تحميل رواية قيود من حرير بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
الفصل 43
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ قيود من حرير بقلم سيليا البحيري.
الفصل 43
رواية قيود من حرير بقلم سيليا البحيري
داخل الغرفة...
لم يعد الصمت مجرد غياب للصوت...
بل صار كائنًا حيًا... يجثم على الصدر... ويضغط... ويضغط... حتى يكاد يكسر الأضلاع.
المصباح الأصفر فوقهما كان يتأرجح ببطء،
يرسم ظلالًا متكسرة على الجدران الإسمنتية...
كأن المكان نفسه يتنفس معهما.
غيث...
كان لا يزال يحاول السيطرة على أنفاسه.
الألم في رأسه لم يختفِ تمامًا...
لكنه لم يعد مهمًا.
لأن عينيه...
كانت عليهـا فقط.
غزل.
نظر إليها طويلًا...
كأنه يتأكد أنها حقيقية...
أنها ليست خدعة أخرى... أو حلمًا سيئًا.
ثم قال بصوت منخفض... لكنه مليء بشيء أعمق من القلق:
"إنتِ... بجد قدامي؟
ولا أنا لسه في الكابوس؟
قولي لي... عشان لو ده حلم... ما أصحاش منه."
غزل ابتلعت ريقها...
دموعها كانت تنزل بلا توقف... لكنها لم تعد ضعيفة.
"أنا هنا يا غيث...
بس إنت... إنت ليه عملت كده في نفسك؟
ليه جيت لوحدك؟!
ليه ما فكرتش لحظة إنهم ممكن يكونوا مستنيينك؟!"
صوتها ارتفع... ليس غضبًا...
بل خوفًا.
"أنا كنت أستحمل... والله كنت أستحمل أي حاجة...
بس مش أشوفك بالشكل ده قدامي!"
غيث أغمض عينيه لثانية...
كأن كلماتها أصابته أكثر من القيود.
ثم فتحهما ببطء... ونظر لها بثبات:
"كنتِ عايزاني أعمل إيه؟
أفضل قاعد هناك... أستنى خبر عنك؟
ولا أسمع صوتك بيتكسر وأنا مش قادر أوصل لك؟"
شدّ القيود فجأة... بعنف.
السلاسل أصدرت صوتًا حادًا.
"أنا معرفش أعيش وأنا سايبك لوحدك!
مش شجاعة... ولا بطولة...
دي حاجة غبية... آه...
بس دي أنا."
صمت لحظة...
ثم أضاف بصوت أخفض... صادق جدًا:
"إنتِ مش حاجة أقدر أخاطر بيها."
غزل نظرت له...
نظرة طويلة... عميقة...
ثم همست:
"وأنت كمان."
سكون قصير...
لكنّه كان ممتلئًا بكل شيء لم يُقل.
فجأة...
غيث بدأ يتحرك من جديد.
لكن هذه المرة...
لم يكن اندفاعًا أعمى.
كانت عينيه... تراقبان.
الجدران...
الأرض...
نقطة تثبيت القيود...
حتى صوت المصباح.
همس بصوت منخفض جدًا:
"اسمعي... ركزي معايا..."
غزل اقتربت بجسدها قدر الإمكان.
"أنا بحاول أفهم المكان...
القيود دي مش عشوائية...
اللي عملها... عارف شغله كويس."
نظر إلى يديه... الدم بدأ يظهر عند معصميه.
"بس مفيش حاجة بتتعمل من غير نقطة ضعف...
حتى الحديد... ليه نقطة يتكسر منها."
غزل همست بسرعة:
"في حراس بره... عددهم مش ثابت...
كل شوية بيتغيروا...
وفي صوت جهاز... زي اتصال... هي بتستخدمه."
غيث رفع حاجبه قليلًا:
"اتصال؟"
"أيوه...
كأنها بتنسق مع حد... أو بتستنى حد."
-ط
توقف غيث للحظة.
ثم...
ابتسامة خفيفة جدًا ظهرت على شفتيه.
مش مريحة...
لكنها خطيرة.
"يبقى إحنا مش الهدف النهائي."
غزل نظرت له بعدم فهم:
"يعني إيه؟"
اقترب برأسه قليلًا... صوته صار أهدأ... أعمق:
"يعني... إحنا الطُعم."
الصمت عاد...
لكن هذه المرة...
لم يكن خوفًا فقط.
كان إدراكًا.
غزل شدّت القيود قليلًا...
ثم قالت ببطء:
"يبقى في حد جاي..."
غيث هز رأسه:
"أيوه...
واللي جاي... أهم مننا بالنسبة لها."
ثم رفع عينيه نحو الباب...
نظرة ثابتة... محسوبة:
"والغلط الوحيد اللي عملته...
إنها حطّتني في المكان ده... وأنا صاحي."
غزل نظرت له...
رأت التغيير.
ده مش نفس الرجل اللي دخل المكان قبل قليل.
ده شخص... بدأ يحسب.
"غيث..."
قالتها بهدوء...
"إنت بتفكر في إيه؟"
نظر لها...
ابتسم ابتسامة صغيرة... لكن مليئة بالثقة:
"بفكر...
إزاي نقلب الطاولة."
في الخارج...
صوت خطوات بدأ يقترب.
"تك... تك... تك..."
القفل تحرك ببطء...
غيث همس بسرعة:
"أي حاجة تحصل...
خليكي مركزة...
ومتخافيش."
غزل ردت بنفس الهدوء... رغم الخطر:
"عمري ما خفت... وإنت معايا."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في فيلا ياسر...
داخل المكتب...
كانت الغرفة تشبه صندوقًا مغلقًا على أسرارٍ قديمة.
إضاءة خافتة تتدلّى من مصباح وحيد، ترسم هلالًا من الضوء فوق سطح المكتب، وتترك بقية المكان غارقًا في ظلال رمادية باردة.
جلس ياسر خلف مكتبه...
ظهره مستقيم... لكن كتفيه مثقلان بشيء غير مرئي.
أصابعه كانت تضرب بخفة على الخشب...
نقرة...
نقرتان...
إيقاع غير منتظم... كأنه ترجمة لفوضى داخله.
عيناه...
لم تكونا هنا.
كانتا هناك...
في سنوات مضت...
في لحظات حاول دفنها... لكنها كل مرة تعود... كأنها ترفض الموت.
"لسه زي ما هم..."
الفكرة مرت في ذهنه كطعنة باردة.
"ولا أنا اللي ما اتغيرتش كفاية."
"ياسر..."
الصوت كان ناعمًا... لكنه حمل ترددًا واضحًا.
رفع رأسه ببطء...
كأن العودة للحاضر تحتاج مجهودًا.
