الفصل 39 | من 49 فصل

الفصل 39

المشاهدات
5
كلمة
6,709
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

رواية قيود من حرير بقلم سيليا البحيري في أحد المطاعم الفاخرة في القاهرة... كانت الإضاءة دافئة كأنها تغلف المكان بطبقة من الهدوء المصطنع، والموسيقى تنساب بخفة بين الطاولات، بينما تتداخل همسات الزبائن في خلفية أنيقة لا يعلو فيها صوت. في زاوية بعيدة، جلس ريان. ملامحه هادئة... لكن عينيه لم تكن كذلك. كانت تتحرك بتركيز، ترصد التفاصيل، تقرأ الوجوه، كأن المكان بالنسبة له خريطة لا بد أن تُفهم.

أمامه جلس رجل خمسيني، ببدلة رسمية ونبرة حذرة، يميل قليلًا للأمام وهو يقول بصوت منخفض: "دي التحركات الأخيرة... الشبكة بدأت تتحرك أسرع من المتوقع." دفع ملفًا صغيرًا نحوه. فتح ريان الملف بسرعة، عيناه تتحركان بين الصفحات بدقة، وكأنه يلتقط الخيوط الخفية بين الكلمات. "والقيادة؟ "مفيش تأكيد... بس في اسم بدأ يتكرر." رفع ريان عينيه، نظرته أصبحت أضيق: "مين؟ تردد الرجل، ثم قال: "لسه مش واضح."

أغلق ريان الملف بهدوء، لكن طريقته لم تكن عشوائية، كانت حاسمة. "هيبان." نهض من مكانه، سحب سترته بخفة: "خليك جاهز." "دايمًا." تحرك نحو الخروج، خطواته ثابتة، وعقله يعمل بسرعة: شبكة... تحركات... هدف مش واضح... حد بيلعب لعبة أكبر. كان غارقًا في التفكير... حتى -اصطدام مفاجئ. كأس عصير ليمون بارد انقلب بالكامل... لينسكب فوق فستان فاخر بلون فاتح. "إيه ده؟! صرخة حادة قطعت هدوء المكان كزجاج ينكسر. رفع ريان رأسه ببطء... أمامـه

-دارين. تنظر إلى فستانها بصدمة وغضب حقيقي، عيناها تشتعلان: "إنت أعمى؟! نظر لها من أعلى لأسفل، بهدوء تام... كأنه يقيم الموقف لا أكثر. "واضح إن الكوب هو اللي أعمى... مش أنا." تجمدت لحظة، ثم اشتعلت أكثر: "إنت بتقول إيه؟! اقتربت خطوة، نبرتها ارتفعت: "شايف عملت إيه؟! "آه." رد ببساطة. "ده فستان قاطعها بنبرة هادئة: "غالي؟ توقفت لحظة... كأن السؤال أربكها، ثم قالت بانفعال: "طبعًا غالي! هز كتفيه بلا اكتراث:

"يبقى المشكلة في اختيار المكان... مش في العصير." بدأت بعض الرؤوس تلتفت، همسات خفيفة انتشرت، والاهتمام انزلق نحوهم. "إنت بتستهبل؟! قالتها بحدة. "لا... أنا بوضح." "توضح إيه؟! نظر حوله للحظة، ثم عاد بعينيه إليها، وقال ببرود واضح: "إن الفستان مش مناسب لمكان فيه ناس... أو يمكن الناس هي اللي مش مناسبة للفستان." ضحكات مكتومة خرجت من بعض الطاولات، وارتفعت حرارة وجه دارين أكثر. "إنت قليل الأدب! "وإنتِ قليلة الذوق."

سقطت الكلمة كصفعة. تجمدت. وفي تلك اللحظة، وصل مدير المطعم مسرعًا، يحاول احتواء الموقف: "في مشكلة يا فندم؟ أشارت له بعصبية واضحة: "طبعًا في مشكلة! الهمجي ده بوظ فستاني! نظر المدير إلى ريان بتوتر، لكن ريان سبقه وقال بهدوء: "اتخبطنا... وأنا اعتذرت." نظرت له بصدمة: "إنت ما اعتذرتش! نظر لها، بهدوء أعصاب يكاد يكون مستفزًا: "طيب... آسف." سكتت لحظة... شعرت أن الكلمة سُحبت منها بدل أن تُمنح. "آسف؟! كررتها بحدة. "آه."

"ده كل اللي عندك؟! "أيوه." صمت قصير... ثم أضاف، بنبرة جافة: "ولو عايزة تعويض... ممكن أجيب لك عصير تاني... يكمل الباقي." هذه المرة، لم تستطع الهمسات أن تختبئ... ضحكات خفيفة انتشرت. احمر وجه دارين، الغضب اشتعل في عينيها... لكنها فجأة -سكتت. نظرت له. طولًا. بتركيز. ملامحه... هدوءه... طريقته في الرد... اتسعت عيناها قليلًا شيء ما... مألوف. قريب... بشكل مزعج. "لا... همست داخلها. لكن الشبه كان واضحًا. ياسر.

انقبض قلبها فجأة، كأن ذكرى قديمة خرجت من قبرها دون إذن. "مستحيل... هزت رأسها بخفة، كأنها تطرد الفكرة: "هو مات بالنسبة للكل من زمان... رفعت رأسها من جديد، وعادت بحدتها: "امشي من قدامي." نظر لها ريان، نظرة باردة، خالية من أي انفعال: "ده كان هدفي من الأول." ثم تحرك. مرّ بجانبها دون أن يلمسها، دون أن يلتفت... وكأنها لم تعد موجودة. وغادر. وقفت دارين مكانها، أنفاسها متسارعة، وعيناها تلاحقان أثره حتى اختفى. "... مين ده؟

همست بها، لكن السؤال لم يكن بسيطًا. ثم التفتت فجأة نحو المدير، وكأنها تحتاج أن تفرغ شيئًا: "وإنت! ارتبك فورًا: "أفندم؟ "المطعم ده المفروض راقي! "أكيد يا فندم "يبقى إزاي تدخلوا أشكال زيه؟! حاول التوضيح، لكنها لم تترك له فرصة: "أنا مش هرجع هنا تاني." اقتربت منه قليلًا، صوتها انخفض... لكنه أصبح أخطر: "وهرجع أندمك على اليوم ده." ابتسمت ابتسامة باردة... لا تحمل أي لطف. ثم استدارت وغادرت. لكن داخلها...

لم يكن الغضب وحده هو المسيطر. كان هناك شيء آخر... أعمق. قلق. لأن ملامح ذلك الشاب لم تكن عابرة... بل كانت تشبه ظلًا قديمًا... شبحًا من الماضي... كانت تظن... أنها دفنته إلى الأبد ************************* في فيلا الشرقاوي... لم يبقَ من الهدوء شيء. حتى الهواء بدا وكأنه أثقل من أن يُستنشق، محمّلًا بالتوتر والغضب والخوف، يتسلل بين الجدران ويضغط على الصدور بلا رحمة.

في الصالة الكبيرة، وقف الجميع، لكن الوقوف نفسه لم يكن ثباتًا... كان ارتباكًا متجمدًا. ميار كانت أول من انهار. تحركت في المكان بعصبية، كأنها تبحث عن ابنتها بين الجدران، تمسك رأسها وتبكي بصوت مكسور: "بنتي... راحت فين؟! أنا عايزاها... دلوقتي! اقترب منها زين بسرعة، يحاول أن يحتوي انهيارها: "إهدي يا ميار... إن شاء الله لكنها التفتت له فجأة، بعينين مليئتين بالهلع: "إزاي أهدى؟! خرجت وهي بالحالة دي... ومحدش عارف راحت فين!

ثم، وكأن فكرة واحدة فقط وجدت طريقها إلى عقلها، التفتت ببطء نحو سليم... وعيناها امتلأتا بالاتهام. "إنت السبب." تجمد سليم في مكانه. "إنت اللي كسرتها! قالتها بصوت مرتجف لكنه حاد. "ميار "لا! " قاطعته بحدة، تقترب خطوة وكأنها تواجهه لأول مرة. "قلت لها إيه؟! إزاي تقول لبنتك مش بنتي؟! ساد صمت ثقيل، كأن الكلمات ما زالت تتردد في الجدران. شدّ سليم فكه، عروقه برزت، لكنه لم يرد. "إنت طردتها بإيدك! أكملت، ودموعها لا تتوقف.

