."
فجلست قربه وأنا أصغي.
فقال لي:
"إن منزلنا هذا قديم جدًا، وأعرف أن أجدادي توارثوه وورثوه لأولادهم."
قلت:
"أعرف."
فقال لي:
"وقديمًا لم يكن بهذا الشكل، لم يكن يحتوي إلا على هذه الغرفة التي نجلس فيها وننام فيها، وكانت جدتك تطبخ فيها وتصنع زرابي الصوف فيها. كانت هي كل البيت، أما غرفتكم والمطبخ والحمام فكانت عبارة عن فناء واسع. وفي مكان المدفأة كانت شجرة تين كبيرة، وعندما كنت صغيرًا غضب مني عمي مرة وعاقبني بتركي في الفناء ليلًا، فصعدت إلى الشجرة ونمت فوقها. الغريب أنني أفقت على صوت طفل صغير يبكي بكاء شديدًا، وأمه تحاول إسكاته، رغم أنني كنت وحيد أمي ولا أحد غيري في البيت. وظللت أبحث لعلي أجد صاحبة الصوت وابنها، لكنني لم أجد أحدًا. وفي الصباح حين أخبرت أمي، أي جدتك، بالأمر أنكرت ذلك وقالت لي أنني كنت أحلم، ولكنني كنت متأكد مثلك أنني لم أكن أحلم."
فقلت:
"نعم وهذا ما حدث معي، أكمل يا أبي."
فقال أبي:
"نعم عرفت وعلمت منذ تلك الليلة التي صرخت فيها، وما زال هناك المزيد يا ابنتي."
سمعت الكثير عن معاناة أبي في صغره من أختي الكبرى، لذا كنت أراها الأكثر حظًا بيننا لأن أمي هي من قص عليها تلك القصص. وكنت كثيرًا ما أطلب منها أن تصف لي أمي وعن كل شيء يخصها، فتخبرني عن بعض ذكرياتها معنا، تلك الذكريات التي لا أذكر منها شيئًا. فأسألها حتى عن طريقة لبسها وتسريحة شعرها ومشيتها وابتسامتها وخصوصًا شكلها، وكنت أسألها:
"من منا الأكثر شبهًا بها؟"
ولا تتصورون كم كنت أحب سماع تلك القصص منها، لقد كانت من أجمل القصص التي سمعتها في حياتي. لذلك أنا أرى أختي الأوفر حظًا بيننا بينما هي ترى نفسها الأتعس فينا، لأنها تفتقد عطف أمي وحنانها أكثر منا جميعًا، لأنها جربته ثم حرمت منه، علمًا أنها كانت في سن الثالثة عشر فقط حين ماتت أمي وتركتنا في عهدتها.
أما أبي فمن المستحيل أن يسرد القصص عنه أو عن غيره، من هنا كنت أرى أن جلوسي قرب أبي وأن يخبرني هو بنفسه عن صغره يعتبر إنجازًا كبيرًا بالنسبة لي. لذا كنت أستمع إليه بفرح وسرور حتى تمنيت لو أنه لم يتزوج وعشنا وحدنا لربما كانت حياتنا ستكون أفضل بكثير، ولكنني في نفس الوقت أشفق على شيخوخته التي لا تسمح له بالاعتناء بنا وحده.
المهم قال لي أبي:
"بعدما تزوجت أمي، يقصد جدتي، قرر زوجها أي عمي أن يبني غرفة أخرى لي أنا وأخواتي البنات لأن هذه الغرفة لم تعد تكفينا كلنا، فاقتلع شجرة التين وبنى مكانها غرفتكم تلك، وفي مكان الشجرة بالضبط بنيت المدفأة المريبة. وكانت جدتك تستعمل نار المدفأة كموقد لطهو الطعام، وأخبرتني يومًا أنها كانت ترى قطة تدخل المدفأة وعندما تبحث عنها لا تجدها أبدًا وكأنها كانت طيفًا."
فتذكرت القطة التي كنت أراها.
ثم حكى لي أبي قصة غريبة قال لي:
"إن جدتي رأت في إحدى الليالي أفعى في الغرفة فتبعتها حتى دخلت المدفأة، وحين بحثت عنها لم تجد لها أثرًا، ولكنها بدل ذلك وجدت بيضًا صغيرًا، فجمعته ووضعته في كيس ورمته في فناء البيت على أمل التخلص منه في الصباح. بعدها عادت ووضعت الطعام يطهى في قدر من الفخار في المدفأة، وحين اجتمعنا للعشاء وقبل أن تمد أمي يدها إلى القدر لتسكب لنا، أخبرت عمي ما حصل معها وبأمر البيض الذي رمته، فغضب منها غضبًا شديدًا وأمرها أن تعيده إلى مكانه، فأسرعت إليه وأعادته إلى المكان الذي أخذته منه."
