بينما يهم بلال بالمغادرة، قالت له ماهي: "بلال، انتظر لو سمحت، فأنا أريدك في شيء مهم." ثم توجهت بحديثها إلى صديقاتها: "لو سمحتن يا فتيات، أريد أن أكون مع أخي على انفراد، وأغلقن الباب خلفكن لو سمحتن." خرجت الفتيات وهن ينظرن إلى بلال بإعجاب ويبتسمن له، ثم انصرفن وأغلقن الباب. قالت ماهي بحزن: "الفتيات معجبات بك، يبدو أنك سرقت قلوبهم كما سرقت قلبي." يسحب بلال كرسياً ويضعه في مواجهة ماهي ويجلس أمامها قائلاً:
"كان من الممكن أن أرسل الخادمة لتخبرك، ولكني جئت كي أودعك، فهذا سيكون آخر لقاء بيننا." قالت ماهي بتعجب: "لماذا؟ ألن تزورني بعد الزواج؟ قال بلال: "لا، فقد طلبت نقلي للقرية وقد قُبل طلبي." قالت ماهي: "لماذا فعلت ذلك؟ قال: "لا أريد إفساد حياتك بعد الآن." قالت: "لماذا تفعل ذلك بي؟ ألا تعرف أنك السبب الوحيد الذي أعيش من أجله؟ قال:
"طالما أنا موجود في حياتك، فلن تتكيفي مع الوضع الجديد، وقد نفسد حياة بعضنا البعض، لذا علينا الابتعاد لننسى." قالت ماهي: "أرجوك تزوجني يا بلال وتعالى نهرب من هنا، فالجميع يسعى خلف مصلحته وأنا أيضاً سأفعل مثلهم وسأختار مصلحتي، ومصلحتي أن أكون معك." قال بلال: "لقد تحدثنا في هذا الموضوع سابقاً، فلا تفكري في نفسك فقط، فأنتِ لا تدركين حجم الكارثة التي ستترتب على زواجنا، فلقد تكلمنا في الأمر مراراً وتكراراً."
"فالجميع سيعرف أننا لسنا إخوة، وهذا سيتسبب بفضيحة تلاحق أبي وأمك، وسيكون عليهم تبرير ما حدث، ويعرف الجميع أنها اغتصبت، لأنها ذهبت لبيت رجل غريب وهي على ذمة أبي، فكيف نبني سعادتنا على تعاسة والدينا وسمعتهم؟ قالت ماهي: "أتعرف يا بلال، لقد كنت ألوم أمي أنها وقعت في حبائل مدحت وسلمته نفسها مع أنها لم تكن في وعيها، ولكني الآن أفعل مثلها وأنا بكامل وعيي وعلى استعداد أن أهبك نفسي دون شروط." "هيا ضمني ضمة الوداع." قال بلال:
"لا يا ماهي، يكفي ما حدث في الصباح، فأنا لا أستطيع النظر في وجه أبي من وقتها." "ثم أنك بعد قليل ستصبحين في عصمة رجل آخر، وأنا لن أخونه مع عروسه، فأنا رجل قانون والمفترض أن أحترم القانون ولا أكسره." قالت ماهي: "ولكنك تخون نفسك وتخونني، فضمني هذه المرة فقط وأعدك أنها ستكون المرة الأخيرة، ولكن ضمتك هذه ستكون الشحنة التي ستنقذ قلبي من الموت حزناً على فقدك، وستجعلني أكمل ما تبقي من حياتي."
