– المواجهه !!
أكمل وهو يبتسم بحقارة، وعينيه لا تغادر وجهها: ” كل اللى كنتِ عايزة تقضي وقت ممتع وتغيري روتين حياتك، إيه المشكلة؟ شوية حب ومتعة و جنان مع واحد كان مستعد يديكى روحه …..”
-” بقولك إيه؟ كفاية، متعيشيش الدور عليا… أنتِ أصلاً عمرك ما فكرتِ أكثر من إني بنت جميلة من عائله عريقة مجرد ارتباطك ببنتهم كاف ينقلك نقلة تانية ، بس أنت كنت طماع عايز كل حاجة… عايز جيلان هانم بنت السيوفي باشا، وفي نفس الوقت عايز ……”.
بترت عبارتها عندما رن جرس الهاتف فجأة لتنتفض هى بينما لعن فارس بطريقة قذرة، وتجاهل الهاتف وهو ينظر لها. وابتلعت غصّة ريقها تحمد ربنا على مقاطعة الهاتف لها، فلولا ذلك لكانت أكملت جملتها وحققت بذلك الذل الأعظم لها، وهو أن يعرف السبب الحقيقي الذي جعلها فعلاً تتركه.أخذت نفسًا عميقًا وهي تشعر بمعدتها تلتوي، وذكرى بعيدة تطوقها وقد بدأ جسدها في تذكر أشياء… أرادت بيأس دفنها داخلها وهي تشعر به قريبًا منها هكذا…وبدا عليه التشوش وهو يحدق بها وحاجباه معقودان بشدة، على ما يبدو كان منتظرًا منها إكمال حديثها. أخذت نفسًا من جوفها وهي تنظر يمينًا وشمالاً، كأنها تحاول البحث عن مهرب، وفجأة تجمد جسمها تمامًا وهي تراقب بذعر يديه تتحرك من على الحائط ليمسك بكتفيها ليهزها بقوة قائلاً بصوت أجش لم يكن ثابتًا على الإطلاق:
“كنتِ بتقولى ان انا طماع …..مش فاهم طمعت فى ايه ؟! هه …مركز اسرتك النبيلة …..”قطع عبارته وهو يطلق ضحكة ساخرة مقيتة مستهزءة، لم تكن تسمعه أو حتى تعي أي كلمة مما يقولها. كانت كل حواسها مركزة على الحرارة التي تجتاح جسدها بلا رحمة مكان يديه على كتفيها، وشعرت أنها على وشك التحطم كأنها زجاج إذا لم تهرب من هنا حالاً.وفجأة، شعرت بعينيه ترسلان ناراً حارقة تجاهها، ورفعت عينيها لتجد نظراته تقع عليها بطريقة أذابت عظامها. وما إن شعرت بوجهه يقترب بلا وعي منه ناحيتها، حتى انتفضت بآخر جزء من شجاعتها فدفعته للخلف لتترك بينهما مسافة، لكنها لم تكن مسافة تُذكر؛ إذ تمسك بها بقوة من ذراعها قائلاً بصوت شرس ممتلئ بالازدراء:
– «إيه يا جيلان هانم ؟ خدشت حياءك يا بيبي؟ مجربتيش تقربي من راجل بشكل حميم قبل كده؟»
شحب وجهها بشدة وهو يتابع بكل مقت، ونظراته تكاد تفترسها:- «صعب تتعاملي مع واحد عارف كل حركاتك القذرة من زمان ؟ ارتجاف جسمك ورعشة شفايفك.. عدة الشغل ديه مش كده».هدر صوته وهو ينهي عبارته بكل احتقار، قبل أن يترك يدها كأن بها مرضاً معدياً، ويلتف بكل تعجرف ليجلس خلف مكتبه، وعيونه تحدق بصدمتها وتصلبها في مكانها بشراسة وغضب عنيف، متابعاً بصرامة مخيفة :