"أنا ما طردتش حد! " قالها أخيرًا بحدة. "هي اللي مشيت! "بعد ما جرحتها! جاء ردها كطعنة مباشرة. سكت. في الخلف، كان سليم الشاب يقف، أنفاسه سريعة، كأنه ما زال في سباق لم ينتهِ. "ملحقتهاش... " قالها بصوت منخفض، لكنه كان كافيًا ليجذب الأنظار. "جريت وراها... بس... " هز رأسه بعجز واضح، "اختفت." "اختفت إزاي يعني؟! " قالها إياد بدهشة، وهو يقترب. "كأنها... مش موجودة." سكون. الجملة علّقت في الهواء، ثقيلة ومخيفة. "اتصلتوا بيها؟

جاء صوت الجد عادل، هادئًا... لكنه يحمل سلطة لا تُناقش. رد زين سريعًا: "قافلة تليفونها." وضعت ميار يدها على فمها، وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار أكثر، لكن دموعها فضحتها: "يا رب... تكون كويسة... قالت صفاء بتردد: "يمكن راحت عند غيث... رفع إياد حاجبه، وقال بنبرة منطقية: "طبيعي... أكيد رجعت له بعد اللي حصل." صمت. نظر سليم للأمام، ملامحه مشدودة، وصوته خرج باردًا أكثر مما ينبغي: "لو رجعت له...

يبقى ما كانش في داعي لكل اللي عملته." نظر له إياد بحدة: "بلاش الكلام ده دلوقتي." "ده وقته." رد سليم دون أن ينظر له. "لا... مش وقته! وقبل أن يتصاعد الموقف، جاء صوت الجد عادل قويًا كضربة فاصلة: "كفاية! سكت الجميع فورًا. نظر إليهم واحدًا واحدًا، بعينين تحملان حزم السنين وخبرة لا تخطئ: "اللي حصل حصل... دلوقتي نلاقي البنت." ثم التفت إلى زين: "اتصل بغيث." تردد زين قليلًا: "غيث؟ "آه... خليه ييجي هو وأهله...

وكمان يجيب ياسين." تجمدت ميار، وارتجف صوتها: "حفيدي... "عايز أفهم." قالها الجد بهدوء عميق. "الحكاية مش واضحة... وغزل عمرها ما تعمل كده من غير سبب." ساد الصمت مرة أخرى... لكن هذه المرة كان أثقل، كأنه يخبئ شيئًا لا يراه أحد. في الخلف، كانت دارين جالسة. صامتة تمامًا. لكن عينيها... كانت تتكلم. تلمعان بشيء غريب... بارد. ابتسامة خفيفة مرّت على شفتيها، خاطفة... كأنها لم تكن، ثم اختفت. "يا ترى...

" همست لنفسها، بصوت لا يُسمع. "هتروحي فين؟ لكن فجأة، قطع إياد الصمت: "أنا هخرج أدور عليها." "وأنا معاك." قالها سليم الشاب فورًا. "وأنا كمان "لا." جاء صوت سليم الأب هذه المرة حاسمًا. نظروا له جميعًا. "محدش هيتحرك عشوائي... أنا هبعت ناس تدور عليها." نظر له إياد بنظرة ساخرة خفيفة: "وإنت؟ هتفضل واقف؟ صمت سليم للحظة... ثم قال بصوت منخفض، لكنه قاسٍ: "أنا عارف بنتي... وهترجع." لكن عينيه... لم تكن تصدق ما يقول.

في تلك اللحظة، بدأ الجميع يتحرك؛ اتصالات، خطوات متسارعة، قرارات تتخذ على عجل... كل واحد يحاول أن يمسك بطرف الخيط. لكن ما لم يدركه أحد... أن غزل لم تكن فقط ضائعة في الخارج. -عالقة داخل لعبة أكبر منهم جميعًا... لعبة تُحرك خيوطها بهدوء... وتنتظر اللحظة المناسبة... لتشدها بقوة ************************** في مقر جهاز الاستخبارات المصرية... داخل مكتب جاسر الحديدي... كان الصمت يملأ المكان، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا...

بل ثقيل، كأنه يحمل فوقه كل ما لم يُقال. جلست غزل على الأريكة، منحنية قليلًا، كأن كتفيها لم يعودا قادرين على حمل كل ما بداخلها. يدها تغطي عينيها، ودموعها تنساب بصمت... بكاء مكسور، مكتوم، بلا صوت تقريبًا... كأنها حتى لم تعد تملك طاقة الانهيار. وقف جاسر أمامها، يراقبها طويلًا. عيناه كانتا مشتعلة بالغضب... لكن ليس منها... بل من كل ما أوصلها إلى هذه الحالة. تنهد ببطء، ثم قال بصوت هادئ يحمل حزمًا واضحًا: "كفاية يا غزل...

اهتزت أنفاسها، وهمست دون أن ترفع رأسها: "أنا مش قادرة... اقترب منها، وجلس أمامها، صوته أصبح أقرب... وأثقل: "بصيلي." ترددت لثوانٍ، ثم رفعت عينيها ببطء... حمراوين، متعبتين، وكأنهما فقدتا القدرة على المقاومة. نظر لها مباشرة، وقال دون التفاف: "اللي عملتيه غلط." شهقت، وكأن الكلمة أصابتها: "أنا بحميه... "لا." قالها بهدوء ثابت، لكنه قاطع. "إنتِ بتخسريه." سقطت الكلمات بينها وبين الأرض كشيء لا يمكن التراجع عنه. "غيث مش طفل...

ولا ضعيف. ده راجل وقف جنبك... وإنتِ سبتِه." أغلقت عينيها بقوة، كأنها تحاول الهروب من صوته، لكن دموعها خانتها وانهمرت أكثر: "أنا لو فضلت معاه... هيتأذي... وأنا مش هسمح بكده... سكت جاسر لحظة، يراقب ارتجافها، ثم قال بصوت أخف... لكنه أعمق: "وإنتِ؟ هتتأذي لوحدك؟ ده حل؟ همست بصوت بالكاد يُسمع: "أيوه... هز رأسه ببطء، وكأن الإجابة أكدت له شيئًا: "ده مش حل... ده هروب." سكون. ثم مال قليلًا للأمام، نبرته أصبحت أكثر دفئًا

رغم صرامتها: "الحل إننا نواجه... مش نهرب." رفعت عينيها له، نظرة ضعيفة، صادقة: "أنا تعبت... تغيرت ملامحه، وانكسر جزء من صلابته، فمد يده ومسح دموعها برفق، بحنان أبوي واضح: "عارف... ثم أضاف بهدوء عميق: "بس مش لوحدك... أنا هنا... ومش هسيبك." اهتزت شفتاها، وكأنها على وشك أن تقول شيئًا... لكن -طرق خفيف على الباب قطع اللحظة. "ادخل." انفتح الباب... ودخل ريان. توقف عند العتبة. وللحظة... تجمد. عينيه وقعت عليها. غزل.

شعرها مبعثر قليلًا، ملامحها مرهقة، عيناها حمراوان من البكاء... لكنها رغم كل ذلك، بدت جميلة بشكل موجع... جمال لا يُلفت بقدر ما يُوجع. سكت. لثوانٍ أطول مما ينبغي. كأنه نسي أين هو. "ريان؟ انتبه فجأة، وكأن أحدًا أعاده للواقع: "أفندم." تقدم خطوة، لكن عينيه عادت إليها دون وعي. لاحظ جاسر ذلك، لكنه لم يعلق، فقط قال بهدوء: "تعالى." اقترب ريان أكثر. أشار جاسر نحو غزل: "دي غزل... غزل الشرقاوي." تجمدت لثانية، ثم نظرت إليه.

