طية الروح الحادية عشر "عشق بين حنايا الروح"
مؤلم أن أكون ملاذك في جميع اوقاتك الصعبه و عندما يزورك الفرح لا تتذكر حتي إخباري !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
نظرت إليه كاميليا بصدمة من سؤاله المباغت، والذي لم تكن تتوقعه أبداً، فصار عقلها يعمل في جميع الاتجاهات. ماذا يقصد عما تخفيه؟ فهي لا تخفي عليه شيئاً أبداً.
ولكن مهلاً... هل علم بتهديد رائد لها؟
لا، لا. فهي حرصت كل الحرص ألا يعلمه أبداً، وأخذت جميع احتياطاتها حتى لا ينكشف أمرها أمامه خشية حدوث كارثة قد تعرضه لأي خطر. فهي تعلمه، وتعرف ما قد يُقدم عليه فعله.
لذا حاولت التماسك قبل أن تقول بصوت مرتعش قليلاً:
ـ أنا مش فاهمة أنت بتتكلم عن إيه؟
لم يُخفَ عليه ارتعاش صوتها ورفرفة رموشها، التي أيقن بأنها تخفي خلفها كذبة كبيرة، لذا قال بفظاظة:
ـ ومالك اتخضيتي كده ليه؟ أنا بسألك في حاجة مخبياها عني مفروض أعرفها. عموماً براحتك... تصبحِي على خير.
اختتم يوسف حديثه وتوجّه إلى الأعلى وهو في أقصى درجات غضبه منها، تاركاً إياها خلفه ترتعش من الخوف. فحديثه ونظراته لا يُبشّران بالخير، هكذا أخبرها قلبها، ولكن نهرها عقلها بشدة. فإن كان يعلم، حتماً كان سيقلب المكان رأساً على عقب، وكان سيستجوبها حتى تُقرّ بكل شيء.
هكذا ظلت تُقنع نفسها طوال الثلاثة أيام الماضية. فهي آثرت أن تبقى بعيدة عنه قدر المستطاع، لا تعلم لماذا بالتحديد، لكنها كانت تشعر بالألم والذنب والحيرة. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل، ولا مع من عليها التحدث.
أحياناً يخبرها قلبها أن تذهب إليه وتقصّ عليه كل شيء، فيرتعب قلبها من فكرة عواقب هذا القرار. فهي إن قررت الحديث فلن تستطيع أن تُخفي شيئاً عليه، وهذا ما كانت لا تريده، وإلا لما فعلت تلك الحماقة التي من المحتمل أن تكون سبب كل هذا العذاب الذي تعيشه...
كانت تعبث بالقلم بين يديها، غافلة عن تلك التي كانت تراقبها، ثم تقدّمت منها قائلة بسخط:
ـ كاميليا...
التفتت كاميليا إلى أميرة، التي كانت تناظرها بحاجبين مرفوعين وعينين غاضبتين، فأجابتها كاميليا بلطف، فهذه المرة الثالثة التي تخبرها بأنها لم تُنهِ رسمتها بعد:
ـ نعم يا بشمهندسة؟
قالت أميرة بجفاء:
ـ لو هتفضلي سرحانة كده ومش هتركزي في التدريب يبقى بلاش منه.
ابتلعت كاميليا غصة الغضب بداخلها قبل أن ترسم ابتسامة صفراء على وجهها، ثم قالت من بين أسنانها:
ـ هركّز... حاضر.
قالت أميرة بتحذير:
ـ أتمنى ما تخلّنيش أجيلك تاني، عشان المرة الجاية أنا هتكلم مع مستر يوسف أو مستر أدهم.
لم تكد تُجيبها حتى رنّ هاتفها، وكان المتصل أدهم. نظرت إليها بغيظ وهي تقول بتهكّم:
ـ أهو مستر أدهم بنفسه على الفون، يا ترى ممكن أرد عليه؟
قالت أميرة بجمود:
ـ اتفضلي.
أجابت كاميليا بحنق:
ـ أيوه يا أدهم؟
قال أدهم بعصبية:
ـ إنتِ فين؟
قالت:
ـ هكون فين؟ في الشركة.
قال:
ـ خلصتي تدريبك النهارده ولا لسه؟
قالت بحنق:
ـ للأسف لسه.
قال:
ـ طب بقولك إيه، اخلعي عشان عايزك ضروري، وأنا هكلم عدي أقوله.
قالت باستفهام:
ـ عدي مين؟
قال بنفاد صبر:
ـ عدي يا كاميليا، المهندس اللي مسؤول عن تدريبك. إيه مش عارفة اسمه؟ إنتِ في الضياع خالص كده! اجهزي وقابليني في مكتبي... يلا سلام.
ذُهلت كاميليا من حديثه وطريقته معها، ثم أغلق الهاتف في وجهها، فقالت بحنق:
ـ إيه الغبي ده؟ هو أنا كنت ناقصاه!
قامت بلمّ أشيائها لتتخلص من هذا التدريب الذي أصبح ثقيلاً على قلبها كثيراً، خاصة اليوم، فلا طاقة لها لفعل شيء. فقد اشتاقته كثيراً، ولكن أتتها فكرة أن تُفاتح أدهم بالموضوع وتطلب مساعدته، ولا تعلم بأنه هو الآخر بحاجة إلى المساعدة.
فقد كان في حالة من الغضب والحزن واليأس، وكان حديثهما قبل يومين لا يغيب عن باله لحظة واحدة.
