تحميل رواية «مالم يحكي» PDF
بقلم دنيا شعبان
الفصل 17 — رواية مالم يحكي الفصل السابع عشر 17 - بقلم دنيا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ مالم يحكي بقلم دنيا شعبان.
رواية مالم يحكي الفصل السابع عشر 17 - بقلم دنيا شعبان
ـ إيه؟ يعني إيه اختفت؟
ـ سارة بتقول إنها كانت في الأوضة، وبعدها فجأة اختفت ومحدش عارف راحت فين.
ـ طب يمكن نزلت تحت لأي سبب؟
هز رأسه بعنف:
ـ لا، نور مستحيل تسيب البيت في يوم زي ده من غير ما تقول لحد.
في وقتٍ قياسي، وصل يونس إلى منزلهم، وكأن الطريق اختصر نفسه أمامه. كان قلبه يخفق بعنف، وعقله لا يتوقف عن رسم أسوأ الاحتمالات، حتى إن أنفاسه أصبحت متلاحقة من شدة القلق.
— يعني إيه مشوفتهاش لما نزلت؟
قالها يونس بانفعال، وقد ارتفع صوته دون أن يشعر.
— يونس، حاول تهدأ لو سمحت.
قالها أحمد محاولًا احتواء الموقف قبل أن يفقد يونس أعصابه تمامًا.
أغمض يونس عينيه لثوانٍ، وسحب نفسًا عميقًا، يحاول أن يتمالك نفسه، لكن القلق الذي كان ينهش قلبه منعه من الهدوء.
على الجانب الآخر، كانت صفاء تجلس على الأريكة ويداها متشابكتان بقوة، بينما الخوف يسيطر على ملامحها بالكامل. لم تستطع أن تستوعب كيف يمكن لنور أن تخرج في يومٍ كهذا دون أن تخبرها، أو حتى تترك لها كلمة واحدة تطمئنها بها.
التفت يونس إلى سارة وقال بصوتٍ حاول أن يجعله أكثر هدوءًا:
— سارة، ممكن تحكيلي آخر حاجة حصلت معاكم بالظبط؟
تنهدت سارة وهي تحاول استجماع ما حدث، ثم قالت بتوتر:
— إحنا كنا قاعدين مع بعض في الأوضة، وكنا مبسوطين أوي. بعدين سبتها ودخلت المطبخ عشان أجيب العصير من طنط. صدقني متأخرتش خالص، ولما رجعت الأوضة ملقتهاش. دورت عليها في الشقة كلها، بس مفيش فايدة. بعدها لمحت باب الشقة مفتوح، قولت أكيد نزلت، وحاولت أكلمها، بس لقيت موبايلها سايباه.
عقد أحمد حاجبيه وهو يحاول إيجاد تفسير منطقي لما حدث، ثم سألها بهدوء:
— طيب، أنتوا مكنتوش محتاجين أي حاجة من تحت؟ يعني ممكن تكون راحت تجيبها وزمانها راجعة.
هزت سارة رأسها بالنفي، لتعود حالة الصمت الثقيلة وتفرض نفسها على المكان.
مرَّ نصف ساعة كاملة، لكنها بدت لهم وكأنها ساعات طويلة. لم يكن أحد قادرًا على الجلوس براحة، فالقلق كان يلتهم الجميع، وكل دقيقة تمر كانت تزيد الخوف داخل قلوبهم.
وفجأة وقف يونس من مكانه وقال بحسم:
— أنا مش هفضل قاعد وأنا مش عارف نور فين... أنا هنزل أدور عليها.
كاد يتحرك، لكن أحمد أسرع وأوقفه قائلًا:
— استنى بس يا يونس. هتروح تدور عليها فين وإحنا أصلًا مش عارفين مكانها؟ أنا حاسس إنها نزلت تجيب حاجة وجاية.
هز يونس رأسه بعجز، وقال بصوتٍ خرج مثقلًا بالخوف:
— مش هقدر يا أحمد... صدقني، أنا خايف عليها. مش هينفع أفضل قاعد مكاني أكتر من كده.
— طيب... والمأذون اللي زمانه جاي؟
قالها أحمد في محاولة أخيرة لإقناعه.
أجابه يونس دون تردد:
— تقدر تقوله لما ييجي ويسأل على العروسة هنقول إيه؟ أنا لازم أمشي قبل ما يوصل... وإن شاء الله هلاقيها.
— طيب، أنا جاي معاك.
هز يونس رأسه بالموافقة، وفي تلك اللحظة وقفت سارة وقالت بسرعة:
— وأنا كمان هاجي معاكم.
التفت إليها يونس قائلًا:
— لا يا سارة، خليكي مع طنط. مينفعش نسيبها لوحدها.
اكتفت بهزة رأس صغيرة، بينما اتجه يونس وأحمد نحو الباب.
مد يونس يده وفتح الباب...
لكن ما إن انفتح حتى تجمدت خطواته تمامًا.
كانت نور تقف أمامه مباشرة، رافعة يدها لتضغط على الجرس.