"وده ريان... تابع جاسر، قبل أن يضيف بوضوح لا يقبل التفسير: "نفس الشخص اللي كلفته يحميك." اتسعت عينا غزل، ونظرت بينهما بصدمة: "يحمي... إيه؟ تنهد جاسر، وكأنه كان يتوقع ردها: "أنا ما كنتش هسيبك لوحدك." أشار إلى ريان: "ريان شغال معايا... طالب في كلية الشرطة، بس شاطر... وإيده نظيفة." ثم عاد بعينيه إليها، وأضاف بثبات: "ومن دلوقتي... هو المسؤول عن حمايتك." سكون قصير. نظرت غزل إلى ريان، نظرة مترددة، تحمل رفضًا وتعبًا

في آن واحد: "أنا مش محتاجة "إنتِ محتاجة." قاطعها جاسر بهدوء حاسم. سكتت. نظر ريان إليها أخيرًا بشكل مباشر، وقال بصوت منخفض، خالٍ من الاستعراض: "متقلقيش... أنا مش بتدخل في اللي مش شغلي." رفعت حاجبها قليلًا رغم تعبها، وكأن جزءًا من شخصيتها القديمة حاول الظهور: "وأنا مش بحب حد يراقبني." هز كتفيه بخفة: "ولا أنا بحب أراقب حد... بس بحب أخلص شغلي." توقفت لحظة، ثم نظرت له: "يعني إيه؟ "يعني... قالها بهدوء،

دون أن يبعد عينيه عنها: "هتكوني في أمان." سكون. تلاقت أعينهما. لحظة قصيرة... لكن غريبة. كأن كل واحد منهما لاحظ شيئًا في الآخر... ولم يفهمه. ثم أبعدا نظرهما سريعًا. عاد جاسر بصوته الجاد: "ريان... الوضع مش بسيط. البنت تحت تهديد مباشر، وأي غلطة "مش هتحصل." قاطعه ريان بهدوء واثق. نظر له جاسر لحظة، كأنه يقيس ثقته، ثم أومأ برضا خفيف. عاد بنظره إلى غزل: "هتفضلي هنا شوية... مش هترجعي دلوقتي." تجمدت: "إيه؟

"حالِتك مش مستقرة... واللي برا مش آمن." ثم أضاف بهدوء حازم: "وأنا مش هسيبك تمشي لوحدك." نظرت له... طويلاً. ثم خفضت عينيها ببطء. ولأول مرة منذ ساعات... لم تعترض. في زاوية الغرفة، وقف ريان يراقب بصمت، لكن تركيزه لم يكن على المهمة فقط... بل عليها. غزل. وفي داخله، بدأ سؤال يتشكل، ببطء لكنه بثقل: "مين اللي كسرها بالشكل ده؟ ثم سؤال أخطر... أهدأ... لكنه أعمق: "وليه مش مرتاح وأنا شايفها كده؟ أما هي...

فجلست بصمت، تحاول أن تلتقط أنفاسها... لكنها شعرت بوضوح -أن شيئًا جديدًا دخل حياتها الآن. شيء لم تخطط له... وقد لا يرحمها. -قد يعقّد كل شيء أكثر. *********************** في شقة هادئة في القاهرة... كان المساء يتسلل ببطء، يغلف المكان بضوء خافت وراحة مؤقتة، كأن المدينة كلها خفّضت صوتها للحظة. وقفت لارين أمام الباب، تدير المفتاح بهدوء. وما إن انفتح ظهرت أمينة.

بوقفتها الصارمة المعتادة، ملامحها القوية التي لا تخطئها العين... لكن عينيها، ما إن وقعتا على لارين، حتى ذاب فيهما شيء دافئ، حنان لا تحاول حتى إخفاءه. "رجعتي بدري." قالتها بهدوء، وكأنها تقيس رد الفعل أكثر مما تنتظر إجابة. نظرت لها لارين لثانية... نظرة قصيرة، لكنها كافية لتسقط كل الحواجز. ثم اقتربت. وعانقتها. عناق بسيط، بلا استعراض... لكنه صادق لدرجة أنه قال كل ما لم يُقال. "وحشتيني." همست بها بصوت منخفض.

ابتسمت أمينة بخفة، ووضعت يدها على رأسها بحنان: "وإنتي كمان." ابتعدت لارين بعد لحظة، وكأنها تذكرت نفسها... فعادت ملامحها إلى هدوئها البارد. "إيه... الرحلة كانت كويسة؟ دخلت أمينة، تخلع حجابها بهدوء: "كانت زيارة... مش رحلة." ثم أضافت وهي تتحرك داخل الشقة: "وشيرلين كويسة... بس شكلها تعبان شوية." جلست لارين على الأريكة، وكأن الأمر لا يعنيها كثيرًا: "عادي." لكن أمينة لم تقتنع. وقفت لحظة، تنظر لها بنظرة فاحصة،

ثم اقتربت وجلست بجانبها: "إنتي كويسة؟ "آه." "متأكدة؟ "أيوه." صمت قصير... لكنه لم يكن فارغًا. مالت أمينة قليلًا نحوها، نبرتها أصبحت أهدأ... أعمق: "لارين... أنا ربيتك... وعارفة لما تكوني مش كويسة." أشاحت لارين بنظرها، كأنها تحاول الهروب من تلك الرؤية الدقيقة: "أنا كويسة." قالتها ببرود متماسك... لكنه لم يقنع. تنهدت أمينة، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها مصممة: "هفضل أسألك... لحد ما تتكلمي."

سكتت لارين لحظة، ثم نظرت لها أخيرًا: "مش كل حاجة بتتقال." ابتسمت أمينة ابتسامة خفيفة: "بس بتتحس." تلاقت أعينهما للحظة... لحظة صامتة، لكنها خففت التوتر قليلًا. ثم فجأة، غيرت أمينة الجو، وكأنها تقرر سحبها من عمقها: "طيب... هتعملي إيه لما تتجوزي؟ رفعت لارين حاجبها، نظرة مستغربة: "أتجوز؟ "آه." "مين قال إني هتجوز أصلًا؟ ابتسمت أمينة، وكأنها سمعت هذا الرد من قبل: "الدنيا... والسن... والعقل." هزت لارين رأسها بخفة،

نبرة صوتها عادت باردة: "أنا مش مؤمنة بالجواز... ولا بالعيلة." نظرت لها أمينة بهدوء عميق، لا يحمل رفضًا بقدر ما يحمل فهمًا: "بتقولي كده... عشان ما عشتيهاش صح." سكتت لارين. لكن في تلك اللحظة -مرّ في ذهنها صوت. هادئ... ثابت... "متقلقيش... أنا مش بتدخل في اللي مش شغلي." تجمدت للحظة. ريان. ضيّقت عينيها قليلًا، كأنها تحاول إبعاد الفكرة... أو فهمها. "... "إيه؟ سألتها أمينة، وقد التقطت الشرود فورًا. "ولا حاجة."

قالتها بسرعة... أسرع مما يجب. لكنها لم تكن "ولا حاجة". "سرحتي في إيه؟ "مفيش." نظرت لها أمينة بابتسامة خفيفة، فيها شيء من المكر اللطيف: "في حد؟ "لا." جاء الرد فورًا... حادًا، قاطعًا. بسرعة... أكثر من اللازم. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي أمينة: "ممم... متأكدة؟ نظرت لها لارين ببرود، كأنها تستعيد سيطرتها: "أنا مش النوع ده." هزت أمينة رأسها ببطء: "كل الناس نوع." سكون. ثم مدت يدها، وأزاحت خصلة شعر من وجه لارين،

وضعتها خلف أذنها برفق: "حتى إنتي." نظرت لها لارين لثوانٍ... نظرة هادئة، لكنها أعمق مما تبدو. "يمكن... همست بها. ثم أضافت، وكأنها تضع خطًا واضحًا: "بس مش دلوقتي." ابتسمت أمينة، تلك الابتسامة التي تعرف أنها لا تحتاج للضغط: "هنشوف." عاد الصمت... لكن هذه المرة كان مختلفًا. أهدأ. أدفأ. ورغم أن لارين ما زالت كما هي... هادئة، باردة، تضع بين نفسها والعالم مسافة محسوبة -إلا أن وجود أمينة بجانبها...