– «أنتِ هنا موظفة في شركة محترمة، واللبس اللي أنتِ لابساه ده آخر مرة أشوفك بيه هنا. وكلامك مع زمايلك بحدود، وقسماً بالله لو لمحت صباع واحد من أي راجل مقرب منك لهدّفنك مكانك.. سامعة؟»”
هذا غير صحيح ….هذا لا يحدث لها …انه فارس مرة اخرى ، بكل تحكماته السابقة وسيطرته اللعينة عليها، ولكن فيما مضى كانت تعتبر كل ذلك دليل حب وغيرة عليها، ولكن الآن ما هو إلا تملك وسيطرة لتشعر هي أنها واحدة رخيصة تشتغل عنده ولازم تقبل بكل أوامره حتى لو على حساب كرامتها،
وفجأه انطلق طبعها الثائر واحتقنت الدماء في وجهها وهي تندفع قائلة بعصبية مجنونة:- «أنت مين أنت عشان تتحكم فيّ وفي لبسي؟ أنا محترمة غصب عنك، وأنت مالكش عندي حاجة غير شغلي وبس.. سامع؟»
قالت ذلك ثم اندفعت تلف وهي تتجه نحو الباب، ولكن لسوء الحظ كان هو بخفة الفهد قد اصبح خلفها وقبل أن تصل أصابعها لمقبض الباب كانت يداه تلفها بقسوة وسرعة ، وقبل أن تعرف ماذا يحدث كان فارس يحضنها بكل عنف ويده تجذب شعرها لأسفل ليرتفع وجهها المحتقن لأعلى، ولتشعر بالآلاف من الفلاشات تضىء فى وجهها و هو يقربها منه بتطلب وتملك شديد، وهو يستنشق عطرها بنهم وعمق وقد شعر بالحاجة لاحساسه بها تكاد تقتله، ضمها إليه بقوة وكأنه أراد أن يدفنها داخل ضلوعه، وهي تجاهد لالتقاط أنفاسها و هى تتخبط بين ذراعيه تقاومه و تقاوم نفسها و لمعت الدموع فى عنيها و هى تدرك بما لا يدع مجالا للشك انها ابدا لم تسطع التغلب على حبها الجارف له ، شعرت كانها عادت مسلوبة الأرادة كما كانت دوما معه ، و لكن ما ان ازدادت لمساته جرأة ووقاحة عليها حتى انتفضت تحاول ابعاده عنها ، وهى تكره نفسها و ضعفها و لكنه لم يتركها و شعرت بعاطفة تهز كيانه هزا و كأنه عاجز عن وقفها و كان يرتجف مثلها و انتفضا معا عندما سمعا صوت طرقات ملحة على الباب و شهقت جيلان بفزع و هى تنظر لنفسها و بدا ان فارس على وشك ارتكاب جريمة و هو يحدق بها بشىء كصدمة ممتلئه بذهول و غضب …غضب جعلها ترتجف من الخوف و فجأة جذبها بسرعه نحو باب انيق فتحه و ادخلها ثم اغلقه خلفها و هو يمرر يده فى شعره بتوتر شديد و لعنها بصوت متوحش لتسمع هى صوته بذهول و هى تنظر فى المرآة الكبيرة أمامها لمنظرها المشعث بعد أن وعت انها فى حمام أنيق خاص بمكتبه و تهاوت جالسه على مقعد خلفها و كل جسدها يرتعش و دموعها تنهمر بدون توقف.
بينما كان هو كالأسد الجريح و هو يجلس على مكتبه هاتفا بصوت مرعب :” ادخل .”
دخل مستر عدنان و تقدم بوجه ممتقع من لهجة فارس التى زادت من الهلع الذى يشعر به اصلا ، و نظر حوله بدهشة عندما لم يجد جيلان و انتفض بقوة عندما هتف به فارس :”ايه …فيه ايه ؟؟ انت مبتفهمش مش قلت مش عايز ازعاج؟!!”