عودة إلى وقتٍ سابق
تفاجأت غرام كثيراً عندما رأت تلك الطاولة المزيّنة بالزهور والحلوى الجميلة الموضوعة فوقها، والديكور خلفها المزيّن بأنواع جميلة من الأزهار، والتي كانت باللون الأحمر جميعها. وكان المشهد بديعاً جداً، ليُكمِله هو باقترابه منها حتى شعرت بأنفاسه على رقبتها وهو يقول بعشق:
ـ بحبك!
التفتت غرام إليه غير قادرة على التفوه بحرف واحد. فقد كانت تشعر بأحاسيس متضاربة تعصف بداخلها؛ فهي تحبه وغاضبة منه كثيراً، تشتاقه ولكن كلماته القاسية ما زالت تتردد في أذنها. تشتهي قربه كثيراً، لكنها خائفة، بل مرتعبة من أن يؤذي قلبها مرة أخرى.
وكأنه شعر بمعاناتها، فامتدت يداه تمسك بكفها، وقرّبه من شفتيه، ولثم باطنه برقة، قبل أن يسحبها برفق ويُجلسها في المكان المخصص لها، وجلس هو أمامها، وعيناه لا تفارقان وجهها الذي ارتسم عليه الحزن، والذي آلمه كثيراً، لذا قال بحنو:
ـ بصي لي... عينيكي الحلوة وحشتني أوي.
اهتز قلبها لكلماته، وودّت لو تخبره بأنها أيضاً اشتاقته كثيراً، لكنها لم تقدر، لذا قالت بجمود حاولت إتقانه:
ـ طلبت مني إنك تتكلم معايا وإني أسمعك، عشان كده ياريت تقول اللي إنت عايز تقوله، لأني معنديش وقت.
كان أدهم يعلم بالصراع الداخلي الذي يدور بداخلها، فقد كان ذلك يتجلى بوضوح في عينيها الجميلتين، لذا ابتسم بهدوء وقال بصدق:
ـ بحبك أوي يا غرام. غلطت في حقك، وغلط كبير أوي، أنا عارف، وهعيش عمري كله أكفّر عنه، وموافق.
بس قلبي وقلبك ذنبهم إيه؟
صمت لثوان قبل أن يُتابع بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ من يوم ما بعدتِ عني وأنا عايش في نار. كل يوم بنام على صورتك وأقوم على صورتك. من يوم ما افترقنا معدّاش يوم عليّا ما حلمتش بيكِ.
تبلور الألم في عينيه و تخلل نبرته حين قال:
ـ أنا أول مرة في حياتي أجرّب يعني إيه كسرة. يوم ما عرفت إنك اتخطبتي لواحد تاني غيري انكسرت. انكسرت لما تخيلت حد غيري جنبك، له الحق يلمسك ويشم ريحتك.
كل مرة كنتِ بتقوليلي فيها مش عايزاك، كنت بلعن نفسي واليوم اللي فكرت أوجعك فيه.
حاولت الحديث فلم يمهلها الوقت ليُتابع بلوعة:
ـ أنا وصلت لمرحلة إني كرهت نفسي. كنت بتمنى الموت، كل ثانية كانت بالنسبالي أهون من دنيا إنتِ مش فيها... بس الموت ما جاش، وأنا مش قادر أعيش من غيرك.
كانت كلماته تخترق أعماق فؤادها وتمزقها إرباً. فهي قد عانت ما عاناه، بل وأكثر من ذلك. فقد كانت بالفعل ستُنهي حياتها، فكانت تلك الطريقة الوحيدة لجعل هذا الألم الشنيع يتوقف. لكنه لم يرحمها، بل أنقذها في ذلك اليوم لتبدأ معاناتها من جديد. تنام وتستيقظ كل يوم على أمل الشفاء منه، ومن جرح عميق ينزف بداخلها بصمت، يأكلها بصمت، يُنهيها بصمت، ولا تستطيع حتى أن تشارك به أحداً.
فخرجت الكلمات من فمها ممزوجة بدموع أشفقت عليها أخيراً وسقطت، تحكي مقدار وجعها:
ـ مش لوحدك اللي كنت بتموت. مش لوحدك اللي كنت بتتعذب. أنا كنت بموت وبتعذب، وبكره نفسي كل ما أفكر إني رخصتها أوي كده!
اندفع أدهم بلهفة:
ـ أوعى تقولي كده، أرجوكِ. إنتِ أغلى حاجة في الدنيا. اللي حصل مني يوم علي وروفان ده كان رد فعل طبيعي لأي راجل يعرف إن أخته بتكلم واحد. لو علي كان مكاني، كان هيعمل كده وأكتر، مش عشان حبيبته رخيصة في نظره أبداً. دي غريزة جوا أي واحد إنه بيغير على أخته وعلى عرضه.
صمت يتابع وقع حديثه على ملامحها قبل أن يُتابع:
ـ وبعدين أي واحد في الدنيا بيشوف إن مفيش حد بيحب قدّه. صدقيني، أنا أول ما حسّيت إن علي بيحب روفان بجد، ولما جه اتقدملها، آه كنت منفعِل، بس لما اتكلم معايا ولمست حبه ليها وافقت وفرحت ليهم من قلبي.
وبعدين بالعقل، إزاي هبقى شايفك كده وأنا عمال أجري وراكي كل ده؟ يا غرام، أنا اتحملت منك اللي مفيش حد ممكن يتحمله في الدنيا دي!
