تحميل رواية ما استرده القلب بقلم ريهام ناجي pdf
بقلم ريهام ناجي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ ما استرده القلب بقلم ريهام ناجي.
رواية ما استرده القلب الفصل الأول 1 - بقلم ريهام ناجي
_يلا بسرعة يا رُهام، البسي الكابوريا…
الفقرة قربت.
_حاضر حاضر
قولتها وأنا بلبس زيًّ تنكري على هيئة كابوريا،
تممت على شكلي الـ.. المضحك جدًا،
كان كل اللي باين مني هو وشي، ونص فستاني من تحت،
قربت من صاحبتي، العروسة، اللي ضحيت ببرستيچي عشانها،
ضحكت هي والعريس أول ما شافوني،
وأنا بالعافية ماسكة نفسي من الضحك.
_جاهزة تتأزأزي
_جاهزة ياختي، عمومًا فداكِ بهدلتي دي.
بصيت لنفسي في مراية صغيرة كانت جنب الباب،
وعدلت راس الكابوريا وأنا بضحك.
_يا رب بس محدش يعرفني…
لو حد صورني النهارده، أنا هختفي من على وش الدنيا.
ضحكت العروسة وقالت:
_ولا يهمك، النهاردة كله هيحب الفقرة صدقيني.
أخدت نفس عميق، وقولت:
_يلا… اللي يحصل يحصل.
اتحركنا عشان ندخل للقاعة،
الباب اتفتح لنصين،
وأنا واقفة في النص بين العريس والعروسة،
ودخلنا على أغنية “أزأز كابوريا”،
وابتديت أأدي عرضي المسرحي المُضحك،
ولكن أول ما دخلت، ساد القاعة لحظة صمت واستغراب…
ثواني بس، وبعدها انفجرت القاعة ضحك،
تصفيق، صافرات، وضحكات مالية المكان.
وبقيت أسمع ناس من وسط المعازيم بتقول بصوت عالي:
_الله!
وحد تاني:
_مجنونة بس عسل!
اتشجعت أكتر، نزلت وسط المعازيم،
أزأز يمين، وأزأز شمال،
والقاعة كلها بقت معايا.
واحد من الأطفال جري ناحيتي وهو بيضحك،
ومد إيده ناحيتي وهو بيقلد حركة إيد الكابوريا
فضحكت سلمت عليه بنفس الطريقة، فطنطت من فرحته إن الكابوريا سلمت عليه.
ضحك اللي حواليه، ولقيت طفل تاني جه يقلده، وبعدها بقيت محاصرة وسط شلة أطفال،
كل واحد فيهم عايز يسلم عليا بنفس الطريقة،
وأنا بلف بينهم وبهزر وأضحك معاهم، والقاعة كلها بتتفرج علينا وتضحك أكتر.
في اللحظة دي حسيت إن بهدلة الزي دي كانت تستاهل… عشان أشوف الفرحة البسيطة دي في عيونهم.
حتى العروسة نفسها كانت بتضحك لدرجة الدموع،
والعريس ساندها وهو بيصقفلي بحماس،
وسط الزحمة دي كلها وأنا ببص على المعازيم ومبسوطة
لمحت نظرة مختلفة…
كانت نظرة ثابتة،
مش بتضحك عليا
كانت بتبصلي أنا
نظرة حد مركز، متابع كل حركة،
اتلخبطت ثانية،
بس كملت، بعد ما خدت السلم جري،
وطلعت فوق على الإستيدچ من تاني بين العريس والعروسة،
وابتديت أرقص معاهم،
الأغنية خلصت،
انحنيت بانتصار مسرحي صغير،
وسحبت نفسي وسط الزغاريد والتصفيق،
وأنا خارجة من القاعة،
قلعت الزيّ بسرعة، وقلبي بيدق من الضحك والتوتر، وأنا بقول لنفسي:
_الحمد لله… عدت على خير،
ولا جذمة طارت كدا ولا كدا.
روحت على التوليت عشان أظبط الميكاب بتاعي وشكلي اللي اتبهدل.
وأنا سامعة صوت الضحك لسه طالع من جوه القاعة.
ابتسمت من غير ما أحس،
يمكن أول مرة أعمل حاجة مجنونة بالشكل ده…
لكن يمكن برضه أول مرة أحس إني فرحت ناس بالشكل ده.
وافتكرت كل الكلام اللي سمعته قبل الفقرة.
_اوعي تعملي حاجة تكسفنا.
_اوعي العيال يجروا وراكي.
_اوعي تقعي قدام الناس.
ضحكت وأنا ببص لنفسي في المراية وقولت:
_الحمدلله… ولا حاجة من دي حصلت،
بالعكس..
الفرحة اللي شوفتها على وشوش الأطفال كانت تستاهل التضحية ببرستيچي.
—
في الأول ضحكت ضحكة عادية،
زي أي حد شاف شخص متنكر في زي كابوريا
وطالعة ترقص فجأة في فرح،
بس الضحكة مكملتش
وقفت مكاني، عيني مسكتها من غير ما أحس،
حركاتها كانت عفوية زيادة عن اللزوم،
مش استعراض،
ولا محفوظة،
فيها روح، مع كل نغمة في الأغنية،
كان وشها بيضحك،
ضحكة باينة في كتافها،
في خطواتها،
في الهزار اللي من غير كلام،
نسيت الفرح، ونسيت المعازيم، ونسيت حتى صاحبي العريس،
وشوفت حد قرر يبقى خفيف…
في عالم تقيل.
حد مستعد يضحي بشكله قدام الناس… علشان يفرح غيره.
الأغنية خلصت،
والكابوريا اللي خطفتني اختفت وسط التسقيف،
الصوت رجع للقاعة فجأة،
بس في دماغي
كانت لسه شغالة أغنية واحدة، أيوة هي “أزأز كابوريا”؟!
وسألت نفسي، بصوت مسمعهوش غيري:
_مين دي؟
فضلت أبص حواليا كذا مرة،
يمكن أشوفها وهي خارجة،
يمكن أعرف شكلها.
لكن كأن الأرض انشقت وبلعتها،
اختفت…
وسابت وراها ألف سؤال وأهمهم
“مين دي”
وللحقيقة إن دا سؤال فضل شاغل دماغي لبعد الفرح بإسبوعين!
اسبوعين مش مبطل فيهم تفكير في حتة كابورياية؟!
دا يا الله على اختياراتك في التفكير يا ياض يا يونس.
روحت زيارة لصاحبي بعد ما رجع من الهاني مون،
وفجأة بعد ما كنا بنضحك وبنهزر،
خدت وضع الجد وسألته السؤال،
اللي من وقت ما جيت وأنا نفسي أسألهوله:
_الله بقولك.
انتبهلي وقال بعد ما ضيق ما بين حواجبه،
ولاحظ توتري:
_معاك، مالك مش على بعضك كدا ليه؟
خدت نفس عميق وبسرعة قولت:
_كان في حتة كابوريا في فرحك، لصراحة هموت عليها.
مرة واحدة مش عارف ليه لقيته خد وضع “خت الصطمة”!
فتح بُقه شوية، وبصلي كأني اعترفتله بجريمة مكتملة الأركان؟!
_إيه؟!
سكت ثانيتين، وبعدين انفجر ضحك..
حاولت أضحك معاه،
بس كنت متوتر أكتر ما أنا بضحك:
_والله ما بهزر،
أنا مش فاكر نفسي ركزت على حد في فرحك غيرها!
بصلي وهو لسه مبتسم:
_طب ما تقول كده من الأول…
دي صاحبة مراتي.
_وبتيجي عندكم كتير؟
بصلي وهو بيبتسم:
_ليه..
ناوي تيجي كل يوم تشرب معايا قهوة ولا أيه.
حكيت رقبتي بإحراج.
_لا… يعني… بس بسأل.
ضحك وقال:
_واضح إن الكابوريا عملت شغلها معاك.
_المهم
اسمها إيه؟
هز راسه بتفكير،
وبعدين قالها ببساطة مستفزة:
_رُهام.
الاسم وقع عليا تقيل وخفيف في نفس الوقت،
قعد في دماغي،
اتكرر من غير ما أحس.
_رُهام… الكابوريا؟!
ضحك تاني.
_آه،
بس على فكرة…
هي مش مجنونة زي ما أنت فاكر،
دي أجدع واحدة فيهم.
سكت لحظة،
وبعدين سألني وهو بيراقب وشي:
_عاجبتك؟
مجاوبتش على طول، كنت لسه بجرب الإحساس.
قولت بهدوء،
وكأني بعترف لنفسي قبل ما بعترفله:
_مش عارف…
بس حسيتها.
فضل محمد يبصلي كام ثانية من غير ما يتكلم،
وكأنه بيحاول يفهم أنا بهزر ولا بتكلم بجد.
ولما اتأكد من ملامحي، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
_واضح إن الموضوع أكبر من إعجاب عابر.
وبعدين ابتسم ابتسامة مُتفهمة،
وقال وهو بيقوم يجيب موبايله:
_استنى.
وفي اللحظة دي،
حسيت إن “حتة كابوريا”
قربت تبقى اسم، وشكل،
وحكاية!
محمد جه بعد ثواني، وقعد مكانه تاني،
ولعب شوية في التليفون وبعدين بصلي وقال:
_بعتلك لينك أكونت الفيس بتاعها،
دا اللي أقدر أساعدك به،
وعشان عارف إنك مش بتاع حركات اليومين دول،
وإنك واخد الموضوع جد يا يونس مش كدا؟
_أكيد، أنت عارفني على أيه يا صاحبي.
وهنا خلص كلامنا عنها، عن الست الكابوريا.. رُهام!
_يلا سلام أنا بقى.
_ما أنت قاعد شوية يا بني.
_لا كفاية عليك كدا، أسيبك لمراتك شوية بقى.
وصلنا لباب الشقة
ولسه محمد بيفتح الباب…
رفعت عيني
واتجمدت مكاني.
كانت واقفة قدامي…
هي.
رُهام.
حتة الكابوريا اللي فضلت شاغلة دماغي أسبوعين كاملين.
واقفة قدامي من غير ما تعرف إن في واحد بقاله أسبوعين كاملين بيفكر فيها من غير حتى ما يعرف اسمها إلا من كام دقيقة.
وهي ولا في بالها أي حاجة من اللي داير جوايا
ساعتها بس عرفت إن الحكاية دي… لسه في أولها.
رواية ما استرده القلب الفصل الثاني 2 - بقلم ريهام ناجي
وقفت مكاني وأنا مش مصدق…
هي نفس الوش اللي كان باين من جوه الزي
بس المرة دي… من غيره.
شعرها، وضحكتها، وعينيها… كل حاجة بقت أوضح.
حسيت إن دماغي وقفت عن الشغل ثانيتين.
وبعد ما كنت ماشي مسكت في محمد صاحبي حبيبي،
وهو الواحد منا ليه مين يعني غير صديقه الصدوق محمد.
التفت لمحمد ببطء ووشوشته…
_هي… دي؟
محمد رد بعفوية:
_آه… هي رُهام.
_أيه في أيه مالكم؟
عايزة أدخل!
انتبهنا ليها وبعدنا بسرعة من قدام الباب عشان تدخل.
_أهلًا يا عريس
_أهلًا بكِ يا رُهام، اتفضلي.
دخلت بعد ما عيوني جات في عيونها،
ومحمد ندهلها على سارة مراته،
دخلوا جوه وبعدها أنا سلمت على محمد
ومشيت رغم إني كنت هموت وأفضل.
____
دخلت مع سارة الصالون، بعد ما سلمت عليها وأخدتها بالأحضان،
وأنا حاسة إن عيون الشخص ده مش غريبة عليا…
كأني شفتها قبل كده
بس فين؟
حاولت أفتكر، معرفتش
يمكن من الجامعة؟
يمكن في فرح قبل كده؟
يمكن مجرد شبه؟
هزيت كتافي وأنا بضحك لنفسي.
_إيه يا بنتي، مالك سرحانة في أيه؟
قالتها سارة وهي بتقعد،
قعدت جنبها وقولت:
_هو مين الشاب اللي كان واقف مع محمد؟
ابتسمت بمكر الصحاب دا عارفينه؟
وقالت:
_الصنارة غمزت ولا أيه؟
بصيتلها باستنكار وضحكت:
_يا بنتي بطلي تأليف، حسيت بس إن شكله مألوف ليا.
ضحكت وقالت:
_ده يونس… صاحب محمد من زمان،
يعتبر أخوه، اللي حكتلك إن اسمه نفس اسم بطل حواديتك.
اتصدمت وهزيت راسي وأنا بقول:
_احلفي هو دا!
_اه والله يست هو.
_مش مصدقة والله.
ضحكت عليا وقالت:
_دا أنا اللي مش مصدقة والله لحد دلوقتي، يعني أيه يونس بطل حواديتك يطلع حقيقي.
ضربتها في كتفها وقولت بضيق:
_بس يا باردة، ايش جاب لجاب، يونس بطل حواديتي مفيش منه اتنين.
لكن الحقيقة اللي مقدرتش أفهمه واحساسه مراحش من جوايا، إني حاسة إني شوفته قبل كدا!
كانت نظراته وهو واقف على الباب… غريبة!
كأنه كان يعرفني… قبل ما يشوفني.