ثم تجلس على قدميه بفستان الزفاف المنفوش. قال بلال: "لا تفعلي يا ماهي، أرجوك، فأنا ليس لدي إرادة ولا قدرة على منعك اليوم." قالت ماهي: "آسفة، ولكني سأفعل ذلك." ثم تضمه، فيرفع يديه ويلفها حولها ويضمها. فتضع ماهي رأسها على كتفه قائلة: "هذا آخر يوم لي معك، فهل لي بقبلة صغيرة؟ واعتبرها قبلة الوداع." قال بلال: "أشعر أنني مسلوب الإرادة أمامك، فلا تستغلي ضعفي وشوقي إليك." قالت ماهي:
"ليت لدي هذه المبادئ التي تملكها حتى تمنعني أن أفعل شيئاً محرماً، وربما يرجع ذلك لأنني ابنة حرام." قال بلال: "لا تقولي ذلك عن نفسك، إنه الحب هو من يدفعك لفعل ذلك." قالت ماهي: "إنه ليس حب يا أبو، إنه جنون، ولا أعرف كيف سأتخلص منه، حبيبي." ثم تقبض على شعر بلال بيدها وتقبله في عينيه ثم طرف أنفه، ثم يتبادلان القبل. فُتح الباب فجأة ودخل عاصم وماجي. قال عاصم: "ماذا تفعلان؟ هل تريدان فضيحتنا؟
"وأنت يا بلال، لقد ضبطكما معاً في الصباح وأنكرت ما حدث، وأنا صدقتك، ولكن يبدو أنك تعلمت الكذب." قالت ماهي وهي تقف: "كان من الممكن تجنب كل هذا لو قبلتم بزواجنا، فأنا أحبه، وليكن في معلومك أبي قد طلبت منه أن يهرب معي ولكنه رفض حتى لا يعرضك للفضيحة، ولكن ليكن في معلومك أنني سأظل أطارده بعد زواجي في كل مكان يذهب إليه، حتى لو ذهب لآخر الدنيا، فأنا حرة في حياتي." قال عاصم:
"ما تقولينه ليست حرية، بل وقاحة وقلة أدب، يبدو أنني لم أربك جيداً وتحتاجين لرجل قوي ليعيد تربيتك." قالت ماهي: "الحب ليس وقاحة ولا قلة أدب، اسأل نفسك لماذا كنت تترك أمي كل ليلة وتذهب عند بتول والدة بلال؟ وسأل أمي لماذا منحت نفسها لرجل آخر؟ قال عاصم: "أسكتي أيتها الوقاحة." ثم يهم بصفعها على وجهها، فيمسك بلال يده: "لا يا أبي، لا تفعل." قال عاصم: "هل حرضتك ضدي؟ أنت لم تجرؤ على الإمساك بيدي هكذا من قبل." قال بلال:
"أبي، سامحني، ولكني أحبها." ثم تنحدر قطرة دموع على خده. قال عاصم: "يكفي هذا، هل جعلك ضعيفاً تبكي كالنساء؟ ثم يهزه من كتفيه: "الرجال لا يبكون يا ولد." قال بلال:
"لا يا أبي، لقد ظللت لخمسة عشر عاماً تعلمني أن الرجال لا يبكون، ولكني اكتشفت أن هذا غير صحيح، فطالما لديك قلب يجب أن تبكي، فحينما يفقد الرجل أمه أو والده يبكي، وعندما يفقد حبيبته يبكي، وعندما يتعرض للقهر والظلم يبكي، وعندما لا يستطيع تلبية حاجات من يحبهم يبكي." "الرجال يبكون يا أبي." قال عاصم: "ما علمته لك في عقدين أفسدته ماهي في شهرين." قالت ماجدة وهي تبكي:
"أنا السبب في كل شيء، لولا قلة عقلي وحماقتي ورغبتي في الانتقام من عاصم ما حدث شيء من هذا، ولكنكم تربيتم تحت سقف واحد كإخوة." قال بلال: "لا سيدتي، بل خطأ كتبت علينا، ومن كتب عليه خطأ مشى." طرق الباب، فدخلت الخادمة: "العريس وأهله قد وصلوا يا سيد عاصم." قال عاصم: "وهل حضر المأذون؟ قالت الخادمة: "لا، لم يحضر بعد." قال عاصم: "حسناً، اذهبي ونحن سنحضر فوراً. هيا ماجدة، أمسكي بيد ابنتك وخذيها للكوشة." قالت ماهي:
