في يوم من الأيام…
كانت في بنت جميلة أوي اسمها فريده،
رقيقة زي نسمة صبح، وطيبة لدرجة تخلي قلبها أبيض زي ضحكة طفل صغير.
عيونها بنية لون الدفا، وشعرها مايل للبرتقالي كأنه شعاع شمس وقت الغروب.
صحيت الصبح كالعادة، فطرت مع أمها وسط حكاويهم وضحكهم اللي مالي البيت.
وبعدها راحت الجامعة، يوم طبيعي زي أي يوم… أو ده اللي كانت فاكره.
رجعت من الجامعة وهي مرهقة، فتحت باب الشقة ودخلت بسرعة،
متعودة دايمًا تلاقي أمها مستنياها في الصالة بابتسامتها الحنينة…
بس المرة دي… الصالة كانت فاضية.
عقدت حواجبها باستغراب،
بس قالت لنفسها يمكن تكون في أوضتها… وما حطتش في بالها أي حاجة.
خطواتها البطيئة أخدتها لحد باب الأوضة،
وهي لسه ماسكة مقبض الباب… قلبها بدأ يدق بطريقة غريبة.
فتحت الباب…
والمشهد اللي شافته خطف نفسها.
الأوضة شبه ضلمة، ريحة دم تقيلة ماليه المكان…
وأمها مرمية على الأرض، دمها مغرق السجادة حواليها،
وفوقها بني آدم غريب… منحني عليها وكأنه بياكل من دمها.
الدنيا لفت بيها،
قلبها بيخبط في صدرها كأنه عايز يخرج، نفسها متقطع،
وعينيها مش قادرة تتحرك من المنظر.
وقفت متسمّرة في مكانها…
مش عارفة تعمل إيه…
تهرب؟ ولا ترمي نفسها على الوحش وتنقذ أمها؟
وبينما عقلها متجمد من الرعب…
أمها رفعت عينها بصعوبة، ملامحها باهتة،
وبصوت مبحوح ضعيف بالكاد مسموع قالت:
— “اااهربي… يا فريده…”
الكلمة كسرت قلبها نصين،
وحسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها،
بينما المخلوق الغريب رفع راسه ببطء… والدم سايل من فمه.
أول ما عينها وقعت عليه وهو رافع راسه من فوق جسد أمها…
عينيه البرجاندي بتغوص جواها زي بئر مالوش آخر،
حسّت جسمها كله بيتجمد، ورجليها لوحدها أخدت القرار قبل عقلها… وجريت.
قلبها كان بيخبط في صدرها كأنه طبول حرب،
فتحت الباب بعنف وقفلته وراها،
وجريت… مش شايفة قدامها ولا عارفة رايحة فين.
جريت وبس.
وشها شاحب زي الورقة، الخضة خدت كل حاجة جواها،
حتى الدموع… حتى البكا…
العين مليانة بس ولا نقطة عارفة تنزل،
الخوف كان ماسك روحها بإيد من حديد.
فضلت تجري لحد ما لقت نفسها ورا مبنى قديم مهجور،
سندت ضهرها عليه وهي بتنهج بشدة،
إيديها بتترعش وهي بترجع شعرها البرتقالي ورا ودانها،
وصوتها الواطي بيتكسر وهي بتكلم نفسها:
— “اهدي… اهدي يا فريده… اهدي بالله عليكي…”
دماغها بتلف، الأفكار بتخبط في بعض،
بتحاول تلاقي أي مخرج… أي حد ممكن ينقذها.
وفجأة… افتكرت يوسف،
صديق طفولتها اللي كان لسه راجع معاها من الجامعة النهارده.
بدون تفكير… بدأت تجري تاني،
رجليها بتخبط في الأرض بسرعة وجسمها بيرتعش.
لحد ما وصلت عند بيته…
فضلت تخبط على الباب بعنف،
إيدها بتترعش وهي بتصرخ بصوت مبحوح من الخضة:
— “يوسف! افتحلي بالله عليك!”
الباب اتفتح بسرعة…
ويوسف واقف قدامها، وشه مصدوم وعينيه متسعة.
يوسف بصوت عالي شوية وهو متلخبط:
— “إيه دا يا فريده؟! مش انتي لسه واصلة البيت؟!”
فريده بتنهج، صوتها متقطع وهي بتحاول تلملم أنفاسها:
— “دخلني… دخلني يا يوسف… هحكيلك على كل حاجة، بالله عليك.”
خطت خطوة لجوه…
لكن يوسف فجأة وشه اتغير.
عينيه ثبتت على وشها كأنه شايف حاجة غريبة جدًا…
وبيبطّأ في حركته لحد ما رجع خطوتين لورا،
وصوت نفسه بدأ يعلى… الخوف باين عليه.