كان كفيلًا بأن يخفف هذا البرود قليلًا. كفيلًا بأن يذكرها... أنها، رغم كل شيء -ليست وحدها. ************************ في صباحٍ بدا وكأنه فقد ذاكرته عن الضحك، استيقظت فيلا الشرقاوي على صمتٍ ثقيل يزحف بين الجدران كظلٍ لا يُرى. لا أصوات فناجين، لا مزاح عابر، فقط هواء مشدود... كأن المكان كله ينتظر اعترافًا لا يأتي.

في الصالة الكبيرة، جلس الجد عادل في مقعده المعتاد، بهيبته التي لا تهتز، وهدوئه الذي يخفي خلفه عاصفة من الأسئلة. بجواره صفاء، متماسكة على السطح، لكن أصابعها المتشابكة كانت تفضح قلقها. وعلى الأريكة المقابلة، كانت ميار تحتضن ياسين بقوة تكاد تكون خوفًا، تقبّل رأسه الصغير مرارًا وكأنها تحاول أن تعوّضه عن غيابٍ لا تفهمه، وهمست بصوت مرتعش: "حبيبي... إنت بس اللي باقي لي منها...

" ثم أغمضت عينيها سريعًا، كأن الدموع لو سقطت لن تتوقف. على الجانب الآخر، وقف سليم، ظهره مستقيم ويداه خلفه، لكن عينيه كانت تشتعلان بشيء بين الغضب والندم، بينما وقف بجانبه زين وتقى، وصمتٌ ثقيل يلفهم. سليم الشاب كان ينظر إلى الأرض، كأنه يهرب من فكرة أنه لم يستطع اللحاق بها. وعلى الطرف، جلس رمزي بهدوء عميق، يراقب، يفكر، وبجانبه شيرلين التي لم تبعد عينيها عن ابنها لحظة، كأنها تخشى أن يُنتزع منها هو الآخر. أما غيث...

فكان يقف في منتصف الغرفة تقريبًا، لا ينتمي لأي جانب، وكأن الأرض نفسها سُحبت من تحته. عينيه مرهقتان، وملامحه تحمل أثر ليلة لم ينم فيها، وربما لن ينام بعدها بسهولة. قطع الجد عادل الصمت أخيرًا، صوته هادئ لكنه حاسم: "اتفضل يا غيث... اقعد." نظر له غيث لحظة، ثم جلس ببطء، كأن الجلوس نفسه قرار ثقيل. أكمل الجد: "أنا جمعتكم هنا عشان نفهم... غزل قالت كلام مش مفهوم، وأنا عايز الحقيقة." سكون... كل الأنظار عليه. خفض غيث عينيه،

وقال بصوت منخفض مبحوح: "أنا... معرفش." الكلمة سقطت كحجر في ماء راكد، فاشتعلت العيون حوله. "يعني إيه متعرفش؟ " قالها سليم بحدة، فرفع غيث نظره نحوه، وفيه تعب حقيقي: "يعني أنا زيكم... اتصدمت. صحيت لقيتها بتقول عايزة تطلق." شدّ سليم فكه، بينما همست ميار بشيء غير مفهوم وهي تضم ياسين أكثر. "قالت إيه تاني؟ " سأل سليم، هذه المرة بصوت أخفض لكنه أكثر خطرًا. تردد غيث، ثم قال: "قالت إن الجواز...

خلص دوره." ارتجف شيء في ملامح ميار، وانقبضت يدها حول الطفل. أكمل بصعوبة: "وقالت... إنها هتسيب ياسين." كأن الهواء اختفى من الغرفة. شهقت ميار: "لا... مش بنتي... بنتي مستحيل تقول كده... أنا مربتهاش كده... " وانكسرت كلماتها وهي تبكي بصمت. تدخل رمزي بهدوء عميق: "إحنا عارفين... وغيث عارف." ثم نظر لابنه: "صح؟ أومأ غيث ببطء، ثم قال بصوت مخنوق: "غزل عمرها ما كانت كده... بس كانت متغيرة." رفع زين حاجبه: "إزاي؟

مرر غيث يده على وجهه بتعب: "مش عارف... ساكتة، بتفكر كتير... وكأنها شايلة حاجة تقيلة لوحدها... حاجة مش عايزة تقولها." "حاجة زي إيه؟ " سأل الجد بهدوء. هز غيث رأسه: "معرفش... بس كانت خايفة." الكلمة بقيت معلقة في الهواء. "من إيه؟ "ده اللي مش عارفه." ضرب سليم الطاولة بيده بعصبية: "يعني إيه مش عارف؟! دي مراتك! ما كنتش شايف؟! وقف غيث فجأة، وصوته خرج لأول مرة حادًا: "أنا شايف! سكت الجميع. تنفس بصعوبة،

ثم أكمل بصوت مكسور: "بس هي ما كانتش بتتكلم... كل ما أسأل، تقول مفيش... وأنا حاولت... والله حاولت." هدأ المكان قليلًا، كأن الحقيقة رغم قسوتها أطفأت شيئًا من الصراخ. نظر الجد عادل إليه طويلًا، ثم قال بهدوء عميق يحمل ثقة ثقيلة: "أنا مصدقك." التفتت الأنظار نحوه. "البنت دي مش هتسيب بيتها وابنها من غير سبب... في حاجة، وحاجة كبيرة." رفع عينيه ببطء، كأنه يزن كلماته: "وإحنا لازم نعرفها... قبل ما تضيع أكتر." سكون.

في زاوية الغرفة، كان سليم واقفًا، صامتًا هذه المرة، لكن داخله كان يغلي... ليس فقط غضبًا، بل شيئًا يشبه الخوف. فكرة واحدة تطرق رأسه بإلحاح: إنتِ عملتي إيه يا غزل... أما ميار، فكانت تحتضن ياسين وتبكي بصمت، تمسح على شعره الصغير وكأنها تمسح على قلبها هي، وشعور ثقيل يضغط صدرها... شعور أم تعرف، دون دليل، أن ابنتها ليست فقط بعيدة -بل تغرق... وحدها... في مكانٍ لا يصل إليه أحد. *****************************

في مطار لندن هيثرو، كان العالم كله يتحرك بسرعة مدهشة... عجلات حقائب تحتك بالأرض، نداءات الرحلات تتداخل كأمواج، ووجوه لا تتوقف عن العبور. ومع ذلك، وسط هذا الزحام الصاخب، كانت هناك بقعة صمت ثقيل... دائرة مشدودة لا يسمع داخلها إلا نبض التوتر. وقف ياسر هناك، ببدلته الأنيقة التي تخفي أكثر مما تُظهر، وملامحه الجامدة التي لا تسمح بشيء أن يتسرب منها. عيناه لم تكونا في المطار...

بل في مكان أبعد، أقدم، أعمق. كان يرى شابًا قبل واحدٍ وعشرين عامًا... مكسورًا، مطرودًا، بلا اسم يرفعه ولا كرامة تسنده. صورة لم تُمحَ... فقط انتظرت. أخذ نفسًا بطيئًا، كأن الهواء نفسه ثقيل، ثم رفع نظره للأمام. هذه المرة لم يهرب من الصورة... بل واجهها. دلوقتي... راجع. الكلمة لم تخرج بصوت، لكنها استقرت داخله كقرار نهائي لا رجعة فيه. بجواره، كانت ليان تراقبه بصمت تعرفه جيدًا. هذا ليس هدوء رجل مسافر...

هذا هدوء رجل على حافة شيء كبير. قالت بهدوء حذر: "ياسر... " لم يرد، فاقتربت خطوة بنبرة أخف لكنها أكثر عمقًا: "إنت ناوي على إيه؟ التفت لها أخيرًا، نظرة قصيرة لا تكفي لطمأنة أحد: "كل حاجة في وقتها." ضاقت عيناها، وابتسامة باهتة مرت على شفتيها: "الإجابة دي مش بتطمني." رد بهدوء بارد كأنه يضع حدًا للنقاش: "ولا لازم تطمنك." على الطرف الآخر، كان آدم يقف كأن المطار كله يضيق به، هاتفه في يده وملامحه متجهمة.