"لا، انتظري أنت يا أمي، فبلال هو من سيمسك يدي ويأخذني إلى هناك ليسلمني لطارق بنفسه." قال عاصم: "أنت فتاة مجنونة، ولكني سأنفذ لك طلبك حتى يتم هذا الزفاف على خير." تتجه ماهي نحو بلال، وبدلاً من أن تمسك يده تضمه: "لا تتركني أرجوك، بلال، لا تدعه يأخذني منك، سأموت لو حدث ذلك." بلال يجهش بالبكاء فجأة. قالت ماجدة:
"أنا لا أتحمل ما يحدث، أخبر الجميع بالحقيقة. أخبرهم أن ماهي ليست ابنتك، فأنا لن أحطم الولدين من أجل مصلحتي، سأذهب الآن وأخبر الجميع بالحقيقة، وليكن ما يكن." فيمسك عاصم بيدها قبل أن تغادر الغرفة: "هل جننت؟ تترك ماهي بلال الذي يمسح عينيه بيديه، ثم تقول لأمها: "لا أمي، سأذهب الآن." ثم تمسك بيد بلال: "هيا بنا، خذني لزوجي." يمسك بلال بيدها ويخرجان من الغرفة بعدما مسحوا دموعهم. قال عاصم وهو يهم بالخروج من الغرفة،
فتمسك ماجدة بيده قائلة: "انتظر عاصم، يجب أن نتحدث." قال عاصم: "انتهى الحديث منذ زمن ولا داعي له الآن." قالت ماجدة: "لا، لم ينتهِ، لأنه سيبدأ من جديد وستتكرر القصة مرة أخرى، إما أن تخون ماهي زوجها مع بلال كما فعلت أنا، أو تهرب معه وتتزوجه كما حدث معك أنت وبتول التي قبلت أن تعيش معك كخادمة وزوجة في السر لأنها تحبك." قال عاصم: "لقد انتهى الأمر، والمأذون على وشك الحضور وسيعقد القران ولا مجال للتراجع." قالت ماجدة:
"دائماً هناك فرصة أخيرة لتصحيح الخطأ." يدخل بلال الغرفة: "ما تقوله زوجتك صحيح، هناك دائما فرصة أخيرة. صحيح أن المأذون قد حضر، ولكني لا أستطيع تحمل زواج ماهي بشخص آخر، فأرجوك لا تدع هذا يحدث." قال عاصم: "أتعرف عواقب أن أخرج الآن وأعلن للجميع أن ماهي ليست ابنتي؟ أتعرف الفضيحة التي سأتعرض لها وماذا ستكتب الصحف عني وعن ماجدة وماهي؟ قال بلال:
"هناك الحل الذي أخبرتك عنه، وبذلك لن يُفضح أحد، وهو أن تعلن للجميع أن تحليل البنوة الذي أجريناه لم يكن صحيحاً، وأنني لست ابنك، وأن ابنك الحقيقي لا يزال مفقوداً." قال عاصم: "أ مصر أنت على أن أتبرأ من ابني الحقيقي لأجل ابنة غير شرعية؟ قال بلال:
"أريدك أن تتخلى عن أبوتك على الورق لتكسب ابنك وسعادته طوال حياته، وتكسب ابنتك التي ربيتها على حجرك منذ أن كان عمرها ساعة واحدة حتى صارت عروس. هذه الورقة ليست هي دليل الأبوة يا أبي، فهي من صنع البشر، ولكن الأبوة تسري في عروقنا من خلال صلة الدم والجينات الوراثية والمشاعر المتبادلة بيننا. قد تخسر ابنًا واحدًا، لكنك ستكسب ولدين في المقابل، وسنعيش كلنا معاً للأبد." قال عاصم:
"عقلي يرفض ما تقوله، ولكن قلبي لا يريد أن يراك حزيناً، لذا سأفعل ما طلبته مني." تحتضن ماجدة عاصم: "شكراً حبيبي، هذا أفضل قرار اتخذته في حياتك. أنا لم أتكلم ووقفت صامتة حتى لا تظن أنني أفضل مصلحة ماهي على مصلحة ابنك، ولكن كل ما قاله بلال صحيح ومنطقي، وتستطيع أن تكتب له كل ثروتك، فأنا لا أريد شيئاً، فهذه أسلم طريقة للخروج من هذا المأزق بأقل خسائر ممكنة." قال عاصم:
"حسناً، تعالوا لنعلن الخبر، ثم أعتذر لطارق عن الزواج، ولا أعلم كيف سيتلقي المدعوون وطارق خبراً كهذا." وقبل أن يتحرك أحد من مكانه، تأتي الخادمة قائلة: "سيدي، سيدي، لقد هربت الآنسة ماهي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!