فضلت اتكلم أنا وسارة، لإنها وحشتني أوي؛
من وقت ما اتجوزت واحنا مبنكلمش بعض كتير،
بسبب إنها بقت ست بيت وعندها مسؤوليات،
لحد ما ماما اتصلت بيا وقالتلي أرجع بقى،
سلمت على سارة، وقمت ألبس الشنطة على كتفي.
_يلا يا سوسو، أشوفك قريب بقى، ومتنسيش إنك وعدتيني تيجي عندنا يوم الجمعة،
وعشان ماما عايزة تشوفك.
قامت حضنتني وهي بتقول:
_ يست أوعدك، ولو اتأخرت عليكي ابقي رني عليا أرجوكِ،
متسيبنيش أغرق في شغل البيت.
ضحكت وأنا بخبطها بخفة على كتفها.
_ربنا يعينك يا ست العرايس.
خرجت من الشقة، وقفلت الباب ورايا بهدوء.
وأنا نازلة على السلم، معرفش أيه خلاني افتكر نفس النظرة،
ونفس الاسم اللي اختارته من حبي له
عشان يكون اسم بطل حواديتي!
نظرة يونس واسمه.
نظرته غريبة…
كأنها كانت بتسألني عن حاجة، من غير ما ينطق.
هزيت دماغي وأنا بضحك على نفسي.
_إيه يا رُهام… هو أنتِ ناقصة تأليف؟
خليكِ في حواديتك كفاية عليكِ.
ونزلت أكمل طريقي وأنا بفكر في حياتي اللي ماشية بالمعكوس،
ولكني حمدت ربنا،
وأنا واثقة إن كل حاجة هترجع زي ما كانت وأحسن،
امتى؟
الله أعلم بس أنا ظني في ربنا كبير،
ومسير كل حال يتبدل.
_____
أما أنا…
فمن ساعة ما خرجت من عند محمد،
وأنا بلف في الشارع بالعربية من غير ما أعرف أنا رايح فين.
بس كل اللي أعرفه إني مش عايز أرجع البيت دلوقتي.
فتحت الموبايل…
دخلت على اللينك اللي محمد بعتهولي.
أكونت رُهام،
من حظي إنه كان بابلك، وخير اللهم اجعله خير محستش بنفسي غير وأنا غايص في الأكونت عندها،
وأنا بحاول اكتشف شخصيتها من خلال بوستاتها.
فضلت أقلب في الأكونت براحة…
صورة مع أصحابها،
صورة وهي ماسكة رواية،
صورة مع صاحبتها… سارة،
وصور كتير وهي بتضحك
الغريبة… إن نفس الضحكة اللي شفتها يوم الفرح، كانت موجودة في كل الصور.
ابتسمت من غير ما أحس
سبحان الله… دي مبتبطلش ضحك دي ولا إيه؟
كملت تقليب،
لحد ما وقفت عند صورة،
كانت واقفة جنب راجل كبير، حاضنها من كتفها، وهي مغمضة عينيها من كتر الضحك.
ابتسمت من غير ما احس.
الصورة شدتني
معرفش ليه… بس توقعت إنه باباها
يمكن عشان حسيت إن اللي بينهم مش مجرد صورة.
حسيت بأمان وحسيت بملامحه مألوفة ليا.
دخلت على التعليقات
أول تعليق وقع تحت عيني:
“الله يرحمه ويغفر له.”
عقدت حواجبي باستغراب
نزلت شوية.
لقيت واحد كاتب:
“ربنا يربط على قلبك يا رُهام.”
حسيت إن في حاجة مش مفهومة.
فتحت الصورة
وبدأت أقرأ الكابشن.
“أبي… لم يرحل من قلبي، وإنما رحل من عيني،
أسأل الله أن يجمعني بك في جنات النعيم.”
ابتسامتي اختفت
فضلت أقلب أكتر…
لحد ما لقيت بوست قديم
صورة نفس الراجل
وتحته:
“اللهم ارحم أبي، واجعل كل دعائي له نورًا يصل إليه.”
سكت وساعتها فهمت…
وبصيت للصورة تاني
يبقى الراجل ده… باباها زي ما توقعت
الله يرحمه.
قفلت الموبايل للحظة،
معرفش ليه… بس حسيت بقبضة في قلبي،
افتكرت البنت اللي كانت لابسة كابوريا، وبتضحك الناس كلها
واستغربت.
هو إزاي حد يقدر يخبي وجعه بالشكل ده؟
ولا يمكن… الضحك ده كان محاولة للهروب؟
هزيت دماغي وأنا بزفر بهدوء
ربنا يجبر بخاطرك يا رُهام.
جبت صورة البروفايل بتاعتها
وفضلت أبص للصورة شوية…
ابتسامتها فيها حاجة غريبة.
مش الابتسامة اللي بتطلع من حد حياته كاملة،
ولا هي ابتسامة حد مستسلم للحزن.
كانت ابتسامة حد بيقاوم
وبيحاول يعيش.
شخص بيقنع نفسه قبل الناس إن الدنيا لسه فيها حاجة يستاهل يضحكلها.
يمكن… عشان كدا شدتني من أول مرة،
من غير ما أتكلم معاها،
ولا أعرف عنها أي حاجة تقريبًا.
رجعت تاني لأول الأكونت…
وأنا مقرر لما أروح أغوص في قراءة حواديتها…
وأعرف بتقول إيه.
كل اللي عرفته عنها من خلال الأكونت إنها…
اللهم بارك… زوجتي المستقبلية — إن شاء الله__
وأم عيالي.
ضحكت على جملتي دي وأنا بقول لنفسي باستنكار:
_واضح إن دماغك بتسبق الأحداث كالعادة يا يونس، اهدى دي البنت لسه متعرفش إنك موجود أصلًا.
كنت بقول أيه أنا بقى؟
اه كنت بقول إني عرفت إنها كاتبة… وعندها جمهور كبير بيحبها وبيحب حواديتها وكتاباتها في العموم.
فضلت قاعد باصص على زر
“إضافة صديق”…
وصباعي واقف فوقه.
أضغط؟
ولا هتبقى حركة مستعجلة شوية؟
ولأول مرة في حياتي…
اكتشفت إن ضغطة واحدة على الموبايل…
ممكن تبقى أصعب من أي قرار أخدته!
ضغطت
وفي خلال ثواني لغيته تاني.
_أيه يا يونس هتخض البنت من أولها!
رميت الموبايل على الكرسي اللي جنبي، وسوقت شوية بالعربية، لكن شوية ووققت ومسكت التليفون تاني،
وفضلت باصص لزر إضافة صديق، خدت نفس عميق
وضغطت،
بعت الآد،
أول ما اتبعت اتوترت.
_يا نهار أبيض..
عملتها.
اتنهدت وقولت بتمني:
_يا ربّ تقبل الآدد… ومتفتكرنيش واحد ملزق ورخم.
رواية ما استرده القلب الفصل الثالث 3 - بقلم ريهام ناجي
_ماما.
_تعالي أنا هنا يا رُهام.
دخلت الصالون ولسه هتكلم لقيت حرباية قاعدة مع ماما،
اتنهدت بضيق لما شوفتها، البجحة ياما نفسي أجيبها من شعرها،
إزاي جالها عين تيجي هنا، وتقعد عادي كدا،
وبكل أريحية ولا كأن كل اللي حصل لنا دا بسببهم؟
عجايب ناس مبتختشيش.
_اقعدي يا رُهام ياحبيبتي.
بصيت لماما بضيق، وسألتها بعيني بإزاي سمحتلها تدخل البيت اللي هي وابنها هدوا بجشعهم كدا عادي.
أما هي، فابتسمتلي الابتسامة المصطنعة اللي عمري ما ارتحتلها،
وقالت بنبرة كلها تصنع:
_يا مرحب يا رُهام… بقالنا كتير مشوفنكيش.
رديت ببرود وأنا واقفة مكاني:
_ومين قال إني عايزة أشوفك أصلًا.
بصلتي بغضب وأنا فضلت ساكتة، لا قعدت ولا حتى بصيتلها تاني.
بصت لماما وقالت:
_إيه يا أم رُهام، بنتك لسه زعلانة مننا؟
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي هزار.
_زعلانة؟
وبعدين بصيتلها لأول مرة.
_هو اللي حصل يتزعل منه بس؟
اختفت الابتسامة من على وشها ثانية، لكن رجعتها بسرعة.
_يا بنتي، اللي حصل نصيب… والفلوس دي أرزاق، وربنا هو اللي بيعوض.
حسيت الدم غلي في عروقي.
_آه… وربنا كمان شايف مين ظلم، ومين اتظلم.
قلعت شنطتي من كتفي ورميتها بغضب على الكرسي وربعت إيدي وقولت:
_وبعدين أنتِ جاية تهببي أيه هنا،
أيه اللي فكرك بينا.
اتوتر الجو فجأة.
ماما بصتلي بنظرة ترجوني أهدى، وأنا فهمت قصدها، فسكت، لكن عيني متفارقتش عن تث تث دي، وأنا متأكدة إنها جاية تبخ سمها.
عدلت قعدتها وقالت وهي بتحاول تغير الكلام:
_أنا جيت النهارده عشان نفتح صفحة جديدة، إحنا في الآخر أهل.
ضحكت بسخرية.
_أهل؟
وهي لو كانت كلمة “أهل” كفاية زي ما بتقولي، كان بابا مات وهو مكسور بالشكل ده؟
ساد الصمت في المكان.
ماما غمضت عينيها بألم، وأنا أول ما افتكرت بابا حسيت قلبي اتقبض.
لكن اللي صدمني بجد…
إن الحرباية دي مبانش عليها ذرة ندم.
بالعكس…
كانت لسه باصة ليا بنفس الهدوء، كأنها جاية تنفذ غرض معين، ولسه مقالتهوش.
وده اللي خلاني أحس إن الزيارة دي… وراها مصيبة.
واتأكدت لما اتكلمت:
_المهم أنا كنت جاية وأجدد طلب ابني نقاوة عينيا تاني، لسه متمسك بكِ وعايز يتجوزك، وبعتني أطلبك بالأصول.
_وهو أنتِ ونقاوة عينك تعرفوا حاجة عن الأصول بردو يا مرات عمي، قولي كلام يتعقل.
وقولت وأنا ببص في عينيها بكل ذرة غضب وكره جوايا للست دي وابنها:
_قولي لابنك نقاوة عينك، إن نجوم السما أقربله، ويبقى يوريني وشه لما أخد حقي وحق بابا من حباب عينيكم.
وقربت منها بغضب وأنا بشاور على الباب:
_وقومي امشي من هنا، عشان متبقاش دي آخر ثواني في حياتك.
خافت وكشت وخدت شنطتها، وقامت تمشي وهي بتقول:
_على العموم أنتِ الخسرانة، كنتِ هتتستتي في البيت بدل مرمطتك في الشغل عند الناس، وهنسترك.
ضحكتلها بسخرية وأنا بقول:
_أيوة أيوة… كنت هتستت بفلوس ابنك الحرامي.
وشاورت على الباب.
_البيت ده صاحبه مات مقهور بسببكم، فمتجيش تقولي ستر ونعيم وبتاع،
إحنا لو جعنا، عمرنا ما هناكل لقمة فيها شبهة حق حد، حتى لو الحق والحد دول أبويا.
احمر وشها وقالت بعصبية:
_حاسبي على كلامك يا بنت أخو جوزي.
ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت طالعة من قلب مليان قهر.
_أنا بحاسب على كل كلمة بقولها… يا مرات عمي، ويوم الحساب الحقيقي، كل واحد هيشيل اللي عمله.
اتنهدت ماما وهي بتحاول تهدي الجو.
_خلاص يا جماعة… كفاية
وأنتِ امشي من هنا وابعدي عنا أنتِ وابنك.
لكن الست كانت فقدت أعصابها.
عدلت طرحتها وقالت وهي متجهة ناحية الباب:
_هتندمي… وهتعرفي إن الفرصة دي مش هتتعوض.
رديت من غير حتى ما أبصلها:
_أنا ندمت مرة واحدة… يوم ما وثقت فيكم،
إنما لو على الجواز من ابنك؟ دي عمرها ما كانت فرصة.
وقفت لحظة عند الباب، وبصتلي بنظرة كلها غل.
_حق أبوكي مش هيرجع دا حقنا.
رفعت راسي بثبات، وابتسمت لأول مرة.
_بل هيرجع… حتى لو آخر يوم في عمري هرجعه.
فتحت الباب بعنف وخرجت، وقفلته وراها وهي بتتمتم بكلام مش مفهوم.
ساد البيت صمت تقيل.
فضلت واقفة مكاني، وإيدي بتترعش من كتر الغضب.
ماما قربت مني وحطت إيديها على كتفي.
_اهدي يا رُهام.
لفيتلها، ودموعي كانت محبوسة بالعافية.
_أهدي إزاي يا ماما؟ كل مرة أشوف حد فيهم بحس إن بابا لسه واقع قدامي من الصدمة… وكأن اللي حصل كان إمبارح.
حضنتني ماما، وهي بتحاول تمنع دموعها هي كمان.
_ربنا كبير يا بنتي… ومش بيضيع حق حد.
غمضت عيني وأنا بتنفس بالعافية.
_وأنا واثقة في ربنا… وواثقة إن حق بابا هيرجع، مهما طال الزمن، والله لهرجعه.
سيبت ماما ودخلت أوضتي، ورميت نفسي على السرير وأنا بحاول أهدى وأفكر.