يقول أبي:
"وفجأة ظهرت تلك الأفعى من العدم والتفت حول القدر وهو يغلي على النار وشدته بقوة حتى تكسر القدر وانفلت الطعام على النار فأطفأها أمام ذهول الجميع وحيرتهم كيف لم تتأثر بالنار المشتعلة ولم تخف منها."
فقال عمي:
"لا بد أنها نفثت سمها في قدرك لتقتل أطفالك مثلما تخلصت أنت من صغارها."
وحذر عمي أمي أن تؤذي أي شيء يخرج من المدفأة أبدًا وأن تتجاهله، فهو لن يؤذيها أبدًا ما دامت هي لا تؤذيه.
ثم نظر أبي إليّ وقال لي:
"وأنتِ أيضًا، إياك أن تدققي فيما ترين أو تؤذي شيئًا يخرج منها مهما كان."
كنت أصغي إلى أبي وكأنني أرى فيلم رعب أمامي، ورغم ذلك لم أكن خائفة بل كنت فخورة لأنه وثق بي وبشجاعتي ليخبرني كل ما سمعت منه.
رواية قصة اليتيمة الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
قصة اليتيمة الفصل السادس 6 -
تقول رغم أن ما سمعته من أبي كان مرعبا الا أني لم أخف أبدا او على الأقل اعرف أن هذا الشيء لم يأذي أحدا قبلي ولن يأذيني وبالأحرى كنت فقط اواسي نفسي اما في الحقيقه لقد كنت امشي واتلفت يمينا وشمالا وانام على ضوء الشمعه غالبا..
و كنت أجد بصيص أمل و بعض الدفإ بسبب وجود أبي في حياتنا كان كالنسمة بالنسبة لنا رغم صمته الطويل كم كنت احب صوت عكازه داخل البيت خاصة عندما يدخل المطبخ ويبدأ يلتفت يمينا وشمالا فأسأله هل تريد السكر يا أبي فيهز رأسه اي نعم فآخذ حاملة السكر واضع البعض منه في كفه فيلتقمه ويخرج بصمت لا يجزر ولا يصرخ بل يكلمنا بكل حب وحنان كان من عادته دائما وضع علبة من الحلوى الشاميه او قطعا من السكر تحت وسادته ويأخذ منها من حين لآخر ربما مرارة الحياة عودته على فعل ذالك ضنا منه انه ربما مرارت عيشه تحليها قطعة من الحلوى او السكر
اما انا فكنت اكمل اعمالي المنزلية بسرعة واصعد الى سطح البيت حاملة معي قلمي وكراسي الذي في غالب الأحيان اكون قد صنعته ببعض الأوراق البيضاء التي اسرقها من كراريس اخوتي فأطويها واخيطها من الوسط لأحصل على كراس صغير أخط فيه وحدتي ومعاناتي واخبئه بمجرد سماع خطوات زوجة ابي لأنها كانت تكره رأيتي وانا أكتب
كنت اكتب دائما عن الام والألم مرة على شكل ابيات شعر او خواطر مبعثره او قصصا في بعض الأحيان كنت احب فصل الصيف لأني كنت اقضي خلاله اليوم كله على السطح وكنت اكره فصل الشتاء خاصة الايام الممطر منه لأنها كانت تحرمني من عزلتي فبسببها كنت اضطر للنزول رغما عني اما البرد فقد تعود عليه جسدي حتى ما عاد يشعر به
و كانت قسوة زوجة ابي تخيفني اكثر من تلك المدفأة التي يسكنها الاشباح كانت غير مباليه ورغم انها عندما دخلت بيتنا وجدت اختي الصغرى تبلغ سنة واحدة الا انها لم تكن تلك الأم الحنون لها بل كان حظها من المعانات مثلنا او أكثر ففي أحد مرضت اختي واصابتها حمى شديده وبِت اضع لها كمادات الماء البارد لأخفض حرارتها وهي تئن وكنت قد أضأت شمعة كعادتي وبما أنها لم تنم طوال الليل احست بالجوع و
المشكله أن الخبز كانت تخبئه تلك اللئيمه عندها في الغرفة فأخذت شقيقتي على صدري اصبرها وغفوت على انينها من الجوع ثم فجأة افقت على صوت غريب تحت الثلاجة التي كانت موجوده في غرفتنا كانت خرخشه ضننتها فأرا في الأول ولم ارد ازعاج اختي المريضه فأخذت الشمعة ووجهتها تحت الثلاجه فرأيت تلك القطه وكأنها تأكل شيءا ما و سرعان ما رأتني وتقدمت نحوي وانا اكاد اموت من الخوف
فأغمضت عينيا و اخذت اكرر باسم الله باسم الله بصوت مرتفع حتى خرجت زوجة ابي نظرت اليها وفقلت بدون انتباه قطه وانا اشير اليها فنظرت تحت الثلاجه ولكنها لم تجد شيءا الا قطعة خبز فعاتبتني لاني لا أنظف جيدا تحت الأثاث ولم تنتبه حتى لأختي او سألت عن سبب عدم نومي المهم أن هذه كانت ثاني مره تظهر فيها القطه وتختفي من العدم وكما وعدت أبي لم ولن أوذي مخلوقا أراه أبدا.....