في لحظة واحدة، شعر وكأن روحه التي كانت على وشك أن تفارقه قد عادت إليه من جديد. اختفى الخوف الذي كان يعتصر قلبه، لكن حل محله عتاب موجع وغضب مكتوم بسبب ما فعلته.
سألها بصوتٍ جامد، امتزج فيه الغضب بالخوف الذي لم يغادر قلبه بعد:
— كنتِ فين؟
نظرت سارة إليهما باستغراب، فهي لم تكن تفهم سبب وقوفهما عند الباب كل هذا الوقت. نهضت من مكانها واقتربت منهم، وما إن وقعت عيناها على نور حتى اتسعت ابتسامتها وقالت بفرحة:
— نور.
وبمجرد أن سمعت صفاء اسمها، انتفضت من مكانها وكأن روحها عادت إليها من جديد. أسرعت نحو الباب، وما إن رأت ابنتها أمامها حتى حمدت الله في سرها أن أعادها إليهم سالمة.
أما نور، فكانت واقفة في مكانها تنظر إلى وجوههم واحدًا تلو الآخر. لم تكن بحاجة لأن يسألها أحد حتى تدرك حجم الخوف الذي عاشوه بسببها. رأت القلق واضحًا في ملامحهم جميعًا، وشعرت بندمٍ شديد لأنها خرجت بتلك الطريقة دون أن تخبر أحدًا، ولو بكلمة واحدة تطمئنهم بها.
عاد يونس يكرر سؤاله، لكن هذه المرة خرج صوته أكثر حدة من السابقة:
— كنتِ فين يا نور؟
تدخل أحمد سريعًا محاولًا تهدئة الموقف قبل أن يزداد توترًا، وقال بهدوء:
— خليها تدخل الأول يا يونس، وبعدين نتكلم.
لم يرد يونس بشيء، واكتفى بأن يتركهم واقفين عند الباب، ثم استدار واتجه إلى الداخل.
تابعته نور بعينيها، وفهمت من تصرفه أنه غاضب منها بشدة، واعترفت بينها وبين نفسها أنه يملك كل الحق في غضبه.
دخل الجميع إلى الداخل.
وقف يونس أمام النافذة، وأعطاهم ظهره. كان يشعر براحةٍ كبيرة لأنها بخير، لكن تلك الراحة لم تستطع أن تمحو ما شعر به خلال الدقائق الماضية. كان الغضب يعتصر قلبه، ليس لأنها خرجت فقط، بل لأنها لم تخبره. للحظة شعر أنه ليس مهمًا في حياتها بالقدر الذي تخيله، وإلا لما اتخذت قرارًا كهذا دون أن تعرفه. لم يكن يريد أن يمنعها من الذهاب، لكنه كان يريد فقط أن يكون مطمئنًا عليها.
جلست نور بجوار سارة وصفاء، بينما جلس أحمد على المقعد المجاور لهما. ومنذ جلوسها، لم ترفع عينيها عنه. كانت نظراتها معلقة بيونس، وشعور الذنب يزداد داخلها كلما تذكرت أنها كانت السبب في حزنه.
قالت صفاء وهي تنظر إليها بعتاب امتزج بالخوف:
— ينفع اللي عملتيه ده يا نور؟ إحنا كنا هنموت من الخوف عليكي يا بنتي، ويونس خاف يكون حصلك حاجة، ده كان لسه هينزل يدور عليكي.
ارتسمت على شفتي نور ابتسامة خفيفة دون أن تشعر، فقد أسعدها أنه خاف عليها إلى هذا الحد، لكن عينيها ظلتا معلقتين به، تتمنى فقط أن يلتفت إليها، حتى لو كان ذلك ليعاتبها، المهم ألا يستمر في تجاهلها.
زفرت سارة بضيق، ثم قالت:
— كده برضه يا نور؟ تنزلي فجأة من غير أي حس! حرام عليكي، أنا قولت البنت اتخطفت من أوضة نومها.
شعر أحمد أن الحديث بدأ يطول دون أن يعرفوا السبب الحقيقي، فنظر إلى يونس. كان يعلم جيدًا أن صديقه يريد أن يعرف ما الذي دفعها للنزول في هذا التوقيت، لكنه يمنع نفسه من السؤال بسبب غضبه، لذلك قرر أن يسأل هو بدلًا منه.
قال بهدوء:
— ممكن تعرفينا يا نور إيه السبب اللي خلاكي تنزلي فجأة كده من غير ما تقولي لحد، وفي يوم كتب كتابك؟
كان يونس يكاد يختنق من كثرة الأسئلة التي تدور داخل رأسه. كان يريد أن يفهم ما الذي كان أهم من يوم كتب كتابهما حتى يجعلها تغادر بهذه الطريقة.
تعلقت أنظار الجميع بها في انتظار ردها...
ما عدا يونس.
ظل واقفًا كما هو، يعطيها ظهره، لكنه في داخله كان يتمنى أن يسمع منها سببًا واحدًا يجعل قلبه يهدأ.
أخذت نور نفسًا عميقًا، ثم بدأت تتحدث بهدوء، بينما كانت تشعر بثقل نظرات الجميع المعلقة بها.