وبالفعل شوية وهديت، قومت غيرت هدومي الخروج، ولبست بيچامة مريحة، وقعدت على سريري، ومسكت التليفون، أقلب فيه وأنا بحاول ألهي نفسي عن اللي حصل، فتحت الفيس ونزلت بوست جديد، وقفلته تاني ونمت.
ـــــــــ
رجعت البيت متأخر.
العربية دخلت من البوابة الإلكترونية، وركنتها قدام الفيلا من جوا.
نزلت وأنا سرحان، ولسه دماغي معلقة عند رُهام.
أول ما دخلت، لقيت ماما وبابا قاعدين في الصالون، وأصوات التلفزيون وريحة القهوة مالية المكان.
أول ما شافتني ماما قالت:
_الله!
أخيرًا افتكرت إن ليك بيت يا أستاذ.
ابتسمت وأنا ببوس راسها.
_حقك عليا يا ست الكل.
بابا بصلي من فوق الكتاب اللي في إيده وقال:
_كنت بتصيع فين؟
ضحكت وقعدت قدامهم.
_كنت بتمشى شوية بس والله.
بصلي بابا وهو مضيق عينيه.
_من امتى وأنت بتحب تتمشى بالعربية ساعتين من غير هدف؟
اتوترت ثانية، لكن لحقت نفسي وقولت:
_يعني… كنت بفصل دماغي شوية.
ماما قامت وصبتلي فنجان قهوة، وحطته قدامي.
_واضح إن في حاجة شاغلاك.
مسكت الفنجان وأنا بهرب بعيني.
_لا… مفيش عادي.
ابتسم بابا ابتسامة خفيفة.
_أنا قاريك يا يونس… وعارف وشك لما تكون مخبي حاجة ارغي.
ضحكت وأنا بهز راسي.
_والله يا جماعة مفيش حاجة تستاهل.
غير بابا الموضوع وهو بيقول:
_بالمناسبة، بكرة عندنا اجتماع مع مجلس إدارة الشركة الساعة عشرة، متتأخرش.
هزيت راسي.
_حاضر.
سكت شوية، لكن عقلي رجع يسرح تاني.
من غير ما أحس، طلعت الموبايل من جيبي.
أول حاجة عملتها…
فتحت الفيس، دخلت على أكونت رُهام.
فضلت أبص لصورة البروفايل ثواني
ابتسمت، وبعدين قلبت لقيتها نزلت بوست جديد
“اللهم ارزقنا القلوب التي إذا انكسرت، ردتها إليك وإلينا أجمل مما كانت.”
فضلت باصص للكلام
مش عارف ليه…
حسيت إنه مكتوب ليا أنا،
ابتسمت من غير ما أحس.
لاحظت ماما ابتسامتي، فقالت وهي بتبص لبابا:
_شايف!
بابا رفع حاجبه باستغراب.
_شايف إيه؟
قالت وهي بتضحك:
_ابنك بيبتسم وهو باصص في الموبايل.
رفعت عيني بسرعة.
_يا ماما!
ضحكت أكتر.
_خير يا ابني… في واحدة دخلت حياتك وإحنا آخر من يعلم؟
كتمت ضحكتي بالعافية.
_هو التحقيق بدأ؟
بابا حط الكتاب على الترابيزة وقلع النضارة، وقال وهو بيبتسم:
_لو فيه بنت تستاهل… عرفنا عليها.
هزيت راسي وأنا بقوم.
_لما يبقى فيه حاجة… هتعرفوا أول ناس.
طلعت أوضتي، وقفلت الباب ورايا.
رميت نفسي على السرير، ومسكت الموبايل تاني.
كان الآدد لسه “مُعلق”.
ابتسمت وأنا ببص للشاشة.
_يلا يا رُهام… اقبليه بقى.
ومن غير ما أحس…
فضلت مستني نوتفيكشن صغير يقول إنها قبلت الآد…
وكأنه أهم إشعار استنيته في حياتي!
______
صحيت تاني يوم الصبح، وأنا بحاول اتناسى ومفكرش في أي حاجة حصلت إمبارح، قومت وعملت روتيني اليوم.
وبعد ما خلصت خرجت برا لماما، اللي كانت في المطبخ بتحضر الفطار، ساعدتها
وبعد ما خلصنا قعدنا وفطرنا.
لاحظت إن ماما كانت سرحانة، من غير ما تاكل، بصيتلها باستغراب.
_مالك يا ماما؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي بتحاول تبان طبيعية.
_مفيش يا حبيبتي.
سيبت الآكل من إيدي.
_لأ… في، أنا عارفاكي.
اتنهدت وقالت بهدوء:
_بس كنت بفكر في اللي حصل إمبارح… وخايفة تكون زعلتي.
ابتسمت وأنا بمسك إيدها.
_اللي زي دول ميعرفوش يزعلوني يا ماما… يعرفوا يعصبوني آه، لكن يزعلوني؟ لأ.
سكت لحظة، وبعدين كملت:
_أنا زعلت على بابا… كل مرة بفتكره بحس إننا لسه في أول يوم بعد اللي حصل.
نزلت ماما عينيها.
_الله يرحمه.
_آمين.
فضلنا ساكتين شوية، وبعدها قومت من على السفرة.
_أنا هطلع أجهز، عندي شغل النهاردة.
وقبل ما أتحرك، ماما نادت عليا.
_رُهام.
لفيتلها.
_اوعي تيأسي يا بنتي.
ابتسمت بثقة، رغم الوجع اللي جوايا.
_أنا لو يئست، يبقى بابا مات مرتين… وأنا مستحيل أسمح بده،
هجيب حقه يا ماما… حتى لو أخد مني العمر كله.
ربتت على كتفي وهي بتدعيلي.
_ربنا يقويكي وينصرك.
ابتسمتلها، ودخلت أوضتي أجهز نفسي للشغل،
وأنا بلبس، وقعت عيني على صورة بابا اللي متعلقة جنب المراية،
وقفت قدامها ثواني.
ابتسمتله ابتسامة صغيرة، وقلت بهمس:
_اطمن يا بابا… أنا وعدتك، ووعدي عمري ما هخونه.
أخدت شنطتي، ونزلت من البيت وأنا حاسة إن يوم جديد بدأ… بس معاه معركة جديدة بردو، يلا استعنا على الشقا بالله.
الفصل الرابع
رواية ما استرده القلب الجزء الرابع 4 بقلم ريهام ناجي
ما استرده القلبرواية ما استرده القلب الحلقة الرابعة
مر يومين وأنا ما بين شغلي والبيت.
أصحى الصبح، أنزل شغلي، أرجع آخر اليوم مرهقة، وآكل أي لقمة وأسند ضهري دقيقة… ألاقي اليوم خلص.
رغم الزحمة دي كلها، كانت كل شوية تمر ببالي نفس الجملة…
_”حق بابا لازم يرجع.”
هي دي كانت الحاجة الوحيدة اللي مخلية عندي طاقة أكمل.
وفي وسط الدوشة دي، مكنتش بفتح أي أكونتات السوشيال ميديا غير دقيقة ولا اتنين، أنزل بوست، أبص على كومنتات الناس، ورأيهم في حواديتي وكتاباتي وأقفل تاني.
دخلت أوضتي بعد ما خلصت كل اللي ورايا، رميت نفسي على السرير، ومسكت التليفون وأنا بقول:
_الحمد لله… أخيرًا شوية راحة.
فتحت الفيس، ولقيت إشعار جديد.
“لديك طلبات صداقة جديدة.”
فتحت الإشعار من باب الفضول… أشوف مين اللي بعتولي وهل هقبل حد منهم ولا لا.
أول ما وقعت عيني عليه هو اسم يونس العزازي، عقدت حواجبي.
_يونس؟!
الاسم شدني ومر ببالي يونس صاحب محمد اللي سارة حكتلي عنه،
ضغطت على الأكونت…
وأول ما ظهرت صورته، اتجمدت مكاني.
_ده… هو!
هو نفس يونس اللي أعرفه
فضلت أبص للصورة ثواني، وأنا بحاول أفتكر نظراته الغريبة وقتها، وللحظة حسيت قلبي اتنفض، وحسيت باحساس غريب، باين عليه إحساس فرحة… وه!
استغربت.. إيه اللي خلاه يبعتلي آد!
عرفني منين؟
ولا عرف الأكونت إزاي
وليه أنا تحديدًا؟
أسئلة كتير لفت في دماغي، وصباعي وقف فوق زر “تأكيد”…
لكن… مضغطتش.
مش عارفة مترددة أقبله ولا لأ.
دخلت على الأكونت بدل ما أرد على الآد،
كان أكونت عادي، فيه صور مع صحابه، وصور مع أهله، وصور في أماكن مختلفة.
وقفت عند صورة ليه مع محمد قديمة.
_آه… فعلًا طلعوا صحاب من زمان.
نزلت لتحت شوية، لقيت صورة ليه مع والده ووالدته.
ابتسمت من غير ما أحس
واضح إنهم عيلة مترابطة… ربنا يديم عليهم النعمة.
كملت تقليب في الأكونت، لحد ما وقفت عند بوست مكتوب فيه:
“اللهم ارزقنا قلوبًا صادقة، ونفوسًا لا تؤذي أحدًا.”
لقيت نفسي بقرأه مرتين
غريبة…
معرفش ليه، بس كان مختلف عن معظم الشباب اللي بشوف أكونتاتهم.
رجعت تاني للآد
صباعي وقف فوق زر “تأكيد”
وبعدين رجعته تاني.
_يا ترى… أقبله؟
ولا هيقول عليا أيه
ولا أسيبه شوية؟
اتنهدت، ورميت الموبايل جنبي.
_جرا أيه يا رُهام… هو أنتِ هتعملي قصة من آد!
بس الحقيقة…
إني كنت مستغربة
مش مستغربة إنه بعتلي…
مستغربة إني قاعدة محتارة بالشكل ده،
مسكت الموبايل تاني.
بصيت للاسم مرة أخيرة…
وخدت نفس عميق
وضغطت…
“تأكيد”.
أول ما قبلته، حسيت بدقات قلبي زادت شوية.
ضحكت على نفسي وهزيت راسي.
_الله…
هو أنا مالي؟
ده مجرد آد على الفيس يا رُهام!
ـــــــــــ
_اقعد خلص الشغل دا.
_دا كله!
_أيوة… في مانع؟
_لا.
قعدت على الترابيزة قصاد مكتب بابا في الشركة بتأفف، عشان أخلص الشغل المطلوب مني، هو مش رئيس مجلس إدارة الشركة أبويا؟
بس الله يجازيه بكل خير مكلفني بشغل قد كدا والله.
حاولت أهرب منه، وقولت بمسكنة:
_يرضيك أشتغل دا كله لوحدي يا حاج؟
_أيوة يرضيني.
_بس…
بصلي بحزم وقال:
_من غير بس، أنت اللي هتخلص الشغل دا يا يونس يعني أنت، اخلص واقعد يلا، يا إما تاخده وتروح مكتبك.
قعدت باحترامي، عشان بصراحة بحب اشتغل في مكتب بابا تحسه طراوة كدا عن مكتبي، رغم إني قولتله نبدل بس هو مرضيش.
اشتغلت شوية وبعدين بصتله وأنا بسبله بعيوني الحلوة، وقولت:
_هو أنا مش ابنك يا بابا؟
خفي عني شوية شغل الله يخليك.
رفع بابا عينه من الملفات اللي قدامه، وقال بمنتهى البرود:
_عشان أنت ابني فعلًا، ولا عايزني أسيب الشركة تضيع وأجيب حد غريب يديرها؟
تنهدت وأنا برفع إيدي باستسلام.
_لا خلاص… كسبت.
ضحك السكرتير اللي كان داخل بملفات جديدة، فبصله بابا وقال:
_متضحكش… دورك جاي.
اختفت الضحكة من على وشه في ثانية، وخرج بسرعة، وأنا ضحكت غصب عني.
بصلي بابا بطرف عينه وقال:
_أهو لسه بتضحك… يبقى الشغل قليل.
_والله كتير.
_يبقى ازودهولك.
_يا نهار أبيض!
هز راسه وهو بيكمل قراءة الأوراق.
_خلص اللي قدامك الأول، وبعدها اتكلم.
رجعت للشاشة لاب توب وأنا بتمتم:
_ربنا يصبرني عليك، ما أنت المدير بقى.
فضلت أخلص الشغل واحدة واحدة، لحد ما الموبايل اللي على المكتب نور فجأة، بصيت عليه من غير اهتمام…
وبعدين جه في بالي أستغل الفرصة وبابا مشغول في الملفات اللي قدامه، أشوف الهانم اللي طيرت النوم من عيني دي قبلت الآد ولا لسه معلقاني ولا كإني مرات أبوها.
فتحت الفيس ودخلت أشوف وهنا كانت الصدمة بقى لما لقيتها قبلته فعلًا،
حسيت قلبي دق أسرع،
واتجمدت مكاني.
ابتسامة كبيرة ظهرت على وشي من غير ما احس
_قبلته…
همستها لنفسي، كأني مش مصدق.
في اللحظة دي، رفع بابا عينه وبصلي.
_خير؟
قفلت الموبايل بسرعة، وحاولت أمثل الهدوء.
_خير إن شاء الله.
بصلي شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة خبيثة.
_واضح إن في خير كبير كمان.
ضحكت وأنا بهز راسي.
_ركز في شغلك يا حاج.