وهكذا كانت تمر أيامي مثل بعضها معاناتنا فيها انا واخوتي تزداد يوما بعد يوم كيف لا وقد منعنا من الخروج الى الشارع للعب مع اقراننا ونحن لا نزال اطفالا صغارا ومنعت صدقاتي من زيارتي واصبحنا كلنا عبيدا عندها نكنس ونطبخ ونرتب البيت أما هي فتنام طول اليوم في حجرتها التي هي في الحقيقة حجرة امي وخزانة واثاث امي وكل ما تبقى من أثر جميل لأمي ولكننا قد منعنا منعا باتا من الدخول اليها او الاقتراب منها حتى أنها كانت تغلقها بالمفتاح إذا خرجت من البيت
للعلم أمي لم تكن وحيدة والديها بل كانت لدينا خالة واحده تسكن في الباديه و أيضا اربعة اخوال اثنان منهم كنا لا نراهما الا في المناسبات اما الثالث فقد هاجر ولم يره أحد بعدها لكن اصغرهم فكان خالي ابراهيم رحمة الله عليه رجلا طيبا وحنونا دائما ما يزورنا ويغدق علينا بالهدايا و كان يعاني من اعاقة حركيه في الشق الايسر من جسده فكان أعرج ولا يمشي الا بعكاز اما يده فكانت مشلولة تماما
كنت كلما رأيته اسرعت اليه فأعانقه بشدة و أقبله على وجنتيه وكنت أحاول دائما الوصول الى جبهته لأقبلها تقديرا له فقط لانه كان فقيها حافظا لكتاب الله فيرفع رأسه ويقول لي:ْ أُبْ أُبْ مازلت صغيرا على تقبيل رأسي يا ابنة اختي ويضحك بصوت مرتفع
آآه يا خالي كم كنت احبك وكم احببت ضحكتك الجميلة وكم كنت أحببت رائحتك تلك كنت احس انها رائحة أمي التي لم ولن أشمها أبدا في حياتي...
كان يبيت خالى عندنا تلك الليله فيجلس ونحن حوله يسألنا عن كل شيء و نحن نرد تارة و نداعبه تارة اخرى وهو يبتسم و الألم يملأ عينيه حزنا على أخت رحلت في عز شبابها لتترك قطعا منها متناثرة تفطر قلبه كلما رآها رغم انه كان يحاول كتم دموعه الا أنني كنت أراها تتراقص في عينيه البنيتين
وكانت زوجة أبي تمنعنا من العمل في حضوره و كنت أضن انها تفعل ذالك ليتسنى لنا الجلوس معه ولكن مع مرور الوقت عرفت انها كانت تفعل ذلك لتظهر للجميع انها تحسن معاملتنا
وكان خالي يحضر لنا هدايا كثيره ألعابا وملابس لا نراها الا عندما يعطينا اياها فنسعد بها للحظات ثم تختفي من الوجود حتى تمر الأيام وعندما يأتي ابناء وبنات اخيها نرى ملابسنا عليهم والعابنا في أيديهم
المهم في أحدى زيارات خالي ابراهيم لنا وبعدما تعشينا ورتبت فراشه وفراشنا ساعدناه كالمعتاد في خلع سترته وعمامته وإجتمعنا حوله ليقص علينا قصصا عن السيرة النبويه وعن الصحابة الكرام ولم ننم الا في وقت متأخر كنا سعداء جدا و فجأة قمنا على صوت خالى وهو يصرخ باسم الله فخرج ابي من حجرته مسرعا ووقفنا كلنا مندهشين
وهو يردد لم اكن احلم لقد جاء اليا رجلين حملني احدهما من قدميا والثاني من يديا وكادا يدخلانني الى المدفأة وانا اصرخ بلا صوت وفجأة ظهرت امرأة و قالت اتركو الرجل انه ضيف كريم وليس الآن وقته فوضعاني واختفيا لقد كان خالي مرعوبا و لم ينم ليلته تلك وهو يترقب حتى الصباح و مع اول شعاع للشمس ولسوء حظنا لم يبت عندنا بعدها رغم انه ظل يزورنا دائما