غرام بألم:
ـ الطبطبة على الإزاز المكسور بتعور يا أدهم.
لامست جملتها قلبه، فقال بنبرة مُلتاعة:
ـ وأنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أداوي الجرح اللي جرحتُه... اديني فرصة واحدة.
غرام باندفاع:
ما أنت قلتلي الكلمة دي قبل كده، وشفت النتيجة كانت إيه!
شهقاتها وكلماتها المعذبة كانت عقابًا من نوع آخر، لم يتخيل أن ألمه سيكون بهذا الشكل، لذا قال بلوعة:
ـ اللي فات ما كانش فرصة... اللي فات كان قدرنا. قدرنا إننا نعرف بعض ويحصل اللي حصل عشان أحبك بالشكل ده، وأتعلق بيكي كده، وأعرف قيمتك. يمكن لو كانت كل حاجة بينا عادية ما كنتش هحبك للدرجة دي.
ـ أدهم..
قاطعها هاتفًا بتعب:
ـ غرام، أنا كنت بكره الستات كره العمى، شايفهم كلهم خاينين وكذابين. في يوم وليلة شفتك غيرتي حياتي، شقلبتي كياني. بقيت واقف تايه في النص بينك وبين شيطاني، اللي كل حاجة للأسف كانت في صالحه. كل ما أدوس عليه وأقول مش هسمع له، تحصل حاجة تخليني أجنن وأقول إنك بتخدعيني. شوية وحبي يغلبني وألاقي نفسي جاي لحد عندك، وبرضه تحصل حاجة ترجعني تاني، لحد ما تعبت.
أنا من يوم ما شفتك وأنا بتعذب، تايه ومش عارف أرسى على بر. الحيرة كانت بتموتني.
غرام باندهاش:
أدهم، هو إنت شفتني بعمل إيه عشان تقول الكلام ده؟
أدهم بانفعال، وقد سيطرت غيرته من تذكر تلك المواقف:
' لما تترمي في حضن واحد غريب في الشارع، ده يخليني أقول عليكِ إيه؟ ومتقوليش ابن عمي ولا أخويا في الرضاعة، عشان ده عذر أقبح من ذنب. الناس اللي حواليك ما يعرفوش ده مين، ووارد يظنوا فيكِ ظن وحش.
وبالنسبالي أنا، كنت أعرف إن ليكِ أخ وحيد اسمه علي. هييجي في بالي منين إن الحيوان ده أخوكِ في الرضاعة؟ أشم على ضهر إيدي يعني؟
تفاجأت غرام من نبرته وذلك الغيظ الذي يقطر من بين كلماته، فقالت بعدم تصديق:
ـ إنت كمان بتزعقلي، وبتقول حاجات غريبة. يعني إيه عذر أقبح من ذنب؟ يعني مش مسموحلي أحضن أخويا في الشارع عشا...
قاطعها أدهم بانفعال:
ـ من غير عشان! مش مسموح لك تحضنيه أصلاً، لا في الشارع ولا في البيت ولا في أي مكان. ولو زنقت معاكي وعايزة تحضني حد، أنا موجود. أنا كنت قصّرت معاكِ في حاجة؟
غرام بغضب:
ـ لا، إنت مجنون. والحق مش عليك، الحق عليّ إني طاوعتك وقاعدة أسمع لك أصلاً.
أنهت كلماتها وهمّت بلمّ أشيائها للمغادرة، فباغتها حين نهض وأدار كرسيها تجاهه، واضعًا يديه على جانبيها، بعد أن جلس على ركبتيه فأصبح في مستواها، وقال بنبرة يائسة فاجأتها:
ـ أنا فعلًا مجنون... بس المجنون ده بيعشقك. مش عايز من دنياه كلها غيرك.
أمسك أحد كفيها ووضعه فوق قلبه لتشعر بدقاته الهادرة وأنفاسه اللاهثة حين اقترب منها قائلًا بصوت مبحوح:
ـ بصي في عنيا وقولي إنك مش بتحبيني. قولي إنك مش حاسة بيا وبقلبي. حاسّة بيدق إزاي؟ غرام... غرامي... قولي أي حاجة، ريّحي قلبي بيها. قولي حاجة تطمني. ردي عليّ، ما تسكتيش كده.
في تلك اللحظة غاب العقل، وانمحت جميع آلامها، حتى جرحها النازف تناسته، وقالت بلوعة:
ـ بحبك أوي.
لم يستطع إلا أن يسحبها بعنف إلى داخل أحضانه، يود لو يخفيها بين ضلوعه. فعشقه لها أعمق مما قد يتخيله عقل، وشوقه لها أضناه حتى أفقده عقله.
تشبث بها كطفل صغير التقى بوالدته بعد أن ضاع منها لسنوات طويلة. كان لقاءً حارًا، تكللته دموع الفرح والشوق والتأثر من جانبهما معًا.
ظلا على هذا الوضع لدقائق، قبل أن تقرر هي الانسحاب. فأفلتها رغماً عنه، لتفاجئه حين نهضت وكفكفت دموعها بظهر يدها، ثم قالت بصوت متألم أصاب قلبه في المنتصف:
ـ أدهم، لو سمحت أنا عايزة أمشي. ومتسألنيش ليه، ولا تحاول توقفني. أرجوك خليني أمشي من غير ولا حرف.