ليان.
كانت واقفة عند الباب...
خطوة للأمام... وخطوة للخلف.
عينان مليئتان بالقلق...
وشيء آخر... أصعب.
اقتربت... ثم توقفت... كأنها تقيس المسافة بينهما.
"في حاجة... عايزة أسألك عنها... بس مش عارفة أبدأ منين."
"ابدئي من أي حتة."
قالها بهدوء... لكنه لم يكن دافئًا.
كان صوت رجل... مرهق من الشرح... ومن الدفاع.
ليان بلعت ريقها...
ثم قررت ألا تدور.
"اللي حصل للبنت... غزل..."
في لحظة...
تصلب كل شيء فيه.
الهواء...
الضوء...
حتى صوته وهو قال:
"مالها؟"
رفعت عينيها له مباشرة.
"إنت... مالكش علاقة باللي حصل ده؟"
السؤال لم يكن مجرد كلمات...
كان اتهامًا... حتى لو لم تقصده.
الكرسي اندفع للخلف بعنف.
وقف ياسر فجأة...
الحركة كانت حادة لدرجة أن الهواء نفسه اهتز.
"إنتِ بتقولي إيه؟!"
صوته خرج كالرعد...
ليس فقط غضبًا...
بل جرحًا انفتح فجأة.
ليان تراجعت خطوة...
لكنها لم تنكسر.
"أنا مش باتهمك..."
قالتها بسرعة... بصوت مرتجف قليلًا...
"بس بعد اللي حصل النهارده... والطريقة اللي دخل بيها زياد... والكلام اللي اتقال-"
"كفاية!"
صرخته قطعت كلماتها.
اقترب منها خطوة...
عيناه مشتعلة... لكن خلف النار...
كان هناك شيء آخر...
ألم.
خفض صوته فجأة...
لكن صار أخطر.
"لو فكرتِ للحظة واحدة... لحظة بس...
إني أقدر أعمل حاجة زي دي-"
توقف...
كأنه يختار الكلمة التي ستؤلم أكثر.
ثم قال ببطء... ببرود قاسٍ:
"أنا ممكن أنسى إنك مراتي."
سقطت الجملة بينهما...
ثقيلة... كأنها حجر في ماء ساكن.
ليان سكتت.
لم تغضب.
لم ترد بعنف.
فقط... نظرت له.
نظرة فيها فهم... وحزن.
"أنا عارفة إنك موجوع..."
قالتها بهدوء... ثابت.
"وعارفة إنك متعود تبني حيطان بينك وبين أي حد... حتى أنا."
اقتربت خطوة... ببطء.
"بس أنا مش واقفة ضدك يا ياسر...
أنا واقفة جنبك."
أنفاسه كانت ثقيلة...
رفع يده... مررها على وجهه...
كأنه يحاول يمسح التعب... أو يمسح نفسه.
نظر بعيدًا عنها...
كأن عينيها مرآة لا يريد أن يرى نفسه فيها.
ثم قال بصوت منخفض... لكنه صادق جدًا:
"أنا عمري ما كنت جبان."
صمت لحظة...
"ولو عايز أنتقم..."
رفع عينيه لها...
نظرة فيها صدق مؤلم:
"أنتقم من اللي أذوني...
مش من واحدة مالهاش ذنب في أي حاجة."
ليان اقتربت أكثر...
هذه المرة لم تتردد.
"أنا مصدقاك."
قالتها ببساطة...
لكنها كانت أثقل من أي دفاع.
وفي تلك اللحظة...
الباب انفتح بعنف.
"بابا؟!"
دخل آدم بسرعة...
خطواته سريعة... عينيه مشتعلة بالفضول والارتباك.
"في إيه اللي حصل بره؟!
واحد داخل يكسر في البيت كأنه داخل حرب!"
ياسر التفت له...
وفي ثانية... عاد القناع.
ملامحه هدأت...
لكن التعب... بقي.
"إيه اللي شوفته بالظبط؟"
"راجل... شكله مجنون!
كان بيزعق... وبيكسر... والناس كلها مرعوبة!"
توقف...
ثم قال بضيق:
"مين ده أصلًا؟!"
صمت.
ثانية...
ثانيتان...
ثم قال ياسر بهدوء ثقيل:
"عمك."
"إيه؟!"
آدم اتسمرت في مكانه.
"أنا... عندي عم؟!"
ضحك ضحكة قصيرة... مشوشة:
"هو أنا كنت فين طول عمري؟!"
نظر بينه وبين ليان...
"يعني إيه عندي عيلة كاملة... وأنا معرفش عنها حاجة؟!
يعني في كام مفاجأة تانية مستنياني؟!"
لم يرد أحد.
الصمت هذه المرة... كان اعترافًا.
"أنا حاسس إني داخل فيلم...
بس محدش قال لي السيناريو."
قالها بمرارة.
ياسر زفر ببطء...
جلس على حافة المكتب...
"في حاجات... هتعرفها... بس مش دلوقتي."
"امتى يعني؟ لما الدنيا تولع أكتر؟!"
لكن ليان تدخلت بهدوء:
"آدم... مش الوقت المناسب."
نظر لها...
ثم لوالده...
الصراع واضح في عينيه.
ثم قال ببرود:
"تمام..."
لكن "تمام" لم تكن اقتناعًا...
بل انسحابًا.
استدار...
وخرج.
عاد الصمت....لكن هذه المرة...كان أثقل من قبل....ياسر نظر للأرض لثوانٍ...ثم رفع رأسه فجأة... كأن فكرة ضربته
"ريان فين؟"
ليان ترددت...
"خرج من شوية...
قال عنده شغل."
"شغل؟"
كررها ببطء...
لكن الكلمة لم تقنعه.
شيء داخله...
تحرك.
إحساس قديم...
لا يخطئ كثيرًا.
عينيه ضاقت...
"ريان مش بيختفي كده... إلا لو..."
توقف التفكير.
ثم همس... كأنه يرسلها في الهواء:
"إنت فين يا ابني؟"
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في صالون فيلا الشرقاوي...
كان المكان يبدو كأنه فقد الهواء.
ليس صمتًا عاديًا...
بل صمتٌ ثقيل، يضغط على الصدور، ويجعل حتى الأنفاس تبدو جريمة.
الستائر نصف مغلقة...
الضوء باهت...
والوجوه... باهتة أكثر.
ميار جلست على الأريكة...
تحتضن ياسين الصغير بقوة...
أقرب مما ينبغي...
كأنها تخشى أن يختفي من بين ذراعيها إن خفّ ضغطها لحظة.
كانت تقبّل جبينه كل ثوانٍ...
وتهمس كلمات غير مفهومة...
