الفصل 46 | من 47 فصل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
26
كلمة
12,638
وقت القراءة
64 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18


الحلقة الخاصة اتكتبت بناءً على رغبة البعض، وهي فقط للتسلية حيث آخذكم في زيارة لعائلة صالح وصلاح..

فقط للاستمتاع ليس إلا

وانتظروا الفصل الاول من رواية ( مملكة سفيد ) يوم الاثنين " بعد غد " الساعة السابعة مساءً باذن الله .

صلوا على نبي الرحمة
________________

يمسك يدها وهو يسير معها صوب منطقة التفتيش قبل صعودهم للطائرة، يحاول احتواء بكاء وتذمر زوجته التي بدت كما لو أنها على وشك الالتحام بذرات رمال هذه البلاد .

" طب يوم واحد كمان يا صالح الله يكرمك، ملحقتش اشبع "

ابتسم صالح يحاول ألا يفقد صبره :

" معلش يا رانيا، مقدرش والله انا واخد اسبوع إجازة بالعافية والمفروض كنت رجعت امبارح، بس أنتِ عارفة اللي حصل، وانهاردة عندي اجتماع الساعة ٩ بليل مهم، فلازم الحق "

تذمرت رانيا تحاول البقاء ساعة أخرى لشراء بعض الاشياء لها :

" طيب ما هو لسه بدري على ٩ يا صالح، ده الساعة دلوقتي ١ الصبح "

" فيه فرق توقيت ٦ ساعات، يعني دلوقتي في مصر الساعة ٧ الصبح، فلو اتأخرنا شوية مش هنلحق نوصل . "

تنفست وقد خضعت واخيرًا لحديثه تتقدم معه صوب منطقة التفتيش، وضع الحقائب التي كان يجرها أمامه على حامل معدني، ثم نظر لرانيا ببسمة يحاول أن يراضيها :

" متقلقيش يا روني بإذن الله هجيبك تاني و.."

فجأة توقف عن الحديث حين سمع صوت حاد يصدر من ظابط التفتيش والذي كان يحمل بين يديه عبوة زجاجية بها مادة بيضاء، ضيق صالح عيونه لا يفهم ما يقول ذلك الرجل ليحدثه بالإنجليزية :

" عفوًا أنا لا افهم ما تريد، هل تتحدث الإنجليزية ؟!"

نظر له الرجل قبل أن يشير لرفيق له من بعيد وهو يقول بكلمات غير مفهومة وصالح بدأ يشعر بالريبة مما يحدث، ورانيا تراقب ما يحدث بأعين متسعة لا تفهم ما يجري.

لحظات واقترب منهم رجل آخر وأخذ يتحدث مع مفتش الحقائب بلغتهم، ثم نظر لصالح نظرة من أمسك بقاتل خطير وهو ينبث بلغة إنجليزية بشعة لكن على الأقل يفهمها صالح :

" ما هذا ؟؟"

نظر صالح حيث يشير صوب تلك العبوة الزجاجية، ليردد هو الآخر ببلاهة :

" ماذا ؟؟ لا ادري حقًا، ربما زوجتي هي من احضرته "

قال الرجل بشك وبكلمة واحدة فقط :

" مخدرات ؟!"

اتسعت عيون صالح بصدمة وقد تشنج وجهه يردد وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه:

" ماذا ؟؟ مخدرات ؟؟ لا بد أنك مخطأ "

" إذن ماهذا ؟؟"

رفع صالح يديه في الهواء يردد بهلع :

" لا اعلم ما هذا؟؟ "

نظر صوب رانيا يصرخ في وجهها بجنون :

" ما هذا انطقي يا بلوة ايه اللي جيباه ده ؟؟"

قالت رانيا بخوف مما يحدث :

" ده ...ده دقيق سنغافوري يا صالح "

ارتفع طرف شفاة صالح وهو ينظر لها هاتفًا بصخب وجنون :

" دقيق ايه يا ختي؟؟ من قلة الدقيق في مصر ؟؟ أنتِ عايزة تشليني ؟؟"

" ايه يا صالح بتزعق ليه انا اتوحمت عليه يا اخي "

شد صالح خصلات شعره وهو يضحك بعدم تصديق :

" اتوحمتي على دقيق ؟؟ ايه حامل في فطاطري ؟؟ البسي بقى قضية تجارة وتهريب مخدرات لغاية ما يتنيلوا يثبتوا أنه دقيق "

نظرت له رانيا بغيظ شديد من صراخه :

" أنت بتزعق ليه دلوقتي ؟؟ أنا ايش عرفني أنهم هيعملوا كده، وسع كده انا هتفاهم معاهم "

وبسرعة دفعت صالح جانبًا، ثم اقتربت من مفتش الحقائب تنزع من يديه العبوة الزجاجية بلهفة وهي تفتحها تقول ببساطة :

" اسمع يا سيد هذا مجرد دقيق، لحظة واحدة فقط سأريك "

وقبل أن تفتح العبوة أو تقوم بحركة واحدة وجدت أسلحة الرجال تُرفع في وجهها وهم يصرخون فيها بكلمات غير مفهومة، نظرت لهم رانيا بخوف تضع العبوة أمام الرجل، ثم تراجعت تختفي خلف صالح تهمس له بصوت منخفض :

" قولهم اني بس كنت عايزة اعمل قُرص سنغافورية والله  "

نظر صالح أمامه للأسلحة ثم وفجأة وجد العديد من الرجال يطوقونهم ظانين أنها مادة مخدرة كانت ستنثرها رانيا في وجوههم :

" قُرص سنغافورية ؟؟ ده أنتِ في حياتك مش هتشوفي قرص تاني غير القرص اللي خالتك هتيجي توزعها عند قبري وقبرك ..."

___________________________

" هتفضل تزعق كتير كده ؟؟ صدقني مش باجي بعلو الصوت، جرب كده تعاملني بحنان هديك عنيا "

كانت تلك جملة ميمو التي القتها في وجه سعيد والذي هجم على منزلها منذ الصباح يصرخ في وجهها كالمجنون متهمًا إياها بتخربيها لحياته وتدخلها بها ..

" أنتِ ايه يا شيخة مفيش دم خالص ؟؟ قولتلك ملكيش دعوة بزهرة، يا حقنة يا خرابة البيوت "

نظرت ميمو صوب منزلها حيث ينام صلاح في الداخل، ثم قالت بصوت منخفض :

" سعودي عيب كده، جوزي نايم جوا، كده ياخد عني فكرة غلط  "

شعر سعيد بقرب انفجاره بسبب تلك السيدة الباردة  :

" هي كلمة واحدة، والله يا ميمو لو حاولتي تحرضي مراتي عليا تاني أنا هروح فيكِ في داهية، ومش هيهمني اللي هيحصل "

نظرت له ميمو ثواني بملامح غير راضية البتة عن صراخه، ثم قالت بكل برود :

" خلصت ؟؟ أنا اساسا مشوفتش مراتك ولا كلمتها من اسبوع يا حبيبي ولا اعرف عنكم حاجة وعايشة في سلام مع عائلتي الصغيرة كافية سعيد شري، إنما أنت اللي شكلك تموت في المصايب وحاببني ارجع أدب عيني في حياتك"

" يعني ايه ؟؟ مش أنتِ اللي كلمتيها من يومين في التليفون وخرجت نكدت عليا بسببك ؟؟"

ضيقت ميمو عيونها تفكر فيما يقول :

" أنت عارفني لو أنا هاجي جري عشان اقولك واشوفك وانت بتنفجر، لكن المرة دي مش انا والله "

شعر سعيد بالصدمة، إن لم تكن ميمو من أفسدت يومه، فمن فعل إذن ؟؟ مسح وجهه يشعر بالحيرة، ألقى جسده على الأريكة يردد ببهوت :

" طب ايه اللي حصل عشان النكد اللي عايش فيه بقالي يومين ؟؟ أنا مش فاهم مالها، ليه بيحصل معايا كده ؟؟ "

جلست ميمو أمامه تراقبه بشفقة قبل أن تقول :

" مش عارفة ليه الدنيا تيجي على واحد زبالة زيك كده، يارب الحياة مش سايبة حد في حاله "

زفر سعيد بغيظ شديد، ثم مسح وجهه يقول محاولًا تذكر كل ما فعله في الأيام الأخيرة، يعيد شريط حياته فقط ليعلم إن فعل دون قصد ما يحزنها :

" أنا كل الايام اللي فاتت معملتش حاجة والله وكنا عايشين في سلام، ومرة واحدة لما رجعت من برة جالها اتصال قلب حالها وانا ...أنا مش حابب تكون زعلانة مني أو شايلة مني "

نظرت له ميمو بحيرة، هي بالفعل لا تتدخل في حياتهم بهذا الشكل الذي قد يتسبب في مشاكل بينهما، هي فقط ربما تمزح وتهدده بإفساد حياته إن فعل ما يعجبها، لكنها لا تفعل، ولن تفعل، فهي لا تود أن تراه بهذا الشكل، يكفيه ما رأى في حياته .