رواية قصة اليتيمة الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
تقول في حاضرنا اليوم: زوجة أبي أصبحت عجوزًا، تعدت الثمانين من عمرها. والغريب أنها تعيش مع أخي في نفس البيت، وحين تمرض يجري بها إلى الطبيب حتى ولو في منتصف الليل. ذلك الليل الذي كانت لنا فيه أقسى الذكريات معها. وهل تعرفون مَن مِن إخوتي ذلك الذي كان يبيت عاريًا في المطبخ؟ اليوم أولاده ينادونها جدتي، ويقضون لها كل طلباتها، ولكنها رغم هذا تنام وحدها في غرفة باردة، خالية من الحب والحنان، ذلك الحب الذي لم تعرف كيف تزرعه فينا في صغرنا حتى تحصد ثماره الآن في شيخوختها.
ولأنها لم تنجب أطفالًا، فنحن نصلها لوجه الله، ونزورها في المناسبات والأعياد، إلا أننا من المستحيل أن ننسى ما مر بنا، خصوصًا أننا نعاني كلنا من ذلك البرد الذي تحملناه في صغرنا، ويظهر أثره اليوم فينا.
وبعيدًا عن الأشباح والخوف، سأحدثكم عن خالتي الوحيدة مريم. كانت خالتي عجوزًا مسنة لأنها الأكبر بين أخوتها، وكانت تسكن في البادية وتعيش من خيرات مزرعتها النباتية والحيوانية، وكانت تزورنا من حين لآخر، عكس زوجها عمي أحمد الذي كان يأتي لزيارتنا كل يوم ثلاثاء لأنها السوق الأسبوعية، أين كان يبيع منتوجات مزرعته، رحمة الله عليه.
كنا ننتظر زيارة خالتي لنا بفارغ الصبر، وعندما كنت أراها لا أعرف بما كنت أشعر، وكأن شيئًا ما يتحرك بداخلي. فبالرغم من أنها كانت عجوزًا كبيرة في السن، إلا أنها كانت لا تتوانى عن زيارتنا. وما إن نسمع أزيز سيارتها البيضاء حتى نسرع إلى الشارع فتغمرنا سعادة لا توصف عند رؤيتها. فنسرع إلى مساعدتها على حمل قفتيها الملونتين بالأحمر، تلك القفتان من الدوم اللتان كانتا دائمًا ما تكون محملة بكل ما لذ وطاب من المعجنات والمخبوزات وبيض وجبن وزبد ولبن، وذلك الكيس الذي يعلوها دائمًا ما يحمل كل السعادة التي في الوجود من ملابس وأحذية وأقمصة كانت تحيكها لنا من الصوف. أما إخوتي فكانوا يحملون عنها تلك الدجاجات المربوطة من أرجلها وهي تصيح، فتملأ الفرحة بيتنا كأنه العيد في صورة خالتي.
ولكن زوجة أبي كانت تتمغص منها، وسرعان ما تدخلها غرفتها وتمنعنا من الدخول إليها، فلا نراها إلا خلسة من وراء الستار. فتجلس معها وتأكل معها وتراقبها حتى لا نخبرها عن معاملتها السيئة لنا، وتطعمنا لوحدنا. وبعد أن ننام ترتب لها فراشها وتأتي بها إلى غرفتنا لتجدنا نيامًا فتنام هي أيضًا.
وتغادرنا في الصباح بعد محاولات عدة لاصطحابنا معها حتى نقضي أيامًا عندها، لكن دون جدوى لأن زوجة أبي لن تقبل أبدًا. وهكذا ينتهي عيدنا وخالتي مغادرة قبل حتى أن يبدأ، وهي تتحسر على أختها الصغيرة المدللة التي رحلت لتغلق صفحة من حياتها حارمة إياها من سند في الحياة. ونحن أشد منها حسرة على أم رحلت قبل أن نعرف معها حب الخالة وحنان الخالة ودلال الخالة وكرم الخالة، فرحمة الله عليكما يا أغلى الأحباب.
