الفصل 1 | من 1 فصل

رواية لما الدنيا تضلم الروية) الفصل الأول 1 - بقلم روزان مصطفى

المشاهدات
22
كلمة
1,114
وقت القراءة
6 د
حجم الخط: 18

كُرسي هزاز” ‘١’

لم يكُن مِن السهل على رئيفة أن تقبل بـِ مِثل تِلك الوظيفة بعد سنوات التعليم التي أضنت والديها.. واضنتها هي مِن شِدة إجتهادها وتفوقها في دراستها، فـ إلتحقت بـِ فضل نِسبتها العالية إلى كُلية العلوم وتخرجت مِنها بـِ تقدير إمتياز
.. حتى توفي والِدها الحبيب إثر المرض اللعين، إزدادت مصاريف المنزل بعد زواج شقيقتها في إحدى قُرى الأرياف
تِلك الفِئة مِن المُجتمع التي تُحكِم عليهُم عاداتهِم أن تكون العروس مُجهزة بـِ أفضل أنواع الأجهزة والمفروشات والطعام المُبالغ بِه
حتى تداينت الأسرة بعد إستقرار “رِفقة” إبنتهم مع زوجها، وتوفي رب المنزِل، لـِ تبقى “رئيفة” مع والِدتها التي إبتاعت جميع مصوغاتها حتى تستطيع سداد جُزء مِن الدين.

وقفت أمام مِرآتها وهي تُعدِل مِن حِجابها الاسود، إقتربت والدتها مِنها وهي تقول بـِ حُزن: وإنتِ إيه اللي موديكِ أخر الدِنيا يابنتي، جالك شُغلانات حلوة كتير بـِ شهادتِك.
تنهدت “رئيفة” مُزيحة عن عاتقها ذلِك الثُقل وقالت: يا ماما.. مُرتب الشُغل اللي أنا ريحاه دا أعلى بـِ كتير من أي مُرتب إتعرض عليا هِنا، صدقيني مِش هاين عليا أسيبك لوحدك، بس تقدري تقوليلي هتتصرفي إزاي في المواسِم؟ لازم تودي شيء وشويات لـِ “رِفقة” وحماتها لا إلا هيبهدلوها بالكلام رايح جاي، هُما وسِلفاتها العقارِب دول..
جلست والِدتها على طرف فِراشِها وهي تقول بـِ ضيق: قدمهُم محني بالنحس، حسبي الله ونعم الوكيل، أنا مرضيتش أفتح بوقي قُصاد أختك لا تزعل، بس منابناش مِنهُم غير الديون وموت الراجِل.
نظرت لـِ والدتها بـِ عسليتيها الناعستين وقالت: دا قضاء ربنا يا ماما إستغفري، المقصود إن مُرتب شُغلي دا هيسدد ديوننا ويخلينا نأمن نفسنا أنا وإنتِ، خصوصًا إن بابا معاشُه قليل.
وقفت والدتها أمامها وقالت: طب إتغدي قبل ما تمشي، يابنتي المحاليل هدت حيلك الأيام اللي فاتت.
قبلت “رئيفة” كتف والِدتها وهي تقول بـِ حنو: لو جوعت هاكُل حاجة في السكة، كمان لما أوصل أكيد هيحطولي أكل هُما قالوا إقامة ووجبات.
ضمتها والدتها لـِ صدرها وقلبها يؤلمها ثُم قالت: ربنا يسعدك ويصلح حالك ويفاديكِ مِن كُل شر، إنتِ بـِ ميت راجِل.
سحبت “رئيفة” حقيبة ملابِسها مِن فوق الفِراش، وأرتدت حقيبة يدها وهي تقول: هكلمك كُل يوم أطمنك عليا وأتطمن عليكِ يا ماما، ومتقوليش حاجة لـِ رِفقة بالله عليكِ، خليها تتبسط مع عريسها.
سارت بـِ تنورتها مِن قُماش الجينز الداكِن، ومِعطفها الأسود بـِ إتجاه باب الشقة.. ثُم غادرت تارِكة خلفها والدتها تدعو لها.