أنهت كلماتها، ثم وجهت إليه نظرة ألم كبّلته، فلم يستطع سوى أن يهز رأسه. توجه إلى غرفة القيادة، وعاد بهما إلى الشاطئ، وما إن وصلا حتى اندفعت مهرولة إلى الطريق الرئيسية، تاركة خلفها قلبًا يحترق ألمًا وندمًا وعشقًا.
عودة إلى الوقت الحالي
دخل أدهم إلى مكتبه وهو منكّس الرأس، يشعر وكأنه يحمل هموم جبل فوق قلبه، ولا حيلة له سوى الانتظار، لعل قلبها يشفق عليهما معًا وتمنحه فرصة أخرى لمداواة جراحهما سويًا.
فهو يثق أن جرحها هذا لن يلتئم إلا بوجوده، لكنها ما زالت تكابر، ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل.
هل يذهب ويقف أمام منزلها، يخبرها أنه يعشقها ولن يتزحزح حتى توافق على مسامحته؟ أم ينتظر حتى تهدأ قليلًا وتستطيع لملمة شتات نفسها؟
زفر أدهم بحنق، وقرر أنه لن يستطيع الانتظار أكثر، لكن قاطع تفكيره طرقات على الباب، ليدخل بعدها عدي قائلًا باحترام:
ـ مستر أدهم، حضرتك طلبتني؟
قال أدهم:
ـ آه يا عدي، تعالي. كنت عايز أستأذنك إن كاميليا مش هتكمّل التدريب النهارده وهتروح بدري، فلو فاتها حاجة عايزك تشرحهالها بكرة أو في أي وقت تكون فاضي فيه.
قال عدي بعدم فهم:
ـ واضح إن في سوء تفاهم يا مستر أدهم. أنا معرفش مين كاميليا، بس من الواضح إنها من المتدربين الجدد.
قال أدهم باستفهام:
ـ بالظبط كده... إزاي مش عارفها؟
قال عدي:
ـ ما هو في تغيير في البلان يا فندم. يوسف بيه أمر إني أدرب مجموعة الشباب، وبشمهندسة أميرة تدرب مجموعة البنات، فعشان كده معرفهاش.
تفاجأ أدهم، بل صُدم من حديث عدي، فقال باستنكار:
ـ نعم؟! والكلام ده من امتى؟ هو غير السيستم من غير ما حد يعرف؟
قال عدي بحرج:
ـ بصراحة يا فندم، دي التعليمات اللي اداها للبشمهندسة أميرة، مع تشديد كمان إنها ما تجيبش سيرة لحد. بس طبعًا هي اضطرت تقولي، وأنا لما حضرتك سألت اضطريت أقولك.
ابتسم أدهم بتخابث عندما علم خطة أخيه. فهو يغار عليها كثيرًا، لدرجة جعلته يتناسى كل شيء ويبعدها عن الأنظار بتلك الخطة الماكرة. ولكن لسوء حظه، فقد اكتشفها هو، لذا قال لعدي باعتذار:
ـ تمام يا بشمهندس، تعبتك معايا. اتفضل على مكتبك وأنا هتصرف.
استأذن عدي لينصرف، متزامنًا مع دخول كاميليا، التي تقدمت بغضب قائلة:
ـ حضرتك مين فهمك إني الفلبينية بتاعتك، وإنك عادي تجرجرني على ملا وشي واسيب اللي ورايا واللي قدامي في أي وقت كده؟
نظر أدهم إليها بلامبالاة، ثم قال:
ـ تصدقي لايق عليكِ حوار الفلبينية ده.
قالت كاميليا بحنق:
ـ تصدق إن دمك يلطش؟
قال أدهم بنفاد صبر:
ـ ما تترزعي خليني أكلمك كلمتين، عشان أنا أصلًا روحي في مناخيري ومش طايق نفسي.
قالت بتهكم:
ـ طب إيه رأيك تحاول تعطس كده؟ يمكن ترتاح وتريحنا كلنا.
قال بحنق:
ـ هو إنتِ يا بنتي مسحوبة من لسانك؟ ما تخرسي شوية. إيه، لو ما رديتش الكلمة بكلمتها هيقولوا الهبلة اللي ما ردتش؟
نظرت إليه بغيظ، سرعان ما تحوّل لحزن، وقالت بخفوت:
' أدهم، أنا مخنوقة أوي.
قال بنبرة حزينة:
ـ وأنا مخنوق أكتر منك. وطالبك عشان عايز منك مساعدة... هتساعديني من غير ما توجعي قلبي ولا ترجعي مكان ما كنتِ؟
فاجأه ردها حين قالت:
ـ لا، هساعدك من غير وجع قلب ولا أي حاجة خالص.
قال بعدم تصديق:
ـ وده من إمتى الهدوء والأدب ده؟
قالت بعفوية:
ـ لا هدوء ولا أدب، إنت مش فاهم. في رقاصة دخلت الجنة عشان سقت كلب وكسبت ثواب فيه. فأنا قررت أساعدك وأكسب ثواب فيك، ويمكن ربنا يفرجها عليّ ويهدي لي يوسف... يا رب.
نظر إليها بذهول، وكأن الفراشات تخرج من أذنيه، ثم تدارك ذهوله وقال:
ـ تصدقي بالله أنا كلب فعلًا عشان فكرت أطلب منك مساعدة؟
*****************
كان رائد يحزم أمتعته بغضب ويأس وتأنيب ضمير كاد يقتله. فقد تأكّد بنفسه أن ذلك الحقير راغب لا يعلم مكان والدته.