وهكذا يرحل كل من يزورنا ليعود إلى حياته، ونعود نحن إلى حياتنا البائسة وإلى بيتنا المظلم الذي أُعْتِمَ يوم انطفأ نور أمي الذي كان يضيئه. ورغم ذلك، وجود أبي في حياتنا كان الأمل بالنسبة لنا. ورغم صمته كان يسعدني صوت عكازه داخل البيت، خاصة عندما يدخل المطبخ ويبدأ يلتفت يمينًا وشمالًا فأسأله:
هل تريد السكر يا أبي؟
فيهز رأسه: أي نعم.
فآخذ السكر وأضع البعض منه في كفه فيلتقمه ويخرج بهدوء. فمن عادته دائمًا وضع علبة من الحلوى تحت وسادته ويأخذ منها من حين لآخر، ربما مرارة الحياة عودته على فعل ذلك ظنًا منه أن مرارة عيشه تحليها قطعة من الحلوى أو السكر.
توالت السنين ونحن على حالنا، لم يتغير شيء فينا إلا أننا أصبحنا أكبر وأنضج. وهذه السنة أتممت الخامسة عشرة سنة وأختي إحدى عشرة سنة. وانخرط أخي في الجيش ولم نعد نراه إلا نادرًا. أما أخي الثاني فلم يكن مجتهدًا في دراسته فترك الدراسة فراح يعمل في كل شيء.
كبرنا وقد ربينا أنفسنا بأنفسنا، فتعلمنا الصبر والحياء والحكمة من صمت أبي ومعاملته الطيبة لنا وحسن خلقه وسيرته بين الناس، فلم نعرف من الدنيا إلا كيفية التعايش مع الألم وجدران بيتنا الأربعة.
لم أكن أخرج من البيت إطلاقًا إلا للحمام كل أسبوع أو أسبوعين، فأنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر حتى أرى الناس والشوارع، كأنني عصفور في قفص لا يرى العالم إلا حين يحمل صاحبه القفص ويخرج به حينًا لآخر ليعلقه أمام الشمس فيرى أقرانه يطيرون بكل حرية، أما هو فلا حول له ولا قوة له إلا النظر من خلال القفص على أمل أن يفتح له شخص ما بابه أو ينسى صاحبه غلقه ذات يوم فيحلق بعيدًا ليرى العالم الكبير.
هذا هو حالي، لم أكن أخرج إلى أي مكان، لا لعرس ولا زيارة ولا في الأعياد.
وتقدم سن أبي أيضًا وأصبح أضعف. وفي أحد الأيام ساءت حالته مما اضطره إلى دخول المشفى لإجراء عملية جراحية ومكث فيها لأيام عديدة. وكنت أدعو الله أن لا يحرمنا إياه حتى لا نبقى تحت رحمة زوجته. وذهب جميع إخوتي لرؤيته في المشفى إلا أنا، فطلب أبي من زوجته أن تصطحبني معها في المرة القادمة لكي يراني لأنه اشتاق إليّ.
كانت زوجة أبي تنعتني بكل قبيح وتتفنن بالإيذاء بألفاظها القاسية، وذلك لتجبرني على الرد عليها فتجد سببًا لتضربني. ولكني كما قلت سابقًا أصبحت أنضج ولم يعد سني يسمح لي ولا لها أن تترك آثار سوطها عليّ، فكنت أكتفي بالصمت والدعاء أن يفرج الله عني ما أنا فيه.
في تلك الليلة جاءت إليّ وأخبرتني أننا سنذهب غدًا عند والدي إلى المشفى وقبلها سنزور خالي لنبارك له لأنه سيزوج ابنه، وبعدها نذهب عند أبي للمشفى. فرفضت أن أذهب معها ثم عدت ووافقت لأنني اشتقت إلى أبي.
في الصباح انطلقنا إلى المدينة مسقط رأس أمي. كانت أول مرة أركب فيها حافلة، والله كانت سعادتي لا توصف. شكرت خلالها الله ثم أبي الذي بسببه أرى العالم. ورحت أنظر إلى الأشجار وهي تجري، وأقسم بالله حتى الطريق كانت تظهر لي من بعيد وكأن فيها بركة من الماء، وعندما نصل ذلك المكان أجده جافًا، فعرفت يومها المعنى الحقيقي للسراب.