مر وقت حتى شعرت أن سيارة الأجرة تتوقف أمام محطة القِطار، حملت حقيبتها بعد ما ناولت السائِق أُجرتهُ وإلتقطت أنفاسها بـِ تعب وهي تقول: يا مُعين يارب توكلت عليك.
إبتاعت تذكرتها وجلست على المِقعد في إنتظار القِطار الخاص بِها.. معدتها الفارِغة مُنذ ليلتين بدأت تئِن جوعًا.. مُصدرة أصواتًا مُطالِبة بـِ حفنة طعام.
وضعت يدها على معدتها وهي تقول بـِ ضيق: أنا ماليش نفس أكُل، ما تخليكِ جدعة وتتحمليني لغاية ما أوصل.
لكِنها أبت أن تستمع لها، فـ إزداد صوت الجوع الصادِر مِن جسدها لِذا قامت بـِ هدوء مِن المِقعد حامُلة في يدِها حقيبتها، وإقتربت مِن إحدى العربات الصغيرة التي تصنع الشطائِر والتي فاحت دخنة شوي اللحوم مِنها في المحطة.
وقفت أمام البائِع وهي تقول بـِ شِفاة مُتشقِقة: بكام ساندوتش الشيش لو سمحت؟
الشاب دون أن ينظُر لها: ٤٥ يا أبلة.
إتسعت عيناها وقالت: يا سلام! غالي كدا ليه؟
كان يبدو أنه مُضجرًا ولا يحتمِل نِقاش فـ قال: هو السعر كدا مش عاجبك روحي الكشك سدي جوعك بـِ بسكوتة.
قالت بـِ سُخرية مريرة: إنت بتقول فيها، هو دا اللي هيحصل بالفِعل.
أشاح لها بـِ يدهُ قائِلًا بـِ قرف: بالسلامة، عايزين تاكلوا ببلاش.
لم تجُبه وسارت على مهلِها خطوات بسيطة، لأن الحِذاء الجديد الذي إبتاعتهُ جرح قدميها مِن الخلف.. بالأضافة إلى جسدها الهزيل ودِمائها التي هربت منها مِن قلة التغذية.
وقفت أمام الكُشك قائِلة للبائِع المُسن: باكو البسكوت السادة بكام يا عمو؟
الرجُل مِن خلف نظارتهُ الطبية: خمسة جنيه.
إلتقطت واحدة وزُجاجة مياة ثُم اخرجت العشر جُنيهات وناولتهُ أياها، استمعت لِنداء القِطار الخاص بِها فـ دست طعامها في الحقيبة وبدأت تركُض بـِ عِزم ما تملُك حتى أخيرًا جلست داخُلهُ، بـِ جانِب النافِذة.
بدأت تلتقِط أنفاسها رويدًا رويدًا، حتى إستكانت في جلستها.
شاي، قهوة، مياة..
أشارت للفتى بـِ يدها قائِلة: عاوزة كوباية شاي لو سمحت.
أنزل الحقيبة مِن فوق ظهرِه وهو يقول: عينيا يا أبلة.. سكرك كام؟
رئيفة بـِ تعب: واحدة.
وضع الكوب مِن الورق المقوى في راحة يدها وإلتقط نقوده ثُم غادر، بدأت بـِ أكل البسكويت وهي ترتشِف الشاي الساخِن لـِ يُدفِئُها..
شعرت بالإرتخاء في جسدها فـ أعادت راسها للخلف.. وغفت في نوم عميق.

كانت تسير على شاطيء في ليلة مُظلِمة، شاطيء فارِغ من البشر، والبحر مياهُه راكِدة.. لم تنتبِه لـِ تِلك العجوز التي تجلِس على الرِمال توليها ظهرها وتُدندن بـِ لحن أغنية قديمة.
ضمت ذراعيها لجسدها تُطالِب بـِ بعض الدِف، حتى إلتفتت لها العجوز وتوقفت عن الدندنة، نظرت لها بـمحجر عينين فارِغ، ومُظلِم مِثل الشاطيء تمامًا..
إرتعدت “رئيفة” مِنها للخلف، حتى سقطت على الرمال وهي تزحف للخلف..
ضحكت السيدة العجوز ضحكة قصيرة وقالت: خايفة مني أنا؟ أومال اللي إنتِ ريحالُه بقى.. تقولي عنُه إيه؟
“رئيفة” بـِ إرتجاف بردًا وذُعرًا: الجو تلج كدا ليه، دا حتى إحنا في أواخِر الشتاء.
كانت السيدة تحفُر بـِ أصابِعها داخِل الرِمال وهي تبحث عن شيئًا ما بدا مجهولًا، بدأت ماهيتُه واضِحة حينما أخرطت بؤبؤي عينيها مِن الرِمال وهي تضعهُما داخِل محجريها الفارغين وتقول: ولسه.. كُل ما هتقربي من البلد، كُل ما الدنيا هتبقى برد أكتر.

إنتفضت مِن نومها وهي تشعُر بـِ ألم في أطرافِها، مِن شدة البرودة تعتقد أن درجة الحرارة سالِب صِفر!
نظرت للفتاة التي أوقظتها وقالت: منمتيش بقالِك مُدة ولا إيه، نمتي طول الرحلة، إنزلي يلا وصلنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

الأول فهرس الرواية النهاية

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...