— لما سارة سابتني في الأوضة وراحت المطبخ، تليفوني رن، وكنت مفكرة يونس اللي بيرن، بس لقيته رقم غريب. أول ما رديت، لقيت واحدة بتقولي: "الحقي حماتك واقعة على الأرض ومغمي عليها."
توقفت لحظة قصيرة، ثم أكملت وهي تسترجع ما حدث:
— ما قالتش أي تفاصيل تانية. حسيت إني مش عارفة المفروض أتصرف إزاي، وما كانش عندي حل غير إني أروح. أول ما وصلت العمارة، طلعت شقتها، وفضلت أخبط، بس اتفاجئت لما لقيت جارتها اللي في وشها على طول بتفتح باب شقتها. أول ما شافتني قالتلي: "كويس إنك جيتي."
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تابعت:
— دخلت معاها، ولقيت طنط ميادة، "أم عاصم"، نايمة على الكنبة في الصالة. حاولت أفهم منها اللي حصل، فقالتلي إنهم كانوا قاعدين عادي مع بعض وبيضحكوا، وفجأة جاتلها مكالمة من رقم غريب. أول ما ردت، معرفش اللي كان بيكلمها قالها إيه، بس مرة واحدة التليفون وقع من إيديها وهي وقعت على الأرض.
ساد الصمت في المكان، بينما كانت كلماتها تصل إليهم واحدة تلو الأخرى.
أكملت نور:
— مسكت الموبايل عشان أفهم من اللي كان بيكلمها إيه اللي حصل، فقال إن عاصم اتقبض عليه... بس، ده كل اللي سمعته، وبعدها أُغمي عليها. وطبعًا جارتها افتكرت إن ممكن يكون حد عامل فيها مقلب، فحاولت تكلمه، لكن السكرتيرة بتاعته هي اللي ردت عليها، واتأكدت إن الخبر فعلًا صح... وإن عاصم دلوقتي في السجن.
أطرقت برأسها قليلًا، ثم قالت:
— ما كانش قدامها حل غير إنها ترن عليا، عشان...
توقفت، وكأنها تخشى أن تكمل.
ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بتوتر، وهي تعلم أن كلماتها التالية قد تؤلمه:
— عشان فاكرة إن لسه مرات عاصم متعرفش إني طليقته... مش أكتر من كده.
ما إن أنهت حديثها، حتى خيم الصمت على المكان.
كان الجميع في حالة صدمة مما سمعوه.
أما هي...
فرفعت عينيها نحوه.
ورغم أنه كان يعطيها ظهره، إلا أنه استدار إليها ببطء، لتقع عيناها مباشرة على نظراته.
كانت ترى الوجع واضحًا فيهما.
قال بصوتٍ خافت، لكنه كان يحمل من الألم ما يكفي ليجرح قلبها:
— وانتي طبعًا خوفتي وزعلتي عليه... مش كده؟ مفكرتيش تروحي تزوريه في السجن؟ ولا خايفة مثلًا على مشاعري؟
كانت كلماته تخرج ممزوجة بوجعٍ حقيقي.
في تلك اللحظة، شعر أنه لا يمثل لها شيئًا، وأنها ما زالت تمنح عاصم مكانة في قلبها.
انتفضت من مكانها واقتربت منه بسرعة، حتى أصبحت تقف أمامه مباشرة، وقالت بلهفة:
— إنت بتقول إيه يا يونس؟ أنا...
لكنه لم يمنحها الفرصة لتكمل، وقاطعها قائلًا:
— أنا بقول اللي حصل... واللي شايفه بعيني. معقول لسه بتحبيه للدرجة دي؟ لدرجة إنك تسيبيني في يوم زي ده عشانه؟
تبادل أحمد وسارة وصفاء النظرات فيما بينهم.
لم يتدخل أحد منهم.
شعروا أن هذا الحديث لا يجب أن يكون أمامهم، وأن من الأفضل أن يتركوهما يتحدثان بحرية.
لذلك خرجوا جميعًا في هدوء، وأغلقوا الباب خلفهم، تاركين يونس ونور وحدهما.
في اللحظة التي أُغلق فيها الباب...
لمعت الدموع داخل عيني نور.
لم تكن حزينة من كلماته بقدر ما كانت تتألم لأنها هي من أوصلته لهذا الشعور.
وفي المقابل...
كان يونس يحاول بكل ما يملك ألا ينظر إليها طويلًا.
فهو يعلم جيدًا أنه إذا رأى دموعها، فلن يستطيع أن يستمر في غضبه ولو للحظة واحدة.
استدار عنها مرة أخرى، وأعطاها ظهره، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الالتفات إليها.
شعرت نور بوخزة قوية في قلبها من فعلته، لكنها كانت تعلم جيدًا أنها السبب فيما وصل إليه الأمر، وأن غضبه لم يكن إلا نتيجة خوفه عليها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوتٍ خافت، امتزج بالندم:
— أنا آسفة إن وصلتلك إحساس زي ده، بس أنا ما عملتش كده عشان بحبه زي ما قولت، ولا بفكر فيه أصلًا. أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله لو كان مكاني. واحدة كلمتني وهي شبه مرعوبة من الخوف، وطلبت مني ألحق حد. حتى لو العلاقة انتهت، ده مش معناه إننا نبقى أعداء. وهي ملهاش ذنب... هي آه كانت موافقة إنه يتجوز عليا عادي، بس عمرها ما أذتني.