كأنها تحاول أن تحميه... بكلمات لا يسمعها إلا قلبها.
"ماما هنا... ماما جنبك... محدش هيقربلك..."
لكن صوتها...
كان يهتز.
في الجهة الأخرى...
سليم لم يستطع الجلوس.
كان يتحرك ذهابًا وإيابًا...
خطواته حادة... غير منتظمة...
يداه خلف ظهره... لكن أصابعه تنقبض وتنبسط بعصبية.
كل خطوة...
كأنها تحاول أن تفرغ غضبًا لا يجد مخرجًا.
"إزاي...؟"
تمتم بها لنفسه...
"إزاي يحصل ده قدامي... وأنا واقف؟!"
جاسر كان عند النافذة...
ساكن تمامًا.
لكن السكون فيه...
لم يكن هدوءًا.
كان تركيزًا...
عيناه تتحركان ببطء... ترصدان كل شيء... كل نفس... كل حركة.
كأن عقله... يعمل في ألف اتجاه في نفس اللحظة.
وعند الطاولة...
ريان.
أصابعه تتحرك بسرعة مذهلة على لوحة المفاتيح...
شاشات تتبدل... خرائط تظهر وتختفي...
أكواد... إشارات... خطوط تتقاطع.
وجهه بلا تعبير تقريبًا...
لكن عينيه...
كانتا مشتعلة.
نزل أوس وشغف من الدرج.
خطواتهما كانت سريعة...
لكن ما إن وقعت أعينهما على الموجودين...
توقّفا.
النظرات...
الوجوه...
الصمت...
كل شيء قال الحقيقة قبل أن تُقال.
الوضع... أسوأ.
أوس اقترب خطوة...
صوته خرج منخفضًا... لكنه مشدود:
"فيه جديد؟
قولوا إن في حاجة... أي حاجة... حتى خيط صغير."
سليم الشاب هز رأسه ببطء...
كأن الحركة نفسها ثقيلة عليه:
"ولا حاجة... ولا حتى أثر."
أوس عقد حاجبيه...
نظره انتقل بينهم بسرعة:
"وغيث؟
مش كان هنا من شوية؟"
نظرات تبادلت.
تردد.
ثم-
"اختفى."
قالها سليم الشاب... بصوت منخفض...
لكن الكلمة وقعت كقنبلة.
"اختفى إزاي يعني؟!"
أوس صوته ارتفع فجأة...
اقترب خطوة... عينيه تتسعان:
"إنتوا سايبينه يختفي كده؟!
ده راجل مراته مخطوفة-"
رنّ الهاتف.
صوت الرنين...
قطع كل شيء.
كل الرؤوس التفتت.
سليم الأب أخرج الهاتف...
نظر للشاشة...
رقم... مجهول.
رد فورًا.
"مين؟!"
صوته كان حادًا... مشحونًا...
كأنه مستعد يهاجم حتى الصوت.
ثانية صمت...
ثم-
صوت.
أنثوي.
بارد.
ساخر.
"واضح إنك مستني المكالمة دي."
الهواء تجمّد.
جاسر استقام قليلًا...
عيناه تحولت لشيء أخطر.
ريان...
توقف جزء من الثانية...
ثم بسرعة خاطفة بدأ تسجيل المكالمة... وتتبع الإشارة.
سليم، صوته أصبح أعمق... أخطر:
"إنتِ مين؟
ولو دي لعبة-"
ضحكة خفيفة.
"خلّينا نقول...
إن العصافير اللي بتدوروا عليها... عندي."
"غزززززل!"
صرخة ميار خرجت من أعماقها...
كأن قلبها انقطع في لحظة.
شيرلين وضعت يدها على فمها...
وجهها فقد لونه:
"وغيث..."
جاسر اقترب من سليم...
همس له بهدوء حاد:
"خليه يتكلم... متقاطعهاش."
ريان يكتب بسرعة جنونية...
يحاول تثبيت الإشارة...
لكن الخطوط على الشاشة... تتراقص.
سليم، صوته أصبح كفحيح:
"اسمعي كويس...
لو شعرة واحدة بس- شعرة- اتلمست منهم...
أنا هدمر-"
قاطعتـه.
ببرود قاتل:
"تهديداتك متأخرة."
ثم... بصوت أبطأ... أثقل:
"هما في إيدي...
وأنا... اللي أقرر يعيشوا... أو يموتوا."
أوس شدّ قبضته حتى ابيضّت مفاصله.
شغف وضعت يدها على فمها... عيناها تلمعان بالدموع.
ميار... بدأت تنهار.
"إنتِ مين يا بنت-؟!"
صرخ سليم.
"اخرس!"
الصوت...
لم يكن مجرد صراخ.
كان أمرًا.
الجميع... سكت.
صوتها عاد...
لكن هذه المرة... أظلم.
"ولا واحد فيكم هينقذهم...
ولا حتى جهازكم العظيم."
عين جاسر...
تجمّدت.
"ولو فكرتوا تلعبوا...
أو تبلغوا حد..."
توقفت لحظة...
ثم-
"تودّعوا غزل... وغيث..."
سكون.
ثم-
"وابنهم الصغير... ياسين..."
"هيكبر يتيم"
"لاااااا!"
ميار صرخت بانهيار...
انهارت على الأريكة... تبكي بجنون.
"ارجعيلي بنتي!
بالله عليكي... خدي أي حاجة... فلوس... روحي... كل حاجة... بس رجعيها!"
اقتربت من الهاتف... كأنها تحاول تمسك بالصوت نفسه.
ضحكة ساخرة.
"فلوس؟"
سخرية تقطر احتقارًا:
"أنا مش محتاجة فلوسك."
ثم-
"أنا محتاجة أشوفكم بتنهاروا."
انقطع الخط.
الصمت...
عاد.
لكن هذه المرة...
كان مرعبًا.
"ريان!"
صوت جاسر قطع الفراغ.
ريان لم يرفع عينيه...
أصابعه تتحرك بعصبية:
"في تشويش...
الإشارة بتتغير كل ثانية...
في تشفير عالي جدًا..."
ضغط أقوى على المفاتيح:
"مش ثابتة...
مش قادر أحدد مكانها بدقة."
"يعني إيه مش قادر؟!"
سليم اندفع نحوه...
صوته انفجر:
"إنت بتقول إيه؟!
بنتي في إيد واحدة مجنونة... وإنت-"
"كفاية."
ريان رفع رأسه فجأة.
نظرة.
باردة.
حادّة.
توقف الزمن عندها.
سليم...
تجمّد.
ريان قال بصوت منخفض...
لكن كل كلمة فيه كانت سكينًا:
"أنا بعمل اللي أقدر عليه...