قال بضيق واضح: "مش قادر أصدق إننا هنسيب كل ده ونروح... " تردد لحظة، ثم أطلقها بسخرية جارحة: "بلد فقيرة." الكلمة لم تكن مجرد رأي... كانت شرارة. تحركت نظرة ياسر نحوه ببطء، لكن بثقلٍ يكفي لإسكات أي صوت. "قولت إيه؟ " ارتبك آدم للحظة، لكنه تشبث بعناده: "يعني... الحقيقة -" لم يُكمل. خطوة واحدة من ياسر كانت كافية ليختفي باقي الكلام. "مصر... " قالها بصوت منخفض، لكن كل حرف فيه كان كحد سكين، "مش هتتقال عنها كده قدامي."

حاول آدم الاعتراض: "بس يا بابا -" قاطعه فورًا: "مفيش بس. دي بلدك... غصب عنك. وأصلك. ولو مش فاهم ده... " اقترب أكثر، عينيه لا ترمش، "يبقى عندك مشكلة." صمت آدم، ليس اقتناعًا، بل احتقانًا. "أنا حياتي هنا... أصحابي هنا... مستقبلي هنا." رد ياسر ببرود لا يقبل النقاش: "وهترجع. وتعيش. وتتعلم. غصب عنك." زفر آدم بعصبية، ومرر يده في شعره: "أنا أول ما أخلص ثانوية...

هرجع لوحدي." نظر له ياسر للحظة، ثم قال بسخرية خفيفة تحمل يقينًا: "لما تكبر... ابقى قرر." تدخلت ليان بسرعة، كمن يحاول إنقاذ ما تبقى من الهدوء: "خلاص يا جماعة... مش وقته لكن ياسر لم يلتفت لها حتى: "لا وقته. لازم يفهم." وقبل أن يتصاعد التوتر أكثر، اقترب فوزي بخطوات هادئة، كنسمة تدخل غرفة مشتعلة. ابتسامة دافئة على وجهه، وصوت يحمل خفة متعمدة: "هتسافروا وتسيبوني كده؟

ابتسمت ليان رغم كل شيء: "هترتاح مننا شوية." ضحك بخفة، ثم نظر إلى ياسر نظرة طويلة... فيها فخر قديم لا يُقال. "راجع بقى." أومأ ياسر: "راجع." "مش نفس الشخص." ابتسم فوزي: "ولا نفس الظروف." اقترب منه وربت على كتفه، لمسة بسيطة لكنها مليئة بمعنى ثقيل: "خليك فاكر... إنت مين." رد ياسر بهدوء عميق: "عمري ما نسيت." في الخلف،

تمتم آدم بضيق: "كان نفسي أفضل مع جدو." التفت له ياسر فورًا: "شرفنا بسكوتك." فتح آدم فمه ليعترض، لكنه أغلقه، يبتلع غضبه بصمت. اقترب فوزي منه بلطف مختلف، كمن يعرف أن العناد أحيانًا يخفي ارتباكًا: "تعالى يا آدم... إنت زعلان، صح؟ هز رأسه: "طبيعي." ابتسم فوزي: "بس فاهم ليه أبوك بيعمل كده؟ رد بسرعة: "لا." قال بهدوء: "عشان في حاجة اسمها هوية... وإنت لسه ما فهمتهاش." عبس آدم: "أنا بريطاني أكتر من مصري. هز فوزي رأسه: "لا...

إنت مصري اتربيت هنا بس. في فرق." سكت آدم، غير مقتنع، لكن كلماته لم تعد بنفس القوة. "هتفهم بعدين... ومش لازم يعجبك دلوقتي." في تلك اللحظة، جاء النداء الأخير للرحلة المتجهة إلى القاهرة. الصوت كان عاديًا للجميع... لكنه لياسر كان إعلان بداية. تنفست ليان بعمق، ثم احتضنت والدها: "خلي بالك من نفسك." ابتسم لها: "وإنتِ كمان." ثم نظر فوزي لياسر: "خد بالك منها." رد بثقة هادئة: "بعيني." وأخيرًا...

نظر ياسر حوله مرة أخيرة. هذا المكان الذي احتواه حين لم يكن أحد معه، الذي شهد ضعفه، واحتفظ بصمته. لم يبتسم... لم يحزن... فقط أدرك. ثم أدار ظهره. ومشى. نحو الطائرة... نحو القاهرة... نحو الماضي الذي لم يُغلق، بل انتظر. ونحو حربٍ لا أحد هنا يفهم حجمها بعد. أما داخله... فكان هناك وعد واحد، واضح كالنصل: المرة دي... مش همشي مكسور. ***************************** بعد ساعات طويلة من القلق...

كانت فيلا الشرقاوي تبدو وكأنها تحبس أنفاسها. الصالة الكبيرة، التي اعتادت على الضحك والحركة، صارت ساكنة بشكل خانق. نفس الوجوه موجودة... لكن ملامحها تغيّرت. الإرهاق رسم ظلاله تحت العيون، والتوتر تسلل إلى كل زاوية. عند النافذة... وقف غيث. يداه في جيبيه، نظره ثابت نحو الخارج... لكنه لم يكن يرى شيئًا. الشارع أمامه كان مجرد فراغ، لأن عقله كان في مكان آخر... عندها هي. حرّك شفتيه بالكاد، وهمس بصوت خافت

كأنه يخشى أن يسمعه أحد: "راحت فين... على الأريكة القريبة... كانت ميار تحتضن ياسين الصغير. بعد نوبة بكاء طويلة، استسلم الطفل أخيرًا للنوم، ووجهه الصغير لا يزال يحمل آثار الدموع. راحت تمرر يدها على شعره بحنان عميق، وكأنها تحاول أن تعوضه عن غياب أمه... أو ربما تطمئن نفسها قبله. انحنت قليلًا وهمست قربه، بصوت مكسور: "أمك فين يا حبيبي... وفجأة -انفتح باب الصالة بعجلة، ودخل حارس الأمن بخطوات سريعة: "يا فندم

التفتت كل الرؤوس نحوه دفعة واحدة. وقف أمام الحاج سليم، وقال باحترام واضح: "السيد اللواء جاسر الحديدي بره... ومعاه السيدة الصغيرة." للحظة... تجمد الزمن. اتسعت عينا ميار، وكأن قلبها سبق صوتها: "غزل! لم تنتظر ردًا، اندفعت نحو الباب كأنها تخشى أن يختفي الخبر إن تأخرت ثانية واحدة. أما سليم، فوقف بسرعة رغم ثقل جسده وقال بحزم: "خليه يدخل." "حاضر يا فندم." مرت ثوانٍ... لكنها بدت كأنها دهر كامل. -فُتح الباب.

دخل اللواء جاسر أولًا، بهيبته التي تملأ المكان دون جهد... خطواته ثابتة، ملامحه صارمة كعادته. وخلفه -كانت غزل. شاحبة... متعبة... كأن الحياة انسحبت من ملامحها. عيناها مرهقتان بشكل مؤلم، وخطواتها بالكاد ثابتة. "غزل! ارتمت ميار عليها فورًا، تحتضنها بقوة، وكأنها تخشى أن تضيع منها مرة أخرى: "إنتِ كويسة؟! لكن غزل لم تجب. أغمضت عينيها لثوانٍ قصيرة... كأنها تحاول أن تتماسك، أو تمنع نفسها من الانهيار بين ذراعيها.

اقترب سليم خطوة... عيناه معلقتان بها، مليئتان بألف سؤال... لكنه لم يجد كلمة واحدة يقولها. في الجهة الأخرى -كان غيث لا يزال واقفًا. ينظر إليها. نظرة واحدة فقط... لكنها حملت كل شيء: عتاب طويل... ألم عميق... وحب... انكسر بصمت. رفعت غزل عينيها نحوه. لثانية واحدة فقط... تلاقت نظراتهما. -أبعدت نظرها. بوضوح... بتعمد. وقالت بصوت خافت، بارد على غير عادتها: "أنا كويسة." لكن صوتها... كان يخونها.