ربتت ميمو على كتفه بحنان وكأنها تتحدث مع أنس صغيرها :

" متزعلش يا سعيد اكيد مخنوقة من شغلها، اعذرها بتشوف كل يوم حالات وتسمع مشاكل ناس وتقابل أشخاص زيك كتير، الله يكون في عونك "

نظر لها سعيد يضحك من بين ملامحه المحتارة :

" ناس زيي ؟؟"

" ناس مرضى نفسيين أقصد "

" لا كتر خيرك على التوضيح "

ضحكت ميمو بصوت عالٍ على ملامحه الحانقة، لتقول بهدوء وهي ما تزال تربت على كتفه :

" روح كلمها يا سعيد واعرف منها اللي حصل، بلاش تفضل تضرب أخماس في اسداس كده من بعيد لبعيد، الست بتحب أن لما تكون زعلانة، أنك تكون مهتم وتقولها زعلانة ليه، تبين ليها أنك حاسس بزعلها مش عايش على الله "

رفع سعيد عيونه لها يفكر في حديثها، قبل أن يهز رأسه:

" حاضر يا ميمو هفوت على المطعم اشوف الشغل بعدين اطلع ليها على المستشفى هي انهاردة هناك "

نهض عن الأريكة يعدل من وضعية ثيابه ثم خصلاته، وتحرك بعيدًا، لكنه عاد مجددًا يمنح ميمو عناق صغير، ثم استقام مبتسمًا :

" أنا كنت عارف أنك معملتيش حاجة، بس مكنتش لاقي غيرك أفرغ فيه عصبيتي "

ابتسمت له ميمو وهي تربت على وجنته بشبه ضربات :

" عارفة يا سعودي، أنا برضو مش بلاقي حد غيرك امرمطه معايا لما اكون متعصبة "

ضحك لها، ثم غمز يردد بجدية  :

" اعتقد اني متقبل الموضوع طالما هتسمحي ليا ابهدلك في مشاكلي، ودلوقتي سلام عشان متأخرش، دعواتك "

ابتسمت ميمو تراقب تحركه خارج المنزل مرددة :

" روح يابني ربنا يكتب لك في كل خطوة سلامة، وتتهد وتبطل مشاكل "

سمعت صوت الباب يُغلق لتتنهد بتعب تتحرك صوب غرفتها مع صلاح، تدرك أنه استيقظ على صوت صرخات سعيد، اقتربت من الفراش تداعب خصلاته، ثم مالت تقبل وجنته بحب وهو ما يزال مغلق العين مبتسمًا :

" صباح الخير يا صلاح "

"صباح النور يا ميمو، سعيد مشي خلاص ؟؟"

" أيوة مشي، تحب اعملك فطار دلوقتي ؟؟"

هز صلاح رأسه لها :

" لو مش هتعبك معايا "

ابتسمت له تداعب خصلاته بحنان شديد :

" مفيش تعب ابدا يا صلاح طالما الموضوع متعلق بيك "

ابتسم لها صلاح وكاد يجيبها لولا سماعه لرنين الهاتف جواره، امسكه ليبصر رقمًا دوليًا فلم يخطر على باله سوى صالح، سمع صوت ميمو تخبره أنها ستذهب لتحضير الفطور حتى ينتهي .

اجاب صلاح على الهاتف :

" الو .."

" صلاح، أنا صالح "

اعتدل صلاح في جلسته يقول بجدية :

" أيوة يا صالح، ايه الأخبار عندك، لقيت طيارة بدري ؟!"

نظر صالح حوله وهو يجلس في مكتب التفتيش داخل المطار وأمامه تجلس رانيا :

" أيوة يا صلاح، بس حصلت مشكلة كبيرة معايا، ودلوقتي أنا في مكتب التفتيش في المطار بسبب مشكلة ومفكرين اني مهرب مخدرات وهو اساسا دقيق سنغافوري عشان القرص السنغافورية"

شعر صلاح بالبلاهة مما يسمع ما هذا السنغافوري والسنغافورية؟؟ ما الذي يهذي به صالح الأن ؟؟

" يعني ايه مش فاهم، أنت فين دلوقتي يا صالح ؟!"

زفر صالح بصوت خافت وقد بدأت النيران تشتعل داخله مما هو به، يا الله هذا ما ينقصه أن يتوقف في مطار سنغافورة بتهمة تهريب ممنوعات وكل هذا بسبب زوجته الحبيبة التي تجلس أمامه تبتسم له بغباء ...

" أنا في مطار سنغافوره لسه يا صلاح، بس اسمعني عشان أنا اساسا المفروض كنت رجعت من امبارح بس حصل تأخير بسبب الطقس وأنا كنت عامل حسابي اني أرجع بدري، وبلغتهم في الشغل اني اساسا في مصر "

صمت يتنفس بصوت مرتفع ثم قال :

" ومن حظي الجميل انهاردة فيه اجتماع مهم وأنا المفروض احضر "

مسح صلاح وجهه يحاول أن يستفيق بالكامل من نومته :

" طب يا صالح اتصل بيهم واعتذر عنه يعني هتعمل ايه ؟؟"

" مش هينفع صدقني مش هينفع يا صلاح، لأن لو حصل ده انا ممكن اتعرض لمشاكل كتير اوي في شغلي لأن أنا اساسا واخد إجازة بالعافية واتأخرت فيها، وشغلي مش عادي عشان اتخلف عنه، دي حياة أو موت "

وصل له صوت تنهيدات صلاح الذي يحاول التفكير في مساعدة أخيه، لا يشغله أمر ذلك الاجتماع بقدر ما يقلق على أمر توقيفه في المطار والذي لا يرهق به صالح عقله، ويتعامل معها بكل بساطة وكأنه لا شيء :

" طب والعمل يا صالح، هنعمل ايه ؟!"

بالطبع كان يقصد أمر ورطته في سنغافورة، لكن كما يقال كلٌ يبكي على ليلاه، تفكير كل شخص يدور في نطاق ما يؤرقه، لذلك قال صالح بعدما فكر جيدًا :

" مش انا قبل كده من سنين ساعدتك وانقذت سمعتك وروحت بدالك مؤتمر اسكندرية ؟؟"

" أنقذت سمعتي ؟؟ ده أنت مرمغت بسمعتي الأرض، يا ريتك يا اخي ما روحت وقتها "

" متدخلنيش في تفاصيل كتير، المهم اني ضحيت بمكانتي كدكتور وروحت احضر حاجة لا أفقه بها شيء عشانك، ودلوقتي جه دورك ترد ليا جميلي "

تحفظت جميع حواس صلاح لما يصدر من جهة شقيقه :

" أيوة يعني عايز ايه معلش ؟؟"

ابتسم صالح يقول ببساطة وكأنه يدعو شقيقه لحفلة عيد ميلاد وليس اجتماع مهم كهذا :

" تروح بدالي الاجتماع يا صلاح ...."

_________________________

هبطت من السيارة ثم مالت بجسدها تخرج الصغيرة، تحملها بين ذراعيها، ثم رفعت عيونها صوب الشركات أمامها تتنهد براحة وهي تنظر للصغيرة :

" وصلنا يا زوز "

انزلت نيرمينا زينب ارضًا، ثم داعبت وجنتها بحب، استقامت تشدد من قبضتها على الحقيبة سعيدة وبشدة أنها أخذت اليوم إجازة من عملها وقررت أن تقضيه بالكامل مع نادر .

دخلت الشركة وهي تسحب خلفها الصغيرة ثم تحركت صوب المصعد، لكن وقبل أن تدخل له سمعت صوتًا خلفها ينادي باسمها :

" نيرمينا ؟؟"

استدارت نيرمينا بتعجب لمعرفة أحد هنا هويتها وهي التي لم تطأ تلك الشركات منذ سنوات طويلة .

وفي غفلة منها تحركت زينب لداخل المصعد دون أن تشعر بها نيرمينا، ثم أخذت تقفز لتضغط على الازرار المضيئة بفضول شديد .

كل ذلك ونيرمينا في الخارج تتحدث مع ذلك الرجل بعدم فهم :

" معذرة بس أنا أعرف حضرتك !!"

ابتسم لها الشاب يحاول إنعاش ذاكرتها حول هويته، لكن نيرمينا كانت تود الهرب منه :

" أنا آسفة والله بس انا فترة الجامعة فعلا مكنتش إجتماعية اوي عشان اعرف حد غير كام واحدة من صحباتي "

ابتسم لها يبتلع احراجه من حديثها، لكنها لم تعبأ حقًا، فهو من أوقفها بهذا الشكل السخيف في منتصف الشركة ويتحدث معها بكل أريحية، ابتسمت بسمة صغيرة تقول بهدوء :

" عامة يعني اتشرفت بيك يا استاذ ..."

" جاسر "

" أيوة اتشرفت بيك يا استاذ جاسر و..."

وقبل أن تختم جملتها شعرت بيد تلتف حول خصرها كالحية ومن ثم شعرت بتلك الحية تجذبها لجسد صلب ضاغطًا على خصرها بقوة، استدارت نيرمينا فجأة صوب نادر والذي عرفته دون الحاجة لرؤية وجهه، بسبب رائحة عطره .

ابتلعت ريقها حين أبصرت نظراته لها، وهو ابتسم بسمة مخيفة، ثم حدق بذلك الشاب يسأله بعيونه عما يريد ليتنحنح جاسر قائلًا :

" أنا بس كنت ..كنت حابب اسلم على نيرمينا مش اكتر يا فندم هي كانت زميلتي في الجامعة و....عن اذنكم "

انسحب من أمامهم بسرعة تاركًا نادر يلاحقه بنظرات مخيفة، ليشعر بنرمينا تجذب وجهه لها تحاول أن تبتسم كي تنسيه ما حدث :

" صباح الجمال يا نادر يا قمر أنت، هو أنت احلويت النهاردة ولا أنا متهيألي ؟؟"

نظر لها نادر قبل أن يبتسم لها بسمة باردة ثم أشار بأصابعه :

" لا، أنتِ كدابة "

ختم حديثه لتشهق نيرمينا ببراءة تقول :

" لا لا يا نادر، ليه كده يا اخي، على فكرة أنا بتكلم بصدق، طب اسأل زوز وهي هتقولك أنك زي القمر كل يوم، مش كده يا زوز ؟!"

نظرت خلفها تأخذ رأي صغيرتها التي لا تتوانى عن التغزل ومدح والدها، لكن ولصدمتها لم تبصرها، شعرت نيرمينا بالفزع وهي تنظر حولها :

" زوز...زينب ؟؟ زينب أنتِ فين يا قلبي ؟؟"

فجأة بدأ الهلع يظهر في نبرة صوتها خائفة وبشدة :

" زينب ... زينب يا نادر، زينب كانت ...كانت هنا كانت لسه جنبي. ..زينب فين ؟؟ يا زينب "

كانت تدور حول نفسها صارخة برعب وقد شحب وجهها، تقرع نفسها لانشغالها عن طفلتها، بينما نادر شعر بالرعب وهو ينظر حولها، يتحرك في كل مكان بالجوار ليفشل في إيجادها .

عاد صوب نيرمينا التي كادت تفقد عقلها وهو يمسك وجهها يجبرها على النظر له مشيرًا بأصابعه :

" اهدي ..اهدي هنلاقيها، هي عمرها ما هتخرج من الشركة الحراس برة ومش هيخرجها لأنهم عارفينها"

نظرت له باكية :

" أنا السبب كانت معايا وغفلت عنها يا نادر "

أشار لها بحب :

" لا ياقلبي هي ..هي بخير اهدي ماشي؟ تعالي معايا "

أمسك بيدها يسحبها صوب المصعد بسرعة كي يذهب بها لقسم المراقبة ويبحث في كاميرات المراقبة كي لا يضيع وقتًا .

