يجلس نادر مع أمه في غرفتها.
قالت ثرية: "لقد اقترب موعد سفرك."
قال نادر: "نعم، فهو بعد يومين فقط. وقد كنت قلقًا عليك جدًا لأني سأتركك وحدك مع خادمة لا نعرفها، ولكن بعد حضور بسمة استرحت كثيرًا. فهي فتاة طيبة وأنا واثق بأنها ستهتم بك في غيابي."
قالت ثرية: "ما تقوله صحيح، هي تقدم لي كل ما أريد حتى قبل أن أطلبه، كما أنها أمينة جدًا. فذهبي ملقى أمامها في الدولاب ولم تنظر إليه أبدًا، والمال موضوع في كل مكان ولكن لا تلتفت إليه ويظل مكانه بالأسابيع حتى أطلب منها أن تحضر به شيئًا، وأشعر كأني أنجبت ابنة حنون."
قال نادر: "الحمد لله، أنا سعيد بسماع ذلك."
قالت ثرية: "ولكني رأيتها تخرج منذ قليل. هذه أول مرة لا تخبرني إلى أين تذهب، واليوم هو يوم عطلتها من النادي. فهل تعلم أين ذهبت؟"
قال نادر: "نعم، لقد طلبت منها أن تقدم استقالتها حتى تتفرغ لك، وقد كانت ستأتي وتخبرك ولكني أخبرتها أنك نائمة. وبالمناسبة سأعطيها الفيزا الخاصة بك لتأخذ راتبها وتنفق على طلبات المنزل في غيابي فأنا لا أعرف كم من المدة سأبقى هناك في الخارج."
قالت ثرية: "سأشتاق إليك حبيبي، فأنت ابني الوحيد ولا أملك من حطام الدنيا غيرك، فأنا تربيت يتيمة في بيت المرحوم خالي بعد وفاة كل أسرتي في حادث سير، والآن توفي خالي وسافر أبناؤه للخارج وانقطعت أخبارهم وأصبحت لا أعرف عنهم شيئًا حتى ميراثهم من والدهم لا نعرف كيف نوصله إليهم، والمحامي أخبرني أن وصية خالي ستفتح بعد شهر. وكنت أتمنى أن تكون موجودًا، والآن أكثر ما يخفيني أنا تفعل مثلهم وتنقطع أخبارك، وساعتها سأموت حزنًا عليك فأنت السبب الوحيد لبقائي على قيد الحياة."
يبلع نادر ريقه ويقول في حزن لأنه يعلم أنه يكذب عليها: "لا تقلقي يا أمي، لن أتخلى عنك وسأتصل بك كلما أتيحت لي الفرصة، فالتكنولوجيا تقدمت ومن الممكن أن أراك عبر الإنترنت كل يوم لو سنحت لي الفرصة."
قالت ثرية: "حسنًا يا بني، أنا سأنتظرك كل يوم لتتصل على أحر من الجمر."
بعد مرور ساعة يسمع نادر وثرية صوت باب الشقة يفتح.
وترى ثرية من خلال باب غرفتها المواجه لباب الشقة بسمة وهي تدخل وقد حملت في يديها أكياس بلاستيكية بها أطعمة وتضعها في المطبخ، ثم تتوجه نحو ثرية قائلة: "لقد أحضرت كل ما سنحتاجه طوال أسبوع يا خالة."
قالت ثرية: "شكرًا حبيبتي، لا أعرف ماذا كنت سأفعل من دونك."
قال نادر: "هل قدمت استقالتك؟"
قالت بسمة: "نعم، والحقيقة لقد فعلت ذلك بصعوبة لأنهم كانوا متمسكين بي، فأنا لم أخبرهم ليحضروا بديلًا عني ولكني شرحت لهم ظروفي فوافقوا في النهاية وأعطوني باقي مستحقاتي."
يتنفس نادر الصعداء: "ممتاز، أحسنت صنعًا."
قالت بسمة: "بالإذن منكم سأعد طعام الغداء."
قالت ثرية: "استريحي قليلًا يا ابنتي فلقد أتيت للتو."
قالت بسمة: "سأستريح بعد أن أنجز عملي يا خالة، واطمئني فأنا لست متعبة. بالإذن منكم."
ثم تغادر إلى المطبخ وتبدأ في تجهيز الطعام، وبعد أن تنتهي تحاول أن تحضر بعض الأطباق من الرف العلوي لدولاب المطبخ لتضع فيها الطعام ولكنها لا تطوله. وفجأة تجد نادر يرفعها للأعلى قائلًا: "هيا، هات ما تريدين بسرعة فأنت ثقيلة."