رد وهو بيرجع للأوراق:
_وأنت ركز في شغلك… وسيب التليفون لبعد الشغل.
ابتسمت من غير ما أرد،
لكن الحقيقة…
إن اليوم كله، بكل اجتماعاته وأرقامه وملفاته…
بقى أخف بكتير…
لمجرد نوتفيكشن صغير، بس الصراحة ننيچا رد فيا الروح من تاني.
ــــــــــــ
في نفس الوقت…
كان قاعد في مكتبه، بيقلب في شوية ملفات بعصبية، وهو قاعد يفتكر اللي مامته حكتهوله ساعة ما رجعت من عند رُهام.
الباب اتفتح ودخلت والدته
بصلها بحماس أول ما شاف وشها وقال:
_ها… عملتي إيه؟
رمت الشنطة على الكرسي وهي بتقول بقهر:
_زي ما توقعت… البت طردتني.
سند ضهره للكرسي، وضحك ضحكة مستفزة.
_كنت عارف إنها هتعمل كده.
بصتله باستغراب.
_وأنت طالما عارف… بعتني ليه؟
سكت ثواني، وبعدين قال وهو بيلف القلم بين صوابعه:
_كنت عايز أعرف هي لسه بنفس العند… ولا بدأت تضعف وتاخد ورا.
_واضح إنها مستعدة تموت ولا توافق عليك.
اختفت الضحكة من على وشه،
وبقى يبص قدامه بشرود.
_هتوافق.
قالها بثقة غريبة،
والدته عقدت حواجبها وسألت:
_إزاي يعني؟
ابتسم ابتسامة خلتها تقلق.
_كل واحد ليه نقطة ضعف… وأنا لسه ملعبتش بالورق كله.
اتوترت والدته.
_بلاش يا ابني… كفاية اللي حصل.
بصلها بحدة.
_كفاية؟
هو إحنا تعبنا كل السنين دي عشان أسيب كل حاجة ترجع تاني؟
سكتت،
قام من مكانه، وقف قدام الشباك، وبص للشارع.
_رُهام فاكرة إنها هتعرف ترجع حق أبوها…
ابتسم ابتسامة باردة.
_بس هي لسه متعرفش… إن اللعبة لسه بتبتدي.
_يعني أيه؟
_يعني رُهام في الآخر هتبقى مراتي… برضاها أو بعد ما تعرف إن مفيش غيري واقف جنبها،
أو هتكون غصب عنها عادي.
ــــــــــــ
خلصت الشغل أخيرًا، وخرجت من الشركة وأنا بفرد دراعاتي.
_الحمد لله… نجوت.
أول ما ركبت العربية، رميت اللاب توب على الكرسي اللي جنبي،
ومسكت الموبايل،
فتحت الفيس تلقائي…
ابتسمت أول ما شوفت اسمها بقى موجود في قايمة الفريندس عندي.
_أهلًا يا ست رُهام.
دخلت على بروفايلها، ولقيتها كانت منزلة بوست جديد من شوية.
_”وما خاب قلبٌ علّق رجاءه بالله.”
وقفت عند الجملة شوية،
الغريبة…
إنها كل مرة تكتب كام كلمة، أحس كأنهم مكتوبين بإحساس،
مش مجرد كلام بيتكتب عشان الناس تعمله لايك.
لقيت نفسي هضغط كير، لكن قبل ما أعملها…
رجعت في قراري.
_لا…
أول يوم صداقة، بلاش أبان متابع كل نفس بتتنفسه.
ضحكت على نفسي وأنا بقفل الموبايل.
_إيه يا يونس… عايزك تتقل كدا متبقاش مدلوق.
رميت الموبايل على الكرسي اللي جنبي، ودورت العربية.
لكن وأنا بسوق…
لقيتني ببتسم كل شوية من غير سبب،
واضح…
إن “حتة الكابوريا” قررت تقلب دماغي رسمي.
….
الفصل 5
أخيرًا صباح يوم الجمعة، اليوم اللي اتفقت فيه أنا وسارة
إنها تيجي تقضي اليوم معانا.
صحيت بدري على غير عادتي في يوم الاجازة،
يمكن عشان أول مرة من فترة أحس إن اليوم هيبقى مختلف شوية.
غسلت وشي، وصليت الضحى، ورتبت أوضتي بسرعة، وبعدها خرجت أشوف ماما في المطبخ.
أول ما دخلت، لقيتها واقفة بتجهز الفطار وهي بتدندن بصوت واطي.
ابتسمت وأنا بقرب منها.
_صباح الخير يا ست الكل.
لفتلي بابتسامة.
_صباح النور يا قلب ماما... صاحية بدري النهاردة يعني؟
ضحكت وأنا باخد منها طبق أحطه على السفرة.
_ما سارة جاية بقى، قولت أساعدك بدل ما تفضلي تلفي لوحدك.
بصتلي وهي مبتسمة.
_ربنا يخليكم لبعض... وحشتني أوي البنت دي،
من وقت ما اتجوزت ما شوفتهاش.
_آه، مشغولة مع جوزها وبيتها بقى.
وبعد ما خلصنا تجهيز الفطار، قعدنا ناكل سوا، وبعدها قومت أساعد ماما في ترتيب البيت، لأن سارة لو جت ولقتني قاعدة مستنياها من غير ما أساعد ماما، هتفضل تهزقني وتتريق عليا أسبوع كامل.
---
طلعت أوضتي مباشرة بعد ما رجعت من صلاة الجمعة، غيرت هدومي، ورميت نفسي على السرير.
سحبت الموبايل من على الكومود، وفتحت الفيس من غير تفكير.
أول حاجة عملتها...
دخلت على أكونت رُهام.
من ساعة ما قبلت الآد وأنا كل شوية ألاقي نفسي بخش أبص نزلت حاجة جديدة ولا لأ.
لقيتها منزلة حدوتة جديدة من حواديتها من حوالي ساعة.
ابتسمت وأنا بقول:
_أهو... لقيت حاجة أهرب بيها يوم اجازتي.
بدأت أقرأ،
وكل سطر كان يشدني أكتر من اللي قبله،
أسلوبها كان بسيط... لكنه يوصل للقلب بسهولة.
لقيت نفسي مركز مع الأحداث كأني بتفرج عليها قدامي.
لحد ما وقعت عيني على اسم البطل...
"يونس."
وقفت عن القراءة لحظة، وضحكت لوحدي.
_يونس؟!
رجعت قرأت الاسم تاني، عشان أتأكد إني مقرأتهوش غلط.
لأ...
اسمه فعلًا يونس.
هزيت راسي وأنا بكمل قراءة.
_يا سلام... أيه الصدفة التُحفة دي بقى
بطل حواديتها اسمه على اسمي، مش يمكن إشارة؟
كل شوية أبتسم من غير ما أحس، كل ما الاسم يتكرر،
ولما خلصت البارت...
فضلت باصص للشاشة الفون ثواني.
وبعدين لقيت نفسي فاتح الشات بتاعها،
صوابعي بدأت تتحرك لوحدها،
كتبت...
"السلام عليكم... أنا لسه مخلص الحدوتة الجديدة،
وبصراحة شدتني جدًا أسلوبك جميل."
وقفت
بصيت للرسالة،
وبعدين مسحت كلمة... ورجعتها تاني،
وبعدين مسحت المسج كلها.
اتنهدت.
_لا... هتقول عليا داخل أحكها وبتاع.
خرجت من الشات
وبعدين فتحته تاني،
وكتبت:
"ممكن أسألك سؤال عن الحواديت؟"
وقبل ما أبعتها... وقفت
ابتسمت على نفسي.
_إيه يا يونس... هو أنت مستعجل على إيه؟
قفلت الشات للمرة التانية،
ورميت الموبايل جنبي،
لكن بعد ثانيتين...
مسكته تاني.
دخلت على صفحتها، واكتفيت إني أحط لاڤ على الحدوتة،
ابتسمت وقولت:
_كفاية عليك كده النهاردة...
حطيت الموبايل على الكومود، وسندت راسي على المخدة.
لكن الغريب...
إن أول مرة من فترة طويلة، أكون منتظر شيء باللهفة دي، منتظر البارت الجاي من الحدوتة...!
أكتر من انتظاري لأي اجتماع أو صفقة جديدة هنعملها!
ـــــــــــــ
لسه بخلص آخر حاجة في ترويق البيت...
سمعت جرس الباب رن،
بصيت في الساعة وابتسمت لقتها الساعة 1ونص بعد الضهر.
_أكيد دي سارة.
جريت ناحية الباب، وفتحته...
وأول ما شفتها، فتحت دراعاتي وأنا بضحك.
_أخيرًا افتكرتي إن ليكي صاحبة.
دخلنا وقفلت الباب بعد ما سلمنا على بعض، وماما جات سلمت عليها وقعدت معانا شوية، وبعد ما اطمنت على سارة، قامت عشان تكمل الغدا.
فست البيت اللي تلبست سارة من بعد ما اتجوزت، قومتنا نساعد ماما عشان مينفعش احنا نقعد وهي تجهزه لوحدها قلة ذوق، وبصراحة اقنعتني.
دخلنا المطبخ، وكل واحدة مسكت حاجة تعملها.
سارة كانت بتقطع السلطة، وأنا واقفة جنب ماما بدوق المحشي من على النار، واحنا واقفين بنضحك ونهزر.
ماما هزت راسها وهي بتبتسم وقالت:
_ربنا يديم ضحكتكم يا بنات.
سارة بصتلها وقالت وهي بتغمزلها:
_ادعيلنا بس يا طنط، أصل رُهام دي بقت جد أوي ورخمة.
بصتلها باستنكار وقولت:
_أنا؟
_أيوة أنتِ... فين رُهام اللي كانت كل خمس دقايق تعمل مصيبة؟
ضحكت ماما وقالت بنبرة خافتة فيها حزن:
_دي من يوم وفاة باباها وهي اتغيرت في كل حاجة.
سكتنا كلنا لحظة
حسيت إن الكلام لمس حاجة جوايا، لكن ابتسمت عشان أعدي الموقف، عشان لو عيطت محدش هيعرف يسكتني،
قولت بمحاولة للهزار:
_خلاص بقى... بدل ما اليوم كله يقلب نكد.
سارة قربت مني وخبطتني بخفة في كتفي لتلطيف الموقف.
_طب يلا أسرعي كدا، وشوفي المحشي دا، أنا جعانة،
ولو الغدا اتأخر هبدأ آكل في السلطة لوحدها.
ضحكت وأنا بزقها بعيد.
_يا شيخة استني لما يستوي الأول بقى.
بعد حوالي ساعة، كنا خلصنا كل حاجة، وفرشنا السفرة،
وأكلنا سوا وسط هزار سارة اللي مبيخلصش،
لدرجة إنها خلت ماما تضحك من قلبها لأول مرة من فترة.
وبعد الغدا، دخلنا أوضتي، وقفلت الباب ورايا، بعد ما ماما استأذنت إنها هتدخل تريح شوية في أوضتها، فدخلنا الأوضة عشان نتكلم براحتنا ومنزعجهاش.
رمينا نفسنا على السرير من كتر الشبع،
سارة اتنهدت وهي بتحط إيدها على بطنها.
_والله طنط أكلها وحشني.
ضحكت وقولتلها بغيظ:
_وأنا كل يوم باكله ومش بشبع منه.
بصتلي فجأة وسألتني بجدية:
_ها... احكيلي بقى.
عقدت حواجبي.
_عن إيه؟
_عنك... وعن الشغل، وعن حياتك يا رُهام، ومرتاحة ولا لا.
اتنهدت وأنا بسند ضهري على المخدة.
_ومرتاحة منين بس...؟!
حاولت أمسك دموعي عشان متنزلش وكملت:
_مشوفتش راحة من وقت ما بابا مات، حاسة كل الدنيا جاية عليا،
وأنا بجري فيها وبسابق عشان أوصل،
ولكن مفيش نتيجة كالعادة صفر.
سارة سكتت، وسابتني أكمل من غير ما تقاطعني.
اتنهدت وأنا باصة للسقف.
_الشغل اللي أنا فيه مش حاساه هيكمل أصلًا...
كل يوم نسمع إن الإدارة هتستغنى عن ناس،
والمرتب أصلًا تعبان على قد المواصلات والأكل،
لا بيكفي ولا بيعمل أي حاجة.
بصتلي سارة باستغراب.
_طيب وأنت مستحملة ليه، ليه مقولتليش أخلي محمد يشوفلك شغل تاني.
هزيت كتفي.
_بصراحة اتحرجت أقولك تقولي لمحمد يشوفلي شغل تاني، ومكنش ينفع أسيب دا وأقعد في البيت؟
الشغل اليومين دول بقى بالعافية، وأنا مينفعش أقعد من غير شغل، ماما معايا، وفي مصاريف، وعندي هدف لازم أوصله.
سكت لحظة، وبعدين كملت بصوت أوطى.
_وعندي حق بابا... لازم أرجعه.
مدت سارة إيدها ومسكت إيدي.
_وربنا هيعينك يا رُهام، بس متشيليش الدنيا كلها فوق دماغك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
_بحاول... والله بحاول.
فضلت باصة في إيديها اللي ماسكة إيدي، وبعدها قالت كأن فكرة جت في دماغها.
_طب ما أقولك على حاجة؟
بصتلها.
_قولي.