وحينما وصل دخل لهم ثم أشار لنيرمينا بأصابعه :

" قولي ليهم يرجعوا الكاميرا للوقت اللي دخلتي فيه الشركة "

هزت نيرمينا رأسها تخبرهم ما قال نادر وبدأت أعين الجميع تدور حول شاشات المراقبة ليبصر الجميع الصغيرة تصعد للمصعد الكهربائي، والذي توقف بها في الطابق الخامس .

ركض نادر بسرعة كبيرة تتبعه نيرمينا وهي تهتف باسم صغيرتها، دخل الأثنان للمصعد وعيون مختار تراقب الارقام وبمجرد أن توقف المصعد في الطابق الخامس حتى اندفع منه يفتح فمه في محاولة يائسة لنطق اسم صغيرته لكن كل ما خرج منه هو احرف متفرقة فقط كطفل يتعلم الحديث ..

ركضت خلفه نيرمينا وهي تبكي بخوف على صغيرتها، أخذ نادر يقتحم المكاتب حتى أبصر صغيرته تجلس على أحد المقاعد تتناول حلواها.

صرخت نيرمينا باسم زينب مرتعبة :

" زوز حبيبة قلبي ..."

انحنت على قدمها كي تلتقط الصغيرة، لكن زينب لم تبصر سوى نادر الذي كان يقف على الباب يتنفس الصعداء ..

ركضت زينب بسرعة صوب الباب لتعتقد نيرمينا أنها تركض لها، لكن زينب تخطتها بكل براءة وهي تضحك بصوت صاخب تلقي نفسها بين أحضان نادر الذي تلقفها بحب وهو يقبل وجنتيها بحب شديد هامسًا بأحرف متقطعة في محاولة يائسة لنطق اسمها وهي تبتسم وهي تمسك وجه والدها تميل عليه تقبله .

وهو يطلق ضحكات صامته يشير لها باصابعه للإشارة الوحيدة التي تفهمها منه :

" بحبك "

وزينب لم تتواني عن الإشارة له كذلك وتستعرض مهاراتها في فعل نفس الحركة :

" بحبك "

كل ذلك ونيرمينا تراقب ما يحدث تشعر أنها منفية، فركت وجهها بحنق شديد تردد :

" دي ندالة، أنا اللي عيطت عليكِ على فكرة "

لكن ايًا من الاثنين لم ينتبها لها وهما يتضاحكان بحب شديد، وهي فقط تراقبها بصدمة مبتسمة بعدم تصديق قبل أن تصرخ بغضب كبير :

" تمــام اشبعوا ببعض "

تجاهلتهم وهي تخرج من المكان تلوح بيديها غاضبة كالطفلة وقد بدأت دموتها تسقط :

" أنا هروح عند سعيد، هو الوحيد اللي بيحبني في الحياة دي، ومحدش غيره بيحبني، والله لاسيب ليكم البيت وامشي، وانا اللي طول الليل بخطط للخروجة "

كانت تتحدث باكية متحركة، صوب المصعد، دخلت وهي تمسح دموعها بقوة، لكن وقبل أن ينغلق المصعد وجدت نادر يركض صوبها وهو يحمل زينب يضمها لصدره وبقوة، وبمجرد أن دخل الأثنان انغلق المصعد ليبتسم نادر بانتصار شديد يضرب كفه بكف صغيرته، ثم اقترب نادر من نيرمينا يقبل وجنتها بحب، وكذلك فعلت الصغيرة، رفع أصابعه بإشارة ( أحبك) وكذلك فعلت الصغيرة .

ضحكت نيرمينا بصوت مرتفع وهي ترى تصرفات الاثنين لتقول وهي تجفف دموعها :

" خلاص ماشي، يلا عشان نروح البكنيك "

خرجوا من المصعد لتجد الحقائب ما تزال في نفس المكان حيث تركتها قبل الركض للبحث عن الصغيرة، نظرت لعائلتها الصغيرة بحب شديد وسعادة :

" يلا يا شباب .."

وقبل أن تتحرك خطوة واحدة توقفت فجأة على صوت أنثوي خلفها يردد بنبرة جادة :

" مستر نادر لحظة لو سمحت "

توقفت نيرمينا تترك الحقائب لتسقط ارضًا بقوة، ومن ثم استدارت ببطء صوب الخلف لتبصر تلك الجميلة الرقيقة وهي تركض صوب زوجها تنظر له بلطف ورقة، أو هكذا تخيلت هي ....

حقًا ؟؟

_______________________

" يا تسبيح والله ما اعرف هو عايز ايه، أخرج برة اطرده عشان ترتاحي ؟؟"

تراجعت تسبيح للخلف حينما أبصرت غضبًا متقدًا في عيون رائد، لكنها تخشى عليه من أن يتأذى في مشاكل ذلك الرجل التي لا تنتهي، فالجميع في المنطقة يدرك أي نوع من الأشخاص السيئين هو.

" لا يا رائد والله مش قصدي، بس ... أنت يعني عارف الحوارات اللي بيعملها عشان كده خايفة يدخلك في موضوع ويعلمك مشاكل "

تنفس رائد يشعر بالغضب، ليس من تسبيح بالطبع، لكن من كل شيء حوله، أيامه في الآونة الأخيرة كان يقضيها في عمله دون أن تُتاح له فرصة الجلوس مع عائلته، وحينما أشفق عليه مديره وأعطاه إجازة جاءه ذلك الرجل يستغيث به ليساعده .

اغلق ازرار القميص، ثم تنهد بصوت مرتفع يقترب من تسبيح مقبلًا رأسها بلطف :

" معلش يا توتا، عارف إني الفترة دي بقت أخلاقي زي الزفت، بس استحمليني وانا والله هعوضك"

هزت رأسها بهدوء، هي لا تعترض، ولا تبتأس من كل ذلك لأنها تدرك مقدار ما يمر به، لكن لا تريده أن يتورط في أمور كتلك .

" أنا مستحملة يا رائد، أي حاجة هستحملها بس الله يكرمك متدخلش نفسك مع الناس دي "

" جه طلب مساعدتي يا توتا، ينفع ارده !!"

نظرت له وودت لو تقول له نعم، لكن نظراته التي تنتظر منها ردًا يريحه أجبرتها على قول :

" طول عمرك صاحب واجب وراجل وسيد الرجالة يا رائد وعمرك ما رديت سائل"

ابتسم له يربت على شعرها بحب شديد، ثم مال يقبل خدها هاتفًا :

" بالضبط يا قلب رائد، هروح أنا اشوف الدنيا معاه واوعدك هخلص ونقضي اليوم كلنا سوا، اتفقنا ؟!"

" اتفقنا "

وبالفعل تحرك رائد خارج غرفته، بينما هي التزمت الغرفة دون أن تتجرأ على الخروج في وجود غريب داخل جدران منزلها حتى ولو من ورا حجاب، فقط اكتفت بالجلوس تحاول أن ترهف السمع مخافة أن يحدث شيء مريب .

لكن مرت دقائق حتى سمعت صوت اغلاق الباب، تنهدت براحة شديد، ثم فتحت الباب فتحة صغيرة تمد رأسها منه تقول بصوت منخفض :

" الضيف مشي يا رائد ؟!"

لكن لم يصل لها أي إجابة من الخارج مما جعلها تخرج بشكل جزئي تضع الحجاب على رأسها باحثة عن زوجها في المنزل لتتفاجئ أنه خرج، خرج دون حتى أن يعلمها بذلك.

" هو حصل ايه ؟؟"

اخرجت هاتفها سريعًا كي تتحدث مع رائد، لكن سمعت صوت الهاتف يرن على أحد ارائك المنزل ليشتعل القلق في صدرها وهي تردد :

" استر يارب قلبي مش مرتاح "

__________________

كانت تجلس في بهو المنزل أمام الصغير وهي تلاعبه وضحكات أنس تصدح في المكان، بينما ميمو لا تتوقف عن مداعبته بكامل الحب داخل قلبها، في الوقت الذي كان اطفال صالح نائمين براحة شديدة.

لكن فجأة سمعت صوت أنس يهتف بكلمات غير مفهومة وهو يشير خلفها صوب باب غرفتها تحديدًا، استدارت ميمو لترى ما يشير له الصغير لتتفاجئ بزوجها يخرج من غرفتهم بعدما أصبح....صالح ؟؟

رفعت حاجبها وهي تحاول ما عرفة ما يحدث في تلك اللحظة، فصلاح بهيئته تلك أشبه بصالح أكثر، يرتدي بنطال من خامة الجينز اسود اللون مع سترة بيضاء غريبة .

" صلاح ؟!"

هز صلاح رأسه يتحرك صوبها :

" حتى الآن صلاح، بس كمان شوية  هبقى صالح "

نظرت له بعدم فهم، ليشعر هو بيد صغيره تتسلقه في محاولة ليجلس على قدمه، مال صلاح وحمل أنس لصدره بحب ليبدأ الصغير في إفساد خصلات شعره، ولأول مرة لا يبتأس صلاح :

" جدع يا أنس ساعد بابا يبوظ شعره، بص عايزك تعملي نفس تسريحة عمك"

نظر له أنس لا يفهم ما يقول لكنه رغم ذلك أطلق ضحكة سعيدة، وميمو تراقب ما يحدث بعدم فهم تجذب منه الصغير :

"  ليه محسسني أنك قاعد قدام حلاق، فيه ايه يا صلاح ايه اللي عاملة في نفسك ده ؟؟"

نظر لها صلاح حانقًا:

" صالح حصلت ليه ظروف طارئة هتأخره وهو عنده اجتماع مهم في المستشفى لازم يحضره، وبالشكل ده هيتأخر فقالي اروح مكانه "

ارتفع حاجب ميمو وقد شعرت برغبة قوية في رؤية ما سيحدث :

" وأنت بقى بتفهم في شغل صالح على كده ؟؟"

" ولا الهوا معرفش في شغلته غير أن الميت له حرمته "

ابتسمت ميمو تكبت ضحكتها :

" طب وهتعمل ايه ؟؟ "

" ولا حاجة هروح افضل ساكت ولو طلبوا مني اتكلم في اي حاجة هخبط وزي ما تيجي تيجي، اكيد مش هيكون اسوء من اللي عمله فيا وقت مؤتمر اسكندرية "