تحرك غيث أخيرًا، وكأن صبره انتهى. قال بصوت منخفض، لكنه مشحون بالقهر: "كويسة؟ اقترب خطوة أخرى، وعيناه لا تفارقان وجهها: "ده شكل واحدة كويسة؟ سكتت. لأول مرة... لم تجد ردًا. حاولت أن تتحرك... خطوة واحدة فقط -لكن العالم دار بها فجأة. تأرجح جسدها. "غزل وقبل أن تكمل اللحظة -سقطت. لكنها لم تصل إلى الأرض. كان غيث أسرع. التقطها بين ذراعيه، وصوته خرج مذعورًا لأول مرة: "غزل! انفجرت الفوضى في المكان. "هاتوا دكتور! "مياه بسرعة!

"افتحوا الشباك! ميار انهارت وهي تبكي: "بنتي... بنتي! حتى سليم... صوته اهتز، وهو يناديها كأنه يستجديها أن تفتح عينيها: "غزل... أما جاسر -فكان واقفًا في مكانه. لكن تلك الصلابة التي يعرفها الجميع عنه... تكسرت للحظة. عينيه لم تفارقاها، وملامحه تغيرت بشكل لم يعتده أحد. قال بصوت حاد، محاولًا السيطرة: "الدكتور في الطريق." مرت الدقائق ببطء قاتل... حتى فُتح الباب مرة أخرى، ودخل الطبيب مسرعًا. انحنى فوقها...

يفحص نبضها، يرفع جفنها، يقيس ضغطها... بينما الجميع واقف في صمت ثقيل، لا يجرؤ أحد على الكلام. وأخيرًا -وقف الطبيب. نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم قال بهدوء: "متقلقوش... تعلقت به كل الأنفاس. "دي حالة إغماء نتيجة إرهاق شديد." تنفس البعض... لكن القلق لم يختفِ. ثم أضاف، بنبرة أكثر جدية: "واضح إنها تحت ضغط نفسي كبير جدًا... تبادل الجميع النظرات. لكن كلماته التالية... كانت الأثقل: "ولو استمرت بالحالة دي... صمت لحظة،

ثم أكمل بوضوح: "الموضوع ممكن يتطور لحاجة أخطر." سقطت الجملة في المكان... كأنها إنذار. ولأول مرة -لم يكن الخوف فقط من غيابها... بل مما قد يحدث لها... وهي بينهم. ************************ في مطار القاهرة الدولي... انفتحت أبواب الطائرة ببطء، كأنها تكشف ستارًا عن فصل جديد. تدفّق الركاب إلى الداخل... أصوات متداخلة... لهجات عربية مألوفة... حرارة خفيفة تختلف عن أي مكان آخر. رائحة المكان وحدها... كانت كفيلة بإعادة الذكريات.

توقف ياسر عند أول خطوة على أرض المطار. لم يتحرك. عيناه امتدتا أمامه... ليس ليرى الحاضر... بل ليستدعي الماضي. نفس الأرض... نفس المكان... لكن -ليس نفس الرجل. قبل واحد وعشرين عامًا... دخلها منكسرًا، مطرودًا، يحمل خيبة أكبر من عمره. أما الآن -رفع رأسه ببطء. ملامحه اشتدت... نظرته أصبحت حادة، محسوبة... رجل لا يعود ليبدأ من جديد، بل ليكمل ما لم ينتهِ. همس، بالكاد يُسمع: "رجعت... لكنها لم تكن مجرد كلمة. كانت وعدًا...

وربما تهديدًا. خلفه... نزلت ليان بهدوء. كانت تراقبه بصمت، تقرأ تفاصيله دون أن يسألها أحد. تعرف هذه النظرة جيدًا... هذه ليست عودة عادية. هذه... بداية حساب. أما آدم -فنزل وهو يزفر بضيق واضح، وكأن المكان لا يروق له منذ اللحظة الأولى. ألقى نظرة سريعة حوله، تفحّص كل شيء بعين ناقدة، ثم قال بتهكم: "واضح الفرق من أول خطوة." لم يرد أحد. رفع عينيه إلى السقف، وأكمل بسخرية أخف: "يعني... مش محتاجين نشوف البلد أصلاً...

المطار كفاية." توقفت خطوات ياسر. ببطء شديد... التفت. نظر إلى ابنه. نظرة واحدة فقط -كانت كفيلة بإسكات أي كلمة بعدها. "كفاية." قالها بهدوء... لكنها لم تكن نقاشًا... كانت أمرًا. سكت آدم فورًا. ابتلع كلماته، وخفض عينيه قليلًا، والانزعاج واضح في ملامحه... لكنه لم يعترض. تنفست ليان بهدوء، محاولة كسر التوتر قبل أن يتمدد أكثر: "يلا يا جماعة... خلصوا إجراءاتنا." تحركوا عبر الممرات الواسعة... خطواتهم تختلط بخطوات المسافرين...

وأصوات النداءات تتردد في الخلفية، كأنها موسيقى دائمة لهذا المكان. حتى وصلوا إلى صالة الوصول. هناك -توقف ياسر مرة أخرى. لكن هذه المرة... لم يكن يسترجع الماضي. بل يبحث. عيناه تمشطان الوجوه بسرعة... تركيز كامل... ثوانٍ فقط -ثم... وجده. ريان. واقف بثبات وسط الزحام... بدلته أنيقة... ملامحه هادئة... لكن حضوره واضح، لا يمكن تجاهله. شخصيته تسبق صوته. التقت عيناه بعيني والده. لحظة صامتة... لكنها قالت كل شيء. ابتسم ياسر.

لأول مرة منذ وصوله... ابتسامة خفيفة... لكنها تحمل فخرًا لا يُخفى. اقترب ريان بخطوات واثقة: "نورتوا مصر." قالها بهدوء، بثقة من يعرف مكانه جيدًا. مد يده لوالده... صافحه بقوة -لكن ياسر لم يكتفِ. جذبه نحوه في عناق سريع، صلب... عناق رجال لا يعبرون بالكلام. "وحشتني يا راجل." قالها بصوت منخفض. ابتسم ريان بخفة: "وإنت كمان." ثم التفت إلى ليان -لكنها لم تنتظر. اندفعت نحوه واحتضنته بقوة: "ريان! ضحك بخجل خفيف،

وهو يحاول أن يهدئها: "ماما... الناس... "سيب الناس." قالتها دون أن تتركه: "وحشتني." تنهد مبتسمًا: "وإنتِ كمان." ثم التفت إلى آدم، ومد يده له: "عامل إيه يا بطل؟ زفر آدم بضيق: "كنت أحسن قبل ما نجي." رفع ريان حاجبه بخفة، بابتسامة جانبية: "لسه واصلين." "وأنا خلاص حكمت." ضحك ريان بهدوء: "أنت ما بتتغيرش." تدخل ياسر هذه المرة بنبرة أخف: "سيبه... لسه هيعرف." نظر ريان إلى والده... ولأول مرة -لاحظ شيئًا مختلفًا. هذا الهدوء...

ليس طبيعيًا. "الدنيا عاملة إيه هنا؟ سأل ياسر. أجابه ريان بثبات: "زي ما هي... ثم أضاف، بنظرة تحمل معنى أعمق: "بس شكلها... هتتغير قريب." تلاقت نظراتهما. لحظة قصيرة... لكنها ثقيلة. فيها اتفاق غير معلن... وفيها شيء... لم يُقال بعد. ليان، التي كانت تراقبهما بصمت... شعرت بشيء ينقبض داخلها. هذا ليس لقاء عائلة فقط. هذا... بداية شيء أكبر. همست داخلها: "في حاجة هتحصل... أما في الخلف

-كان آدم ينظر حوله بملل واضح، لا يرى في المكان سوى فوضى لا تعجبه. لا يعلم... أن هذه الأرض التي يرفضها الآن -ستكون مسرح كل شيء. حب... انتقام... أسرار مدفونة... وحرب -لم تبدأ بعد ************************* في صباح اليوم التالي... داخل فيلا الشرقاوي... كانت الغرفة واسعة، أنيقة، كل شيء فيها موضوع بدقة... لكن البرودة التي تملأها لم تكن بسبب التكييف فقط.