رواية قصة اليتيمة الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
تقول: وصلنا أنا وزوجة أبي إلى وجهتنا، ورأيت المدينة لأول مرة، كانت كبيرة وجميلة، ولم تكن كبلدتنا. العمارات فيها عالية والمنازل فخمة، والدكاكين كثيرة والمقاهي، وكل شيء كان جميلًا، أو ربما كان كل شيء عاديًا والأجمل في الأمر كان فقط خروجي من جدران منزلنا الصغير.
وصلنا إلى بيت خالي ووجدنا الجميع مشغولين بالتحضير لحفلة الزفاف التي ستقام بالليل. وعند دخولنا، ذهل الجميع لرؤيتي والتفوا حولي، وكلهم سعادة لرؤيتي، وأقبلوا يسلمون عليّ وهم مندهشون لأنني لم أعد تلك الطفلة الصغيرة التي لم يروها منذ زمن، ليجدوا أمامهم شابة مكتملة الملامح. وأخذت كل واحدة تعرفني بنفسها، وأنا مشوشة، عرفت البعض القليل منهم ولم أعرف أغلبهم. ثم أدخلونا إلى غرفة الجلوس أين كانت خالتي تجلس في ركن من أركانها، ففرحت لرؤيتها.
أسرعت نحوها وسلمت عليها وجلست قربها، وهي تمسك يدي وتقبلها من حين لآخر. فأنحني أنا أيضًا بدوري وأقبل يدها وفرحت كثيرًا لأنني أتيت وشعرت بحبهم لي، خاصة عندما شبهني الجميع بأمي مرددين: "سبحان الله، كأن أمك رحمها الله عليها تجلس أمامنا". أما زوجة أبي فكانت على وشك الموت من شدة الغيظ، رغم أنهم عاملوها أحسن معاملة.
ثم هممنا بالانصراف، ولم تفلح محاولة الجميع لإقناعها بالبقاء حتى وقت الغداء، وهي تحججت بموعد المشفى رغم أن الوقت كان مبكرًا. وغادرنا دار خالي واتجهنا نحو المشفى أين زرنا أبي فغمرني بكل الحب ولاحظت تحسن حالته الصحية.
وفي طريق العودة ظلت زوجة أبي تتذمر من الجميع وأنهم تجاهلوها ولم يهتموا بها.
ولكنني رأيت هناك ما لم تره هي، رأيت كيف كان الجميع أفراد عائلة أمي متلاحمين وسعداء، بعكس عائلة أبي الذي كان دائمًا وحيدًا حتى عماتي قليلًا ما كن يزرننا ولم يكن لي أعمام، فعمي الوحيد قتل في عز شبابه خلال ثورة التحرير، أي قبل حتى أن يتزوج والداي. لذا أدهشني كثيرًا تماسكهم، فهم يفضلون زواج الأقارب للحفاظ على ترابطهم وألفتهم.
وفكرت لو أن أمي ما زالت على قيد الحياة لكنا الآن بينهم وسعداء مثلهم أو أكثر منهم، لأن وجود أمي معنا كان سيكون أكبر سعادة لنا.
تعافى أبي وبعد حوالي شهر تقريبًا من عودته إلى البيت، جاءت زوجة خالي ومعها أخوها وزوجته. ظننت في الأول أنهم جاءوا لزيارة أبي، ولكنهم في الحقيقة جاءوا لخطبتي لابنهما. ولكن أبي رفض لصغر سني، ولكنهم لم يكلوا ولم يملوا وعاودوا طلب يدي لأكثر من أربع أو خمس مرات. فناداني أبي في إحدى المرات وسألني إن كنت أقبل الزواج في هذا السن المبكر، ولكنني استحييت فقلت له: "افعل ما تراه مناسبًا يا أبي".
لم أفكر حينها في الزواج كمسؤولية وبناء أسرة وأطفال، بل فكرت فقط أنني سوف أتحرر ولعلي أستطيع مساعدة إخوتي وأنا خارج أسوار هذا السجن. والغريب أني لم أعد أرى تلك الظواهر الغريبة التي كانت تعكر حياتي منذ زمن، ربما لأن مسؤوليتي زادت وربما مواظبتي على صلاتي وأذكاري هي السبب الرئيسي وراء ذلك.
المهم أنني تزوجت وعمري ستة عشر سنة فقط، ولا أريد أن أطيل عليكم بالتفاصيل المأساوية التي مرت بي في تلك السنة.