عشان أنقذ بنتك."
خطوة للأمام.
"مش قاعد بتفرج."
أوس ينظر بينهما...
مصدوم.
سليم الشاب... مذهول.
ميار الشابة تمسك يد شغف بقوة.
ريان أكمل...
ببطء... بوضوح:
"ولو في حد هنا...
بيضيع وقت..."
نظره استقر على سليم.
"فمش أنا."
"خلاص!"
جاسر تدخل فورًا.
نبرته حازمة... قاطعة:
"مش وقت خلافات."
نظر لسليم:
"لو عايز بنتك ترجع...
سيبه يشتغل."
ثم لريان:
"كمّل."
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
في ذلك الصالون، تجمّد الزمن. لم يتحرّك أحد، وكأن الحياة توقّفت في اللحظة التي انقطع فيها الصوت. لكنّ الصدى بقي معلّقاً في الفراغ، يدور بين الجدران مثل شبح لا يموت.
ميار لم تتوقّف عن البكاء، لكن بصمت خانق هذه المرّة. دموعها انسابت بلا مقاومة، بينما ضمّت ياسين بقوّة منكسرة، كأنّها تخشى أن تنتزعه الأيّام منها كما انتزعت كلّ شيء. رأسها مال عليه، وكتفاها ارتجفا بخفوت حزين... لم تكن تبكي فحسب، بل كانت تنهار من الداخل.
على طرف الأريكة، جلست شيرلين. عيناها مثبّتتان في الفراغ، باهتتان. شفتاها ارتجفتا، وحاولت أن تنطق، أن تسأل، أن تصرخ... لكنّ صوتها احتبس، وكأنّ الكلمات اختنقت في حلقها قبل أن تولد.
أمّا سليم، فكان واقفاً، ولكن كلمة "واقف" لا تصفه. كان تمثالاً من لحم ودم، بلا حراك، بلا ردّ فعل. يداه سقطتا إلى جانبيه ببطء، وعيناه اتّسعتا بصمت شارد، كأنّ عقله لم يستوعب بعد ما حدث.
جاسر ظلّ يراقب المشهد بهدوء مخيف، عيناه تتنقّلان بين الوجوه بتركيز محلّل، يقرأ، يفكّك، يربط الخيوط. لم ينطق كلمة، لكنّه كان أكثر من فهم.
أمّا ريان فجلس أمام شاشة الحاسوب، أصابعه سريعة، لكنّ ملامحه ازدادت صلابة مع كلّ نقرة. فكّه مشدود، وعيناه لا تريان إلّا الخيط الرفيع الذي يحاول الإمساك به قبل أن يضيع.
في زاوية المكان، وقفت دارين.
صمتها كان مختلفاً عن صمت البقيّة. كان صمتاً واعياً، حيّاً، كصمت قطّ يترقّب. عيناها تحرّكتا ببطء بين الحاضرين، ثمّ توقّفتا عند ميار. مشهد ضعفها هذا، هذا الانهيار الصامت، حرّك في دارين شيئاً مظلماً.
"الصوت..." مرّ خاطر عقلها ببطء لذيذ. "فالينتينا..."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، بالكاد تظهر، لكنّها كانت هناك. نظرت إلى ميار مجدّداً، إلى تلك المرأة التي كانت قويّة، صلبة، والآن ها هي مكسورة. وفي داخلها، استفاق شعور قبيح: شعور بالرضا.
"أخيراً،" همست في سريرتها المظلمة، "تذوقين القهر كما ذقته أنا."
لكنّها لم تُظهر شيئاً. رفعت يدها ببطء، تمسح زاوية عينها وكأنّها تزيل دمعة. حركة مدروسة، متقنة. ثمّ قالت بنبرة مكسورة مصطنعة: "يا حرام... مين يعمل كده في بنت زي غزل؟"
كان أداؤها مثالياً، إلّا أنّ شغف نظرت إليها بحدة سريعة، في عينيها شكّ لم تنطق به. وأوس شدّ فكّه، وضيّق عينيه قليلاً، كمن التقط شيئاً، لكنّه اختار الصمت.
في تلك اللحظة، كان هناك من يراقب بعيون أخرى. حازم.
لكنّ نظرته لم تكن عاديّة. لم تكن مجرّد ملاحظة، بل كانت تخترق، تتجاوز القناع، تصل إلى العاري. عيناه ثبتتا على دارين في ثبات بارد، في هدوئه رعب لا يُرى.
شعرت به. شعرت بشيء يلامس أعصابها مباشرة. تصلّب جسدها، ثمّ التفتت إليه ببطء، وتجمّدت.
نظرته لم تكن بحاجة إلى كلمات. كانت تقول بوضوح قاسٍ: "أنا عارف."
ارتجف في داخلها شيء. لأوّل مرّة منذ زمن، شعرت دارين بالخوف.
خفّضت عينيها بسرعة، لكنّه لم يبعد نظره. بل تحرّك، واقترب خطوة واحدة.
ثمّ قال بصوت خفيض، بالكاد يُسمع: "مبسوطة؟"
رفعت رأسها بسرعة، وعصبيّة تسلّلت إلى صوتها: "إيه؟ بتقول إيه؟"
لكنّه لم يتأثّر. ازداد هدوماً. "واضح على وشّك... الراحة دي مش بتيجيش إلّا لمّا حدّ يشوف غيره بيتكسّر."
توقّفت، لم تجد ردّاً سريعاً. أكمل هو، وعيناه لا تفارقانها: "القهر اللي بتحبّيه... بدأ يتحقّق، صح؟"
انقبض قلبها. "إنت بتقول إيه؟" خرجت الكلمات بحدة مرتجفة.
اقترب أكثر، إلى أن صار صوته همساً سامّاً يخترق العظام: "فالينتينا... حمقاء."
اتّسعت عينا دارين فجأة، وتوقّف النفس في صدرها. ثمّ أضاف ببطء أشدّ، كمن يتذوّق الكلمة: "بس مفيدة."
تسارعت أنفاسها، وشعرت بالأرض تميد تحتها. "أنا... أنا مش فاهمة حاجة من كلامك..."
"لا." قاطعها حازم ببرود قاطع، ونظر في عينيها مباشرة: "فاهمة. وأكتر منّي كمان."
صمتت دارين. لأوّل مرّة، لا تجد ردّاً. كلّ كلماتها اختفت، ويديها ارتعشتا دون أن تشعر.
ابتسم حازم ابتسامة بلا دفء، ثمّ قال البقيّة وكأنّه يعلن حكماً: "كلّ اللي بيحصل ده... لعب أطفال."
اقترب خطوة أخيرة، وأطلق جملة واحدة: "وإنتِ... اللعبة الكبيرة."