ظل يونس واقفًا على وضعه، لم يلتفت إليها، ولم ينطق بحرف واحد.
أما هي، فلم تعد قادرة على حبس دموعها أكثر من ذلك. انسابت على وجنتيها رغماً عنها، ولأول مرة تشعر أن تجاهله لها أقسى من أي عتاب كان يمكن أن تسمعه منه.
واصلت حديثها، بينما كانت شهقاتها تتسلل بين كلماتها:
— أنا عملت اللي شوفته صح... مش أكتر. يونس، أنا بحبك، صدقني، وعمري ما فكرت أجرح مشاعرك بأي طريقة. بس أنا برضه غلطت... أنا عارفة. كان المفروض أعرفك، أو أقول لماما، عشان ما تقلقوش عليا.
وصل إليه صوت بكائها، فشعر وكأن كل كلمة تنغرس في قلبه.
لم يستطع أن يستمر في تجاهلها أكثر من ذلك.
استدار إليها ببطء...
فوجدها تقف مطرقة رأسها إلى الأرض، ودموعها لا تتوقف عن الانهمار.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم رفع يده ببطء، وأمسك بذقنها برفق، ليرفع وجهها إليه.
كانت عيناها محمرتين من كثرة البكاء، ووجنتاها قد غمرتهما الدموع.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وهو يمسح دموعها بإبهامه، ثم قال محاولًا التخفيف عنها:
— يعني أنا اللي زعلان... وانتي اللي بتعيطي؟
نظرت إليه بعينين دامعتين، ولم تستطع أن تقول سوى:
— أنا آسفة.
وما إن خرجت الكلمة من شفتيها، حتى تجددت دموعها بغزارة، وكأنها كانت تنتظر فقط أن يمنحها فرصة للاعتذار.
تنهد يونس بحب، ثم مسح دموعها مرة أخرى، وقال بصوتٍ مليء بالحنان:
— مش عايز أشوف دموعك تاني. انتي أغلى حاجة عندي يا نور. أنا كنت خايف عليكي... كنت حاسس إني عاجز. بعيدة عني، ومش عارف طريقك، ولا عارف المفروض أدور عليكي فين. كنت تايه... والله كنت تايه.
صمت لثوانٍ، ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
— لو كنتِ عرفتيني، أكيد ما كنتش همنعك إنك تروحي، وكنت هاجي معاكي كمان... بس متكونيش لوحدك.
عاد يمسح دمعة هربت من عينها، ثم قال بنبرة هادئة:
— اوعديني إن أي قرار تاخديه تشاركيني فيه، وقبل ما تروحي أي مكان تعرفيني... عشان أبقى مطمن، على الأقل. اتفقنا؟
هزت رأسها بهدوء، وهي لا تزال بين يديه اللتين تحيطان بوجهها بحنان.
لم تقل شيئًا...
لكن نظرتها وحدها كانت كافية لتخبره أنها فهمت كل كلمة قالها، وأنها لن تكرر ما حدث مرة أخرى.
ظل الاثنان يتأملان بعضهما في صمت، وكأن كل ما بداخلهما وصل إلى الآخر دون حاجة إلى كلمات.
وفي تلك اللحظة...
كان أحمد قد قرر الدخول ليناديهما.
فتح الباب بهدوء، وما إن وقعت عيناه عليهما حتى فهم من نظراتهما أنهما تصالحا.
ابتسم بخفة، ثم أصدر صوتًا بسيطًا بقدمه حتى يشعرهما بوجوده.
انتبهت نور فجأة، فابتعدت بسرعة عن يونس، وقد غلبها الخجل عندما أدركت أن أحمد رآهما وهما قريبان من بعضهما.
أما يونس...
فنظر إليه بغيظ واضح، وكأن دخوله جاء في أسوأ توقيت ممكن.
التقط أحمد تلك النظرة، وقال من بين أسنانه وهو يحاول كتم ضحكته:
— خير.
أجابه يونس بنظرة لم تكن تحتاج إلى تفسير.
ابتسم أحمد أكثر، ثم قال:
— المأذون وصل... يا عريس.
خرجوا معًا إلى الصالة.
جلست نور بجوار صفاء، بينما وقفت سارة إلى جوارها، وكان أحمد يقف بجانبها هو الآخر.
أما المأذون، فكان يجلس في المنتصف، وخال نور إلى يمينه، بينما جلس يونس إلى يساره.
ورغم أن الجميع كان يحاول التركيز فيما يحدث، إلا أن الفرحة كانت واضحة على الوجوه، بعدما تبدد ذلك القلق الذي سيطر عليهم قبل قليل.
اقترب أحمد قليلًا من سارة، ثم همس لها بصوتٍ خافت حتى لا يسمعه أحد:
— عقبالنا يا قمر.
ابتسمت بخجل، وأطرقت برأسها إلى الأسفل.