" ايه مؤتمر اسكندرية ده ؟؟"

تنهد صلاح يقول بحسرة على ما حدث له في ذلك الوقت :

" ده المؤتمر اللي سقط فيه تاريخي أسفل اقدام صالح وكل اللي حضروا المؤتمر، واسمي اتمسح بيه بلاط المؤتمر بلاطه بلاطه "

صمت ثم أكمل :

"  والحمدلله اني من بعده لسه بمسك قلم، بلاش تقلبي عليا المواجع، ثم إن محمود معايا هقوله لو اتزنقت يتدخل ويساعدني "

ابتسمت له ميمو تشجعه على الأمر تضع الصغير ارضًا ليكمل اللعب، تميل عليه بدلال تضم ذارعه لصدرها :

" طب بقولك ايه يا صلاح هو يعني ينفع اجي اتفرج عليك وأنت عامل صالح، وانا مستعدة اشهد أنك صالح مش صلاح "

قبل صلاح رأس ميمو يقول بحنان :

" حبيبتي يا ميمو أنتِ عارفة اني مقدرش ارفض ليكِ طلب، بس حتى لو كان ينفع تيجي تحضري الاجتماع، فأنا مش مستغني عن صورتي جوا البيت اللي هتتهز بعد اللي هيحصل هناك، عشان كده ...لا "

رمقته ميمو بغضب لكنه لن يهتم، هو ليس بالاحمق كي يسمح لايًا كان أن يراه يتصرف كصالح، حتى وإن كان ذلك الشخص هو ميمو ....

_____________________

كانت تنام أعلى كتفه بتعب شديد بعدما تركوهم داخل مكتب التفتيش لفترة من الوقت، زفر بتعب وهو ينظر لساعة يده، مرت ثلاث ساعات وهو ما يزال جالسًا في انتظار عودة أحدهم ليفرج عنهم .

نظر لرانيا التي كانت تغط في نوم عميق، تأملها ثواني قبل أن يقول :

" افضلي أنتِ اعملي المصيبة ونامي وانا اللي أشيل الطين"

لكن رانيا لم تبدي أي ردة فعل، ليبتسم صالح يربت أعلى رأسها بلطف شديد، ومن ثم عاد بظهره على الأريكة خلفه يدعو الله أن يمر ما يحدث على خير .

وما هي إلا دقائق حتى وجد الباب يُفتح ليقتحم أحد الرجال المكان حاملًا بين يديه اوراقهما الرسمية يردد بانجليزية ضعيفة :

" نعتذر عما حدث، بينت الفحوصات التي أجريناها أن هناك سوء تفاهم "

أخذ منه صالح الاوراق وهو ينظر لها يتفحصها مرددًا بسخرية لاذعة :

" سوء فهم ؟! وهو سوء الفهم ياخد ٣ ساعات عشان يتحل، كل ده بتفحصوا شوية دقيق ؟؟ ده أنتم لو بتخبزوهم كان زمانكم خلصتوا من بدري "

نظر له الرجل بعدم فهم، لكن صالح لم يهتم بتوضيح شيء، يستدير صوب رانيا يقول بهدوء ولطف شديد :

" رانيا ...رانيا اصحي خلينا نمشي "

فتحت رانيا عيونها بنعاس شديد تقول دون وعي :

" وصلنا خلاص؟؟ الطيارة وقفت ؟؟"

ساعدها صالح كي تنهض بهدوء شديد وحرص :

" آه يا حبيبتي الطيارة وقفت، قولت للطيار يركن على جنب عشان نازلين يلا "

هزت رانيا رأسها تسير معه بخنوع شديد دون شعور بالمكان والزمان حولها، وصالح حمل الحقيبة الخاصة بهم يستمع لصوت الرجل يقول له :

" نعتذر مجددًا سيدي ولكنها التعليمات، سيتم الحجز لكم على الرحلة القادمة والتي ستكون بعد ساعة تقريبًا، وجميع حقائبكم في الامانات في الخارج يمكنكم المرور وأخذها "

نظرت رانيا لصالح تقول بصوت خافت ناعس :

" والدقيق السنغافوري يا صالح ؟!"

رمقها صالح بشر :

" امشي بدل والله همسكك تطحن عضمك واعمله دقيق مصري "

سارت معه رانيا تحاول معرفة سبب غضبه مرددة بتعجب :

" أنا جبت الكيلو غالي اوي، كان ماسك على ٢٥ وخدتهم منه بعشرين "

" جدعة اهو اتصادر مننا قبل ما نطلع من بلدهم، يعني لا طولنا الدقيق ولا العشرين "

تحرك معها لإحضار الحقائب، ثم تحركا صوب المقاعد المصفوفة داخل المطار في قاعة الانتظار، جلس صالح وهي جلست جواره تقول :

" حقك عليا يا صالح، بسببي اتأخرت على شغلك "

قبل صالح رأسها بحنان يضمها له :

" فداكِ يا رانيا هو أنتِ يعني كنتِ تقصدي، خير إن شاء الله، يارب بس صلاح يعرف يتصرف والموضوع يعدي على خير "

تنهد يخرج هاتفه وقد قرر الاتصال بمحمود ليخبره بالأمر حتى يساعد صلاح، وفجأة شعر بثقل أعلى كتفه ليرمق رانيا بحب شديد مبتسمًا، ثم أجرى اتصالًا ينتظر رد محمود .

لكن بعد دقائق لم يسمع رد ليشعر بالريبة، في نفس اللحظة التي سمع بها هاتفه يرن ..

اجاب بهدوء على صلاح :

" أيوة يا صلاح ؟؟"

سمع صوتًا يأتيه من صلاح ليردد بهدوء شديد :

" لا لا أنت شوف حياتك عادي وعلى الساعة تسعة كده روح الشغل عشان الاجتماع بس، إنما الباقي محمود هيشيله "

صمت يستمع لحديث صلاح ثم قال بجدية :

" يا بني أيوة متقلقش هو لما مش بيلاقيني روحت تلقائي بيغطي عليا بدون حتى ما احتاج اقوله، أنا اتصلت بيه، بس مردش،  اكيد هو في الشغل دلوقتي بيغطي على غيابي،  ومش عارف يرد بسبب الدنيا، هبعتله رسالة ولما يفوق من الدنيا يشوفها " 

ابتسم ينهي حديثه مع صلاح :

" لا متقلقش أنا هسيب معاك محمود، وهو هيظبط الدنيا، شوية كده وعلى وقت الاستراحة هكلمه وافهمه، تلاقيه معكوك في الشغل الله يعينه ..."

_______________________

ضرب محمود الأرض بالممسحة، ثم بدأ بجذب قطرات المياه التي تناثرت في المخبز بأكمله صوب منطقة تصريف المياه.

بينما كانت تجلس في أحد أركان المخبز وهي تراقبه يتحرك بكل نشاط في المكان، مانعًا إياها من التحرك مستعينًا بالصغيرة جهاد لحراسة والدتها ومنعها من إرهاق نفسها .

زفرت هاجر تقبل رأس جهاد تحملها تضعها على المقعد الخاص بها، ثم تحركت صوب محمود تحاول نزع الممسحة من بين أنامله:

" خلاص يا محمود أنا هكمل، روح أنت شغلك "

نظر لها محمود يتنهد بصوت مرتفع، ثم رفع كفه يتحسس جبينها، وحينما أبعد كفه وضع مكانه قبلة حنونة :

" استريحي يا هاجر أنتِ لسه تعبانة، اقعدي أنا هخلص اهو مش باقي غير شوية صغيرين "

شعرت بالذنب الكبير لتكبده عناء تنظيف المحل بعدما، فلولا تلك الكارثة التي حلت به أثناء غيابها في رحلتها في الإسكندرية لكانت الآن تنام براحة شديدة وهو في عمله، لكن ما حدث أن مشكلة حدثت في شبكات المياة هنا تسببت في إفساد المكان بأكمله، وهي عادت مريضة من الإسكندرية ليتكفل محمود بتنظيف المكان .

ضمت ذراعه لها تشعر بجسدها يرتجف تعبًا وانفاسها تخرج ساخنة، ووجهها محمر وبشدة  :

" أنا مش تعبانة يا محمود أنا كويسة "

نظر لها يبتسم بسخرية لاذعة، وقد تسللت حرارة جسدها لذراعه، وشعر بقماش ثيابه يكاد يذوب تحت وطأة أنفاسها :

" لا ياقلبي أنتِ مش تعبانة، أنا اللي تعبان، روحي اقعدي شوية لغاية ما اخلص عشان اروحك ترتاحي "

نظرت له بأعين تكاد تدمع من شدة المرض، وقد بدأ المكان يدور حولها لشدة التعب :

" محمود قولتلك والله انا كويسة، مش أول مرة اتعب شوية، لو سمحت سيب وانا هكمل، كفاية اوي كده عليك، روح الشغل عشان ميحصلش مشاكل "

رمقها محمود قليلًا ثم هز كتفه دون اهتمام :

" متقلقيش صالح بيغطي عليا لو أنا اتأخرت، وزمانه دلوقتي قايم بالواجب "

" صالح ؟؟ هو رجع من السفر ؟؟"

هز محمود رأسه وهو يجذب المياه يجفف المكان حوله مبتسمًا :

" ايوة، هو كان قايلي هيرجع يوم الحد على امبارح، يعني زمانه دلوقتي قاعد في المستشفى بيخلص شغلي وشغله، ومغطي عليا، فمتقلقيش، عملناها قبل كده كتير ولا من شاف ولا من دري "

نظرت له ببسمة واسعة ثم قالت بصوت هادئ بعض الشيء :

" ربنا يخليكم لبعض، صداقتكم حلوة اوي بجد "

ابتسم لها محمود يربت أعلى رأسها بحب شديد :

" يارب ياقلبي، روحي بقى اقعدي واستريحي لغاية ما اخلص وبعدين نروح نفطر سوا واوصلك البيت وارجع الشغل "

رمقته هاجر بأعين ملتمعة تنظر له بانبهار وحب شديد :

" بجد حاسة اني بتقل عليك يا محمود وخايفة اعملك مشاكل في شغلك بسببي "

مال محمود عليها يداعب وجنتها بحب شديد مرددًا بصوت حنون خافت :

" بسببك ايه يا نواعم، مفيش مشاكل ولا حاجة، بقولك سايب هناك صالح وهو هيسد، يعني حتى لو مروحتش انهاردة مش هيحصل حاجة خالص، طب اقولك أنا مش رايح الشغل انهاردة وصالح هو يشيل الدنيا، هنروح سوا نعمل حاجة دافية ونقضي يوم سوا، ايه رأيك ؟؟"

ابتسمت هاجر باتساع شديد تهز رأسها له وقد نالت تلك الفكرة استحسانها تحاول جذب الممسحة من بين أنامله:

" ماشي هات بقى اساعدك عشان نخلص بسرعة "

لكنه تمسك بها وبشدة، ثم أشار لها بعيونه أن تتحرك وتجلس جوار جهاد، وهي استمعت له، فقط لأجل ألا تحزنه، ولأنها أيضًا فقدت قدرتها الكاملة على التحمل، وقد وصل التعب منتهاه ..