– ” أصل …أصل .. “ارتبك الرجل و احمر وجهه و هو يبتلع ريقه بصعوبة ليستطرد بارتباك :”انا اسف بس اصل …الوفد الاجنبى جه فى غرفة الاجتماعات و مستر نادر وصل و اتصل بحضرتك و طلب منى ابلغك تنضم ليهم بسرعة .”
زفر فارس انفاسه بعصبية ثم نظر نحوه قائلا بصرامة :” ماشى ..اخرج و انا هحصلك و مش عايز اشوف حد فى وشى و انا خارج فى الدور كله …سامع ؟!”
انتفض عدنان و هو يهز رأسه قائلا :
” ايوة ..طبعا ..يا باشا حاضر .” و انصرف مسرعا و كأنما تطارده الشياطين و هو يلعن حظه الأسود الذى جعله مديرا لشركة اصبح صاحبها هو فارس مهران الألفى.
فى حين امسك “فارس” رأسه بجنون و قد أدرك بصدمة شديدة ان تأثيرها عليه لم يتأثر بخيانتها الماضية له و إن قلبه لم و لن يعرف حبا غيرها ، جعله إدراك ذلك يهب واقفا و قد اكتسى وجهه بتعبير كان مزيجا من الألم و الغضب و العصبية و شعر أنه على وشك تحطيم كل ما يحيط به ، و اغمض عينيه للحظه و هو يقبض اصابعه حتى ابيضت و اخذ نفس عميق قبل أن يكتسى وجهه ببرود قاتل و هو يتقدم ليفتح باب الحمام .
كانت” جيلان ” قد تمالكت إلى حد ما نفسها و غسلت وجهها و عدلت ملابسها و هى تجاهد لتهدئة أعصابها المرتجفة لا تعلم كيف ستعود لمكتبها و هى بحالتها تلك و ماذا ستقول لزملائها و انتفضت عندما فتح الباب و نظرت بارتياب لفارس الذى اشار لها برأسه بحركه ساخرة لتخرج ، تحركت تدعو ان تتماسك ، الا تجعله يدرك الدمار الذى يحدث بداخلها ، و ما ان تحركت مبتعدة عن باب الحمام حتى شهقت بذعر و هو يمد يده يمسك بكم فستانها يشدها منه بقلة احتشام مهينة قائلا بتوعد قاسى لا يرحم:” لو شفتك لابسه كده تانى ، هخليكى تندمى على ….. ”
– ” اسكت بقى … أنت إيه؟ أنت ازاى بتتكلم معايا كده ؟! بأى حق .. تت …تمسكنى كده ” هتفت بهستيريه و هى تدفع يده بعيدا لتستطرد بنفس اللهجه : ” أنت فاكر عشان أنا بشتغل فى شركتك ده يديك الحق تعمل معايا كده….”
لتشهق بألم و صدمة و يده تمتد ليجرها من شعرها بقسوة قائلا دون ان يهتم بكل ما قالته : ” و شعرك ده بموتك لو لقيته مفرود كده تانى ….سامعه ؟!!”
أنهى عبارته بصوت كالرعد و هو يدفعها لتسقط على كرسى خلفها ، لتنتفض محدقة بعيون متسعة مذهولة بوجهه الذى أرعبها للغاية و أدركت و قلبها يدوى انه ليس فى حالته الطبيعية و من أجل مصلحتها الشخصية و من واقع معرفتها القديمة به ، عليها الهدوء و الإبتعاد عنه بدون متعرض نفسها للأهانة اكثر من ذلك ، و بلعت ريقها و هى تعتدل على الكرسى بينما هو يلتقط الهاتف الداخلي من فوق المكتب ليقول بصوت فظ آمر : ” شنطة المهندسة جيلان و موبيلها هاتهم من مكتبها لمكتبى حالا .”
و صفق السماعة بلا اكتراث و هو يعود ليقول بنبرة صوت أرعبتها : ” تنزلى من هنا على الجراج ، السواق هيوصلك للبيت و ….”