ابتسم أحمد وهو يتأمل ملامحها، ثم قال بمشاكسة:
— بس ما قولتيش... إيه رأيك فيا النهارده؟
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه من أسفل إلى أعلى، ثم عادت تتأمل بدلته وقالت بابتسامة:
— البدلة تحفة عليك.
عقد حاجبيه باعتراض مصطنع، وقال:
— بدلة إيه؟ أنا أقصد على وشي.
نظرت إليه باستغراب وقالت:
— ماله وشك؟
تنهد أحمد بتمثيل، ثم قال:
— يعني تأثير ماسك الزبادي بالخيار مش واضح ولا إيه؟ لا... طمنيني. انتي عارفة كيلو الخيار بكام؟
كادت ترد عليه، لكن صوت المأذون قطع حديثهما وهو ينطق بالكلمات التي انتظروها جميعًا:
"بارك الله لكما، وجمع بينكما في خير."
في اللحظة نفسها، ارتفعت الزغاريد تملأ أرجاء المنزل، واختلطت الفرحة بالدعوات والابتسامات.
لم يشعر يونس بنفسه...
كان أول من اتجه إليها.
اقترب منها بخطوات سريعة، ثم احتضنها بقوة، وكأنه يعوض كل لحظة خوف عاشها قبل قليل.
ضمها إليه بشدة، حتى شعرت أن عظامها تكاد تتكسر بين ذراعيه.
ثم حملها بين ذراعيه، وأخذ يدور بها وسط ضحكات الجميع، بينما كانت سارة وصفاء تطلقان الزغاريد في سعادة غامرة.
أنزلها برفق، لكنها بقيت بين ذراعيه، وكأنه لا يريد أن يتركها أبدًا.
اقترب برأسه من أذنها وهمس بصوتٍ لم يصل إلى سواها:
— مبروك يا حرمي المصون.
احمر وجهها بخجل، ثم همست هي الأخرى:
— الله يبارك فيك.
ظل محتفظًا بها بين ذراعيه، وكأنه نسي وجود كل من حوله.
لكن سارة اقتربت منهما وهي تضحك، ثم أمسكت نور من ذراعها وسحبتها برفق من بين أحضانه وهي تقول بمشاكسة:
— كفاية عليك كده يا عريس.
نظر إليها يونس باعتراض واضح، وقبل أن يتحدث، سبقه أحمد وهو يقول بغيظٍ مصطنع:
— يا بنتي، ما تسيبيهم يفرحوا شوية بعد كل اللي شافوه.
التفتت إليه سارة سريعًا وقالت:
— مالكش دعوة إنت.
ثم أخرجت له لسانها بطفولية، فضحك الجميع على تصرفها.
وبعد أن غادر المأذون، وانصرف خال نور هو الآخر، بقي الجميع جالسين معًا، يغمرهم شعور بالراحة والسعادة، وكأن البيت عاد إليه نبضه من جديد بعد ساعات من القلق.
وفجأة...
دوّى صوت طرقات على الباب.
نهضت صفاء من مكانها وهي تظن أن أحد الجيران جاء لتهنئتهم، لكن ما إن فتحت الباب حتى تفاجأت بميادة تقف أمامها.
كانت ملامح التعب مرسومة على وجهها، وبدا واضحًا أنها بالكاد تستطيع الوقوف.
قالت صفاء بقلق:
— ميادة... اتفضلي.
لكن ميادة لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة.
ترنحت في مكانها، وكادت تسقط، لولا أن صفاء أسرعت وأمسكت بها قبل أن ترتطم بالأرض.
رفعت صفاء صوتها تنادي على الباقين حتى يأتوا ويساعدوها.
خرج الجميع على الفور بعدما سمعوا صوتها.
وما إن وقعت عينا نور على ميادة، حتى تركت يد يونس سريعًا، واتجهت إليها، وأمسكتها من الناحية الأخرى في مواجهة والدتها، بينما أغلقت سارة الباب خلفهم.
ساعدوها حتى جلست براحة على الأريكة.
جلست نور بجوارها، ثم قالت بقلق:
— حضرتك كويسة؟ المفروض تفضلي مرتاحة في السرير زي ما الدكتور قال.
لكن ميادة لم تهتم بالإجابة، وإنما أمسكت بيد نور وقالت بلهفة:
— عاصم يا نور... الحقي عاصم.
في اللحظة التي نطقت فيها باسمه...
ضغط يونس على قبضته بقوة، حتى برزت عروق يده من شدة الغضب.
التفتت إليه نور سريعًا، وأشارت إليه بعينيها في محاولة لتهدئته.
ثم عادت تنظر إلى ميادة وقالت بجدية:
— حضرتك... أنا دلوقتي بقيت متجوزة، وأنا وعاصم علاقتنا انتهت. ماليش أي دعوة بيه.
نظرت إليها ميادة بحزنٍ عميق، وكأنها أدركت في تلك اللحظة أن ابنها خسرها إلى الأبد، وأن الفرصة التي أضاعها لن تعود مرة أخرى.
انتقلت بنظرها إلى أحمد، فوجدت ملامحه هادئة ، ثم التفتت إلى يونس، وما إن رأت نظراته المليئة بالغضب حتى فهمت على الفور أنه زوجها.