لقد بكيت كثيرًا لليالٍ متتالية وأنا أفكر في أبي وإخوتي، وخاصة أختي الصغرى التي تركتها تقريبًا في نفس سني حين تزوجت أختي الكبرى وتركتني مكانها. ولكنني قبل أن أرحل حاولت أن أعلمها ما لم أتعلمه أنا، وهي كيفية التعامل مع زوجة أبي حتى تتقي شرها، وكيف توازن بين دراستها وأعمال البيت التي لن تكون شاقة عليها بإذن الله مثلما كانت عليّ، لأن الفرق بيني وبينها أنني كنت أهتم بإخوتي الثلاثة، أما هي فستهتم بنفسها فقط. فأنا رحلت وأخي الأصغر في الجيش ولا يأتي إلا نادرًا، والثاني كان أكبر منها وهي من ستصبح من مسؤولياته الآن.
ورغم أن الزواج هو فرحة العمر إلا أني لم أحس يومًا بذلك الإحساس، كانت مشاعري عبارة عن تساؤلات متراكمة ومشاعر متداخلة: إلى أين أنا ذاهبة؟ ومع من سأعيش؟ كيف ستكون حياتي؟ هل سيسمحون لي بزيارة إخوتي؟ هل سأكون سعيدة أم سأخرج من سجن إلى سجن آخر؟ ولكن ما كان يطمئنني أن حماي هو ابن عم أمي وزوجته أيضًا ابنة خالتها، أي سأرى أخوالي وخالتي دائمًا وأستطيع أيضًا زيارة أختي في بيتها.
وكان الجميع خلال خطوبتي يصفون حماتي بسيئ الأوصاف وبأنها امرأة متقلبة المزاج. لربما هذا ما دفع أخي لرفض موضوع زواجي وقاطعني طول فترة خطوبتي، أي لعام كامل وأنا أعيش معه في نفس البيت، أتألم لأنه لا يكلمني ولا يجالسني أبدًا.
وهذا كان يسعد زوجة أبي فكانت دائمًا ما تحاول استفزازي بهذا الموضوع، ما زاد من معاناتي في تلك الفترة. ولكن رغم هذا، عاهدت نفسي أن أكون صبورة ومهما حصل لي لن أرجع إلى بيتنا لأكون تحت رحمة زوجة أبي ثانية، حتى وإن مزقوني إلى أشلاء لن أشتكي وسأتظاهر دائمًا بأنني سعيدة حتى أغيظها.
ولكن الحمد لله بعدما عشت مع حماتي اكتشفت أنها عكس ذلك تمامًا، بل كانت امرأة طيبة حنونة متفهمة، أحبتني كابنتها وكانت تساعدني وتنصحني، كانت أمًا لي بأتم معنى الكلمة، حتى أني كنت أتأثر وكثيرًا ما أبكي من حسن معاملتها لي رحمها الله عليها.
والعجيب في الأمر أنها هي أيضًا زوجة أب وليست الأم الحقيقية لزوجي، بل تزوجها أبوه بعد موت أمه. ولكن شتان بين حماتي وبين التي عندنا، رغم أنهما وجدتا الأطفال في نفس العمر. وأغرب ما رأيت من حماتي أن زوجي وأخوه الأصغر رغم أنهما كانا شابين بالغين إلا أنهما كانا يتشاجران دائمًا حين يرونها جالسة، والسبب أغرب من الخيال: فقط للفوز بدفء حجرها. وكان الفائز بينهما ينام في حضنها فتداعب هي شعره وتقبله. لقد ذهلت حين رأيت ذاك المشهد لأول مرة وبكيت بكاءً هستيريًا، أولًا فرحًا لأجلهم، وثانيًا حزنًا على حالي وحال إخوتي لأننا لم نعرف معنى الحنان والعطف في حياتنا.
والحمد لله أصبحت حياتي أفضل بكثير، وحتى زوجي كان شابًا متخلقًا متدينًا، عاشرني بالمعروف وبما يرضي الله. وأصبحت أزور إخوتي كل حين، وكان حماي الغالي رحمه الله عليه يأخذنا دائمًا للتنزه والاستجمام بسيارته، وكان يصر على أبي ليسمح له باصطحاب أختي الصغيرة معنا، فتحسنت حياتي وحال أختي أيضًا والحمد لله ألف مرة.