استندت برأسها على الجدار خلفها تراقب محمود ببسمة وهو ينظر لها بكامل الحب الذي يكنه داخل صدره لاجلها ..

____________________

بعد نهاية يوم عائلي دافئ حظى به محمود ..

دخل المشفى يعدل من ثيابه وقد تخلى مكرهًا عن إجازته التي أخذها من تلقاء نفسه، فقط لأجل حضور الاجتماع والذي سيتم محاسبته إن تخلف عنه .

أخرج هاتفه والذي كان مغلقًا منذ الأمس بسبب حاجته للشحن، وهو بالفعل أعاد شحنه لكن لم يفتحه، إلا الأن .

ضغط على زر الفتح ينتظر أن تنير شاشته، في اللحظة التي شعر بنفسه يصطدم بشخص ما، رفع محمود رأسه ليعتذر، فأبصر صالح يدخل معه للمشفى .

نظر له بتعجب ثواني قبل أن يتساءل بجدية :

" ايه ده صالح أنت استأذنت في نص اليوم ولا ايه ؟! لحقت تخلص الشغل كله وتروح وتيجي تاني ؟؟"

رمقه صلاح بحاجب مرفوع لا يعلم عما يتحدث محمود :

" صالح ايه وشغل ايه ؟؟ أنا لسه جاي دلوقتي، هو مش صالح كلمك وقالك تشيل الشغل لغاية ما أنا اجيلك بليل ؟؟"

" صالح اللى هو أنت كلمتني عشان أشيل الشغل ؟؟ أنت عايز ايه بالضبط ؟؟"

ضرب صلاح رأس محمود بغيظ شديد :

" يابني آدم فوق، هو أنت رجعت تعمل دماغ تاني ولا ايه ؟؟ مش صالح بعت ليك رسالة بلغك بظروفه واني أنا اللي هاجي الاجتماع بداله ؟؟ "

ظل محمود يرمق صلاح لدقيقة طويلة بأعين متسعة، ثم قال باستسلام بعدما لم يفهم ما يقصد صديقه :

" أيوة يعني خلصت شغلنا ولا لا ؟؟"

" شغلنا ايه ؟؟ أنت شارب ؟؟ أنا صلاح يا متخلف مش صالح "

نظر له محمود بعدم فهم، ثم عاد للخلف خطوات ينظر له بدقة، كيف يكون هذا صلاح ؟! هل يحاول صالح أن يختبره أو ما شابه ؟!

" صلاح ازاي ؟؟ ولما أنت صلاح، لابس صالح ليه يا صلاح ؟؟ وفين صالح الحقيقي طيب ؟؟"

عض صلاك شفتيه، يجذب محمود من ثيابه يهمس من أسفل أسنانه :

" أنت ياض متخلف ؟! صالح اتعطل في مطار سنغافورة بسبب مشاكل حصلت ليه، وبعتلك رسالة وقالك تعمل الشغل بتاعكم وانا هاجي على وقت الاجتماع واعمل نفسي هو "

هز محمود رأسه وقد بدأ يفهم الآن الأمر، صالح تأخر في سنغافورة ولذلك ترك العمل له هو لينهيه نيابة عنهما وأرسل صلاح للاجتماع بحكم الشبه بينهما و...مهلًا ترك عملهما له ؟؟ له هو ؟؟ صالح لم يأتي، وهو كذلك ؟!

فجأة صرخ محمود بفزع لما وصل لعقله الآن :

" احيه أنت قولت ايه ؟! شغل مين ؟؟ شغلنا ؟؟ شغلنا اللي هو ازاي ؟؟ يعني صالح مجاش خلص الشغل بتاعنا انهاردة ؟؟"

هز صلاح رأسه بلا يرى أن شقيقه الآن في ورطة، ومحمود شعر بالمكان يدور حوله يستند على صلاح بصدمة كبيرة :

" يا مرارك يا محمود، ده احنا هنروح في ستين داهية، دول لو خلونا ننضف غرف التشريح بعد كده يبقى أقل واجب "

ولم يكد صلاح يتحدث حتى سمع صرخة مرتفعة خلفه جعلت جسد محمود يبتعد عنه وقد شحب وجهه يردد :

" يا رب لطفك يارب "

اقترب رجل منهما وهو ينظر لهما بشر ووجه محمر غضبًا، وملامح جعلت محمود يبتلع ريقه وهو يختبئ خلف صلاح الذي لم تتغير ملامحه بل وقف بثبات وثقة يسمع الرجل يصرخ :

" اخيرا شرفتوا يا دكاترة؟؟ مش من الواجب برضو تيجي تطلوا على المستشفى بتاعتكم مرة في اليوم من باب الواجب ؟؟ ما هي خلاص بقت تكية، أنتم الاتنين مش هنا والشغل يولع لغاية ما الأساتذة يرجعوا "

كان يصرخ بجنون جعل محمود يهمس له :

" يا فندم هو بس ..."

" اسكت مش عايز اسمع حاجة منكم، أنتم الاتنين هتتحولوا لتحقيق بسبب الإهمال اللي بدر منكم، والمشاكل اللي حصلت بسببكم، و..."

قاطعه فجأة صوت صلاح الذي خرج متعقلًا هادئًا :

" يا فندم لو سمحت اسمعني ولو كلامي معجبش حضرتك تقدر تعاقبنا باللي تشوفه مناسب وانا بثق في حكمة حضرتك . "

نظر له المدير بتشنج من كلماته، ومحمود بصدمة، لكنه لم يهتم يحاول قدر الإمكان أن يتحدث معه بالعقل مستخدمًا سياسته :

" عارف إن حصل مننا إهمال اليوم، لكن اكيد الأمر كان خارج عن إرادتنا، لكن الإهمال يظل اهمال، وحضرتك من حقك تغضب وتزعق أنا معاك، وعشان نعبر عن ندمنا، فاحنا على استعداد نبات هنا لغاية ما نخلص أي شغل اتأخر بسبب ظروفنا اللي حصلت، وطبعا مش هنمشي غير وحضرتك راضي "

نظر المدير صوب محمود الذي كان فاغر الفاه يراقب ما يحدث، وصوت المدير يردد مشيرًا لصلاح :

" مين ده ؟؟"

هز محمود كتفه لأعلى وأسفل بجهل، بينما صلاح ابتسم يقول :

" ها يا فندم قولت ايه ؟؟ احنا بس عايزين حضرتك تكون راضي، وصدقني مش هتحس أننا قصرنا للحظة وكل شيء هيمشي زي ما تحب وطبعا ده لا يعني أننا مش غلطانين، لكن لو حضرتك عاقبتنا فعقابنا مش هيخلص الشغل، لكن احنا نقدر كاعتذار مننا نخلصه كله  "

ظل المدير ينظر في وجهه ثواني دون أن يجد ردًا، يفتح فمه ويغلقه وهو لا يعلم ما يجب قوله، فهو كان يجهز نفسه للرد على عناد وكلمات صالح الحانقة والمدافعة وتأييد محمود له بصمت، لكن الآن ماذا ؟؟

سمع الثلاثة صوتًا في الخلف يقول :

" الاجتماع يا دكتور هيبدأ والكل موجود "

نظر له المدير يهز رأسه، ثم عاد بنظره صوب صلاح ومحمود يقول بجدية بعدما عجز عن إيجاد حجة يفرغ بها غضبه :

" تمام يا دكاترة، أنتم الاتنين مسؤولين قدامي عن تخليص كل الشغل المتأخر، ودلوقتي ورايا عشان الاجتماع ."

تحرك بعيدًا تحت أعين محمود المذهولة والمبهورة بما حدث منذ ثواني، فجأة ارتسمت بسمة أعلى فمه :

" ايه الحلاوة دي؟؟ ده أنت ساحر يا جدع "

صمت ثم قال بجدية :

" بقولك ايه ما تشتغل معايا بدال صالح "

_________________________

كانت تجلس على الفراش وهي تحمل كتاب تقرأه عن لغة الجسد، لكن هل كانت منتبهه له ؟؟ لا لم تفعل ولو جئت ودققت النظر بعيونها لتجدها تنظر في كل مكان عدا الكلمات أمامها ..

تنهدت بتعب شديد مما هي به، تشعر بالغضب الشديد من نفسها ومن سعيد ومن الحياة بأكملها ومن ...

خرجت من أفكارها على شعورها بوسادة تُوضع على قدمها، ثم علت رأس سعيد الوسادة يضم كفيه على معدته وهو ينظر للسقف بشرود يخرج نفرة عميقة :

" أنا عندي مشاكل يا دكتورة وكنت عايز أخد رأيك فيها "

رفعت زهرة حاجبها بسخرية وكادت تدفع رأسه بعيدًا عنها، لكنه أشار لها بتحذير شديد :

" افتكري أن دي مهنتك وده واجبك تجاه مرضاكِ يا دكتورة، ومينفعش ترفضي مريض محتاجك "

" ويا ترى المريض ده محتاج مني ايه ؟!"

نظر سعيد لعيونها يقول بجدية وبسمة :

" ما أنا قولتلك محتاجك، كلك على بعضك يا زهرة بدون نقصان لجزء صغير "

شردت به ولم تشعر سوى ببسمتها التي ارتسمت على فمها تتساءل في نفسها عمة حدث لسعيد وجعله يكتسب كل ذلك القدر من الرومانسية، ذلك الرجل الذي كان أقصى مراحل الحب لديه هو أن يتصرف كرجل غاب يطاردها ويبعد عنها جميع الرجال بكل وحشية، ثم يصرخ في وجهه أنه يحبها .