قام بتفتيش تلك القلعة المقيتة، ولم يترك غرفة واحدة إلا وفتّشها، وهذا أغضبه أكثر. فهو الآن لا يعلم أين هي أو ماذا حدث لها.
فبرغم كل شيء، هي والدته. وبرغم أخطائها وخيانتها، ما زالت والدته، وآخر من تبقّى لديه في هذه الحياة. وهذا ما يعرفه ذلك الحقير راغب جيدًا.
فهل يمكن أن يكون قد خبّأها في مكان آخر؟
لا فهو يعلم أنه لن يرحمه أبدًا. ومع ذلك، فقد أخذ احتياطاته، ونشر جواسيسه داخل وكره، يتحيّنون الفرصة حتى ينهي ذلك الانتقام اللعين، ثم يهدم تلك القلعة فوق رأسه.
فهذا الرجل هو شيطانه، الذي ينوي التخلّص منه بعد تلك العائلة اللعينة التي حوّلت حياته إلى جحيم.
لكن بقي القليل لتنفيذ انتقامه.
فها هو على وشك أن يظفر بعدوّه اللدود، وإتمام تلك الصفقة التي ستجهز عليه، وتقضي على ما تبقّى من تلك الإمبراطورية المزيّفة التي أُقيمت على الظلم والقهر واستغلال الضعفاء.
فقد جهّز لهم حملة صحفية ممنهجة للتشهير بهم والنيل منهم، عقب إمضاء ذلك العقد مع الألمان. حينها لن يستطيع يوسف تدارك الأمر أو إخفاء فضيحته، وسيُعلن إفلاسه حتمًا.
وحينها سيشتري هو كل ما يخص عائلة الحسيني، ويتوّج نفسه ملكًا على عرشهم.
وأقسم أنه سيذيقهم، وخاصة ذلك الرحيم، الذي لم يعلم يومًا أي شيء عن اسمه. فهو بعيد كل البعد عن الرحمة، بل إن القسوة تمشي على الأرض متجسدة فيه.
قاطع سيل أفكاره رنين هاتفه، فأجاب بإيجاز:
ـ وصلت؟
أجابه فايز بضحكة شريرة:
' وصلت وريّحت، وحبايبك هنا قاموا بالواجب معايا. بس دانتَ طلعت مسيطر أوي هنا! قال وأنا كنت مستهون بيك!
قال رائد بفظاظة:
ـ من غير هري كتير... جهزت العقود والأوراق؟
قال فايز:
ـ كل حاجة جاهزة، ومعايا ليك مفاجأة كمان.
قال رائد:
ـ مفاجأة إيه؟
قال فايز بانتصار:
ـ البت سمر طلعت مش سهلة، وقدرت تجيبلي صورة من الورق بتاع الصفقة اللي يوسف مجهّزها.
قال رائد بشك:
ـ إزاي قدرت تعمل حاجة زي دي؟ يوسف مش غبي عشان يسيب ورق مهم زي ده في إيد أي حد!
قال فايز:
ـ لا، ما هو صاحبك مش مركز خالص. ده في موّال تاني أصلًا. حبيبة القلب بدأت تدريب في الشركة، وهو عينه عليها في كل حتة. صحيح الحريم دول مش وراهم غير وجع القلب!
كانت قهقهات فايز مقرفة بالنسبة إليه، لكنه كان على علم بوجود كاميليا، ولم يستغرب كونها لم تخبر يوسف بما حدث بينهما. فهي تخاف عليه كثيرًا، وتعلم أنه سيتهوّر، فهو لا يرى عندما يغار.
وبرغم ذلك، آثر عدم استفزازها، وفضّل عدم الذهاب إلى الشركة، متعللًا بإنهاء العمل المتراكم في الخارج، حتى يستطيع أن يضرب ضربته القاضية دون أن يعكّر خطته أي شيء.
قال فايز بصياح:
ـ إيه؟ إنت نمت مني ولا إيه؟
قال رائد بجفاء:
ـ معاك. ابعتلي نسخة من الورق اللي معاك ده. وأنا حجزت على بكرة بالليل، يعني هكون عندك تاني يوم الصبح. ولحد ما أجيلك، مش عايز أي تهوّر أو استهبال. مش محتاج أفكّرك إن اللي جاي مفهوش هزار.
قال فايز بملل:
ـ بطل تنبيهاتك دي، عشان إنت مش بتكلم عيل صغير.
المهم، إنت هتسمع كلام عمّك وتعمل الغلط مع بنت مراد، ولا ليك رأي تاني؟
قال رائد بغضب:
ـ ولا تاني ولا تالت. الرأي رأيي أنا لوحدي.
وقولت مية مرة مش هدخل الحريم في أي حاجة من الكلام ده. سامعني، ولا أقول تاني؟
قال فايز بإذعان:
ـ سامعك يا عم. أنا بس بقول إن دي ضربة قاضية لابن الحسيني. دي شكلها عزيزة عليه أوي، ومحدش هيكسره غيرها. وبعدين هما لما بيلعبوا ما بيهمهمش...
قال رائد بانفعال:
بس أنا مش و** زيهم. أنا هاخد حقي، وهعرف إزاي أكسرهم بالطريقة اللي تليق بيا، وأقفل على الموضوع ده.