_أنا هكلم محمد يشوفلك شغل في الشركة اللي بيشتغل فيها،
أو حتى عند حد يعرفه، هو علاقاته كويسة،
وأكيد هيلاقي حاجة أحسن من المكان اللي أنتِ فيه.
هزيت راسي بسرعة.
_لا يا سارة... بلاش أنا هتحرج من جوزك ليفكر إني واخداه واسطة ولا حاجة.
ضربتني بالمخدة وهي بتضحك.
_يا بنتي تتحرجي أيه، ووسطة أيه،
متقوليش الكلام دا يا رُهام والله أزعل منك، هو مش هيشغلك عشان صاحبتي، هو هيدلك على مكان، ولو شاطرة هتتقبلي، ولو لأ محدش هيقدر يعملك حاجة.
فكرت شوية، وسكت.
_مش عارفة...
_مفيش حاجة اسمها مش عارفة، سيبيها على الله، ومحمد يشوف الأول، وبعدها يستي أنتِ حرة.
ابتسمت باستسلام.
_ماشي... شوفي هيقدر يعمل إيه.
ابتسمت سارة بانتصار.
_هو دا الكلام... هكلمه أول ما أروح.
______
بعد مرور يومين..
دخلت الفيلا وأنا بفك رابطة الكرافتة بعد يوم طويل في الشغل، طلعت أوضتي بعد ما سلمت على ماما، عشان أخد شاور وأغير هدومي عبال ما الغدا يجهز.
وقفت قدام المراية أنشف شعري وأسرحه، بعد ما طلعت من الشاور، لقيت موبايلي بيرن،
بصيت في الشاشة.
_محمد.
ابتسمت ورديت عليه.
_إيه يا عم العريس، أخيرًا افتكرتك صاحبك.
ضحك من الناحية التانية.
_أهو بنطمن عليك يا باشا.
_أنا تمام، طمني أنت.
_الحمد لله... كنت عايز خدمة صغيرة.
اتعدلت في وقفتي.
_اتفضل.
_سارة عندها صاحبتها محتاجة شغل، والبنت محترمة ومجتهدة، بس الشركة اللي هي فيها شكلها هتصفي ناس، فقولت أكلمك لو عندكم مكان مناسب.
فضلت ساكت ثانيتين.
_اسمها إيه؟
ابتسم محمد من الناحية التانية، كأنه كان مستني السؤال ده.
_رُهام.
اتجمدت مكاني،
ابتسامة غصب عني ظهرت على وشي.
محمد ضحك وقال بمكر:
_مالك؟ سكت ليه؟ ولا الاسم مألوف؟
حكيت رقبتي وأنا بحاول أبان طبيعي.
_كمل.
ضحك أكتر.
_اتحايلي عليا شوية.
هزيت راسي وأنا بضحك.
_بطل رغي وادخل في الموضوع.
_الموضوع إن سارة بتقول إنها محتاجة شغل تاني، عشان الشركة اللي فيها هتصفي موظفين، فقولت أكلمك.
وكمل باستفزاز:
_بما إنك مننا وعلينا يعني.
اتجهت ناحية السرير وقعدت عليه، وأنا برد بهدوء، رغم إن قلبي كان بيدق أسرع.
_أكيد... تبعت CV بتاعها،
ولو مناسبة للوظيفة تيجي تعمل إنترڤيو.
وسكت لحظة، قبل ما أضيف بجدية:
_بس يا محمد... ده شغل، يعني هتتعامل زي أي متقدم للوظيفة،
القرار هيبقى على حسب كفاءتها.
ابتسم محمد وقال:
_وده اللي كنت متوقعه منك.
وسكت ثانية، قبل ما يضحك ويضيف:
_بس متقعدش تبص في الـCV وتبتسم زي الأهبل ها.
ضحكت غصب عني.
_اقفل يا محمد.
_ماشي يا عم العاشق الولهان.
_محمد!
ضحك بصوت عالي.
_خلاص خلاص... هبعتلك الـCV أول ما سارة تبعتهولي.
_تمام... مستنيه.
قفلت المكالمة، ورميت نفسي على السرير بهيام وأنا باصص للسقف.
ابتسامة غصب عني كانت مرسومة على وشي،
حطيت إيدي ورا راسي، واتنفست بارتياح.
_يا سبحان الله...
كنت بدور على أي سبب أشوفها بيه...
والسبب هو اللي جه لحد عندي.
غمضت عيني للحظة، وافتكرت أول مرة شفتها... وبعدين افتكرت ضحكتها، وكلامها، وحواديتها اللي بقيت مستني كل حدوتة جديدة منها.
ضحكت بيني وبين نفسي.
_شكل الحكاية دي... هتكبر أكتر مما كنت متخيل!
لكن سرعان ما عدلت قعدتي، وهزيت راسي كأني بفوق نفسي.
_بس بالراحة يا يونس...
دي جاية تقدم على شغل، مش جاية عشانك،
لازم تبقى زي أي متقدمة...
حتى لو قلبي شايف غير كده.
ابتسمت ابتسامة هادئة، ومديت إيدي أخدت الموبايل من جنبي، ودخلت أبص على الأكونت بتاعها للمرة اللي مش عارف كام النهاردة.
كان آخر بوست منزلاه لسه قدامي،
ضغطت لاڤ عليه من غير ما أفكر...
وهمست وأنا بقفل الشاشة:
_أشوفك قريب يا رُهام...
بس المرة دي...
فيس تو فيس.
الفصل 6
عدى يومين بعد زيارة سارة، ورجعت حياتي تمشي بنفس الوتيرة...
شغل، بيت، ومحاولة مستمرة إني أمسك نفسي.
لحد ما في عز وأنا مندمجة في الشغل...
موبايلي رن وأنا قاعدة على مكتبي، بصيت للشاشة...
سارة.
ابتسمت ورديت بسرعة.
_نعم يا حلوة؟
ضحكت من الناحية التانية.
_بشرى يا رُهام إنما أيه... محمد كلم صاحبه، وفي فرصة شغل كويسة جدًا ليكي.
عدلت قعدتي مرة واحدة.
_بجد؟
_آه، بس ابعتيلي الـCV بتاعك حالًا، عشان محمد يبعته ليهم.
اتوترت من الفرحة، وبصيت تلقائيًا حواليا، كأني مش مصدقة اللي سمعته.
_بجد يا سارة؟
_والله بجد... يلا ابعتيه بسرعة قبل ما محمد ما ينسى، أصل أنتِ عارفة دماغه.
ضحكت.
_حاضر حاضر... هو أصلًا عندي على اللاب، أول ما أروح هبعتهولك.
_لو عندك على الموبايل ابعتيه دلوقتي، ولو مش عندك ابعتيه أول ما توصلي البيت، وأنا هبعته لمحمد على طول.
هزيت راسي وأنا ببتسم.
_ماشي... متشكرة أوي يا سارة.
ردت بسرعة وكأنها زعلت.
_متقوليش كدا تاني، إحنا أخوات.
ابتسمت من قلبي.
_ربنا يخليكي ليا.
_ويخليكي ليا أنتِ كمان... ويارب تكون بداية خير ليكي.
_يارب.
قفلت المكالمة، وأنا حاسة إن لأول مرة من فترة طويلة،
في باب صغير اتفتح قدامي.
لكن مع الفرحة...
بدأ القلق يتسلل جوايا وأتسأل:
_يا ترى هتقبل؟
ولا هيطلع الموضوع كله على الفاضي؟
هزيت راسي وأنا بطرد الأفكار دي وقولت لنفسي كالعادة:
_اعملي اللي عليكِ... والباقي على الله.
رجعت أكمل شغلي، لكن الحقيقة...
من بعد المكالمة، تركيزي مبقاش في الملفات اللي قدامي.
كان كل تفكيري...
في الفرصة الجديدة
وفي بداية يمكن...
تغير حياتي كلها،
من حيث الدخل اللي ممكن يساعدني أوكل محامي محترم، عشان أرد حق بابا من ابن عمي.
اتنفست بعمق، وحاولت أرجع تركيزي للشغل.
لكن كل شوية ألاقي نفسي بسرح
أفتكر ماما...
وأفتكر بابا...
وأفتكر اليوم اللي وعدته فيه، وهو في المستشفى قبل ما يموت بثواني، إني هرجع حقه مهما طال الوقت.
لو الشغل ده بمرتب أحسن...
يمكن أقدر أوفر فلوس أكتر
يمكن أقدر أجيب محامي شاطر فعلًا.
يمكن أقدر أخطو أول خطوة حقيقية في القضية،
الاحتمالات دي كلها خلت جوايا أمل كنت مفتقداه من زمان.
أول ما خلصت شغلي، روحت على البيت على طول.
وطول الطريق، كنت بردد في كلمة واحدة بس...
_يا رب.
وصلت البيت، وسلمت على ماما، وغيرت هدومي بسرعة، وفتحت اللاب،
ودورت على ملف الـCV، وراجعته كلمة كلمة.
عدلت كام معلومة بسيطة، وحدثت آخر شغل اشتغلته، وبعدها حفظته.
بصيت للشاشة ثواني، وأنا باخد نفس عميق.
_بسم الله.
بعت الملف لسارة على الواتساب،
ومعداش أقل من دقيقة، لقيتها بعتتلي:
"وصل... هبعته لمحمد حالًا."
ابتسمت، وبعتلها قلب أبيض،
قفلت اللاب، وسندت ضهري للكرسي.
دلوقتي...
مبقاش في إيدي أي حاجة أعملها،
فضل عليا الانتظار...
والانتظار، عمره ما كان سهل.
ـــــــــــــــ
في نفس الوقت...
كنت قاعد في مكتبي، مخلص آخر اجتماع في اليوم، وبراجع كام ملف قبل ما أمشي.
رن موبايلي،
بصيت للشاشة.
_محمد.
ابتسمت ورديت.
_خير يا عم؟
_بعتلك إيميل، افتحه.
عقدت حواجبي.
_في أيه؟
_افتح بس، وهتفهم.
قفلت معاه، وفتحت اللاب، ودخلت على البريد الإلكتروني.
كان فعلًا باعت مسج،
عنوانها:
CV _ رُهام...
أول ما قريت الاسم...
ابتسمت من غير ما أحس،
وفتحت الملف.
وقبل حتى ما أبدأ أقرأ البيانات...
وقفت ثواني أبص للاسم المكتوب في أول الصفحة.
رُهام...
هزيت راسي وأنا بضحك على نفسي.
_ركز يا يونس... أنت بتراجع CV، مش بتقرأ رواية.
بدأت أقلب في البيانات بجدية.
المؤهل...
سنين الخبرة...
الكورسات...
طبيعة شغلها الحالي...
كل سطر كنت بقراه، كان بيأكدلي إنها فعلًا مجتهدة، وإنها بنت معتمدة على نفسها.
خلصت قراءة الملف، وسندت ضهري للكرسي.
مديت إيدي وضغطت زر الاتصال الداخلي،
بعد ثواني، ردت السكرتيرة.
_أفندم يا فندم؟
_ابعتيلي الـHR لو فاضي.
_حاضر يا فندم.
قفلت السماعة، وأنا ببص على الـ CV،
وهمست لنفسي بابتسامة هادئة:
_يلا يا رُهام... هانت ونتقابل تاني.
---
بعد أقل من خمس دقايق...
خبط على الباب، ودخل الـHR بتاع الشركة.
_حضرتك طلبتني يا مستر يونس؟
شاورتله يقعد، ولفيتله اللاب ناحيته.
_في CV جديد وصل، حابب يدخل في التعيينات اللي هتبدأ الأسبوع ده.
الـHR أخد اللاب، وبدأ يقرأ بسرعة.
_خبرتها كويسة... وفي نفس المجال تقريبًا.
هزيت راسي.
_وده اللي لفت نظري.
رفع عينه وقال:
_تحب نحدد معاها إنترڤيو؟
جاوبته من غير تردد:
_آه... بس زي أي حد متقدم.
_أكيد.
سكت لحظة، وبعدين كملت بجدية:
_أنا مش عايز أي استثناءات ولا مجاملات، لو مناسبة للوظيفة تتقبل، ولو لأ يبقى حقها تعرف إنها محتاجة تطور نفسها.
هز راسه بإحترام.
_مفهوم يا فندم.
_راجع احتياج القسم الأول، ولو الوظيفة مناسبة ليها، كلمها وحددلها معاد.
_حاضر.
قام من مكانه، وقبل ما يخرج، وقفته.
_آه... وخلي الإنترڤيو يبقى معاك الأول.
استغرب شوية.
_ومع حضرتك بعد كده؟
هزيت راسي.
_لو عدت المرحلة الأولى، تبقى المقابلة الأخيرة معايا.
_تمام يا فندم.
خرج وقفل الباب وراه.
رجعت أبص للملف مرة تانية، وقفلته بعد ثواني.
ابتسمت وأنا بهز راسي.
_أهو... كده ضميري مرتاح،
لا ساعدتها... ولا ظلمتها،
لو مكانها هنا فعلًا... هتاخده بكفاءتها.
رن موبايلي في اللحظة دي،
وكان محمد،
رديت عليه.
_ها... عملت إيه؟
ابتسمت.
_بعت الـ CV للـHR.
ضحك وقال:
_بالسرعة دي؟
_أنت باعت الملف بدري، وأنا أصلًا كنت فاضي.
سكت ثانية، وبعدين قال بمكر:
_قول الحقيقة... كنت مستني الـCV من ساعة ما كلمتك.
ضحكت وهزيت راسي.