ملامحه اتجمدت كأنه شايف كابوس وهو صاحي.
عينيه ثبتت على وشها، وبطّأ حركته لحد ما رجع خطوتين لورا من غير ما يحس،
صوته بدأ يتهز وهو بيقول بهمس:
— “فريده… عينك…”
فريده باستغراب وهي مش فاهمة حاجة:
— “إيه مالها عيني؟! يوسف بالله عليك مش وقته دلوقتي…
انت متعرفش حصل إيه معايا… وماما… ماما يا يوسف!”
دموعها أخيرًا نزلت وهي بتحاول تقرب منه،
لكن يوسف بيرجع أكتر، خوفه بيكبر كل لحظة،
عينيه مش شايلة غير الصدمة وهو شايف بعينه…
عين فريده الشمال،
البنية الدافية اللي كان حافظ لونها من الطفولة،
بدأت تتحول تدريجيًا ل عيون قطه …
ولون عيونها اتحول ل برجاندي قاتم،
لون غريب، عميق… كأنه بيمتص أي ضوء حواليه.
يوسف بصوت متقطع، مش قادر يصدق:
— “فريده… إنتي… إنتي حصلك إيه؟!”
وفريده لأول مرة حست بنبض في عينها نفسها…
حسّت بحرارة غريبة ودم بيجري أسرع في جسمها،
رعشة خوف سرت فيها…
وأخيرًا رفعت إيدها تلمس عينها الشمال…
إيديها متعلقة ع عينيها
عينيها بتنهش نفسها قبل المراية ما تعمل ده…
وبمجرد ما شافت انعكاسها،
شافت عينها الشمال…
اللون البني اللي كان عمرها ما شافت نفسها غير بيه،
بقى برجاندي قاتم، غامق كأنه بقعة دم سابت علامة للأبد.
ساعتها،
الهواء اتسحب من صدرها وصوتها خرج منه هستيريا نقية:
— “لااااااااااا!
أنا مش منهممم!
أنا مش منهم يا يوسف!
قووولي إني مش منهممم!”
صوتها بيتكسر وهي بترجع لورا بخوف،
دموعها مغرقه وشها،
ورجليها بترتعش لدرجة إنها بالكاد واقفة.
يوسف واقف وراها مش عارف يقول إيه،
عينيه بتتنقل ما بين وشها والمراية كأنه بيدور على أي تفسير،
وصوته واطي بس بيحاول يكون ثابت:
— “اهدي… اهدي يا فريده…
إحنا هنتصل بباباكي حالًا ونحكيله كل حاجة…
هو هيعرف يتصرف… متقلقيش… متقلقيش.”
إيده مسكت الموبايل بسرعة،
بدأ يدور على رقم والدها وهو بيحاول يخفي ارتجافة صوابع إيده،
بيحاول يبقى قوي عشانها حتى وهو قلبه بيدق زي الطبول.
وفريده…
لسه قاعدة قدام المراية،
وشها باين عليه الذهول والخوف،
بتبص جوه عينها كأنها مش شايفة نفسها،
وصوت بكاها بيختلط بهمستها:
— “ليه أنا… ليه بيحصلي كدا…”
صوت الرنة في الموبايل كان بيملا الصمت…
المكالمة انفتحت… صوت والد فريده جاي في السماعة، قوي وعصبي:
يوسف بسرعة، وصوته بيتقطع وهو بيحاول يجمع أفكاره:
— “آه… إيه ي عمي… حصلت… حصلت حاجة غريبة أوي…”
السكوت في السماعة قصير، وبعدها صوت والد فريده اتسمع مضغوط وخائف:
— “عارف اللي حصل! بسرعة يا يوسف… دخلها أوضة واقفل عليها فورًا… بسرعة… بسرعة…
وأنا في الطريق! وأوعى… مهما حصل… ما تسيبهاش تطلع… وما تفتحش الباب!”
يوسف حس إن الأرض اتسحب من تحته،
قلبه ضرب بسرعة، وإيده بدأت ترتعش وهو ماسك الموبايل.
بص على فريده، شافت عينها البرجاندي بتلمع في المراية،
وشعرها اللي اتحول لبرجاندي متبعثر على وشها،
والخوف مالي وشها بالكامل.
— “تمام يا عمي… أنا هعمل اللي انت قلت عليه… متقلقش…”
صوت يوسف بدأ يهدأ شوية، لكنه عارف إن الموقف مش طبيعي أبدا.