رواية قصة اليتيمة الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
رواية قصة اليتيمة الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
قصة اليتيمة الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
..... تقول في أحد الليالي كنت احضر العشاء واولادي يراجعون دروسهم مع والدهم وبينما أنا منهمكة في عملي سمعت حركة غريبة في فناء البيت علما أن الجميع كان في غرفتي التي تقع في الطابق الأول بينما المطبخ كان في الطابق الأرضي ضننت أن أحد اولادي قد نزل الى الحمام فخرجت أرى من نزل منهم ففوق الحمام كانت هناك علية فيها بعض الاثاث القديمه التي لا نستعملها وبها سلم كنا نستعمله للصعود اليها و اول ما خرجت من المطبخ ظهر لي طرف فستان امرأه وهي تدخل باب العليه
ثناديت على زوجي واخبرته فصعد اليها ولكنه لم يجد شيءا وقال لي ربما تخيلت الأمر من شدة التعب والوقوف طول اليوم فطلبت منه أن يبقى معي واخذت العشاء الى غرفتي ولم انزل حتى صباح الغد وأول شيء فعلته اغلقت باب العلية و نزعت السلم الذي كان هناك عند الجدار لأن ابني كان دائما يصعد الى تلك العليه فضولا منه ليرى ما بها ويفتش بين اغراضها.. و تعجب زوجي من تصرفي وقال لماذا كل هذا هل انت خائفه مما رأيت البارحه لقد كنت تتخيلين فقط
وفي الحقيقة لم أرد أن أجادل زوجي ولكنني كنت متأكده مما رأيت
و توالت الظواهر وكما ذكرت سابقا فقد توفي والدا زوجي وبقيت انا واولادي في ذالك البيت الذي لم يكن يختلف عن بيتنا كثيرا من جهة الظواهر الغريبة التي تحدث فيه الا ان الفرق بينهما ان ما فيه كان يأذيني رغم اني كنت احصن نفسي بالاذكار والصلاة وكتاب الله الذي لم أكن أفارقني أبدا
لقد كان منزل حمايا واسعا يتكون من طابقين ولأنني كنت أرى الكثير من الاشياء غريبة تحدث في غرفتي قررت ان انتقل الى غرفة أخرى ضنا مني انني ربما اذا فعلت أتخلص من كل هذا و لكن ليتني لم افعل أبدا .
كانت لتلك الغرفة التي اخترتها نافذة تطل على الطابق السفلي و بالضبط على فنائها و في أول ليلة لي فيها ومن شدة التعب اصبت بالأرق ولم استطع النوم و بعدما نام الجميع جلست في سريري اشاهد التلفاز وقد اخفضت ضوءه وصوته حتى لا أوقض أطفالي الذين كنت مضطره الى ابقائهم امام عيني خوفا عليهم مما يدور خارجا رغم كثرة الغرف في بيتي وبينما انا كذالك سمعت حركة غريبة في الأسفل توجست من الأمر ولم أرد ان اقوم لأرى ما يحدث ولكن الاصوات ارتفعت والصخب زاد ترددت كثيرا ثم قررت ان أرى ماذا يجري
تقدمت ببطىء شديد نحو النافذة كان زجاجها مغلقا اما شباكها الخشبي فكان مفتوحا وسبحان الله لن تصدقو ماذا رأيت في فناء الطابق السفلي كانت هناك مجموعة من النسوة كلهن يرتدين فساتين حمراء اللون وقد أشعلو النيران و نصبو القدور والطناجير وكأنهم يطبخون وليمة وكانو يتحركون بكل اريحية وكأنهم في بيتهم هالني ما رأيت كثيرا وكانت تلك المخلوقات تتقاسم المهام ويتحدثن بصوت مرتفع
لكن بكلام غير مفهوم تسمرت في مكاني وبقيت اراقبهن لدقائق او ساعات او لا أدري كم من الوقت وكأنني فقدت الاحساس او الادراك بالزمن من هول ما أرى و ايضا من شدة الخوف ثم تفطنت لنفسي وحين هممت لأوقض زوجي حتى يرى ما أرى تفاجأت بإلتفات احداهن إليا وكأنها قرأت أفكاري ونظرت الى عينيا مباشرة كأنها تقول لي ماذا تريدين ان تفعلي
ولا أريد ان اخبركم كم كانت صورتها بشعه يا إلاهي لقد اخطأت بوصفهن بالنساء ربما كانت صورهن كصور النساء ولكن و جوههن كانت مرعبه جدا جحظت عيناي و أنا أرى ذلك المخلوق يطير نحوي مباشرة و بسرعة كبيرة لم يوقفه الا ارتطامه بزجاج النافذة وكان صوت ارتطامها شديدا لقد هالني فرجعت حينها الى الوراء و انا أصرخ بكل قوتي ووقعت على الأرض
• "قصة اليتيمة"