الستائر نصف مفتوحة، وخيوط الشمس تتسلل بخفّة، ترسم خطوطًا ذهبية على الأرض... ومع ذلك، لم تمنح المكان أي دفء. أمام المرآة -وقفت دارين. تمسك بفرشاة شعرها، تمررها ببطء مبالغ فيه، كأنها لا ترتّب شعرها فقط... بل تؤكد سيطرتها. تتأمل انعكاسها بعينين مليئتين بالرضا... وغرور لا تحاول إخفاءه. على الطرف الآخر من الغرفة -كان حازم جالسًا على حافة السرير. هاتفه بين يديه، عينيه مثبتتان على الشاشة... ملامحه هادئة، باردة...

هدوء لا يُطمئن. الصمت بينهما... لم يكن عاديًا. كان ثقيلًا... ممتلئًا بما لا يُقال. حتى -قطعت دارين ذلك الصمت. ضحكة خفيفة خرجت منها، تحمل سخرية واضحة: "شكلنا هنستقبل ضيفة تقيلة قريب." لم يرفع حازم عينيه. "مين؟ ابتسمت، ابتسامة أوسع... أكثر لذعًا: "غزل." توقفت لحظة، وكأنها تستمتع بوقع الاسم... ثم أضافت بنبرة مليئة بالاستهزاء: "البت قررت ترجع تعيش هنا... بعد ما زهقت من لعب العيال مع جوزها."

سكتت، لكنها لم تتوقف عن الكلام فعليًا... كانت تراقب انعكاسه في المرآة. "بصراحة... قالتها وهي تعدل قرطها بدقة: "مش ناقصة صداع... أمها كفاية لوحدها." هذه المرة -رفع حازم عينيه. ببطء. نظر إليها. نظرة قصيرة... لكنها كافية لتكشف كل شيء. اشمئزاز. واضح. صريح. "أنتِ دايمًا كده؟ التفتت له فورًا، رفعت حاجبها باستفزاز: "كده إزاي؟ أغلق هاتفه بهدوء، ووضعه جانبًا. نهض من مكانه، واتجه نحوها بخطوات بطيئة... محسوبة.

"بتتكلمي عن الناس كأنهم أقل منك." ضحكت بخفة، ضحكة مستفزة: "لأنهم فعلًا أقل." اقترب أكثر... حتى وقف أمامها مباشرة. نظر في عينيها، وقال بصوت خافت... لكنه دقيق كالسهم: "ولا يمكن... توقف لحظة قصيرة، ثم أكمل: "أنتِ اللي محتاجة تحسي إنك أعلى؟ لمعت عينا دارين. غضب خاطف... لكنها أخفته بسرعة مذهلة. شدّت كتفيها، واستعادت نبرتها المتعالية: "متفلسفش عليا يا حازم."

أدارت وجهها للمرآة مرة أخرى، وكأنها ترفض أن تمنحه اهتمامًا: "أنا مش فاضية لتحليلك النفسي." ساد صمت قصير... ثم قالت فجأة، كأن فكرة خطرت لها: "على فكرة... نظرت له من طرف عينيها: "رجوع غزل... مش عاجبك." لم يرد. لكن سكوته -كان أوضح من أي كلمة. ابتسمت ببطء... ابتسامة خبيثة، تعرف كيف تستفز: "غريبة... نبرتها أصبحت أنعم... لكنها أخطر: "مش كنت دايمًا تقول إنك مالكش دعوة بحاجات العيلة؟ اقتربت منه خطوة، تراقب وجهه بدقة،

تبحث عن أي شرخ: "ولا الموضوع بقى يهمك فجأة؟ نظر إليها حازم بثبات. لا دفاع... لا تبرير. ثم قال بهدوء بارد: "اللي يهمني... توقف لحظة... "إن المشاكل متزيدش." ضحكت بسخرية واضحة: "يا سلام... فجأة بقيت بتخاف على استقرار العيلة؟ مالت برأسها قليلًا، عينيها تضيقان: "ولا في حاجة تانية؟ صمت. عدم رده... أزعجها. أكثر مما توقعت. "ولا إيه؟ تابعت ببطء: "في حاجة أنا مش عارفاها؟ هذه المرة -نظر لها مباشرة. نظرة ثابتة... عميقة...

لا يمكن قراءتها بسهولة. ثم قال ببساطة: "لو في... وتوقف. ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية لرفع التوتر لأقصاه. "هتعرفي." تراجعت دارين نصف خطوة... حركة صغيرة، لكنها خانت توترها -إلا أنها أخفتها فورًا بابتسامة ساخرة. "أنا أصلًا مش مهتمة أعرف." التقطت حقيبتها بثقة مصطنعة: "طالما كل حاجة تحت السيطرة." تحركت نحو الباب، خطواتها ثابتة... مرّت بجانبه دون أن تنظر إليه. لكنها توقفت للحظة قبل أن تخرج. نصف التفاتة فقط...

"وبالنسبة لغزل ابتسمت... ابتسامة باردة تمامًا: "لو فاكرة إنها هترتاح هنا... تبقى غبية." فتحت الباب -وخرجت. أُغلق الباب خلفها بصوت خافت... لكن صداه بقي في الغرفة. حازم لم يتحرك. بقي واقفًا في مكانه... عيناه مثبتتان على الباب المغلق. الصمت عاد -لكن هذه المرة... كان أثقل. أبطأ. أخرج هاتفه بهدوء... نظر إلى الشاشة. ملامحه لم تتغير. لكن عينيه -أظلمت. قال بصوت منخفض، كأنه يثبت حقيقة لنفسه: "لسه بدري... توقف لحظة. ثم أعادها،

بهدوء أكثر خطورة: "لسه." ************************** داخل فيلا الحديدي... امتدت طاولة الإفطار الكبيرة، مزينة بعناية... أطباق متناسقة، فناجين قهوة تتصاعد منها الأبخرة، ورائحة دافئة تملأ المكان. كل شيء بدا طبيعيًا... هادئًا... صباح عائلي معتاد. لكن -الهدوء لم يكن حقيقيًا. على رأس الطاولة جلس جاسر. كعادته... مستقيم، مهيب، حضوره يفرض نفسه دون كلمة. لكن ملامحه اليوم... لم تكن ككل يوم. كان هناك ثقل واضح...

شيء يضغط خلف عينيه. بجواره جلست غرام، تسكب القهوة بهدوء، حركاتها ناعمة... لكن عينيها تراقب زوجها من حين لآخر، كأنها تشعر أن هناك شيئًا غير مريح. على الجهة الأخرى من الطاولة -أسد بجانب زوجته حور، آسر بجانب ديما، وأوس بجانب شغف. أما مقاعد الأطفال -فكانت فارغة. "راحوا المدرسة بدري النهارده." قالتها غرام بابتسامة خفيفة، محاولة كسر الصمت. "أحسن... البيت هادي." رد آسر وهو يمد يده لفنجان القهوة.

نظرت له ديما بنظرة جانبية: "أنت بتشتكي من عيالك؟ "لا... بشتكي من صوتهم بس." ضحكة خفيفة انتشرت على الطاولة... حتى أوس تدخل بسخرية: "قول الحقيقة... أنت اللي بتزعق أكتر منهم." "أنا؟! رفع آسر حاجبه: "أنا هادي جدًا." "آه طبعًا... تمتمت حور بابتسامة: "هادئ لدرجة إن البيت كله بيصحى عليك." ارتفعت ضحكات خفيفة مرة أخرى... لكن -لم يشاركهم جاسر. وهذا وحده... كان كافيًا ليخفت كل شيء. انخفضت الأصوات تدريجيًا... حتى عاد الصمت.