تمسك بسمة بالأطباق ويدها ترتعش بينما ينزلها نادر ببطء ويضعها على الأرض، فتضع الأطباق على طاولة المطبخ.
وتقول وهي مضطربة: "شكرًا لك."
قال نادر: "لا شكر على واجب يا سيدتي الجميلة."
قالت بسمة: "أنا جميلة؟"
قال: "نعم أنت جميلة، فلا تنظري لأسنانك فقط ولكن انظري لملامح وجهك فكلها جميلة، ومن لا يرى هذا الجمال فهو شخص أحمق أو أعمى بالتأكيد."
قالت وهي تبتسم بينما تخفي أسنانها البارزة بيدها: "شكرًا لك."
قال: "لماذا تضعين يدك على فمك وأنت تبتسمين؟ حاولي أن تتقبلي نفسك أولًا حتى يستطيع أن يتقبلك الناس."
قالت بسمة: "أنت أول شخص يقول لي ذلك فالجميع ينتهزون أي فرصة ليسخروا من شكل أسناني."
قال نادر وهو يضع يده على كتفها: "قلت لك عندما تثقين بنفسك سيتقبلك الجميع صدقيني."
قالت بسمة: "حسنًا."
ثم يسقط منه هاتفه على الأرض فيمسك به.
فترى بسمة صورة فتاة على لوحة المفاتيح فتقول بحزن: "من هذه؟ هل هي خطيبتك؟"
قال نادر: "أنا لم أخطب بعد ولكن هذه الصورة لفتاة أحلامي، لقد صممتها بالذكاء الاصطناعي وبالمناسبة أخذت عيونك الجميلة وركبتها على فتاة أخرى وكانت هذه هي النتيجة، وهو الشكل المثالي بالنسبة للذكاء الاصطناعي."
قالت بسمة بفرح: "شكرًا أنك استخدمت عيوني، والغريب أن الفتاة تشبهني."
ثم تقول بحزن: "ولكن طبعًا باستثناء فمي، هلا أرسلتها لي لأجعلها خلفية هاتفي فهي جميلة."
قال نادر: "طبعًا سأرسلها لك."
ثم يرسلها لها.
وبعدها بثوان يدق هاتف نادر وينظر فيه: "بالإذن منك بسمة، لدي اتصال عمل مهم."
وبينما تكمل بسمة تجهيز الطعام يغادر نادر المطبخ متجهًا لغرفته ويغلق الباب على نفسه.
"ألو، لقد افتقدتك كثيرًا حياتي فأنا لم أرك اليوم."
قالت مروة: "ولكننا كنا معًا بالأمس طوال اليوم."
قال نادر: "أنا أشتاق لك حتى وأنت معي حبيبتي."
قالت مروة: "هذا يسعدني طبعًا، ولكن لنتحدث في المهم. هل علقت الفتاة التي تخدم أمك؟"
قال نادر: "أعتقد أنها مغرمة بي الآن."
تضحك مروة وتقول: "ولكن أرجو ألا تحلو في عينيك، حذار أن تفعل ذلك سأقتلك."
ثم تتذكر ومضات خاطفة لحبيبها السابق وهو يسقط أرضًا وغارقًا في دمه.
قال نادر: "اطمئني فهي آخر فتاة قد أنظر إليها، لقد رأيت شكلها بنفسك."
قالت مروة: "حسنًا أنا أثق في ذوقك ولن ينحدر لهذه الدرجة. ولكن هل يعني كلامك أن الفتاة لن تترك أمك بعد سفرنا؟"
قال نادر: "لا أعتقد ذلك فليس لها مكان تذهب إليه بالإضافة أنها فتاة طيبة أساسًا."
قالت مروة: "هناك فكرة عبقرية ستجعلها لا تغادر أبدًا، ما رأيك لو كتبت لها عقد زواج عرفي لتربطها بك فلا تفكر في مغادرة بيتك أبدًا؟"
قال نادر: "ماذا تقولين؟ تريدين مني الزواج منها؟"
قالت مروة: "لن يكون زواجًا موثقًا وبالتالي هو باطل شرعًا وقانونًا، ولكنها الوسيلة الوحيدة لتربطها بأمك فلا تغادر إلى أي مكان بعد هجرتنا، فأنت تعرف أننا قد لا نعود أبدًا. ولكن يجب أن يكون الزواج صوريًا، أقصد لا تلمسها، مفهوم؟"
قال نادر: "سأحاول مع أن الفتاة ليست جذابة وليس من السهل علي أن أجعل اسمها يرتبط باسمي ولو صوريًا."
ثم يلتفت فيجد بسمة تقف خلفه، فينظر إليها وهو خائف أن تكون قد سمعت المحادثة بينه وبين مروة.