وفريده قاعدة قدام المراية، جسمها بيتحرك بعنف من الخوف،
بتبكي وبتتوجع، بس يوسف ماسك إيديها، بيحاول يثبتها،
يوسف شدها بسرعة ودخلها الغرفة،
قفل الباب وراها، وهي واقفة مش فاهمة حاجة، قلبها بيدق بسرعة، وعينيها مليانة خوف.
بخضه وصوت متقطع قالت:
— “ليه… ليه بتقفل عليا يا يوسف؟! أنا محتجاك أوي… أنا تعبانة أوي…”
يوسف بظهر وجع واضح في صوته، وحاول يكون
هادي قدامها:
— “متقلقيش يا فريده… باباكي طلب مني كده… هو في الطريق دلوقتي… وهيساعدك…”
وقف برا الباب، عيونه بتراقبها من غير ما يدخل،
القلب كله توتر، كل ثانية تمر كانت تقيلة…
وفريده جوه الغرفة، المراية قدامها، وعينيها البرجاندي لسه بتلمع كأنها بتحذرها…
يوسف كان قاعد ع الكنبة، ضهره محني شوية ووشه متجه للأرض، صوابع إيده متشابكة ببعضها كأنها ماسكة على سِرّ تقيل… ورجله ما بطّلتش تخبط في الأرض بتوتر.
قلبه كان بيخبط جوه صدره، وكل نفس بياخده تقيل أكتر من اللي قبله.
وفجأة… صوت خبط الباب قطع الصمت.
يوسف رفع راسه بسرعة، عيونه متسعة والدم بيتجمد في عروقه.
فتح الباب، وظهر سليم… بابا فريده.
لكن… يوسف اتصدم!
نفس الملامح… نفس الشعر البُرجاندي… نفس ملامح القوة!
الفرق الوحيد… إن عيون سليم الاثنين بُرجاندي مش واحدة بس!
سليم باندفاع:
– “فين فريده؟!”
يوسف حاول يرد لكن الكلام اتعلق في حلقه.
سليم زقه وهو بيجري يدور ع الأوضة… لحد ما لقاها.
فريده أول ما شافته… انهارت، صوتها مكسور، مرعوب:
– “بـ… بابا… شـ… شوفت؟ شوفت اللي حصل لي؟ أنا بقيت وحش!”
ورمت روحها في حضنه، حضن مألوف لكنه بعيد عنها بقاله كتير.
سليم حط إيده على ضهرها، صوته مهزوز لكن بيحاول يطمنها:
– “اهدي… اهدي يا حبيبتي… أنا هحل كل حاجة… متخافيش، متخافيش.”
هي رفعت راسها تبصله، ولسه شفايفها هتنطق،
لكن عينها وقعت ع وشه…
اتجمدت مكانها!
هو نفس وشها… نفس اللمعة في العيون…
بس هو أعمق، أشرس… أكتر من اللي جواها.
اتراجعت خطوتين بعيد عن حضنه، صوتها مبحوح من الحزن والخذلان:
– “حـ… حتى انت؟ أنا مش فاهمة أي حاجة!”
سليم كتم تنهيدة وجعه، ووشه شاحب:
– “هفهمك كل حاجة… بس مش دلوقتي… دلوقتي لازم تاخدي الحقنة.”
فريده ببلاهة، عيونها مش مصدقة:
– “حقنة إيه؟”
يوسف كمان كان واقف مبهوت، عينه رايحة جاية ما بين الاتنين.
سليم بيدور في جيبه بقلق، صوته عالي شوية:
– “الحقنة… فين الحقنة؟!”
وقف مكانه فجأة، صوته مبحوح بالصدمة:
– “وقعت؟! لا… لا مستحيل!”
قبل ما حد يفهم حاجة… خبط الباب تاني.
لكن المرة دي… الصوت كان أعنف، أشرس… كأن حد بيحاول يخلعه من مفاصله.
يوسف ابتلع ريقه، عرقه سايح:
قلبه عمال يصرخ جواه: “إيه اللي بيحصل؟ مين اللي جاي؟”
في اللحظة دي، كل المشاعر اتشابكت…
خوف يوسف، رعب فريده، توتر سليم، وصوت الخبط اللي بيزيد أكتر…
كأن اللحظة دي واقفة ع الحافة بين الحياة والموت
وفجأة… الباب بيخبط بعنف!
الصوت دوّى في أرجاء البيت زي طلق نار، فريده اتنفضت في مكانها، عينيها اتسعت وخطوتها اتلخبطت.
سليم اتشنج في لحظة، صوته واطي لكنه حاد زي السكين:
“روح شوف مين يا يوسف… وإحنا هندخل الأوضة. ومهما حصل… متدخلش حد.”