وضع فنجان القهوة أمامه بهدوء محسوب... ثم قال: "في موضوع لازم تعرفوه." توقفت الأيدي. تلاقت النظرات. الانتباه كله... اتجه نحوه. "غزل." تغيرت ملامح غرام فورًا، وكأن الاسم أصابها مباشرة: "مالها غزل؟ تنهد جاسر ببطء... كمن يختار كلماته بعناية: "جتلي امبارح." نظر له أوس بسرعة: "راحتلك؟ ليه؟ أكمل جاسر، صوته منخفض... لكنه ثقيل: "كانت منهارة... تجمدت شغف في مكانها. لكن لم يلاحظها أحد... بعد. "وقالت إنها... توقف لحظة...

ثم أكمل: "هتتطلق من غيث." "إيه؟! قالها أسد بصدمة واضحة. "مستحيل... همست غرام، يدها توقفت في الهواء، كأن الزمن توقف معها: "غزل مش ممكن تعمل كده... "ده أكيد في حاجة." قال أوس بجدية، وهو يميل للأمام. أما آسر، فهز رأسه بعدم اقتناع: "غيث كويس... ومفيش مشاكل بينهم... "بالظبط." رد جاسر. ثم أضاف، بنبرة أعمق... أخطر: "وده اللي مخليني قلقان." سكت لحظة... ثم قال بوضوح: "هي مش بتتصرف كده من فراغ."

نظرت له غرام بحزن صادق: "البنت دي أنا بحبها زي ماسة و عشق و همس... تنهدت، وعينيها تلمعان بقلق: "كان باين عليها السعادة مع غيث." "كانت." قالها جاسر بهدوء. ثم صمت. لكن صمته... أكمل الجملة بدلًا منه. في هذه اللحظة -كانت شغف جالسة في مكانها... هادئة. أكثر من اللازم. أصابعها متشابكة تحت الطاولة بقوة... حتى ابيضّت مفاصلها. أنفاسها منتظمة ظاهريًا... لكن داخلها -فوضى. "الرسائل... "هي السبب... ارتفعت عيناها ببطء نحو جاسر...

ثم خفضتهما بسرعة. لا. لا يمكنها أن تتكلم. ليس الآن. ليس أمام الجميع. لكن -أوس لاحظ. نظره ثبت عليها لثوانٍ، يقرأ صمتها... التوتر في جسدها... ذلك الهدوء غير الطبيعي. "شغف؟ انتفضت قليلًا، كأن أحدًا أمسك بها فجأة: "ها؟ "مالك؟ ابتسمت بسرعة... ابتسامة خفيفة... مصطنعة: "ولا حاجة... بس اتفاجئت." نظر لها أوس لثوانٍ أطول هذه المرة... لم يقتنع. لكن -لم يضغط. ليس الآن. عاد بنظره إلى جاسر، وسأل: "طب وهي فين دلوقتي؟ "رجعت الفيلا."

أجابه جاسر. "مع عيلتها؟ "آه." تنهد أوس، وهو يميل للخلف: "الموضوع ده مش بسيط." "أكيد مش بسيط." قالها جاسر، وهو ينظر أمامه بثبات. ثم أضاف، بنبرة لا تحتمل النقاش: "وأنا مش ناوي أسيبه يعدي كده." كانت نبرته واضحة. قرار. نهائي. في الجهة الأخرى -كانت شغف تنظر إلى طبقها. لكنها لا ترى شيئًا. كل ما يدور في رأسها فكرة واحدة... تتكرر... تكبر... تخنقها: "الموضوع بدأ يكبر... "أكتر مما توقعت." وقلبه بدأ يخفق أسرع...

ليس خوفًا مما حدث فقط... بل مما سيحدث. ************************** داخل فيلا عائلة البحيري... كان المساء هادئًا... لكن الصالون الكبير ينبض بالحياة. الأضواء الدافئة تنعكس على الأثاث الأنيق، وأصوات خفيفة من الحديث والضحك تتسلل في الجو، ممزوجة برائحة الشاي الطازج. جلست مها في مكانها، تمسك فنجان الشاي بين يديها... ارتشفت رشفة صغيرة... ثم تنهدت. تنهدة طويلة... خرجت منها وكأنها تحمل شوق سنوات. "وحشتني ميار أوي...

قالتها بصوت خافت، وعينيها تائهتان أمامها. "بقالها فترة ما جتش... توقفت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، بالكاد تُرى: "والعيال كمان... راحت تعدهم بصوت أهدأ: "غزل... وأدهم الصغير... ومازن... وحور... هزّت رأسها ببطء: "البيت من غيرهم فاضي." ابتسم محمود بخفة، يحاول تخفيف حنينها: "ما هم كبروا خلاص... كل واحد في حياته." "برضه... قالتها مها بإصرار ناعم، لكنها صادق: "الأم عمرها ما تشبع من ولادها." في الجهة الأخرى

-كانت ميار الشابة تجلس بهدوء، تستمع، تبتسم بين الحين والآخر... لكن خجلها حاضر في كل حركة. وفجأة -مال مازن (عمها) للأمام، وعيناه تلمعان بمكر خفيف: "طيب سيبك من ميار... ثم نظر مباشرة إلى ميار الشابة: "نفرح بيكي إمتى بقى؟ "عمو! خرجت منها الكلمة بسرعة، وصوتها ممتلئ خجلًا، وانخفض وجهها فورًا. ضحك سيف: "آه والله... سؤال في محله." ثم التفت إلى أدهم: "إيه يا أدهم؟ هنفضل مستنيين كتير؟ تنحنح أدهم، وعدّل جلسته قليلًا...

ثم قال بهدوء حازم: "بعد الجامعة." "لسه قدامها 3 سنين." شهقت ميار الشابة بخفة: "بابا! "إيه؟ قالها ببساطة، دون أن يلتفت لها: "مش هتتجوزي وتسيبي تعليمك." ضحك مازن: "يا راجل سيب البنت تفرح! "هتفرح... رد أدهم بثقة وا? بثقة واضحة: "بس في وقتها." غطّت ميار الشابة وجهها بيديها، خجلها واضح، لكن ابتسامتها لم تختفِ. أما زياد -فكان صامتًا. يراقب فقط. نظرة سريعة مرّت على ميار الشابة... نظرة لم تدم...

ثم سحب عينيه وكأن شيئًا لم يكن. عاد الهدوء تدريجيًا إلى المكان... حتى -دخل حارس الأمن. "يا فندم." التفتت كل الرؤوس نحوه. تقدم خطوة، ونظر إلى محمود باحترام: "في حد بره... عايز يقابل حضرتكم." عقد محمود حاجبيه: "مين؟ "مقالش اسمه يا فندم... ثم أضاف: "بس قال إن الموضوع مهم." سكون. نظرات تبادلت بين الجميع... إحساس غريب بدأ يتسلل. قال ممدوح بضيق: "في الوقت ده؟ "مش عارف يا فندم." فكر محمود لثوانٍ... نظره انتقل بين الوجوه...

ثم أشار بيده: "خليه يدخل." "حاضر." خرج الحارس. ومع خروجه -بدأ الصمت يزحف. ببطء. ثقل غير مبرر... شعور غير مريح... كأن شيئًا على وشك أن يحدث. ثوانٍ مرت... -فُتح الباب. وتوقفت الأنفاس. دخل... رجل. خطواته ثابتة... محسوبة... لا تردد فيها. هيبته تملأ المكان... ليس لأنه غريب -بل لأنه... يعرفه. جيدًا. أكثر مما ينبغي. تجمّد الجميع في أماكنهم. الصدمة ارتسمت على الوجوه... واحدة تلو الأخرى... عيون اتسعت... أنفاس احتُبست...

ماضٍ قديم عاد فجأة دون إنذار. أما ممدوح -فوقف فجأة. كرسيه تحرك للخلف بصوت حاد... وعيناه اشتعلتا بغضب لم يخمد منذ سنوات. "إنت... خرج صوته حادًا، مشحونًا بكل ما لم يُقال طوال السنين. ثم أردف، بنبرة قاطعة... قاتلة: "إيه اللي جابك هنا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...