قال فايز باستسلام:
ـ خلاص يا عم، متزوقش. المهم أنا هقابل جاك ده إمتى؟
قال رائد:
ـ جاك دلوقتي في اليونان، وهييجي بعد بكرة.
وإنت مش هتقابله غير الخميس طبعًا، لما أنا أجي. ولا ناوي تقابله لوحدك؟
قال فايز:
ـ لا يا عم، لا هقابله لوحدي ولا حاجة. أنا بس عايز أطمن. أصل الموضوع ده راعبني خالص، ومش مصدق إمتى نمضي الورق بقى ونأخذ الصفقة من ابن الحسيني.
قال رائد بوجوم:
ـ متقلقش، هيحصل.
ـ أنا بكرة هروح له الشركة عشان أسلمه شوية ورق بتاع المصانع، وأتناقش معاه في شوية حاجات، وأخلص معاه، وأطلع على المطار.
قال فايز بلهفة:
ـ طب بقولك إيه، حاسب لا البت دي تشوفك، أحسن تروح تقوله حاجة وتبوّظ لنا كل خططنا!
قال رائد بغموض:
ـ متقلقش، مفيش حاجة من دي هتحصل. كاميليا عمرها ما هتقدر تقوله أي حاجة. يلا... سلام.
***************
كان أدهم ينظر بغضب أمامه، قبل أن يلتفت قائلًا بانفعال:
ـ آدي آخرة اللي يسمع كلام الستات... أهو أنا مشيت وراكوا، واديني واقف متنيل مكاني، متقدمتش خطوة واحدة!"
نظرت إليه كلٌّ من صفية وفاطمة بغضب، لتكون صفية أول من يتحدث قائلة:
ـ واد، هو حد قالك إني بشتغل عندك ولا إيه؟!
أدهم بحنق:
ـ ما بلاش إنتِ... إنتِ اللي عملتيلي فيها سبع رجالة في بعض!
ثم صار يقلد لهجتها بغيظ:
ـ واللي يلينلك دماغها يا أدهم... سبب الموضوع ده عليَّ يا أدهم... عيب عليك يا أدهم... مش واثق في أمك يا أدهم... وفي الآخر لبست خازوق يا أدهم!
لم تكد صفية تجيبه حتى تحدثت فاطمة بانفعال وتهكم:
ـ ما تيجي تاخدلك قلمين يا ابني، مينفعش كده! وبعدين هو إنت تغلط وتيجي تلوم علينا؟ إحنا ذنبنا إيه؟
نظر إليها أدهم بغيظ، قبل أن يقول بسخرية:
ـ تعالوا شوفوا مين اللي بتتكلم! مش إنتِ اللي فضلتي تقوليلي: قرب منها يا أدهم، خليك حنين يا أدهم، المس قلبها يا أدهم، غرام دي أطيب قلب في الدنيا... وهي قلبها حجر!
فاطمة بانفعال:
ـ قلبها حجر ولا تلاقيك عامل عملة سودا ومهببها، مخلياها مش طايقاك ولا طايقة تبص في وشك!
عند هذه الكلمات انفعلت صفية لأجل ولدها، وقالت بغضب:
ـ لا عندك يا فاطمة! بقولك إيه، إنتِ وبنتك إنتوا هتشتغلولي الواد؟ ده أدهم الحسيني على سن ورمح، يعني ألف بنت تتمناه! فقولي لبنتك تحط واطي شوية... البنات على قفا مين يشيل!
فاطمة باستنكار:
ـ قصدك إيه يا صفية؟ هو أنا بنتي هي اللي قليلة؟ دي غرام هاشم الرفاعي زينة بنات إسكندرية، وعرسانها واقفين طوابير على الباب، مش واقفة على ابنك يعني!
صفية بغرور:
ـ ابني! وإنتوا تعرفوا تجيبوا زي ابني؟ ده حسب ونسب وأصل وفصل، وواد طول بعرض وزي القمر، وعنيه خضرا كمان!
فاطمة بسخرية:
ـ وإحنا يا حبيبتي ناقصنا عنين خضرا؟ دي العنين الخضرا عندنا بالكوم! ده إحنا اللي حسنا النسل بتاعكوا!
أوشكت صفية على إلقاء رد لاذع، حين اندفع أدهم صارخًا:
ـ يا صلاة النبي! إنتوا قاعدين تردحوا لبعض؟ الطمّ منكوا! قال وأنا الأهبل اللي جاي أطلب منكوا تساعدوني... أرمي نفسي في الترعة وأرتاح ولا أعمل في نفسي إيه؟!
نظرت صفية وفاطمة إلى بعضهما، وقد شعرتَ بأن ما حدث بينهما منذ قليل لم يكن لائقًا، وأنه لا بد من السعي لتقريب ذلك الثنائي العاشق. لذا قالت فاطمة بتعاطف:
ـ طب يا ابني نعملك إيه؟ ما إنت مش راضي تقولنا حصل بينكوا إيه آخر مرة. وهي من وقت ما جت قافلة على نفسها أوضتها، يدوب تنزل على مواعيد الأكل عشان محدش يسأل عنها. وكل ما أسألها تقولي بذاكر ومش فاضية.
أدهم بيأس:
ـ مجابتلكيش سيرتي خالص؟
فاطمة بحزن:
ـ والله يا ابني، أبدًا. حتى لما سألتها مش هتشوفي الفستان بتاعك عشان كتب كتاب إخواتك يوم الخميس؟ قالتلي: هلبس أي حاجة.