ابتسم سعيد حينما رأى بعض الاستجابة تعلو ملامحها، تنهد يقول :

" الحقيقة يا دكتورة مخبيش عليكِ، أنا متجوز، وبحب مراتي اوي، لكن اللي حصل أن من يومين كده وهي شكلها زعلان مني وانا معملتش حاجة"

صمت ينظر لعيونها المستنكرة لحديثه، لكنه لم يتأثر يكمل ما يريد قوله :

" في الاول فكرت شيطان حياتي اللي هي مرات ابويا وسوس ليها عشان تنكد عليا، لكن وبعد ضغط عليها اعترفت أنها ملهاش دخل باللي حصل، وانا من الصبح راجعت تاريخي كله، ومش لاقي حاجة تزعلها مني، فلو تقدري تعرفيني ازاي اعرف منها سبب زعلها واصالحها هكون ممنون ليكِ "

" لو بصيت حواليك هتعرف هي زعلانة ليه ؟؟"

نظر سعيد حوله يبحث عن سبب حزنها، لكن زهرة جذبت وجهه لها تقول بحنق :

" مش بالمعنى الحرفي ياسعيد، قصدي بص حواليك في حياتك عامة هتعرف "

فتح فمه ليتساءل عما تقصد، لكنها قاطعته دون أن تمنحه فرصة الحديث وقد وجدت واخيرًا فرصة للحديث، واخيرًا جاء هو يسألها سبب حزنها.

أمسكت ثيابه تسحبه عن قدمها للاعلى تحت نظراته المصدومة :

" آخر مرة لما كنت بكلمك في التليفون يا سعيد وسمعت واحدة جنبك بتقولك يا سعودي كانت مين ؟؟"

" سعودي ؟؟ ميمو ؟؟"

" لا مش ميمو، اكيد أنا عارفة صوت ميمو يا سعيد متستهبلش، ده كان صوت واحدة مسرسعة وبتدلع "

نظر لها لا يفهم ما تقول :

" والله ما اعرف أنتِ بتتكلمي عن ايه، بس اكيد سوء تفاهم لاني عمري ما هسمح لواحدة معرفهاش تقولي سعودي عادي كده، غير مثلا لو نيرمينا أو أنتِ، وميمو بتقولها غصب عني "

كانت زهرة تتنفس بصوت مرتفع، بينما هو ربت على كتفها بهدوء :

" ده اللي مزعلك يا زهرة ؟! مجتيش سألتيني ليه ؟؟"

نظرت له زهرة بأعين ضبابية بسبب الدموع التي تجمعت بها، تبتلع ريقها وهي تحاول قول شيء، لكن منعتها غصة جعلت سعيد يجذبها لاحضانه بحب :

" طب أنتِ بتعيطي ليه يا زهرة، قوليلي مالك ؟!"

" سعيد أنا... أنا حامل يا سعيد"

تيبست يد سعيد حول جسدها يشعر بكامل جسده يرتجف من الصدمة وقد شحب وجهه، بينما زهرة ارتمت على صدره تبكي بعنف شديد :

" تعبت وعملت تحليل وطلعت حامل بس ...بس ...بس الدكتورة قالت إن الحمل صعب ومحتاجة أخد حقن تثبيت وحوارات كتير بسبب مشاكل عندي "

تأوه سعيد بسبب نبرة الحسرة في صوتها، قبّل رأسها يحاول أن يهدأ، ويفكر قبل أن يتحدث :

" حبيبتي طب ليه العياط، ده بدل ما تفرحي وتشكري ربنا على نعمته ؟؟"

" بس هو مش هـ "

" دي كلها اقدار ومكتوبة، أنه يجي على الدنيا أو لا دي اقدار يا زهرة، ومينفعش افترض السوء، ربنا عند حسن ظن عبده به، احسني الظن بالله، كام مرة كان فيه حالات مستحيلة وكل شيء مشي كويس ؟؟ أنتِ دكتورة اكيد مش هقولك "

نظرت له زهرة بخوف :

" أنا خايفة اخسره يا سعيد، ويبقى صعب عليا بعدين اخلف بسبب السن و..."

شعر سعيد بطعنة توجهت لمنتصف صدره، بسببه وبسبب عناده وشيطانه أضاع عليهم سنوات كثيرة وزرع داخل صدرها رعبًا وشعور بالنقصان ألا تتمكن من أن تصبح أم، قبل ما بين عيونها يهمس :

" ناس كتير بتخلف من بعد الاربعين، بعدين أنتِ لسه شباب وصغيرة يا زوز، ليه تعيطي وتيأسي وتفكري كده؟؟ ده لسه هنجيب عيال كتير باذن الله، أنا مجهز اوضتين ليهم هنعمل ايه في الأوض دي ؟؟"

نظرت له تبتسم بخفة ليقبل رأسها يشعر بالراحة والسعادة يزيد من ضمها :

" هتعدي بمشيئة الله وهنروح كل فترة سوا نطمن عليه، وهيكون بخير يا زهرة، أنتِ بس ابتسمي وتوكلي على الله"

ابتسمت زهرة وهي تسمع حديثه تغمض عيونها ترتشف منه راحة افتقدتها الايام السابقة، وهو ضمها له بحب كبير يميل للخلف وقد بدأ قلبه يستوعب الآن أنه سيصبح أب لطفل من زهرته ...

_________________

كان يجلس داخل الاجتماع يتابع ما يحدث كما التمثال لا يتحدث ولا يتحرك ولا يشارك بكلمة واحدة، يتخذ دور الصامت كي لا يتسبب في كارثة لأخيه..

لكن يبدو أن الكوارث تنجذب بالفعل لاسم صالح إذ سمع صوتًا لرجل كبير يتجه إليه بالحديث :

" ولا أنت ايه رأيك يا دكتور صالح أنا بثق في رأيك"

تنحنح صلاح يحاول أن يجد ردًا على شيء لم يسمعه، فهو كان شاردًا بعيدًا عن الجميع، نظر صوب محمود يطلب منه مساعدة فأخذ محمود يحاول أن يهمس له بكلمات لم تصل لمسامعه، وحينما وجد الجميع ينتظر رده قال بشكل دبلوماسي:

" اكيد يا دكتور مفيش رأي بعد رأيك، أنا بوافق حضرتك"

تعجب الطبيب حديثه وقال :

" أيوة بس أنا مقولتش رأيي لسه "

اعتدل صلاح في جلسته يضم قبضته أمام فمه :

" أيوة يا دكتور ما أنا واثق في حضرتك أتم الثقة ومش محتاج اسمع رأيك عشان اقول صح او غلط، هو رأيي زي رأيك بالضبط "

ختم حديثه يبتسم في وجه الجميع، بعدما جعل ذلك الطبيب يبتسم باتساع وزهو، ثم أشار على صلاح يقول :

" وبما أن رأيي يتفق مع رأي دكتور صالح وتفكيرنا واحد فأنا هخلي دكتور صالح يتكلم عن الموضوع، اتفضل يا دكتور "

بدأ الجميع يصفق لصلاح الذي نظر لهم بجهل يحاول إيجاد مخرج له، ابتلع ريقه وهو يستنجد بمحمود الذي مال عليه يهمس له بصوت منخفض :

" اتكلم عن الحلول الخاصة بالجثث المجهولة "

تشنج وجه صلاح بقوة، لا يدرك ماذا يقصد :

" يا صلاة الزين اتكلم أن الجثث المجهولة؟؟ بس كده طب ده سهل اوي، أنت بتستهبل هو أنا أعرف يعني ايه اللي بتقوله اساسا، أنتم عايزين مني ايه ؟!"

" قولهم إن الـ ..."

قاطعهم صوت المدير يقول بجدية :

" ها يا دكتور صالح، اتفضل احنا مستنيين رأيك بخصوص طرق التعرف على الجثث المجهولة "

سعل صلاح بخفة يحاول أن يجد أي كلمات يقولها، وقد شعر في تلك اللحظة برغبة عارمة في الهروب :

" هو يعني ...أنا من رأيي أن الحل الوحيد عشان نتعرف على الجثث المجهولة هو .....هو"

صمت ثم رأى الرجل الذي تحدث له منذ ثواني يبتسم، ليشير قائلًا ببساطة :

"  نفس الحل اللي قال عليه الدكتور اااااا...الدكتور، أنا رأيي هو نفس رأيه بالضبط، وطبعا لاني بحترمه وهو قدوتي فأنا شايف أنه أفضل شخص يقول الحل "

وختم حديثه بتصفيقة حارة مبتسمًا يدعو الطبيب لتولي الحوار وقد فعل بكل ترحيب، وجلس صلاح بنفس الصعداء .

نظر له محمود بتقدير :

" أنت داهية "

رمقه صلاح بحنق، ثم ودون وعي تحركت يديه ليعدل خصلات شعره :

" وانتم مملين، ايه الشغل المقرف ده ؟؟ "

زفر محمود بقوة يقول بجدية :

" أنت بتعمل ايه ؟؟ متصلحش شعرك هتبقى شبهك، بعدين متقعدش كده مستقيم ومنتبه، صالح مش بيقعد كده في الشغل خالص "

رفع صلاح حاجبه يتساءل عن كيفية جلوس شقيقه، ليهمس له محمود بصوت منخفض :

" عايزك تاخد راحتك في الكرسي اوي، كأنك هتنام عليه، ارجع عليه بضهرك اوي ومد رجلك قدامك وأمسك أي قلم افضل خبط بيه على الترابيزة لغاية ما تنطرد من الاجتماع"

رمقه صلاح باستنكار شديد قبل أن يسترعى انتباهه صوت المدير يقول :

" ايه رأيك يا دكتور صالح تكون انت الممثل الخاص بالمستشفى بتاعتنا في المؤتمر بتاع شرم ؟؟"

فتح صلاح فمه يقول ببساطة :

" اكيـ "

لكن فجأة شعر بضربة تأتيه من الاسفل وصوت محمود يقول من أسفل أسنانه :

" أنت بتهبب ايه ؟؟ قوله لا هو مفيش غيري "

رمقه صلاح باستنكار شديد :

" أنت عبيط ؟؟ اقول لمديري لا هو مفيش غيري ؟؟"

" أيوة صالح بيقوله كده على طول "

" ما هو أصله مترباش، هو أنتم ماسكين ذلة على المدير ولا ايه؟"

رمقه محمود بتحذير :

" لو مش عايز تتقفش اعمل زي ما بقولك، صالح عمره في حياته ما كان هيوافق يروح مؤتمر عشان مش بيحب يقول خطابات "

زفر صلاح ثم نظر للمدير يقول بملامح حانقة :

" معذرة يا فندم ..."