أخفضت رأسها من جديد، لكنّها هذه المرة لم تكن تمثّل. كان في ارتعاش أصابعها خوف حقيقيّ، خام، مكشوف.
أمّا هو، فابتعد بهدوء، عائداً إلى مكانه كأنّه لم يقل شيئاً. وجهه عاد طبيعيّاً، ساكناً... لكنّ الحقيقة أنّ شيئاً في الجوّ لم يعد طبيعيّاً.
لم تعد دارين المرأة التي كانت قبل لحظات. شعرت بشيء لم تعرفه منذ زمن طويل... أنّ أحداً يراها حقّاً، يرى كلّ شيء، حتّى ما تخفيه عن نفسها.
وفي مكان آخر، بعيد... كانت غزل وغيث يقتربان أكثر من الجحيم.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
داخل مبنى فخم في قلب إيطاليا، حيث البرودة تسكن الجدران الزجاجية التي تعكس أضواء مدينة لا تنام، وحيث يقف الحراس بملامح جامدة كأنهم امتداد للرخام اللامع تحت أقدامهم، ترددت خطوات كعب أنيق، منتظمة، واثقة.
لارين كانت تمشي ببطء متعمد، رأسها مرفوع إلى الأعلى، وعيناها مثبتتان نحو الأمام. برودها لم يكن قناعاً مؤقتاً، بل كان سلاحاً شخصياً، شيئاً تعلمت أن ترتديه كل صباح كما ترتدي معطفها الأسود.
عبرت الممر الطويل دون أن تلتفت، بطاقتها الأمنية تمر على الجهاز الإلكتروني في صوت معدني بارد، والضوء الأخضر يمنحها الإذن بالعبور. لم تتوقف عند أي شيء، لم تتردد عند أي منعطف، حتى وصلت إلى قاعة شبه مظلمة تتوسطها طاولة طويلة من الخشب الثقيل.
هناك، كان يقف رجل بظهر مستقيم وعينين يقظتين تتحركان ببطء. حين سمع وقع خطواتها، استدار ببطء محسوب، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهي تقول: "لقد تأخرت كثيراً، كنت قد بدأت أظن أنك غيرت رأيك."
لارين لم تبتسم، ولم تقدم اعتذاراً. اقتربت منه بخطوات ثابتة حتى وقفت أمامه مباشرة، ثم قالت بصوت بارد: "كنت أتأكد من أن لا أحد ني، الطريق كان طويلاً وأطول مما توقعت كان التأكد."
ماركو رفع حاجبه بإعجاب خفيف، وزوايا فمه ارتفعت قليلاً: "جيد، جيد جداً... بدأت تتعلمين أخيراً أن الحذر ليس خياراً بل ضرورة."
نظرت له لارين بنظرة لم يتغير فيها شيء: "لم أكن يوماً جاهلة يا ماركو، أنا فقط لم أكن مضطرة لكل هذا القدر من الحذر من قبل."
اتسعت ابتسامته أكثر وهو يقول: "واضح، واضح جداً. أنت لم تكوني جاهلة قط، فقط كنت تثقين أكثر مما ينبغي."
ساد صمت قصير بينهما، قطعته نبرة ماركو العملية حين سأل: "والآن، ما الجديد؟ ماذا لديك لتحضرينه لي هذه المرة؟"
لارين لم تتردد للحظة. مدت يدها ووضعت ملفاً صغيراً على الطاولة، ثم فتحته ببطء وكأنها تمنح كل ورقة أهميتها الخاصة: "الشبكة تتحرك بسرعة أكبر مما توقعنا جميعاً، أسرع بكثير مما كنا نخطط له."
اقترب ماركو من الطاولة، وعيناه تثبتان على الملف: "أريد تفاصيل دقيقة، لا أريد ملخصات."
رفعت لارين رأسها نحوه: "شحنات سلاح غير مسجلة، تحويلات مالية مشبوهة تمر عبر بنوك في ثلاث قارات مختلفة، وأسماء وهمية جديدة تظهر وتختفي كل أسبوع." توقفت قليلاً ثم أكملت: "نفس النمط القديم الذي كنا نتحدث عنه، لم يتغير شيء في طريقة عملهم."
ضيّق ماركو عينيه، وتنهد ببطء: "العنكبوت الأسود، كنا نعلم أن الشبكة لن تموت بسهولة."
هزت لارين رأسها بهدوء: "بالضبط، هذا ما أحاول قوله منذ البداية. الشبكة لم تمت، كانت فقط تعيد تنظيم نفسها."
ساد صمت آخر، أطول هذه المرة، ثم سأل ماركو ببطء متعمد، وكأنه يختبر المياه: "والزعيم؟ هل عرفت من هو أخيراً؟"
وهنا، تغيرت نظرة لارين بالكامل. لم يعد الأمر مجرد تبادل معلومات، بل أصبح شيئاً أعمق، أخطر، شخصياً أكثر.
قالت بصوت ثبتت نبرته رغم كل شيء: "دارين."
ماركو لم يرد فوراً. راقب وجهها لثوانٍ، يبحث عن أي تردد أو شك. لم يجد شيئاً.
"أنت متأكدة تماماً من هذه المعلومة؟ لأنها إن كانت صحيحة فسينقلب كل شيء رأساً على عقب."
اقتربت لارين خطوة نحوه، والملف بينهما: "متأكدة بنسبة مئتين بالمئة، لا مجال للشك ولا للتراجع عن هذا الاسم."
رفع ماركو حاجبه مرة أخرى، هذه المرة باهتمام حقيقي: "ثقة كبيرة جداً تملأ صدرك، ومع ذلك لا يوجد دليل مادي واحد على الطاولة أمامي."
ابتسمت لارين ابتسامة خفيفة، باردة كالهواء خارج النافذة: "الدليل موجود يا ماركو، موزع في كل مكان حولنا، لكنه الدليل الذي لا تراه العين التي تبحث عن الشيء الواضح."
مال ماركو برأسه قليلاً إلى الجانب: "اشرحي لي أكثر، أريد أن أفهم طريقة تفكيرك."
تنهدت لارين ببطء، ثم رفعت إصبعها على الملف المفتوح: "كل الخيوط التي تابعناها في السنة الماضية، كل الطرق المالية التي رسمناها، كل الفوضى التي حدثت في التوقيتات الحساسة... جميعها تعود إليها هي وحدها. ليس هناك اسم آخر يظهر في كل تقاطع." ثم أكملت بصوت أخفض: "حتى الأخطاء التي حدثت مؤخراً، حتى تلك التي بدت عشوائية."