ربتت نور برفق على يدها، محاولة تهدئتها، فقالت ميادة بصوتٍ متعب:
— ربنا يسعدك يا بنتي. انتي بنت حلال، وتستاهلي كل خير، وبتمنالك السعادة في حياتك الجاية. أنا بس... كان عندي طلب واحد منك، عايزاكي تيجي معايا.
نظرت إليها نور بعدم فهم، ثم سألتها:
— أجي معاكي فين؟
تنهدت ميادة، وكأن الكلمات أصبحت تثقل صدرها، ثم قالت:
— عاصم كلمني من القسم، وقالي على حاجات كتير المفروض أديها للمحامي، بس أنا يا بنتي مش فاهمة هو عايز إيه، ولا المفروض أتصرف إزاي.
عقدت نور حاجبيها، ثم سألتها باستغراب:
— طيب... وفين مراته داليا؟ مش المفروض تعمل هي كل ده؟
هزت ميادة رأسها بيأس، وقالت:
— مش عارفة أوصل ليها. بكلمها، تليفونها مقفول، وأنا معرفش حد غيرك. ساعديني عشان خاطري يا بنتي، أنا حاسة إني عاجزة، ومش عارفة أساعد ابني اللي بيروح مني.
ساد الصمت للحظات.
كانت نور محتارة، لا تعرف هل توافق أم ترفض.
لكن الشيء الوحيد الذي كانت متأكدة منه، أنها لن تتخذ أي قرار بمفردها هذه المرة.
تذكرت وعدها ليونس منذ دقائق قليلة.
نهضت من مكانها، واتجهت إليه بخطوات هادئة، ثم وقفت أمامه وسألته بصوتٍ منخفض حتى لا يسمعه أحد:
— ممكن نساعدها... لو سمحت؟
كانت نظراتها كلها رجاء، وكأنها تخشى أن يرفض.
أما يونس...
فشعر بسعادةٍ خفية لأنها، ولأول مرة، عادت إليه قبل أن تتخذ قرارها.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم هز رأسه بالموافقة.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، وقالت وهي تنظر إليه بامتنان:
— شكرًا.
وبالفعل...
نزل الثلاثة معًا، واتجهوا إلى القسم.
وبعد مدة، وصلوا إلى هناك.
كانت ميادة تبدو شاحبة للغاية، وأنفاسها متقطعة، حتى إنها لم تعد قادرة على الوقوف أو السير لمسافة طويلة.
لاحظت نور ذلك، فالتفتت إلى يونس وقالت له أن يفتح لها زجاج السيارة حتى يدخل إليها بعض الهواء.
وبعدما هدأت قليلًا، قالت لها نور بحنان:
— حضرتك استنينا هنا، ده أفضل ليكي. إحنا هندخل ونخلص اللي عايزه عاصم ونرجعلك على طول.
وافقت ميادة بعدما شعرت فعلًا أنها لم تعد تملك القدرة على الحركة.
أما يونس ونور، فاتجها إلى داخل القسم.
وفور دخولهما، تقدم يونس إلى أحد الضباط، وأخبره باسم عاصم كامل.
وبسبب معارف يونس، وافقوا على الزيارة دون تعقيد.
بعد دقائق...
فُتح الباب أمامهما.
كان عاصم يجلس بمفرده داخل غرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى مصباح صغير يتدلى من منتصف السقف، ينشر ضوءًا خافتًا بالكاد يكشف ملامح المكان.
ما إن سمع صوت الباب يُفتح، حتى رفع رأسه ببطء.
دخل يونس أولًا...
ثم دخلت نور خلفه.
وفور أن وقعت عيناه عليها، ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهه، ونهض من مكانه بسرعة، وكأنه نسي أين يقف.
كاد يقترب منها...
لكن يونس كان أسرع.
تحرك خطوة إلى الأمام، ووقف بينها وبينه مباشرة.
ابتلعت نور ريقها بتوتر، وخشيت أن يتحول اللقاء إلى مشكلة داخل القسم.
مدت يدها بهدوء، وأمسكت بذراع يونس، ثم نظرت إليه في محاولة صامتة لتهدئته.
انتبه عاصم إلى تلك الحركة.
وقعت عيناه على أصابعهما...
ورأى بوضوح آثار الحبر على أصابعهما، ثم انتقل ببصره إلى فستانها وبدلة يونس.
في تلك اللحظة...
أدرك الحقيقة كاملة.
لقد انتهى كل شيء.
وأصبحت نور زوجة رجل آخر.
شعر وكأنه خسر آخر ما تبقى له في الدنيا.
نظر إليها بعينين امتلأتا بالندم، ثم قال بامتنان:
— شكرًا يا نور... إنك هتساعديني.
هزت رأسها بهدوء، ثم قالت بجدية:
— قولي... إيه المفروض أعمله ليك؟
أخذ عاصم نفسًا عميقًا، ثم قال وهو يحاول ترتيب أفكاره:
— فيه ورق مهم جدًا هيفيدني... في مكتبي اللي في البيت.