أدهم بغضب:
ـ أهو أنا لو مكتبتش كتابي معاهم يوم الخميس، هطربق الدنيا على دماغ الكل، لا فيها ولا أخفيها!
صدح صوت من خلفه بتهكم:
ـ ولا تقدر تعمل حاجة.
التفت أدهم، فوجد كلًّا من كارما وكاميليا قادمتين نحوه، فالتفت إلى صفية وفاطمة بحنق:
ـ أم لسانين دي إن شاء الله جت منين؟ هو كان اتفاق عيال؟!
التفتت فاطمة إلى الجهة الأخرى في حرج، متظاهرة بأنها تنظر إلى المنظر حولهم. زفر أدهم، ناظرًا إلى كاميليا، وسألها بيأس:
ـ على الله تكوني جاية وجيبالي أخبار حلوة، ولو إن دي مش أشكال تجيب حاجة حلوة أصلًا!
كاميليا بتهكم:
ـ والله إنت اللي فقر ومتستاهلش غير الأخبار اللي زي وشك. روحتلها ولقيتها خرجت تتمشى، ولما كلمتها قالتلي: هبقى أكلمك بعدين، ومش فاضية دلوقتي، وقفلت.
زفر أدهم بغضب، فضحكت كارما بشماتة وقالت باستفزاز:
ـ طب وربنا غرام أختي دي بت ميّة ميّة، عاللي عملته فيك ده! عارف؟ لو منها، أقف يوم الخميس وسط المعازيم وأطلعلك لساني. كل الناس اتجوزت، وإنت اللي هتفضل سنجل بائس كده طول حياتك!
اغتاظ أدهم وقال بوعيد:
ـ على أساس إنها لو فضلت على موقفها لحد الخميس هيبقى في جواز أصلًا! دانتِ تبقي عبيطة أوي لو فكرتي إني هسيب ده يحصل. على النعمة أخطفلك حبيب القلب وأبعتهولك متقطّع في شوال!
ـ على أساس إن حبيب القلب ده سوسو يا خويا وأنا مش واخدة بالي!
التفت أدهم على صوت مازن المتهكم، ثم نظر إلى والدته صارخًا:
ـ ماما، هو ده اليمين اللي حالفاهولي إنك مش هتقولي لحد؟ فضحتوني في كل حتة! ناقص ألاقي جدي جاي جايبلي عمي هاشم، أنكجيه في دراعه وجاي هو كمان. إنتوا عاملين عليَّ حفلة!
مازن بنفاد صبر:
ـ بقولك إيه يا أدهم، بطل صياح. إحنا كلنا متجمعين هنا عشان نساعدك، متقعدش تقرفنا بقى.
أدهم بقهر:
ـ ما هو واضح أوي إنكوا ناويين تساعدوني! ده أنا ضغطي عليّ منكو. احتمال أتشّل ومكملش ليوم الخميس أصلًا!
صفية وقد ضاقت ذرعًا بما يحدث، قالت بحدة:
ـ بعد الشر عليك، متقولش كده تاني! كل ده عشان إيه يعني؟
ثم التفتت إلى فاطمة بحزم:
ـ بصي يا فاطمة، ابني زي ما هو بيحب بنتك، هي كمان بتموت فيه. وده المهم، فمالوش لازمة وجع القلب ده كله. عايزين نفض الليلة دي ونجوزهم ونخلص. الواحد أعصابه تعبت من الفيلم الهندي ده!
أوشكت فاطمة على الرد، فجاء صوت مازن صارمًا:
ـ كلام خالتو صفية صح. بصي يا حاجة فاطمة، غرام بتحب أدهم، وعمرها ما هتحب غيره. لو سبناها كده، هتفضل تعذبه وتعذب في نفسها العمر كله. وأظن إنتِ شوفتي بنفسك هو قد إيه بيحبها ومتعلق بيها، يبقى المفروض ندخل ونعقلها.
فاطمة بقلة حيلة:
ـ طب يا ابني، مش نشوف مالها الأول وإيه اللي مخليها في الحالة دي؟
صفية بحسم:
ـ بسيطة، كاميليا تروحلها النهارده تاني وتحاول تفهم منها في إيه. هي مش هتحكي لحد غيرها، وبناءً على كلامها نحدد هنعمل إيه.
وافق الجميع، ومن بينهم فاطمة. تنهد أدهم وأرجع كرسيه إلى الخلف زافرًا بتعب، فقد شعر باليأس من عنادها، ولم يعد يعرف ماذا يفعل، فآثر الصمت على أمل أن تُجدي خطتهم نفعًا.
سأل مازن بصوت خفيض:
ـ يوسف ماله يا أدهم؟
التفت أدهم وقال:
ـ بص قدامك وإنت تعرف.
نظر مازن إلى كاميليا، التي كان الحزن يلون ملامحها، فقال بغضب:
ـ هما الاتنين دول هيفضلوا يعذبوا في بعض كتير كده؟
أدهم بهدوء:
ـ حتى لو يوسف أسلوبه صعب، بس عنده حق يا مازن. كاميليا غلطت كتير، وهو سامحها. من حقه المرة دي ياخد موقف.
مازن بضيق:
ـ ماشي، حقه وكل حاجة... بس هيفضل لحد إمتى مستنيها تيجي تتكلم؟ هو أصلًا هتقول إيه؟ ما خليه يفضها سيرة ويرحم نفسه من العذاب ده.