ماركو ركز عينيه عليها: "أي أخطاء تقصدين بالتحديد؟"
"الشحنة الأخيرة في إيطاليا، التي كان من المفترض أن تمر دون أن يلاحظها أحد." ابتسمت بسخرية مرة: "تمت مصادرتها بالكامل، كل شيء ذهب في لحظة واحدة."
عقد ماركو حاجبيه هذه المرة: "وصلني الخبر يومها، كنت أظن أنه سوء حظ أو خطأ من أحد العناصر."
اقتربت لارين أكثر، حتى كادت تهمس: "دارين لا تخطئ أبداً يا ماركو، هذه هي القاعدة الأولى التي نعرفها عنها جميعاً. إنها لا ترتكب الأخطاء... إلا في حالة واحدة فقط."
توقفت للحظة، قبل أن تكمل: "إلا عندما تفقد السيطرة على شيء مهم بالنسبة لها. وشيء ما في الفترة الأخيرة جعلها تفقد هذه السيطرة."
بدأ الفهم يظهر في عيني ماركو ببطء: "أنت تقولين إن الشبكة بدأت تتفكك من الداخل."
هزت رأسها ببطء: "لا، ليس هذا ما أقوله بالضبط."
ثم نظرت له نظرة حادة: "أنا أقول إن الزعيمة التي كنا نخشاها جميعاً بدأت ترتكب أخطاء بشرية. أخطاء تأتي من المشاعر، وليس من العقل. وهذا وحده يجعلها أخطر مما كانت عليه في أي وقت مضى."
صمت ماركو قليلاً، ثم قال بهدوء: "وهذا هو الجزء الأخطر بالفعل. الزعيم الذي يخطئ بسبب غضبه أخطر من الزعيم الذي يخطط بهدوء."
أومأت لارين: "بالضبط، هذا ما أحاول شرحه."
أغلقت الملف ببطء، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى ماركو مباشرة. صوتها انخفض، لكنه امتلأ بوعد ثقيل: "إنها هي التي خطفتني في ذلك اليوم، أنت تعرف هذا."
نظر ماركو لها مباشرة، دون أن يرمش: "أعرف، ولهذا أنا جالس هنا معك الآن."
ظهرت على شفتيها ابتسامة خفيفة جداً، ابتسامة لا تصل إلى عينيها: "أنا هنا لأن أحدهم أنقذني، وإلا لكنت ميتة منذ شهور."
ثم، وفي لحظة واحدة، اختفت الابتسامة بالكامل. عادت تلك البرودة القاتلة إلى عينيها وهي تقول: "لكنها لن تنجو هذه المرة. أنا لن أسمح لها بأن تفلت."
اقتربت من حافة الطاولة الخشبية ووضعت يديها عليها بثبات: "أنا لن أتركها تمضي دون حساب، لكنني لن أواجهها كما واجهتها من قبل."
انخفض صوتها أكثر، وأصبح أكثر حدة: "لن أواجهها كناشطة حقوق إنسان تبحث عن العدالة، ولن أواجهها كضحية سابقة تريد الانتقام."
نظرت له مباشرة، في عينيها شيء مظلم: "سأواجهها كعدو، كند حقيقي، كشخص يفهم كيف تفكر ومستعد أن يذهب إلى حيث لا تريد هي أن تذهب."
ابتسم ماركو أخيراً، وهذه المرة كانت ابتسامة جدية تحمل احتراماً حقيقياً: "أخيراً بدأت تفكرين بالطريقة الصحيحة، كضابطة حقيقية تفهم أن الحرب لا تعرف الرحمة."
نظرت له ببرود لم يتغير: "أنا لست ضابطة يا ماركو، أنا مجرد شخص تعلم درساً قاسياً."
رد عليها بهدوء: "لا يهم ماذا تسمين نفسك الآن، المهم أنك ستصبحين أخطر منهم جميعاً في النهاية."
ساد صمت قصير بينهما قبل أن يسأل ماركو: "والآن، ما هي الخطة القادمة؟ كيف سنتحرك من هنا؟"
استقامت لارين، وعادت إلى وضعها الواثق: "الخطة بسيطة في جوهرها، سنراقبها عن كثب، سنضيق عليها المساحات التي تتحرك فيها، سنخليها ترتكب خطأ أكبر. وعندما يحدث هذا الخطأ الحتمي... سنكون مستعدين لسحب الخيط الذي سيفكك كل شيء."
ابتسمت ابتسامة خفيفة مظلمة وهي تكمل: "وعندما نسحب هذا الخيط، سينهار كل ما بنته في ثوانٍ."
سأل ماركو: "والعنكبوت الذي ينسج خيوطه في كل مكان؟"
نظرت لارين نحو النافذة الزجاجية الضخمة، حيث المدينة الإيطالية تضيء الليل بملايين الأضواء الصغيرة، وقالت بهدوء مخيف لا يحمل أي تردد: "العنكبوت يسقط هذه المرة، يسقط ولا يقوم بعده أبداً."
وفي مكان آخر، بعيد جداً عن هذه القاعة الباردة...
كانت دارين تجلس في غرفتها...
لا تعلم أن الخيوط بدأت تنسج حولها...
من كل الجهات.
🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎
داخل القاعة ذاتها، لم يطل الصمت أكثر مما ينبغي. ماركو ظل ممسكاً بالملف بين يديه، يتأمل صفحاته كمن يقرأ شيئاً لم يكتب بعد، ثم أغلقه بحركة بطيئة متعمدة وكأنه يغلق باباً على سر قديم.
"هناك نقطة واحدة نسيت أن تذكريها، نقطة قد تغير كل شيء إن تجاهلناها."
عقدت لارين حاجبيها، ونظرت إليه بتركيز حاد: "أي نقطة تقصد بالتحديد؟ لا أذكر أني تركت شيئاً خارج الملف."
لم يجبها ماركو مباشرة، بل أدار الشاشة اللوحية الضخمة نحوها ببطء، أصابعه تضغط على عدة أزرار بتسلسل مدروس. ظهرت صورة على الشاشة، صورة امرأة أنيقة، قاسية الملامح، عيناها تحملان برودة لا تخطئها العين.
ضيّقت لارين عينيها وهي تنظر إلى الوجه المألوف: "فالينتينا... لم أكن أتوقع أن نصل إليها بهذه السرعة."
ابتسم ماركو بسخرية خفيفة لم تصل إلى عينيه: "ممتاز، على الأقل الاسم لم يضع هباءً وما زلت تتذكرينها جيداً."
"إنها مراقبة من طرفكم منذ قضية أخيها، أليس كذلك؟ أذكر أن ملفها كان على طاولتنا منذ البداية تقريباً." قالت لارين وهي لا ترفع عينيها عن الشاشة.