ضربه محمود بغيظ :

" بالله عليك عمرك سمعت صالح بيقول معذرة؟؟ هو يعرف يعني ايه معذرة اساسا ؟؟ قوله بدون مقدمات مش هينفع "

زفر صلاح يشعر أن الأمر في غاية الصعوبة، أن يتحدث بهذا الاسلوب مع شخص يسبقه سنًا ومقامًا لهو أمر متعب :

" مش هينفع والله يا فندم، معلش شوف حد غيري "

هز المدير رأسه ببساطة وكأنه يتوقع أن يفعل ذلك، حمل صلاح زجاجة المياه يرتشف آخر القطرات بها، ثم نهض يبحث في المكان عن حاوية قمامة والجميع يراقبه بأعين متسعة، لينتبه لهم صلاح الذي لم يفهم سبب صدمتهم :

" أنا كنت بدور على ..."

توقف حين رأى نظرات محمود المحذرة ليفهم فورًا ما يقصد، ودون مقدمات عاد الطاولة ووضع الزجاجة أمامه وجلس بهدوء، وحين طالت له النظرات، أمسك الزجاجة والقاها أسفل الطاولة مبتسمًا لهم، ليعود الجميع لحديثهم بعدما اطمأنوا أنه بخير .

مسح صلاح وجهه يحاول أن يتمالك نفسه، وجسده يرتجف من كل ما يفعل بحقه، وفجأة وفي خضم كل ذلك انتبه لنظرات سجدة التي تحدق به في شك مريب جعله يتوتر أن تكشفه فهي من بين القليلين الذين يعرفون بوجود توأم لصالح .

لذلك فكر في شيء يجعلها تمحو تلك النظرات المرتابة عن عيونها، ولم يخطر أي رأسه سوى أن يجلس تلك الجلسة التي اخبره عنها محمود، يضجع بظهره للخلف ثم أمسك ورقة فارغ وأخذ يخط عليها خطوط عشوائية بملل وعدم اهتمام وحينما انتهى امسك الورقة والقاها ارضًا .

ومن بعدها بدأ ينقر بالقلم على الطاولة بشكل مزعج له قبل الجميع، وجسده يتوسله أن يتوقف عن كل تلك الأمور المخزية في حق نفسه .

لكنه فقط استمر ثم ابتسم لسجدة ببرود لتبعد هي عيونها عنه..

واخيرًا انتهى الاجتماع ليتنفس صلاح الصعداء ينهض عن مقعده يتمطأ بتعب ثم تحرك بسرعة خارج المكان مع محمود، يفتح الباب ثم ارتكن يتيح الفرصة للفتاة أن تخرج قبلهم مبتسمًا :

" اتفضلي  "

نظرت له الطبيبة بدهشة، ثم تحركت خارج المكان بينما محمود يضرب كفًا بالآخر :

" بالله عليك يا مؤمن عمرك شفت صالح بيفتح الباب لست ؟؟ وبعدين ايه اتفضلي دي ؟؟ انت كده بتبوظ سمعة اخوك في المستشفى وهتخلي الكل يتعشم في ادبه وهو بيرجع في الآخر يكسر مجاديفهم بقلة أدبه"

زفر صلاح بحنق يشعر بأنه مسجون داخل جسد صالح، بهذا الشعر وتلك الثياب التي تشعره بمدى سخافته، ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت رنين هاتفه ..

اجاب بهدوء :

" الو .."

" الو صلاح، الحق رائد الله يكرمك ..."

_____________________

خرج من المطار واخيرًا بعد خمسة عشر ساعة في الرحلة، تمطأ صالح بتعب شديد يستنشق هواء الوطن، وجواره رانيا التي ابتسمت تقول :

"ياااه يا بلادي، وحشتني مصر اوي يا صالح "

نظر لها صالح ببسمة مستنكرة :

" عندك حق سبع ايام غربة مش شوية برضو، الإنسان حاسس أن كل حاجة حواليه اتغيرت، مصر مبقتش زي الاول يا رانيا "

كان صوته يظهر به حنين زائف ساخر، لكن رانيا لم تنتبه وهي تنظر حولها بكل جدية تبحث عن ذلك التغيير الذي يتغنى به، و صالح زفر يجذبها له وهو يشير لأحد السيارات حتى تتوقف :

" يلا يا رانيا نرجع لاحسن أنا مش قادر اقف على رجلي من كتر التعب "

نظرت له رانيا بشفقة لما تكبده اليوم بسببها، حتى وإن لم تقصد أن يصل بهم الحال لتلك النقطة، لكنه حدث وانتهى، لذا اقتربت منه تهمس :

" شكرًا يا صالح على كل اللي عملته عشان تسعدني بالإجازة وحقك عليا لو كنت عطلتك ولا عملت ليك مشاكل في الشغل "

ابتسم صالح بجذبها من رأسها صوب أحضانه يهمس لها بحنان ولين :

" أنتِ تؤمري يا رنوش وفداكِ أي شيء ياقلبي، يلا عشان نستريح شوية "

صعد الأثنان للسيارة التي اوقفها صالح يتحركون صوب منزلهم، وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أخيرًا ليهبط صالح ومعه رانيا، يتنهد براحة شديدة :

" واخيرًا رجعت البيت .."

في تلك اللحظة توقفت سيارة صلاح أمامهم يهبط منها بقوة ضاربًا الباب دون اهتمام، ثم سحب جسد رائد بغضب صارخًا:

" انزل يا رائد ومرر يومك على خير، هفضل احلّق على مصايبك أنت والبلوة التاني الباقي من عمري ولا ايه ؟! "

رفع صالح حاجبه يكمل جملته :

" يا ريتني ما رجعت "

فجأة انتفض حينما وجد صلاح يرفع رأسه له وقد كان في تلك اللحظة يشبهه بشكل مرعب، ابتسم صالح يرفع كفه لصلاح كي يحييه، لكن الأخير صرخ بغضب شديد :

" اهلا بالاستاذ التاني اتفضل يا حبيبي ادخل لما نشوف بلوة الزفت ده بعدين هعملك إعادة تأهيل يا معفن "

نظر صالح صوب رانيا التي كانت لا تفهم ما يحدث ولا هو حتى يفعل، ماذا حدث لكل ذلك ؟؟ هل اكتشف صلاح للتو صفاته ؟؟ ليس وكأنه يحيا معه طوال العمر .

__________________

تجلس في المنزل وهي تحمل أنس على يديها تراقب بلال وأميرة بأعين حريصة حتى لا تغفل عنهم، ترى الصغار يلعبون سويًا بكل هدوء ولطف عدا بعض الحوادث التي يفتعلها الصغير بلال ..

" بلال يا حبيبي سيب نضارة عمو عشان هتتكسر "

وضع بلال النظارة أعلى عيونه والتي تشبه بشكل كبير عيون صالح وصلاح، فالصغير أخذ من والده الكثير فأصبح نسخة مصغرة منه ومن زوجها، ابتسم وهو يرتدي نظارة صلاح، ثم نهض كي يتحرك بها في المنزل يمد يديه أمامه كالضرير الذي يتلمس طريقه في ظلماه الخاصة .

يبتسم بسعادة بينما أنس أعلى كتف ميمو كان يحاول القفز يحرك جسده لأعلى وأسفل يهتف مشيرًا صوب نظارة والده :

" بابا ..بابا "

حدقت به ميمو باستنكار :

" بابا ايه يا حبيبي ؟؟ هو أنت أي إنسان لابس نضارة يبقى بابا؟؟ ده مش بابا يا أنس  "

لكن الصغير لم يتوقف عن التململ بين ذراعي ميمو يحاول النزول وصوته يخرج حانقًا غاضبًا :

" بابا "

تركته ميمو ارضًا كي لا يؤذها بسبب حركاته العنيفة، ليركض الصغير من فوره صوب بلال ينتزع نظارة صلاح منه بقوة ثم دفعه بقوة ارضًا، لتنطلق شهقة ميمو عالية في الوقت الذي فُتح به الباب ودخل الجميع واترفع صوت صالح تزامنًا مع ارتفاع صوت بكاء صغيره :

" عندك، مسكتك متلبس"

استدار بسرعة صوب صلاح يقول بغضب :

" هي دي الأمانة يا خويا ؟! بتعذبوا ابني وتضربوه ومش بعيد تكونوا مشغالين أميرة خدامة عندكم، بس خلاص كده ده اخر تعامل بينا، يلا يا حبايبي يلا نرجع بيتنا عمو مش بيحبنا "

انطلق له الصغار ليضمهم صالح بحب وشوق شديد وقد اشتاق لهم وبشدة، يجذبهم لصدره وهو يردد بنبرة درامية :

" خلاص يا حبايبي متخافوش بابا جه ينقذكم من عمو الشرير والكتعة مراته "

اتسعت أعين ميمو تشهق بصدمة وصلاح ينظر لصالح بتشنج :

" ياريت والله أنت كده بتنقذنا احنا من عيالك وخاصة القرد الصغير ده، ده لغاية دلوقتي مكسر ليا نص فناجين القهوة بتاعتي وقطعلي مقالة خمس مرات كل ما اكتبها "

حمل صالح صغيره ينظر بأنف مرفوع لشقيقه رافضًا أن يتهم طفله البرئ بشيء كالتخريب :

" اولا عيالي محترمين ومتربيين احسن تربية، وعشان كده مهانش على ابني ضنايا وحبيبي يشوف عمه اللي شبه أبوه بيشرب قهوة ويدمر صحته بيها، وبالنسبة للمقالة اللي قطعها فأكيد لأنها كانت هتضرك أو مستواها ردئ، لعلمك ابني عنده حس ادبي عالي زيي كده، وكل اللي عمله عشان مصلحتك "

ختم حديثه يقبل بلال بشكر وكأنه اقتنع بكذبته الخاصة :

" حبيبي شمعة تحترق لأجل الآخرين "