يوسف بيهز راسه بسرعة، نفسه بيطلع متقطع وهو بيتجه ناحية الباب. خطواته تقيلة، ورجله بتخبط في الأرض كأنها بتعلن خوفه بصوت عالي.
إيده المبلولة بالعرق بتمسك مقبض الباب… يفتحه بهدوء…
ولقى قدامه شاب واقف، في منتصف العشرينات، شعره مبعثر كأنه كان بيجري في شوارع فاضية، هدومه عليها تراب، ونَفَسه متلاحق.
يوسف بيرمش، صوته طالع مرتعش ومقطّع:
“مين حضرتك؟”
آسر بيتقدم بنص خطوة، عينه مليانة استعجال وصوته بيجري قبل نفسه:
“لو سمحت… مفيش وقت… دخلني حالًا!”
يوسف بيرجع خطوتين لورا، بيرفع إيده كأنه بيبعده:
“تدخل فين يا جدع إنت؟! هو دخول بيوت الناس بقى كدا بالساهل؟!”
آسر صوته بيرتعش، لكنه مليان يقين وذعر حقيقي:
“أنا عارف إن في جوا واحدة هتتحول لوحش… لو ملحقتهاش دلوقتي هتفقد السيطرة ومش بعيد… تقتلكوا كلكوا!”
الكلام وقع على ودان يوسف زي صاعقة… قلبه بدأ يدق بسرعة، عينه راحت لا إرادي ناحية الأوضة اللي سليم سحب فريده ليها. العرق نزل من جبهته قطرة ورا التانية، ووشه بيحاول يخبي ارتباكه.
يوسف في سره: هو ده مجنون ولا فعلًا فاهم حاجة؟
آسر بخطوة قدام، صوته بقى أعلى شوية ومليان نفاد صبر:
“أنا… تلميذ أستاذ سليم! شوفته قبل كدا وهو بيتكلم… وبيتغير! وهو بنفسه قالي أبقى مستعد لليوم ده… صدقني، أنا الوحيد اللي يقدر يساعد دلوقتي.”
يوسف واقف في النص… قلبه بيتخبط، عينه رايحة جاية بين آسر والباب المقفول ورا سليم وفريده.
إيده لسه على الباب… وعقله بيتصارع بين الخوف والشك والفضول.
يوسف وقف مكانه لحظة كأنه متسمر، عينه معلقة في آسر وصوت دقات قلبه بيخبط في ودانه… كل كلمة آسر قالها كانت بتزنّ جواه.
أخد نفس عميق، كأنه بيستسلم لشيء مش فاهمه، وابتعد عن الباب بخطوة بطيئة، صوته طالع متردد:
“ادخل… بس لو حصل أي حاجة غريبة… والله ما هسكت.”
آسر دخل بسرعة من غير ما يرد، خطواته سريعة كأنه حافظ الطريق، شنطته متعلقة في كتفه وبيمسكها بإيده بإحكام.
يوسف وراه، نفسه مقطوع وهو بيفتح باب الأوضة بعنف…
وفجأة… الصورة ضربت في عينيه زي كابوس.
سليم واقع على الأرض، جسمه بيتلوى من الألم، ووشه محمرّ من شدة الضغط، وصوت أنفاسه مكتوم كأنه بيختنق.
وفريده… فريده كانت فوقيه!
شعرها متبعثر، عيونها متشققة بحمرة مرعبة، وأسنانها غارزة في إيده، الدم بينقط وبيسقط على الأرض ببطء.
يوسف شهق شهقة مكتومة، صوته اختنق وهو بيهتف:
“اي دااا؟ !”
آسر من غير ما يتردد ثانية، رمى الشنطة على السرير بسرعة، فتحها بخفة غريبة كأنه متمرن عليها ألف مرة.
إيده بتترعش لكنها سريعة وهو بيطلع حقنة صغيرة، في إزازتها سائل شفاف بيلمع تحت ضوء الأوضة الخافت.
يوسف بخوف وهو بيقرب خطوة:
“هتعمل إيه؟!”
آسر وهو بيسحب الغطا من على الإبرة وصوته ثابت:
“هحقنها قبل ما نفقدها خالص!”
في لحظة خاطفة، مسك دراع فريده من عند الكتف، ضغط بقوة رغم مقاومتها الشرسة… حرك الحقنة بسرعة وأدخلها في وريدها، والسائل بينساب جواها.
صرخة مكتومة خرجت من فريده، جسمها اتشنج فجأة، إيديها ارتجفت بقوة، وبعدين… وقع كل شيء في صمت.
آسر سحب الحقنة ببطء، عينه بتلمع بتركيز وهو بيراقبها… يوسف واقف مش قادر يتحرك، صدره بيطلع وينزل بسرعة، وصوت دقات قلبه مالي المكان
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!