هز ماركو رأسه بتأكيد بطيء: "منذ اللحظة التي مات فيها لورانزو، ونحن نراقب كل شخص كان يدور في فلكه، كل اسم، كل ظل، كل مكالمة. لم نترك أحداً دون أن نضعه تحت المجهر." توقف لحظة قصيرة، ثم أضاف بنبرة لاذعة تحمل شيئاً من الازدراء: "وشقيقته الصغرى، للأسف الشديد، لم ترث أياً من دهائه. ليست أذكى منه، بل ربما أقل بكثير."
شبكت لارين ذراعيها أمام صدرها، وعيناها ما تزالان مثبتتين على الصورة: "وماذا فعلت هذه المرة لتستحق أن تذكرها الآن بالذات؟"
رفع ماركو نظره إليها ببطء، وكان واضحاً أن ما سيحكيه ليس مجرد خبر عادي يمر مرور الكرام. قال بجملة واحدة فقط، بسيطة في كلماتها، ثقيلة في معناها: "لقد خطفت غزل الشرقاوي."
تجمّدت لارين في مكانها، وكأن الكلمات علقت في الهواء أمامها قبل أن تصل إلى وعيها: "ماذا؟! ماذا قلت للتو؟ أعد ما قلته لأني لا أصدق."
أكمل ماركو وكأنه يروي تفاصيل تقرير روتيني، دون أن يرتفع صوته أو يتغير: "ليس هذا فقط، ما حدث أكبر من مجرد خطف صحفية." ضغط على الشاشة اللوحية مرة أخرى، فظهرت صورة جديدة: "لقد استدرجت زوجها أيضاً، غيث الجمال، الرجل الذي يقال عنه الكثير."
ثم رفع عينيه عن الشاشة وثبتهما في لارين: "والآن، في هذه اللحظة التي نتحدث فيها، كلاهما معاً عندها في مكان لا نعرف تفاصيله بعد."
تقدمت لارين خطوة إلى الأمام دون أن تشعر، وصوتها ارتفع قليلاً: "أنت تمزح معي الآن، لا بد أن هذا نوع من المزاح الثقيل."
هز ماركو كتفيه بلا مبالاة مصطنعة: "أتمنى لو كنت أمزح، صدقيني، لكن الواقع للأسف أغرب من أي مزحة يمكن أن أخترعها." توقف قليلاً، ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة جانبية ساخرة وهو يقول: "بصراحة، هذه الفتاة فالينتينا، أعني بكل موضوعية... يجب أن تترك الصحافة والتحقيقات والمقالات، وتدخل مجال التمثيل بدوام كامل."
حدّقت لارين فيه بحدة، ملامحها لم تعكس أي أثر للمزاح: "ماركو... هذا لا يحتمل."
لكنه أكمل بسخريته التي لم تتوقف: "مشاهد اختطاف متقنة، مطاردات محسوبة، دراما متصاعدة، إخراج مسرحي محترف. إنها موهبة طبيعية بالفعل، لم تدرس شيئاً ومع ذلك تقدم أداءً لا يقدمه المحترفون."
"هذا ليس وقت المزاح إطلاقاً، والناس الذين تتحدث عنهم ليسوا ممثلين في مسرحيتك." قالتها لارين ببرود قاطع، لكن الغضب كان واضحاً تحت السطح مباشرة.
تنهد ماركو طويلاً، واختفت ابتسامته بالكامل كما تختفي الشمس خلف سحابة ثقيلة: "أنا لا أمزح يا لارين، صدقيني لست في مزاج يسمح بالمزاح أصلاً." ثم أشار بإصبعه نحو الشاشة اللوحية: "فالينتينا تحركت بدون إذن من أي جهة، بدون تنسيق مع أي شريك، والأهم من ذلك... بدون ذرة عقل واحدة."
اقترب من حافة الطاولة بخطوات بطيئة، وكأنه يقترب من حقيقة يريد إبرازها: "وهذا النوع بالذات، النوع الذي يجمع بين الطموح والتهور والغباء، هو أسوأ أنواع المجرمين على الإطلاق. لا يمكن التنبؤ بحركاتهم، ولا يمكن احتواؤهم."
قالت لارين بصوت منخفض، وكأنها تفكر بصوت عالٍ: "متهورة حد الغباء، هذا ما هي عليه."
أكد ماركو على كلامها: "بالضبط، هذه هي الكلمة المناسبة تماماً."
ساد صمت قصير بينهما، كل منهما يفكر في تداعيات ما قيل للتو، ثم قطعت لارين هذا الصمت بسؤال مباشر وحاسم: "ما هي خطوتنا التالية إذن؟"
نظرت له مباشرة في عينيه، نظرة لا تحتمل الالتفاف أو المراوغة: "سنتدخل نحن، سنتحرك فوراً وننقذهم من هناك قبل أن تتحول المسرحية إلى مأساة."
سكت ماركو. سكت طويلاً، طويلاً جداً. كان صمته مختلفاً هذه المرة، صمتاً ثقيلاً محملاً بشيء لم تعرفه لارين من قبل.
ثم قال بهدوء غريب: "لا. لن نفعل."
تجمّدت ملامح لارين بالكامل، وكأن وجهها تحول إلى قناع من الجليد: "...لا؟ ماذا تقصد بكلمة لا هذه؟"
أكد ماركو موقفه: "لن نتدخل. هذا قراري."
اقتربت لارين خطوة أخرى نحوه، المسافة بينهما تضيق: "هناك رهائن يا ماركو، أناس حقيقيون، ليسوا أرقاماً في تقاريرك."
"أعرف هذا جيداً." كان صوته هادئاً أكثر مما ينبغي.
"إنهم مدنيون لا علاقة لهم بكل هذه اللعبة." واصلت لارين ضغطها.
"أعرف هذا أيضاً، ولست بحاجة لأن تذكريني." ما زال يحافظ على هدوئه المريب.
"إذن كيف يمكن أن تقول لا وكأن الأمر لا يعنيك؟!" ارتفع صوتها قليلاً رغم برودتها المصطنعة.
قاطعها ماركو هذه المرة، بنبرة تحمل حقيقة باردة لا تعرف العواطف: "لأن هذه أرضهم يا لارين، هذه بلدهم وليس بلدنا."
ساد الصمت مرة أخرى بينهما، صمت أثقل من كل ما سبقه.
ثم تابع ماركو ببرود عملي لا يختلف عن صوت الآلة: "الاستخبارات المصرية هي الجهة المسؤولة عن هذا الملف، هم من يجب أن يتحركوا، هم من يملكون الحق والواجب."