زفر صلاح يردد بغيظ :

" طب خد الشمعة بتاعتك وروحوا سيحوا على جنب،  لما اشوف بلوة التاني"

كان يتحدث وهو ينظر بعيونه صوب رائد والذي كان صامتًا لا ينبث بكلمة واحدة وكأنه غير مهتم بما يحدث حوله، يجلس على الأريكة واضعًا قدم فوق الأخرى دون اهتمام بالجميع، حتى سمع فجأة صوتها في الجوار لتتحفز كامل حواسه وصوت تسبيح يصدح باكيًا :

" رائد ..أنت كويس ؟؟"

انتفض رائد عن مقعده يمسك يد تسبيح بين كفيه وهو ينظر لها بحنان :

" مالك يا توتا بتعيطي ليه ؟! أنا كويس والله دي كانت مشكلة وحليتها"

تدخل صلاح بغضب :

" مشكلة ملكش علاقة بيها يا رائد تدخل فيها ليه ؟! دول اخوات وبيتخانقوا مع بعض على الورث أنت تتدخل ليه، وبعدين العيلة كلها معروفة أنها بتاعة مشاكل "

نظر له رائد ينفخ بغيظ شديد:

" يعني واحد جالي بيتي وطلب مساعدتي وقالي أن اخوه معاه سلاح ورافعة عليهم، اسكت يعني ؟؟ ده شغلي يا صلاح"

" لا متسكتش بس تتصرف بعقل، تتصل بالوحدة بتاعتك، من امتى وأنت متسرع ؟؟ سيبت ايه لصالح يا رائد لما أنت تعمل كده ؟؟"

كان صالح يتابع كل شيء باهتمام ليعلم ما حدث، لكن فجأة نظر باستنكار صوب صلاح :

" هو ايه اللي سيبت ايه لصالح ؟؟ ده على اساس صالح ده ايه بالضبط ؟!"

" معفن ."

كانت كلمة صرخ بها صلاح في وجه شقيقه، ثم اقترب منه يردد بغيظ شديد :

" أنت محتاج إعادة تربية، ايه اللي أنت بتعمله مع الناس في الشغل ده ؟؟ "

" عملت ايه ؟؟  أنا علاقتي طيبة بالكل على فكرة "

" طيبة ؟؟ والله أنت اللي طيب، ده يا عيني تحسهم مصدومين اني بعاملهم باحترام وهدوء، ده واحد عيونه كانت هتدمع من الفرحة وانا بقوله حضرتك "

نظر له صالح ثواني باستنكار شديد قبل أن يتشدق بحنق :

" وأنت بتعاملهم بهدوء ليه ؟؟ أنت عايز تبوظ حياتي في شغلي ولا ايه؟! افرض اتعشموا فيك هضطر أنا اعيش الباقي من حياتي اتصرف زيك كده ؟؟"

" تتصرف زيي ؟؟ ومالك بتقولها بقرف كده ليه يا معفن؟؟ أنت تطول ؟؟"

" اطول ايه أنت مش شايف حياتك عاملة ازاي يا جدع انت، يا ممل، بص على وشوش عيالي المساكين، العيال وشهم انطفى وانا كنت سايبهم مزهزهين اكيد من الملل والرتابة، أنا هاخد عيالي وامشي من هنا قبل ما يحصلهم حاجة"

فجأة شعر صالح بمن يجذب بنطاله، فنظر للاسفل ليجد أنس يبتسم له وهو يمد له نظارة صلاح ظنًا أنه والده ليلتقط منه صالح النظار ويرتديها، ثم مال وحمل أنس على يده الأخرى يشير بعيونه لرانيا :

" يلا يا عيال ملناش قعاد هنا، عمو مش بيحبنا ولا بيطيقنا"

ختم حديثه يحمل الصغار ويخرج من المكان وخلفه رانيا التي ابتسمت لميمو تشير لها بيدها :

" بكرة نتجمع واحكيلكم على اللي حصل "

كان صلاح ما يزال ينظر بصدمة لما حدث لا يستوعب ما فعل شقيقه، فجأة حينما كان يصرخ به تبخر آخذًا معه عائلته وصغيره الأبله الذي ظنه هو فقط لأنه يرتدي قميص اسود ..

تحدث رائد وهو يضم تسبيح له بحب :

" يلا احنا كمان يا توتا عشان نروح، بدل ما الإجازة راحت على الفاضي كده "

نظرت له تسبيح مبتسمة، ثم استأذنت منهم تخرج مع رائد والذي لم يكن صلاح قد انتهى حتى من الحديث معه، وهو تجاهل الأمر كأنه لم يكن في معركة منذ ساعات قليلة .

وخلى المنزل ولم يتبقى به سوى صلاح وميمو التي نظرت للباب المغلق والمنزل الذي يعمه الهدوء لتقول :

" بس كده، اليوم خلص ؟؟"

نظر لها صلاح ثواني قبل أن ينفجر ضاحكًا لا يدري على جنون شقيقه وعبثه الدائم، أم على حياته الغريبة، لكنه فقط استمر في الضحك :

" أيوة الماراثون خلص الحمدلله ونقدر نلتقط الأنفاس "

ختم حديثه يلقي بجسده على الأريكة وهو يفتح ذراعه لميمو التي تحركت لتنضم له وتستند برأسها على صدره بحب شديد وهو تنفس بصوت مرتفع يقول :

" تفتكري يا ميمو لو كانت حياتنا هادية عادية زي باقي البشر مفيهاش كل الناس دول ولا دوشتهم كنا هنرتاح ؟!"

نظرت ميمو لوجهه ثواني ثم قالت ببسمة :

" أنت عمرك ما كنت هترتاح لو هما مش في حياتك يا صلاح "

ابتسم لها صلاح يقول وهو يغلق عيونه بتعب :

" عندك حق، يمكن متعة رحلتي في الرفقة اللي معايا، بس احيانا بحس إني عايز امسك الرفقة دي ارميهم من قطر الرحلة واعدي عليهم اسفلتهم "

أطلقت ميمو ضحكات عالية تدرك جيدًا ما يقصد، صلاح يحب الجميع بلا استثناء رغم ضيقه من بعض تصرفاتهم، لكنه لا ينفك يعبر عن حبه ودفاعه المستمر عنهم .

صمتت تستمع بالهدوء أخيرًا بعد أيام من ضوضاء صغيرها وصغار صالح، تستمتع بقرب صلاح بعد يوم طويل مرهق، تبتسم وهي تتذكر اتصال نيرمينا لها وهي تبكي خيانة نادر لها، واتصال نادر بشكل مرئي يخبرها أنه لم يفعل شيء بالله كيف يخونها، بالطبع لن يخونها بالاشارات .

لتتدخل نيرمينا في الحديث صارخة بغيظ باكية :

" مش لازم تتكلم عشان تخوني، النظرات تكفي يا استاذ نادر وأنت كل يوم تتعامل مع ستات شكل "

أشار لها نادر بأصابعه في حدة وكأنه يصرخ في وجهها :

" نظرات ايه وتعامل ايه ؟؟ وانا هتعامل ازاي معاهم ؟؟ أنا شغلي بعيد عنهم أنا براجع اوراق وعقود بس ومش بتعامل مع حد، واللي شوفتيها دي كانت سكرتيرة عايزة ورق مني، ده انا مش بعرف اكلمها وبفضل اكتب ليها اللي عايزة ازاي هعاكسها، وهي هتبص لواحد مش عارف يتكلم ليه ؟؟"

ختم حديثه وهو ينظر لها بغيظ وشر كبير وهي تحدق به قبل أن تنفجر في البكاء تلقي نفسها بين أحضان نادر :

" متقولش كده عن نفسك، أنت حلو وكل البنات تتمنى تعاكسهم يا نادر "

تنهد نادر بصوت مرتفع وهو يربت على ظهرها يدرك أن تلك الهرمونات التي تتلاعب بها ستكون سببًا لجنونه قريبًا، ارتفعت ضحكات ميمو والتي كانت تراقب بصمت دون أن تتحدث تغلق المكالمة وهي تهز رأسها يائسة منهما ..

أفاقت على صوت صلاح وهو يقول :

" روحتي فين ؟؟"

" كنت بفكر في انهاردة، كان جدولي مزدحم بالمشاكل الصبح سعيد وزهرة واخر النهار نادر ونيرمينا "

ضحك صلاح يضمها له بحب لصدره ثم تنهد يقول :

" الحمدلله اليوم خلص ودلوقتي نقدر نرتاح و...."

صمت ينظر حوله وكأنه لم يستوعب بعد ما حدث على مرأى ومسمع منه ومن الجميع منذ دقائق ..

" هو انس فين ؟؟"

" أنس ايه يا صلاح؟ ما صالح اخده معاه قدام عيونك من شوية "

اتسعت أعين ثلاح ينتفض عن الأريكة صارخًا:

" ابني أنا في قبضة صالح ؟؟"

ولم تكد ميمو تجيبه حتى انطلق صلاح صوب الباب وهو يصرخ باسم صالح يطالبه بتحرير صغيره وتركه وشأنه، وهي تركض خلفه تطلق ضحكات صاخبة على مظهره وهو يطرق الباب يصرخ بشقيقه أن يخرج طفله من ذلك المستنقع، مهددًا إياه أنه سيأخذ صغاره كذلك ويعيد إصلاحهم .

وميمو تقف خلفه تضحك بصوت مرتفع وهي تحاول ابعاده عن الباب لكن صلاح رفض وهو يطرق ويصرخ، ومن الداخل أخذ صالح يجيبه بالرفض أنه لن يحرر طفلًا واحدًا، ويلقيه بيده صوب ذلك العالم الكئيب الذي يعيش به .

وهكذا دارت المعركة بين الشقيقين على جانبي باب منزل صالح، كلٌ يدافع عن طريقته وفكرته في التربية، وكلاهما يصرخ في الآخر......

لتنقضي ليلة أخرى على الجميع بين صراخ وشجار، لكنهما ورغم كل شيء كانا محببان للقلب .

فلا يهم إن كنت ألفًا أو كوز ذرة، في النهاية أنت تحمل فائدة كبيرة لمن يحيطون بك، أنت لست هامشًا في حياة أحد، ولست عاملًا مساعدًا في معادلة احد، بل أنت... مهم لنفسك قبل الجميع .

دمتم سالمين
رحمة نبيل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...