_هتفضل رخم طول عمرك؟
_طول عمري.
اتنهدت بابتسامة.
_اسمع يا محمد... أنا عملت اللي عليا، والباقي على ربنا،
لو هي شاطرة هتتقبل، ولو لأ... يبقى خير.
رد باقتناع:
_تمام.. هنتظر منك تليفون.
قفلت معاه، وقمت من على الكرسي، أخدت مفاتيح العربية والجاكيت.
وأنا خارج من المكتب...
لقيت نفسي ببتسم من غير سبب،
أو يمكن... كنت عارف السبب كويس.
بعد أيام قليلة... هشوفها تاني،
بس المرة دي...
مش صدفة.
---
في مكانٍ آخر...
واقف قدام شباك مكتبه، وإيده في جيبه، وهو باصص للشارع بشرود.
الباب خبط، ودخل واحد من رجالته.
_حضرتك طلبتني يا باشا؟
لف ناحيته ببطء.
_ها... عملت اللي قولتلك عليه؟
هز الراجل راسه.
_أيوة يا فندم... زي ما أمرت.
_والبنت؟
_لسه في شغلها القديم... بس سمعت إن في فرصة شغل جديدة بتسعى ليها.
عقد حواجبه.
_فرصة شغل؟
_أيوة... واضح إن في حد بيساعدها.
فضل ساكت شوية، قبل ما يضحك ضحكة قصيرة.
_تفتكر يعني لما تغير شغلها... هتعرف تهرب مني؟
سكت الراجل.
قرب من المكتب، وسند بإيده عليه.
_خليك متابعها... من غير ما تحسسها إن حد بيراقبها.
_أوامرك يا باشا.
وقبل ما يخرج، وقفه صوته.
_واسمع...
لف الراجل.
_أي خبر يخص رُهام... أعرفه أول واحد.
_حاضر.
خرج وقفل الباب.
فضل واقف مكانه، وبعدين فتح درج مكتبه، طلع منه صورة قديمة،
كان فيها هو ورُهام وهما أطفال، واقفين وسط العيلة.
مرر صباعه على الصورة للحظات،
وبعدين ابتسم ابتسامة باردة وهو بيبص للصورة.
_اعملي اللي تقدري عليه يا رُهام...
جربي تبعدي... وجربي تعاندي...
في الآخر... هترجعي بنفسك.
_____
كنت قاعدة في أوضتي، بعد ما خلصت صلاة العشاء.
فتحت المصحف، وقرأت شوية من وردي، وبعدها فضلت قاعدة مكاني أدعي.
_يارب...
لو الفرصة دي خير ليا فقربها مني، ويسرهالي، وارزقني فيها من حيث لا أحتسب،
ولو شر... فاصرفها عني، واصرفني عنها، وارضني بقضائك.
قفلت المصحف، وبوسته، وحطيته مكانه،
بعدين مسكت موبايلي...
وفتحت الواتساب.
آخر رسالة من سارة كانت:
"إن شاء الله خير."
ابتسمت ابتسامة هادية، وقفلت الفون،
واتمددت على السرير، وبصيت للسقف.
الغريب...
إني لأول مرة من شهور، أنام وأنا عندي أمل
إن يمكن بكرة...
يبقى بداية جديدة.
وغمضت عيني بهدوء ونمت...
ــــــــــــ
مر يوم...
واتنين...
وكل ما موبايلي يرن، قلبي يدق أسرع.
وفي صباح اليوم التالت...
وأنا قاعدة في الشغل، رن تليفوني
برقم غريب، رديت بتردد.
_ألو؟
_أستاذة رُهام؟
_أيوة، مع حضرتك.
_معاكِ من شركة ******، حضرتك كنتِ بعتالنا الـCV، وحابين نحدد معاكِ معاد الإنترڤيو.
اتجمدت مكاني للحظة...
وحسيت إن قلبي بيدق بعنف.
_أكيد... طبعًا.
_يناسبك يوم الحد الساعة 11 صباحًا؟
ابتسمت من غير ما أحس.
_يناسبني، إن شاء الله أكون عندكم.
_تمام، مستنيين حضرتك.
قفلت المكالمة...
وفضلت باصة للموبايل ثواني، كأني لسه بستوعب اللي حصل.
أخيرًا...
جت أول خطوة.
أول ما رجعت البيت، حكيت لماما، فدعتلي من قلبها، ولسه مخلصة مكالمة مع سارة وهي بتوصيني أهدى ومتوترش، وبتأكد عليا إني هقدر، وإن ربنا مش هيضيع تعبي.
وفي ليلة الإنترڤيو...
حضرت كل حاجة.
جهزت هدومي، وظبطت المنبه أكتر من مرة، خوفًا لا أنام ومصحاش.
لكن النوم...
قرر يخاصمني،
كنت كل شوية أبص في الساعة، وأحاول أطمن نفسي.
_يا رب... اكتبلي الخير.
وفي صباح اليوم التالي...
وقفت قدام مبنى الشركة.
رفعت عيني أتأمل الواجهة الزجاجية الضخمة، وأخدت نفس عميق.
كانت دي مجرد مقابلة عمل بالنسبة لأي حد...
لكن بالنسبة ليا...
كانت فرصة يمكن تغير حياتي كلها.
شديت على سير شنطتي، واتقدمت بخطوات هادئة ناحية الباب الرئيسي، وقولت.
_بسم الله.
وبعدها دخلت الشركة...
الفصل 7
دخلت من الباب الرئيسي، فاستقبلني تكييف بارد، وإضاءة هادية، وحركة موظفين رايحين وجايين، كل واحد فيهم ماشي بخطوات سريعة كأنه عارف طريقه كويس.
أما أنا... عيني جابت الشركة من جوا،
فيها من روح شركة بابا الله يرحمه، واللي مش هيهدالي بال إلا لما أرجعها لصاحبها.
كنت بحاول أخبي توتري على قد ما أقدر.
اتقدمت ناحية الريسبشن، وكانت بنت في أواخر العشرينات قاعدة بابتسامة هادية.
_صباح الخير.
ابتسمتلي.
_صباح النور، أقدر أساعد حضرتك؟
_أنا رُهام... عندي معاد إنترڤيو الساعة 11.
بصت على شاشة الكمبيوتر قدامها ثواني، وبعدها ابتسمت.
_أيوة يا فندم، اسم حضرتك موجود.
ناولتني Visitor Card "كارت زائر".
_اتفضلي، الدور الخامس،
وهتلاقي موظف الاستقبال هناك يدلك على مكتب الـHR.
_شكرًا.
ركبت الأسانسير، وبمجرد ما الباب اتقفل، أخدت نفس طويل كنت حابساه من أول ما دخلت.
بصيت لانعكاسي في المراية،
عدلت الطرحة، وسويت ياقة القميص، وهمست لنفسي:
_اهدي يا رُهام... دي مجرد إنترڤيو، مش أكتر.
لكن الحقيقة...
كانت أكتر بكتير بالنسبة ليا.
لما باب الأسانسير فتح، خرجت بخطوات هادية، لحد ما وصلت لمكتب الاستقبال في الدور الخامس.
عرفتهم باسمي، فطلبوا مني أنتظر دقائق لحد ما مسؤول الموارد البشرية يفضى.
قعدت على أحد المقاعد، وقلعت الشنطة من كتفي، وحطيتها على رجلي، وأنا بطمن مرة أخيرة على ملف Cv فيها ولا لا.
كل دقيقة كانت بتمر، كنت بحاول أقنع نفسي إني هادية...
رغم إن كفوف إيديا كانوا بيفضحوا توتري.
بعد دقائق قليلة...
فتح باب أحد المكاتب، وخرج شاب أنيق، بص عليا، وبص في الورقة اللي في إيده، قبل ما ينادي:
_أستاذة رُهام؟
وقفت بسرعة.
_أيوة.
ابتسم ابتسامة عملية.
_اتفضلي معايا.
مشيت وراه لحد ما دخلنا مكتب متوسط الحجم، مرتب وبسيط.
شاورلي على الكرسي اللي قدامه.
_اتفضلي.
قعدت، وحطيت الشنطة جنبي، وأنا بحاول أسيطر على توتري.
قعد قدامي، وفتح الملف اللي كان في إيده.
_أنا أحمد، مسؤول الـHR.
هزيت راسي بابتسامة بسيطة.
_تشرفت.
ابتسم ابتسامة عملية، وبدأ يبص في الـCV اللي ادتهوله.
_خبرتك كويسة... اشتغلتي في أكتر من مكان.
_الحمد لله.
_إيه سبب إنك عايزة تسيبي شغلك الحالي؟
أخدت نفس هادي قبل ما أجاوب.
_بصراحة... الشركة بتمر بظروف، وكل يوم بنسمع إن في تصفية موظفين، غير إن المرتب مبقاش مناسب للمجهود ولا لظروف المعيشة، فبدأت أدور على فرصة أقدر أستقر فيها وأطور نفسي.
هز راسه وهو بيسجل ملاحظة.
_ولو جالك عرض من شركتكم بعد ما تقدمي استقالتك؟
ابتسمت بهدوء.
_لو كانوا مقدرين وجودي من البداية، مكنتش فكرت أمشي.
رفع عينه من الورق وبصلي للحظة، وبعدها كمل.
_إيه أكتر حاجة شايفة إنك متميزة فيها؟
فكرت ثواني.
_إني بتعلم بسرعة، وبعرف أتحمل ضغط الشغل، ولما بمسك مسؤولية بحاول أخلصها بأفضل شكل أقدر عليه.
_وأكتر نقطة بتحاولي تطوريها في نفسك؟
ابتسمت بخفة.
_إني ساعات ببقى دقيقة زيادة عن اللزوم، فبقعد وقت أطول عشان أتأكد إن كل حاجة مظبوطة.
ابتسم هو كمان.
_دي تعتبر ميزة وعيب في نفس الوقت.
ضحكت بخفة.
_أيوة.
فضل يقلب في الملف شوية، وسألني كام سؤال تاني عن البرامج اللي بشتغل عليها، وطبيعة شغلي السابق، وإزاي بتعامل مع ضغط المواعيد.
جاوبت على كل الأسئلة بهدوء، ومع كل إجابة كنت حاسة إن توتري بيقل تدريجيًا.
قفل الملف، وسنده على المكتب.
_تمام يا أستاذة رُهام... أنا شايف إن خبرتك مناسبة جدًا.
ابتسمت من غير ما أتكلم.
كمل وهو بيقف.
_فاضل خطوة أخيرة بس.
عقدت حواجبي بإستفهام.
_حضرتك هتعملي مقابلة بسيطة مع المدير التنفيذي للشركة، ولو كل حاجة مشت تمام، هنتواصل معاكي بالإجراءات النهائية.
وقفت وأنا ماسكة شنطتي.
_تمام... شكرًا لحضرتك.
فتح باب المكتب، وبمجرد ما خرجنا، بص ناحية السكرتيرة وقال:
_بلغي مستر يونس إن أستاذة رُهام جاهزة للمقابلة الأخيرة.
أول ما سمعت الاسم...
وقفت مكاني ثانية، من غير ما أحس.
يونس؟!
استغربت للحظة...
هو أيه حوار الاسم دا معايا، من وقت ما قابلت يونس دا صاحب محمد، ليه اسمه بقى يظهرلي في كل حتة!
مش بعيد ألاقيه هو المدير التنفيذي؟!
وأنا اللي كنت مفكرة إن محدش يعرف الاسم دا غيره، لا ما شاء الله طلع أشهر من نار على علم.
ابتسمت بسخرية على تفكيري.
وانتبهت للـHR:
_هو المدير بنفسه اللي بيعمل آخر إنترڤيو؟
سألته بعفوية.
ابتسم أحمد وهو بيهز راسه.
_في بعض الوظائف، آه..
مستر يونس بيحب يقابل المرشحين بنفسه قبل قرار التعيين النهائي.
هزيت راسي بتفهم.
_تمام.
اتجه أحمد ناحية السكرتيرة، واتكلم معاها بصوت واطي، وهي هزت راسها، وبعدها رفعت سماعة التليفون الداخلي.
فضلت واقفة مكاني، وأنا حاسة إن دقات قلبي رجعت تعلى تاني.
حاولت أهدي نفسي، وعدلت الطرحة مرة تانية من غير سبب، وبعدين مسكت الشنطة بإيدي الاتنين.
بعد أقل من دقيقة...
قفلت السكرتيرة السماعة، وابتسمت وهي بتبصلي.
_اتفضلي يا أستاذة رُهام... مستر يونس مستني حضرتك.
بلعت ريقي، وأخدت نفس عميق.
_بسم الله...
مشيت وراها في ممر طويل، لحد ما وقفنا قدام باب كبير، عليه لوحة فضية لامعة مكتوب عليها:
CEO
Mr. Younes...
خبطت السكرتيرة على الباب بخفة.
وجالها صوت هادئ من الداخل:
_اتفضل.
لفت ناحيتي بابتسامة مهنية.
_اتفضلي.
مديت إيدي لمقبض الباب...
ودخلت.
دخلت بخطوات هادية، وأنا بضم الشنطة لكتفي من غير ما أحس.
المكتب كان واسع، بإضاءة دافية، وواجهة زجاجية كبيرة بتكشف جزء من المدينة.
لكن اللي لفت نظري...
إن الكرسي اللي ورا المكتب كان متلف ناحية الشباك.