حدّقت لارين فيه، وعيناها تبحثان عن شيء آخر خلف الكلمات: "وأنت ستقف هنا وتتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم؟"
تنهد ماركو مرة أخرى، طويلاً، ثم قال بنبرة تسرب إليها شيء من السخرية الخفيفة التي يحاول إخفاءها: "دعينا نرَ... دعينا فقط نراقب ونرى كيف سيتعاملون مع هذه الفوضى العارمة التي خلقتها فالينتينا."
سقط صمت ثقيل في الغرفة، صمت من النوع الذي يغير مسار الأحاديث.
نظرة لارين تغيرت بالكامل، البرودة فيها أصبحت من نوع مختلف: "ماذا تقصد بالضبط؟ ماذا تخفي وراء كلماتك هذه؟"
وهنا، أخطأ ماركو. أخطأ خطأ لم يدرك حجمه إلا بعد فوات الأوان.
ظهرت على شفتيه ابتسامة جانبية صغيرة، تلك الابتسامة التي اعتادها في لحظات الراحة: "مجرد فضول مهني ليس أكثر، فضول لمعرفة مستوى الأداء المصري في التعامل مع أزمات من هذا النوع."
انقبضت ملامح لارين، وتحول الهواء بينهما إلى شيء صلب: "ماركو... اسمعني جيداً."
صوتها هذه المرة كان حاداً، حاداً كالسكين، مختلفاً عن كل نبراتها السابقة: "هذا ليس كلام شريك، هذا كلام شخص آخر تماماً لا أعرفه."
نظر إليها ماركو، وأخيراً أدرك الخطأ الذي ارتكبه: "أنا لم أقصد أبداً..."
قاطعته قبل أن يكمل جملته، وخطت خطوة أخرى إلى الأمام: "أنت تستهين، وهذا ما تفعله بوضوح."
توقفت قليلاً، ثم أكملت ببطء قاتل، كل كلمة منها تحمل وزناً خاصاً: "أنت تستهين... ببلدي."
سقط الصمت فجأة وبعنف، وكأن أحداً رمى حجراً ثقيلاً في بحيرة ساكنة.
ماركو رفع يديه قليلاً أمامه، في إشارة استسلام وتراجع: "حسناً، حسناً."
ثم قال بجدية لم تظهر طوال اللقاء: "أنا أقدم اعتذاري الكامل، بدون أي تحفظ."
نظر لها مباشرة في عينيها: "لم أقصد إهانة أحد، ولم أقصد التقليل من أي جهة. كلامي خرج بطريقة لا تعبر عن حقيقة ما أفكر فيه."
توقف لحظة قصيرة، ثم أضاف بصوت أكثر دفئاً: "نحن شركاء يا لارين، وهذا ما يجب أن يظل واضحاً بيننا دائماً."
ظلت لارين تنظر له لثوانٍ طويلة، ثوانٍ كانت كافية لأن يشعر بثقلها، ثم قالت ببرود محسوب: "تأكد من أن كلامك القادم يعكس هذه الحقيقة التي تتحدث عنها الآن."
أومأ ماركو برأسه: "واضح، واضح تماماً. لن تسمعي مني إلا ما يليق بالشراكة."
عاد إلى الجدية الكاملة في صوته ونبرته: "اسمعيني جيداً يا لارين، اسمعيني بكل تركيز."
أشار بيده إلى الشاشة اللوحية التي ما زالت تعرض صور فالينتينا: "أي تدخل مباشر منا الآن، أي حركة واحدة، ستكشف كل شيء بنيناه في السنوات الماضية. ستحرق شبكة المراقبة بالكامل."
"فالينتينا تحت رصدنا الكامل، كل حركة، كل مكالمة، كل نفس تتنفسه."
"ولو تدخلنا نحن الآن ولو بإشارة واحدة، ستختفي. ستختفي هي، وسيختفي معها كل الخيوط التي تقود إلى دارين وإلى الشبكة بأكملها."
سألت لارين مجدداً، وهذه المرة سؤالها يحمل إصراراً: "وماذا عن الرهائن؟ ما مصيرهم في هذه الخطة؟"
أجاب ماركو بثبات لم يتردد: "نحن سنراقب الوضع عن كثب، سنحلل كل معلومة تصل إلينا، وسنمرر المعلومات الضرورية للجهات المصرية. هذا دورنا وهذا ما سنفعله."
ثم نظر لها بتركيز شديد: "لكن التنفيذ، العملية الفعلية على الأرض... هذه مسؤوليتهم وحدهم."
ساد صمت آخر بينهما، كانت لارين تفكر، تحلل كلماته، تزن كل احتمال.
ثم قالت أخيراً، وصوتها يحمل سؤالاً حقيقياً: "وأنت واثق تماماً أنهم قادرون على التعامل مع هذا الموقف؟"
ظهرت على شفتي ماركو ابتسامة خفيفة، ابتسامة مختلفة عن كل ما سبقها: "لو كانوا شركاء لنا بالفعل، وهم كذلك..."
ثم نظر لها مباشرة في عينيها وأكمل: "فلابد أن يكونوا قادرين. هذه هي قواعد اللعبة، وهذا هو اختبارهم."
ساد صمت قصير بينهما للمرة الأخيرة.
ثم تنفست لارين ببطء، طويلاً، وكأنها تخرج مع النفس كل اعتراضاتها: "حسناً، سأقبل بهذا. في الوقت الحالي على الأقل."
أغلقت الملف بقوة خفيفة، صوت الإغلاق كأنه نقطة نهاية لجزء من النقاش: "لكن اسمعني جيداً يا ماركو، لو الأمور خرجت عن السيطرة، لو رأينا أن الوضع يتجه إلى كارثة..."
أكمل ماركو عنها الجملة، وكأنه يعرف ما ستقوله: "عندها سنتدخل، سنتحرك بكل قوتنا."
هزت رأسها ببطء، مؤكدة على النقطة.
ثم قالت بنبرة أخطر، نبرة لا تحتمل التأويل: "أنا لن أسمح لها أن تموت. لن أسمح بأن تموت غزل وأنا أقف هنا أرتقب."
نظر إليها ماركو، وفي صوته شيء من الصدق هذه المرة: "ولا أنا أيضاً، لن أسمح بذلك."
لكن عينيه، عينيه فقط، قالت شيئاً آخر تماماً. شيئاً لم تنطق به شفتاه، لكنه كان هناك بوضوح.
"إلا إذا اضطررنا... إلا إذا كان الثمن أكبر من أن ندفعه."
وفي مكان آخر، بعيد عن هذه القاعة الباردة وعن هذه الحسابات المعقدة...
كانت عقارب الساعة تدور...
تقترب ببطء...
من لحظة لا يمكن التراجع عنها بعد ذلك أبداً.
الفصل