عقدت نور حاجبيها وهي تستوعب كلامه، ثم قالت:
— أممم... يعني المفروض دلوقتي أروح أجيب الورق ده عشان أديه للمحامي؟ بس داليا أكيد في البيت دلوقتي.
أجابها بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:
— أيوه... بس لازم تروحي دلوقتي حالًا قبل ما داليا تاخده. واطمني، هي مش بترجع غير نص الليل.
تبادل يونس ونور النظرات في حيرة، ثم قالت نور بعدم فهم:
— طيب، وإيه يعني لما تاخده؟ ما أكيد عشان تديه للمحامي.
هز عاصم رأسه بسرعة نافيًا، وقال بانفعال:
— لا... لا. دي هي السبب في كل حاجة. هي اللي سرقت الأوراق والملفات. أنا بس دلوقتي بقيت متأكد إنها هي اللي عملت كل ده. من ساعة ما دخلت القسم، ومحدش عارف يوصلها، حتى تليفونها مغلق طول الوقت.
اتسعت عينا نور من شدة الصدمة، وقالت بعدم تصديق:
— معقول... هي عملت كل ده فيك؟
أطرق عاصم رأسه للحظة، ثم قال بحسرة:
— أيوه... طلعت مغفل، وصدقت إنها بتحبني.
رفع عينيه إليها، وكانت نظرات الندم تملأهما، ثم قال بصوتٍ مثقل بالألم:
— ياريتني ما سبتك يا نور... أنا لسه بح...
لم يُكمل جملته.
في لحظة واحدة، اندفع يونس نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف، وقال من بين أسنانه:
— اسم مراتي... ما يجيش على لسانك. إنت فاهم؟
كانت الغيرة والغضب قد سيطرا عليه بالكامل.
أسرعت نور نحوه، وأمسكت بذراعه بكل قوتها، وهي تقول بقلق:
— يونس... سيبه عشان خاطري. إحنا في القسم، ما ينفعش كده.
ظل ينظر إلى عاصم للحظات، وصدره يعلو ويهبط من شدة غضبه، قبل أن يتركه أخيرًا.
أخذ يونس عدة أنفاس متتالية، محاولًا السيطرة على أعصابه.
أما نور، فالتفتت إلى عاصم، وقالت بجمود واضح:
— عاصم، ياريت بلاش نتكلم كلام ملوش أي لازمة. يونس بقى جوزي. أنا جيت هنا عشان والدتك جت لغاية عندي وطلبت مني المساعدة، فياريت متتماداش في الكلام.
أنهت حديثها، ثم اقتربت من يونس، وأمسكت يده بكل حب، وكأنها تؤكد للجميع قبل أن تؤكد له هو، أنها اختارت طريقها بالفعل.
بعدها خرجا معًا من الغرفة.
أما عاصم...
فظل واقفًا مكانه، يتابعهما بعينيه حتى اختفيا من أمامه.
كان الندم ينهش قلبه بقسوة.
أدرك، لكن بعد فوات الأوان، كم كان أحمق حين فرط في إنسانة أحبته بكل صدق، واستبدلها بمن لم تكن ترى فيه سوى مصلحتها.
بعد خروجهم من القسم، قرروا أن يذهبوا أولًا إلى منزل ميادة.
كانت تبدو مرهقة للغاية، ولم تعد تقوى على الوقوف أو الحركة كثيرًا، لذلك أوصلوها إلى منزلها حتى ترتاح.
وبعد أن هدأت قليلًا، أعطتهم نسخة من مفتاح شقة عاصم.
شكرها يونس، ثم اصطحب نور، وانطلقا في طريقهما إلى هناك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل شقة عاصم، وتحديدًا في غرفة النوم...
كانت داليا قد فتحت حقيبة سفر كبيرة فوق السرير، وأخذت تلقي بملابسها داخلها بعشوائية واستعجال، بينما كانت تمسك هاتفها كل بضع ثوانٍ، تتأكد إن كان مجدي قد أرسل إليها الموقع الذي من المفترض أن تقابله فيه، لتحصل على أوراق السفر... والمليون جنيه.
وفجأة...
قطع تركيزها صوت طرقات على باب الشقة.
تجمدت في مكانها، وشعرت بالتوتر يتسلل إلى قلبها.
بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها.
للحظة، تخيلت أن عاصم خرج من السجن.
لكنها سرعان ما هزت رأسها بقوة، وقالت لنفسها وهي تحاول طمأنة ذاتها:
"لا... لا، مستحيل يخرج من غير محامي، وأنا مبعتلهوش محامي، وهو ملوش حد غيري... أكيد لا."
كانت تردد تلك الكلمات، وكأنها تحاول إقناع نفسها بها.
ثم خطر ببالها أن الطارق ربما يكون البواب.
خرجت من غرفتها، واتجهت نحو باب الشقة.
فتحت الباب فتحة صغيرة...
لكنها صُدمت عندما وجدت مجدي يقف أمامها.