صاحب المكتب كان واقف، ضهره ليا، وإيده في جيبه، كأنه كان سرحان في حاجة.
قفلت الباب بهدوء.
_السلام عليكم.
لف ليا ببطء...
وأول ما وشه بان...
اتجمدت مكاني،
وعيني اتسعت من الصدمة.
_...يونس؟!
متوقعتش خالص إن تفكيري أول ما سمعت اسمه برا، يتجسد فعلًا قدامي، كل اللي افتكرته إنه مجرد تشابه أسماء مش أكتر!
هو كمان وقف لحظة، لكن ابتسامته الهادية شككتني فيه، لإن حسيت إنه متفجأش خالص بوجودي، فخمنت إن يمكن محمد قاله، وهنا خدت بالي إن سارة مقالتليش إنه هو، بس لما أروحلها.
قام من مكانه بهدوء، وقال بنبرة رسمية:
_وعليكم السلام،
أهلًا يا آنسة رُهام...
اتفضلي.
لسه واقفة مكاني، وعقلي بيحاول يستوعب.
_أنت...!
ابتسم ابتسامة صغيرة.
_واضح إنك مكنتيش تعرفي إن دي شركة والدي.
هزيت راسي تلقائيًا.
_لأ... والله ما كنت أعرف.
أشار ناحية الكرسي المقابل لمكتبه.
_اتفضلي اقعدي... ومتقلقيش،
دي مجرد إنترڤيو عادية...
وبس.
بصيتله ثواني، وبعدها قعدت، وأنا لسه حاسة إن المفاجأة أكبر من إني أستوعبها بسرعة.
فتح الملف اللي قدامه، وبص فيه لحظة، قبل ما يرفع عينه ليا من تاني،
لكن المرة دي...
كان المدير التنفيذي هو اللي بيبص...
مش الشاب اللي قابلته صدفة عند سارة من كام إسبوع.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقفل الملف قدامه.
_قبل أي حاجة... أحب أوضح إن وجودك هنا ملوش أي علاقة بقرابتك مع زوجة صاحبي.
بصيتله باهتمام،
وكمل بنفس الهدوء:
_الـHR قيم خبرتك، وشاف إنك مناسبة للمرحلة الأخيرة، وأنا دوري دلوقتي أتأكد إن الشخص اللي قدامي مناسب للمكان ده.
هزيت راسي وأنا بحاول أرجع هدوئي.
_فاهمة.
أخد القلم من على المكتب، وبص في الـCV.
_خبرتك كلها تقريبًا في نفس المجال... لكن إيه أكتر إنجاز أنتِ فخورة بيه في شغلك؟
اتنفست بهدوء، وبدأت أجاوب.
_اشتغلت على مشروع كان متأخر جدًا، وقدرنا نخلصه قبل المعاد المطلوب، مع إن الفريق كان ناقص أفراد، واتعلمت وقتها إزاي أرتب أولوياتي تحت ضغط.
هز راسه بإعجاب خفيف، وسجل ملاحظة.
_ولو طلبت منك تمسكي مسؤولية أكبر من منصبك؟
_لو عندي القدرة أعملها... مش هتردد.
رفع عينه من الورق وبصلي مباشرة.
_ولو غلطتِ؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
_أعترف بغلطي، وأصلحه، وأتعلم منه... لأن مفيش حد مش بيغلط.
لأول مرة ابتسم ابتسامة واضحة.
_إجابة كويسة.
حسيت إن توتري بدأ يخف شوية، فاستجمعت شجاعتي وسألته:
_ينفع أسأل حضرتك سؤال؟
حط القلم على المكتب.
_اتفضلي.
_هو... حضرتك كنت عارف إن صاحبة الـCV دي أنا؟
سكت ثواني، وكأنه بيختار كلماته.
_لما محمد بعتلي الملف... عرفت.
عقدت حواجبي.
_وموافقتك كانت بسبب إنك تعرفني؟
هز رأسه بهدوء، ونبرته بقت أكثر جدية.
_لو كان السبب إني أعرفك... مكنتيش دخلتي أول إنترڤيو أصلًا.
شاور على الملف اللي قدامه.
_اللي وصلك لحد هنا... ده،
واللي هيحدد إذا كنتِ هتكملي أو لأ...
هو اللي هتقدميه في شغلك بعد كده.
بصيتله لحظة، وحسيت إن الإجابة دي شالت جزء كبير من القلق اللي كان جوايا،
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
_شكرًا.
بادلني ابتسامة هادية، وقفل الملف.
_مبروك يا آنسة رُهام...
أقدر أقول إنك اجتزتي المقابلة بنجاح.
اتسعت عيني بعدم تصديق.
_بجد؟
ابتسم وهو بيقف من مكانه.
_أهلًا بيكي... في شركتنا.
---
بعد خروج رُهام بدقايق...
أول ما باب المكتب اتقفل وراها...
فضلت باصص عليه كام ثانية، من غير ما أتكلم.
وبعدين ابتسمت لوحدي، وأنا بهز راسي.
_سبحان الله...
أنا فعلًا شوفتها تاني.
قعدت على الكرسي، وسندت ضهري، وأنا بفتكر أول مرة قابلتها بعد الفرح عند محمد وسارة.
كانت هادية...
لكن عنيها وقتها كانت شايلة وجع أكبر من سنها.
ولما دخلت النهاردة...
ملامحها كانت متوترة، لكنها دخلت بكل احترام وثقة، وكأنها جاية تثبت لنفسها قبل أي حد إنها تستحق مكانها.
وأكتر حاجة لفتت نظري...
إنها محاولتشش تستغل إنها تعرفني.
بالعكس...
أول سؤال سألته، كانت خايفة تكون اتقبلت لمجرد المعرفة.
ابتسمت وأنا ببص على الـCV مرة تانية،
ومديت إيدي وقفلت الملف، ولسه هقوم...
رن موبايلي.
محمد
رديت عليه.
_ها يا عم؟
جالي صوته مستعجل.
_خلصت؟
ضحكت.
_آه.
_وبعدين؟
سكت ثانية، وبعدين قولت بابتسامة:
_اتقبلت.
اتنهد براحة.
_كنت عارف.
ضحكت.
_لا... أنت كنت واثق فيها.
رد من غير تردد:
_لأن سارة حكتلي عنها كتير... والبنت فعلًا تستحق.
هزيت راسي وأنا ببص ناحية الباب اللي خرجت منه من شوية.
_وأنا النهاردة اتأكدت بنفسي.
سكت محمد لحظة، قبل ما يقول بمكر:
_طب قول بقى... اتوترت لما شوفتها؟
ضحكت غصب عني.
_أقفل يا محمد.
ضحك بصوت عالي.
_يعني اتوترت.
ابتسمت وأنا بقفل المكالمة.
_رخم...
حطيت الموبايل على المكتب، وقومت وقفت قدام الشباك،
وأنا ببض على الناس والعربيات اللي بيتحركوا تحت...
وابتسمت من غير ما أحس.
الغريب...
إني كنت فاكر إن أكتر حاجة كنت مستنيها هي المقابلة دي.
لكن بعد ما خلصت...
اكتشفت إن اللي مستنيه بجد...
هو أول يوم شغل ليها هنا وحاجة تانية كدا الله يعجل بها.
_____
في مكان آخر...
دخل أحد رجاله المكتب وهو ماسك ملف صغير.
_يا باشا...
رفع عينه من الورق.
_ها؟
_البنت سابت شغلها القديم.
عقد حواجبه.
_إمتى؟
_النهاردة... ووقعت عقد في شركة تانية.
اتعدل في قعدته.
_شركة إيه؟
هز الراجل راسه.
_لسه بنحاول نعرف.
سكت ثواني، قبل ما يقول بنبرة جامدة:
_اعرف.
_حاضر.
وقبل ما الراجل يخرج، وقفه.
_واسمع...
لف ناحيته.
_من النهاردة... أي خطوة هتخطوها رُهام، أنا لازم أعرفها قبل ما اليوم يخلص.
_أوامرك يا باشا.
خرج الراجل،
أما هو...
فضل باصص قدامه، وهو بيطرق بإصبعه على سطح المكتب،
وبعدين ابتسم ابتسامة باردة.
_واضح إنك ابتديتي تتحركي يا بنت عمي...
بس فاكرة إنك هتسبقيني؟
لجميع الفصول من هنا
الفصل 8
أول يوم شغل ليا في شغلي الجديد...
فيه أيام بتبدأ عادية...
وأيام بتحس من أول ما تفتح عينك إنها هتغير حاجة في حياتك.
والنهاردة... كان واحد من الأيام دي،
صحيت قبل المنبه بدقايق.
فتحت عيني، وبصيت للسقف وأنا بستوعب إن النهاردة أول يوم ليا في الشركة الجديدة، بعد ما استقلت ولغيت كل علاقتي بالشغل القديم.
ابتسمت من غير ما أحس.
_الحمد لله.
قومت من السرير بسرعة، واتوضيت، وصليت الفجر، وقعدت أدعي كتير،
كان نفسي الفرصة دي تبقى بداية جديدة... بداية أقدر أقف بيها على رجلي، وأحقق أول خطوة في الطريق اللي وعدت بابا بيه.
بعد الصلاة، دخلت أجهز،
اخترت قميص أبيض بسيط، وبنطلون أسود كلاسيك، وطرحة أوف وايت، من غير أي مبالغة.
وقفت قدام المراية، وعدلت هدومي للمرة اللي يمكن تكون العاشرة.
ضحكت على نفسي.
_واضح إن التوتر مش هيسيبني.
خرجت من الأوضة، ولقيت ماما سبقاني ومجهزة الفطار،
أول ما شافتني، ابتسمت.
_ما شاء الله...
ربنا يرزقك الخير من وسع يا بنتي.
ابتسمت، وبوست إيدها.
_آمين يا ربّ.
حطت إيدها على راسي، ودعتلي.
_ربنا يفتحلك كل باب خير، ويبعد عنك ولاد الحرام.
الكلمة الأخيرة خلتني أسكت ثانية...
بس ابتسمت عشان أطمنها.
قعدت قدامها، وبدأت أفطر وأنا ببص لها بين كل لقمة والتانية.
كانت بتحاول تبان هادية... بس كنت عارفة إن قلبها مش أقل قلقًا من قلبي.
قالت وهي بتحطلي كوباية الشاي:
_متضغطيش على نفسك يا رُهام... اعملي اللي عليكي، والباقي سيبيه على ربنا.
ابتسمت وهزيت راسي.
_إن شاء الله.
سكتت شوية، وبعدين قالت بحذر:
_ولو حسيتِ إن المكان مش مريحك... متجبريش نفسك.
ضحكت بخفة.
_لسه النهاردة أول يوم با ماما، ادعيلي الأول بس.
ابتسمت هي كمان.
_ربنا يكرمك، ويجعل رزقك فيه الخير والبركة.
خلصت فطاري، وقومت أغسل إيدي، وبعدها أخدت شنطتي،
وقفت عند باب الشقة، وماما قربت مني وعدلت طرف الطرحة بإيديها، كعادتها كل مرة أخرج فيها.
ابتسمت.
_يا ماما... الطرحة مظبوطة.
ابتسمت وهي بتربت على خدي.
_عارفة... بس بحب أعمل كده.
ضحكت، وبوست راسها.
_خلي بالك من نفسك.
_حاضر.
فتحت الباب، وخرجت، وأنا سامعة صوتها ورايا.
_استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه.
وقفت لحظة، ورديت من غير ما أبصلها عشان دموعي متسبقنيش.
_في أمان الله يا ماما.
نزلت السلم بخطوات هادية، ولما وصلت للشارع، أخدت نفس عميق.
الهوا الصبح كان منعش، والدنيا لسه هادية نسبيًا.
بصيت للسما، وابتسمت.
_يارب... اجعلها بداية خير.
وقفت تاكسي، وركبته، وبدأت الرحلة لأول محطة في حياتي الجديدة... وأنا مش عارفة اليوم هيمشي إزاي، بس بدعي من كل قلبي إنه يمر على خير والدنيا تبقى تمام.
ــــــــــــــ
قومت بدري على غير عادتي،
بصيت في الساعة...
لسه بدري على معاد نزولي، لكن النوم كان طار من عيني من بدري.
قومت، واتوضيت، وصليت الفجر، وقعدت شوية أقلب في جدول اجتماعاتي على التابلت.
النهارده كان يوم مليان شغل...
لكن وسط كل المواعيد اللي قدامي، كان في معاد واحد واخد مساحة أكبر من اللازم في دماغي.
أول يوم شغل لرُهام،
ابتسمت على نفسي، وهزيت راسي.
_مالك يا يونس... عايزك تهدى كدا وتكون ريلاكس.
قفلت التابلت، وقومت أجهز،
وبعد ساعة...كنت داخل الشركة.
بصتلي السكرتيرة باستغراب أول ما شافتني.
_صباح الخير يا فندم... حضرتك بدري النهاردة.
ابتسمتلها وأنا بكمل طريقي.
_صباح النور.
ورديت بهدوء:
_عندنا موظفين جداد النهاردة... وحبيت أبقى موجود من بدري.
هزت راسها بتفهم.
_تمام يا فندم.
دخلت مكتبي، وحطيت الجاكيت على الشماعة، وفتحت اللاب.
حاولت أركز في الملفات اللي قدامي...
لكن كل شوية عيني كانت تروح للساعة،
لحد ما رن تليفون المكتب،
رفعت السماعة.