أدهم بسخرية:
ـ عذاب؟ وأي عذاب ده؟ ده مش طايق النفس اللي حواليه، وعمال يشخط وينطر طول النهار.
مازن بنفاد صبر:
ـ طب إحنا هنتفرج عليهم كده وهما بيعذبوا في بعض؟
صمت أدهم قليلًا، ثم قال بمكر:
ـ لا طبعًا... الاتنين دول عايزين لهم قرصة ودن محترمة.
مازن باستفهام:
ـ مش مرتاح للبصّة دي... في دماغك إيه يا داهية إنت؟
أدهم بتخابث:
ـ هقولك!
******************
في اليوم التالي، كان يوسف يجلس بمكتبه يعمل على تلك الصفقة المهمة التي من شأنها إنقاذ شركته من الإفلاس، وإنقاذ سمعته في السوق. فقد بدأت تتسرب بعض الأخبار بأنهم على وشك الإفلاس، وقد أغضبه هذا بشدة، لكنه أبدًا لن يستطيع التحدث بالأمر دون أن يكون ثابتًا على أرض صلبة، لذا أجّل البت فيه والبحث عن مصدره لحين الانتهاء من هذه الصفقة.
كان العمل يفيده كثيرًا، فهو كمسكّن لآلامه العميقة التي تنخر عظامه من الداخل. فمنذ يومين، وهو يحاول دفن نفسه في الملفات والأوراق والحسابات حتى ينسى ألمه الناتج عن عشقٍ استنزف كل قواه وطاقته، ولم يعد بمقدور قلبه احتمال كل هذا. لكنه أخيرًا استطاع اتخاذ أصعب قرار في حياته، وشرع في تنفيذه.
استخدم الهاتف وطلب سمر، وما إن أجابت حتى قال بفظاظة:
ـ هاتيلي على التليفون أشهر دار أزياء في الشرق الأوسط.
كان الفضول ينهشها لمعرفة السبب، لكنها قالت باحترام:
ـ حاضر يا يوسف بيه.
وما هي إلا دقائق حتى قامت بإيصاله بدار أزياء من أشهر دور الأزياء في الشرق الأوسط، كما أراد. وما إن علمت صاحبتها بهوية المتصل حتى أجابت بنفسها قائلة بود واحترام:
ـ أهلًا بحضرتك يا يوسف بيه.
رد يوسف التحية بجفاء، ثم قال باختصار:
ـ هبعتلك صورة لتصميم عايزاه يتنفذ خلال أسبوع.
ـ إحنا عنينا لحضرتك، بس أنا لازم أشوف التصميم وأحدد إذا كنا هنقدر ننفذه في الوقت ده ولا لا.
يوسف بجفاء:
ـ التصميم وصلك دلوقتي، وأنا اللي أقرر أنا محتاجه يخلص إمتى، مش إنتِ.
شاهدت تلك السيدة التصميم، وانبهرت من روعته وجماله، لكنها أيقنت باستحالة تنفيذه في تلك المدة البسيطة، فقالت بلهجة حذرة ومتملقة:
ـ يا يوسف بيه، إحنا طبعًا يسعدنا إننا نتعامل مع حضرتك، بس التصميم ده على قد ما هو جميل ومبهر، إلا إنه مستحيل يتنفذ في المدة البسيطة دي!
يوسف بنفاد صبر:
ـ مفيش حاجة اسمها مستحيل، وعمومًا مليون دار أزياء تانية تتمنى تصممه، وفي أقل من الوقت ده.
كاد أن يغلق الهاتف في وجهها، لتقول بلهفة:
ـ لا، دار تانية إيه؟ أوعد حضرتك التصميم هيكون جاهز قبل الأسبوع ما يخلص.
ـ كده نبقى متفقين.
وأغلق يوسف الهاتف، ثم شرع في العبث باللاب توب الخاص به، لتظهر أمامه تلك الغرفة التي تتدرب بها محبوبته. فهو دائمًا ما يشاهدها من خلف تلك الشاشة التي توصله بالكاميرا الموجودة بغرفة التدريب. اشتاقها كثيرًا، لكن هذا الاشتياق كان يؤلم قلبه ويؤذي كبرياءه، ذلك الكبرياء الذي كان ينهره لضعفه أمامها، والذي قرر أن ينتهي من الآن فصاعدًا؛ فلن تراه بالوجه الذي اعتادت عليه.
انفتحت الشاشة أمامه، وبدأ يبحث عنها في الغرفة، ليصدم بذلك المشهد الذي جعل الدماء تفور في رأسه، وهو......
يتبع ...
متابعيني الكرام تقدروا دلوقتي تطلبوا رواياتي الورقية " ذاكرة الرماد - ما خبأته السماء (تردى في العشق قتيلًا) ميثاق الحبِ و الياقوت - في قبضة الأقدار ج١ "
بخصومات كبيرة تصل إلى ٥٠٪ خلال فترة المعرض من على المتجر الإلكتروني الخاص بالدار
من على رقم الواتساب👇🏻
+201121530961
#للحصول_على_الروايات_من_خارج_مصر_تواصل_برسالة_على_رقم
00201121530961
#ذاكرة_الرماد_حين_ينفث_الرماد_عطراً
#نورهان_العشري
#قيثارة_الكلمات
#ولاد_الوناش
#معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب2026
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع
#صالة2_جناحC34
متنسوش يا حلوين (فوت+كومنت+فولو ليا♥️)
ا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!