لتقاطعه بهلع و هى تهب واقفة : ” ازاى …هقول ايه لزمايلى و مستر عدنان…أكيد هيسألوا ليه هاخد الشنطة و ليه مرجعتش .”
– ” مين من زمايلك اللى خايفة اوى كده على سؤاله ؟ “قال بنبرة كالحديد الساخن على اللحم الحى ، و ما لبث أن اطلق شتيمة بذيئة لم تفهم هى معناها و إن أدركت أنها قذرة ، و هو يستطرد بينما ينظر بسخرية جارحة لمنظرها الشاحب غير المرتب :” عايزهم يشوفوكى كده؟ …اكيد الاسئله هتزيد …”
قطع كلامه صوت طرقات على الباب ، ليتقدم هو و يفتح و يلتقط حقيبتها من يد الساعى المذهول عندما وجد فارس يفتح و اغمضت جيلان عينيها و هى تشعر بطوفان من الخذى و الخجل يجرى بداخلها …ماذا سيقول عليها ؟ و ماذا عن مها و بقية المكتب ، هيقولوا أيه ؟؟
تصاعد رنين موبايلها من داخل حقيبتها بمجرد ما اغلق ” فارس ” الباب ، و فتحت عيونها لتتسع عيناها بصدمة و هو يقوم بفتح حقيبتها بعدم اكتراث لصرختها الحانقة و هى تندفع لتأخذها منه ليتجاهلها تماما ، و هو ياخذ الموبيل ببرود انقلب لغضب شديد و هو يقرأ اسم ” ياسر ” على شاشة الموبيل و زم شفتيه بقسوة شديدة و يده تمسك يدها بطريقة فولاذية و هى تهم بأخذ الموبيل منه ليقول بأهانة و ازدراء : ” إيه الموضوع يا هانم يا محترمة …الزميل العزيز بيطمن على الهانم السابقة و لا الموضوع أكبر من كده ؟ ..” و بتر عبارته يشد يدها اكثر ليتابع بنبرة ساخرة متهكمة: ” بس لأ …مش معقول اكيد الموضوع من ناحية الغلبان الأهبل ده، مهو مش ممكن جيلان هانم تهتم بموظف غلبان محلتوش غير مرتبه .”
نظرت له بيأس و بؤس و لم تحاول الرد عليه ، فى حين جذبها هو من يدها بإتجاه الباب و لم تقاومه لم يعد لديها القوة و لا القدرة على ذلك فهى تعلم أن فارس ليس بالشخص الذى تسطيع الوقوف فى وجهه خاصة بحالتها التى يرثى لها من صدمتها اليوم بكل ما حدث ، خرج بها من الباب ليتقدم بإتجاه المصعد و لراحتها الشديدة لم تصادف أى شخص إلى أن وصلوا لجراج الشركة مباشرة من المصعد و جذبها مرة اخرى بنفاذ صبر و هو يتحدث بلهجته الآمرة فيما يبدو مع السائق فى الهاتف ، لأن ما هى إلا ثوانى ووجدت سيارة فارهة أنيقة تتوقف أمامها ليفتح فارس الباب الخلفي و يدفعها للداخل ملقيا بإهمال حقيبتها نحوها و معها الموبيل ثم قال بصوت ساخر متهكم لها و هو يحدق بوجهها الممتقع : ” اعتبرى بقية اليوم اجازة !!”
ثم نظر للسائق يقول بصرامة : ” نزلها قدام العمارة بالضبط …تمام ؟؟ ” أوما السائق بسرعة مجيبا بالموافقة و هو لا يجرؤ بالنظر للخلف حتى ، و ما ان اغلق باب السيارة و بدأت فى التحرك حتى تنفست جيلان بقوة و هى تسند رأسها على المسند خلفها ، و دموعها تسيل بصمت تام دون ان تحاول حتى أن تنظر للطريق و لم تندهش من أن السائق كان يتحرك بدون توجيه نحو بيتها .