_أفندم؟
جالي صوت موظفة الاستقبال.
_صباح الخير يا فندم... الموظفين الجداد، وصلوا.
وقفت لحظة...
من غير ما أحس، ابتسمت.
لكن نبرتي فضلت هادية كعادتها.
_تمام... خلوا الـHR يبتدي معاهم إجراءات الاستلام والتعريف بالشركة،
ولو احتاج أي حاجة يبلغني.
_حاضر يا فندم.
قفلت السماعة، وسندت ضهري للكرسي،
واتنفست بهدوء.
_أهلًا بيكي... في أول يوم ليكي هنا يا رُهام.
وبعدين فتحت أول ملف قدامي، وأنا بحاول أقنع نفسي إن تركيزي هيكون في الشغل...
رغم إني كنت عارف إن النهاردة، مش هيعدي عادي.
______
وصلت قدام الشركة، دفعت حساب التاكسي، ونزلت.
وقفت ثواني أبص للمبنى الضخم اللي هبقى جزء منه من النهاردة.
اتنفست بعمق.
_بسم الله... توكلت على الله.
دخلت من الباب الرئيسي، وسلمت على موظفة الاستقبال، اللي أول ما شافتني، ابتسمت.
_صباح الخير يا أستاذة رُهام.
ابتسمتلها.
_صباح النور.
_اتفضلي، الأستاذ أحمد بلغنا إن حضرتك أول ما توصلي تطلعي الدور الخامس،
وباقي الموظفين سبقوكِ.
_شكرًا.
طلعت بالأسانسير، ولما وصلت، لقيت أحمد واقف كأنه كان مستنيني.
ابتسم وهو بيمد إيده يصافحني.
_صباح الخير، وأهلًا بيكي.
صافحته بابتسامة.
_صباح النور.
_مبارك أول يوم.
_الله يبارك في حضرتك.
ابتدى يمشي قدامي وهو بيشرحلي بهدوء.
_في الأول هنخلص شوية إجراءات بسيطة،
وبعدها هعرفك على الفريق، وعلى المكان، وبعدها هتستلمي مكتبك.
هزيت راسي وأنا بسمع كل كلمة باهتمام،
خلصنا الإجراءات في دقائق، وبعدها خرجنا يتمشى بيا بين الإدارات.
كل قسم كان مختلف عن التاني، لكن أكتر حاجة شدتني...
النظام.
كل واحد عارف هو بيعمل إيه، من غير دوشة أو ارتباك.
وقف أحمد قدام باب مفتوح.
_وده القسم اللي هتشتغلي فيه.
دخلت وراه
أول ما دخلنا، كل اللي في المكان رفعوا عينهم يبصوا علينا.
ابتسم أحمد وقال بصوت واضح:
_صباح الخير يا جماعة.
ردوا عليه في نفس الوقت.
_صباح النور.
بص ناحيتي.
_أحب أعرفكم... الأستاذة رُهام، انضمت لينا من النهاردة.
ابتسمت بإحراج بسيط.
_تشرفت بمعرفتكم.
بدأ كل واحد يعرف نفسه بسرعة،
والاستقبال كان لطيف بشكل خلاني أحس إن توتري بيخف تدريجيًا.
بعدها وقف أحمد قدام مكتب فاضي قريب من باقي الفريق.
_وده هيكون مكتبك.
بصيت للمكتب، وابتسمت من غير ما أحس،
حطيت شنطتي على الكرسي، ومررت إيدي برفق على سطح المكتب،
واتنفست بهدوء، وقعدت مكاني.
ولسه هطلع اللاب من الشنطة...
سمعت صوت حركة برا القسم، وبعدها الموظفين وقفوا تقريبًا في نفس اللحظة.
واحد منهم قال بهدوء:
_صباح الخير يا فندم.
رفعت عيني تلقائيًا ناحية الباب...
ودخل يونس بخطوات هادية وثابتة، لابس بدلة كحلي، وفي إيده ملف أسود.
أول ما دخل، ساد المكان هدوء غريب،
وهو واقف في مكانه وعينه بتعدي على المكاتب بسرعة.
ولما وصل بنظره عندي...
وقفت بسرعة مع باقي الموظفين.
ثبتت عيني فيه لحظة، وهو كمان وقف جزءًا من الثانية، قبل ما يكمل بنفس هدوئه، وكأن وجودي في القسم بقى أمر طبيعي.
ابتسم ابتسامة مهنية خفيفة.
_صباح الخير.
ردينا كلنا في صوت واحد:
_صباح النور يا فندم.
بص ناحية أحمد وشاور ناحيتي.
_ الأستاذة استلمت شغلها خلاص؟
رد أحمد:
_أيوة يا فندم، استلمت وتممنا على كل الإجراءات،
ولسه بنعرفها على الشغل.
هز يونس راسه باقتضاب، وبصلي للحظة.
_أهلًا بيكي مرة تانية.
ابتسمت بإحترام.
_الله يخليك.
قال بهدوء، لكن بصوت سمعه القسم كله:
_أتمنى تلاقي البيئة اللي تساعدك تطوري نفسك... ولو احتجتِ أي حاجة تخص الشغل، ارجعي لرئيس القسم أو للـHR.
_إن شاء الله.
هز راسه، وبص لباقي الفريق.
_أستاذة رُهام أمانة في رقبتكم... أول أسبوع دايمًا بيكون الأصعب.
ضحك أحد الموظفين بخفة.
_متقلقش يا فندم... هنخليها تهرب بعد أول يوم.
ضحك الكل، حتى أنا ابتسمت من غير ما أحس.
ابتسم يونس هو كمان ابتسامة خفيفة، وقال:
_العكس... إحنا عايزينها تكمل معانا سنين.
وبعدها كمل طريقه، وخرج من القسم بهدوء،
أول ما اختفى من الباب،
رجع المكان لطبيعته، لكن قلبي أنا...
لسه كان بيدق أسرع من الطبيعي.
---
أول ما خرج، رجع كل واحد لمكانه،
وكأن دخول المدير وخروجه كان جزء طبيعي من يومهم.
أما أنا...
لسه باصة ناحية الباب اللي خرج منه،
واللي قطع شرودي صوت بنت قاعدة على المكتب اللي جنبي.
_معلش... متتخضيش، إحنا كلنا كنا كده في أول يوم.
لفيت ناحيتها، ولقيتها بتبتسملي بود.
_أنا ندى.
ابتسمتلها.
_رُهام... تشرفت.
مدتلي كوباية ورق فيها قهوة.
_اتفضلي... هتحتاجيها.
ضحكت وأنا بخدها منها.
_واضح إن شكلي مفضوح.
ضحكت هي كمان.
_جداً... باين إنك متوترة.
ابتسمت بإحراج.
_أول يوم بقى.
قربت بكرسيها ناحيتي.
_متقلقيش... القسم هنا كله متعاون،
ولو وقف معاكي حاجة اسأليني على طول.
_تسلمي.
في اللحظة دي، جه رئيس القسم، وكان راجل في أوائل الأربعينات،
ملامحه هادية،
وقف جنب مكتبي وقال بابتسامة بسيطة:
_صباح الخير يا أستاذة رُهام.
وقفت بسرعة.
_صباح النور.
_أنا أستاذ خالد، مسؤول القسم.
مد إيده يصافحني.
_أهلًا بيكي معانا.
صافحته بإحترام.
_تشرفت.
فتح ملف كان معاه، وحطه قدامي.
_هنبدأ بحاجة بسيطة، عشان تتعرفي على نظام الشغل عندنا،
وبعدها هنقسم عليكي المهام بالتدريج.
هزيت راسي باهتمام.
_تمام.
بدأ يشرحلي نظام الملفات، وطريقة تسجيل البيانات،
وإزاي كل حاجة ماشية بخطوات ثابتة.
كنت مركزة مع كل كلمة، وبكتب ملاحظات صغيرة في النوتة اللي معايا.
بعد حوالي نص ساعة...
ابتسم وقال:
_واضح إنك بتكتبي كل حاجة.
ابتسمت.
_بحب أرجعلها بعدين عشان مغلطش.
هز راسه بإعجاب.
_دي عادة كويسة.
سابني أكمل، وأنا بدأت أجرب أول مهمة لوحدي،
في البداية إيديا كانت بطيئة...
لكن مع كل دقيقة، حسيت إن التوتر اللي كنت داخلة بيه الصبح،
بدأ يتحول لتركيز.
ولأول مرة من وقت طويل...
حسيت إني فعلًا في المكان اللي ممكن أبدأ فيه من جديد.
---
في نفس الوقت...
كان "سليم" قاعد في مكتبه، ملامحه متجهمة وهو بيقلب في ملفات الشركة.
من ساعة ما عرف إن رُهام قدمت استقالتها، وهو حاسس إن حاجة خرجت من إيده.
رفع راسه على صوت الباب وهو بيتفتح،
دخل واحد من موظفي المبيعات.
_صباح الخير يا أستاذ سليم.
_خير؟
_كنت لسه راجع من شركة العزازي.
رفع عينه باهتمام.
_وبعدين؟
_بالمناسبة... قابلت رُهام بنت مستر محمود عم حضرتك هناك.
رجع يبص في الملف بدون اهتمام ومجاش في باله إنها ممكن تكون اشتغلت هناك.
_وإيه يعني؟
الموظف قال:
_لما سألت عرفت إنها اتعينت جديد عندهم في الشركة.
إيد سليم وقفت فجأة فوق الورق،
رفع عينه ببطء.
_أنت متأكد إنها هي؟
الموظف سكت ثانية، وقال:
_أيوة متأكد أنا مستحيل أتوه عنها، هي كانت بتيجي هنا كتير لمستر محمود الله يرحمه فمستحيل معرفش أميزها.
قفل سليم الملف بعنف.
_العزازي؟
_أيوة.
ملامحه اتغيرت في لحظة، وسأل تاني بتأكيد.
_متأكد؟
_آه... والله متأكد.
خرج الموظف بعد ما خلص كلامه.
أما سليم...
فضل واقف مكانه، وعينيه مليانة غضب.
_يعني بعد كل اللي حصل...
راحت عند العزازي؟
قبض على القلم اللي في إيده لحد ما كان هيتكسر،
يعرف كويس اسم "العزازي".
واحد من أكبر المنافسين في السوق،
وشركة ليها سمعة تقيلة.
اتنهد بضيق وغضب وقال:
_ودي ألاقيلها مين هناك يطفشها.
وبعدين ابتسم بسخرية باردة.
_واضح إنك فاكرة إنك هتعرفي تهربي بسهولة...
لا يا بنت عمي
الموضوع مش هينتهي لحد هنا.
---
دخلت مكتبي وقفلت الباب ورايا بهدوء، بعد ما لفيت على كل الأقسام اللي اتعين فيها موظفين جداد، عشان أطمن إن كل حاجة ماشية تمام.
حطيت الملف اللي كان في إيدي على المكتب، وقعدت على الكرسي،
لكن إيدي فضلت ثابتة فوقه من غير ما أفتحه.
زفرت نفس طويل
لحد اللحظة دي... كنت فاكر إني مستعد أشوفها.
لكن أول ما رفعت عيني عليها وهي واقفة وسط الموظفين...
اكتشفت إني كنت بكذب على نفسي.
رُهام..
كانت واقفة بهدوء، ملامحها فيها رهبة أول يوم،
وإيديها متشابكة قدامها في محاولة واضحة إنها تداري توترها.
وللحظة...
نسيت أنا داخل القسم ليه أصلًا،
بس ثانية واحدة... ورجعت لنفسي،
أنا المدير.
ولو حد لمح مجرد نظرة زيادة... كل حاجة هتبقى محل كلام.
عشان كده عديت بعيني على الكل بنفس الطريقة،
ولما بصتلها...
أجبرت نفسي أبص بعيد قبل ما النظرة تطول.
قعدت أسند ضهري للكرسي، وابتسمت ابتسامة صغيرة من غير ما أحس،
الغريبة...
إنها أول مرة أشوفها في مكان غير اللي شوفتها فيهم قبل كدا،
مش في مناسبة...
ولا في زيارة سريعة...
المرة دي...
كانت واقفة في المكان اللي اختارته بنفسها،
بتبدأ حياة جديدة... وبتحاول تثبت نفسها.
ولسبب مش قادر أفهمه...
المشهد ده خلاني فخور بيها،
مش شفقة... ولا إعجاب بشكلها،
فخر.
فخر إنها مكملتش في مكان كانت مش مرتاحة فيه،
وفخر إنها بدأت من أول وجديد.
مررت إيدي على وشي وأنا بهز راسي بخفة.
_مالك يا يونس في أيه؟... من اللحظة دي هي مجرد موظفة عندك في الشركة،
لازم تفضل بالنسبة لك كدا، قدام الناس على الأقل عشانها هي.
بس الحقيقة اللي مقدرتش أنكرها...
إن أول ما سمعتها بترد عليا وهي بتقول:
_إن شاء الله.
كان صوتها أهدى بكتير مما توقعت...
وأقرب لقلبي بكتير مما كان المفروض.
اتنهدت وفتحت أول ملف قدامي، وحاولت أركز في الشغل،
لكن كل ما أقرأ سطر...
كان عقلي يرجع لنفس الصورة.
رُهام... واقفة قدامي
ومسافة صغيرة جدًا هي اللي كانت فاصلة بين المدير...
والرجل اللي كان بيحاول بكل قوته ميبانش عليه أي حاجة.