اتسعت عيناها بدهشة، وفتحت الباب على آخره وهي تقول:
— إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم بسخرية، ثم قال:
— إنتي نسيتي إن عندنا معاد مع بعض ولا إيه؟
عقدت داليا حاجبيها باستغراب، ثم قالت بسرعة:
— أيوه، والمفروض كنت تبعتلي اللوكيشن اللي هقابلك فيه.
ابتسم مجدي ابتسامة باردة، وقال بثقة:
— لا... ما أنا قولت ده آمن مكان ممكن أخلص فيه.
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه بعدم فهم، ثم قالت بحدة:
— تخلص إيه بالظبط؟
تحرك بصرها سريعًا بين يديه، فلم تجد أي حقيبة، ولا أوراق، ولا حتى الأموال التي اتفقا عليها.
عادت تنظر إليه بغضب، وقالت:
— فين الورق والفلوس يا مجدي؟
لكن مجدي لم يجبها.
نظر إليها ببرود تام، ثم تجاوزها إلى الداخل، وكأن الشقة ملكه هو، وتركها واقفة مكانها تنظر إليه بصدمة.
اتجه إلى الأريكة، وجلس عليها في هدوء، ثم فرد ذراعيه على ظهرها، وهو ينظر إليها بابتسامة أثارت غضبها أكثر.
أغلقت الباب بعصبية، ثم اقتربت منه وقالت بحدة:
— فين الحاجة يا مجدي؟
رفع حاجبه، ثم قال بلامبالاة:
— مش هتقوليلي أشرب إيه الأول؟
زفرت داليا بضيق، وقد بدأت أعصابها تنفد، ثم قالت:
— مجدي، مفيش وقت. عاصم ممكن يخرج في أي وقت، وأنا لازم أسافر في أسرع وقت.
ابتسم بسخرية، وقال وهو ينظر إليها نظرة مستفزة:
— يعني برضه خايفة منه، حتى وهو مسج"ون؟ ماكنتش أعرف إن قلبك ضعيف بالشكل ده. ودي غلطتي... ما كانش لازم أشغل معايا ناس قلوبهم رقيقة بالشكل ده.
اشتعلت نظراتها بالغضب، وقالت بحدة:
— قصدك إيه؟
ظل يحدق فيها لثوانٍ، ثم نهض من مكانه، وقال بهدوء غريب:
— آمال فين مكتب عاصم؟ عايز أشوفه.
ترددت للحظة، لكنها قررت أن تسايره حتى تحصل منه على ما تريد أولًا.
أشارت بيدها إلى نهاية الممر، وقالت:
— هناك... آخر الطرقة.
اتجه مجدي نحو المكتب بخطوات هادئة.
وقف أمام الباب للحظة، ثم فتحه ودخل.
أضاء النور، وتجول بعينيه في المكان، قبل أن يقترب من مكتب عاصم، ويمرر أصابعه فوق سطحه ببطء، وكأنه يتأمله.
ثم جلس على مقعده، ورفع إحدى قدميه ووضعها فوق المكتب بكل استهتار.
كانت داليا تراقبه في صمت، بينما يزداد غضبها من تصرفاته، لكنها كانت مضطرة إلى التحمل حتى تنتهي من هذه الليلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كان يونس قد أوقف سيارته أمام العمارة.
التفتت إليه نور، وقالت وهي تنظر إليه بتفهم:
— يونس، أنا عارفة إنك مش قادر تدخل بيت كان بيجمعني فيه في يوم، ومفيش داعي تيجي على نفسك خالص. أنا هطلع أجيب الورق، وأنزل بسرعة.
ابتسم لها بحنان، ثم رفع يديه يحتضن بهما وجهها، وقال وهو ينظر داخل عينيها:
— بس أنا عايز أطلع معاكي.
كانت تعرف أنه، مهما حاول إخفاء مشاعره، فلن يكون مرتاحًا إذا صعد إلى هذا المكان.
رأت ذلك واضحًا في عينيه.
ابتسمت له برقة، وقالت:
— صدقني يا حبيبي، مفيش داعي. خليك هنا، وأنا هطلع وأنزل على طول.
تنهد باستسلام، ثم قال وهو يخرج هاتفها من حقيبتها ويعطيه لها:
— بس خدي تليفونك معاكي، عشان لو احتجتيني أطلعلك.
هزت رأسها بابتسامة، وأخذت الهاتف والمفتاح منه.
نزلت من السيارة، بينما ظل يونس يتابعها بعينيه، ولم يبعد نظره عنها لحظة، حتى دخلت إلى العمارة واختفت عن أنظاره.
أما نور...
فصعدت حتى وصلت إلى باب الشقة.
أخرجت المفتاح، ووضعته في الباب، ثم فتحته بهدوء.
في البداية، استغربت أن أنوار الشقة كلها تقريبًا مضاءة.
كما لاحظت أن هناك بعض التغييرات التي طرأت على المكان.
لكنها لم تعطِ الأمر اهتمامًا، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
اتجهت نحو غرفة المكتب، لكنها شعرت فجأة بوجود أحد.
توقفت خطواتها.
بدأت تقترب ببطء، وقلبها يخفق بقوة.
كان باب المكتب مواربًا.
مالت برأسها قليلًا، محاولة أن ترى من بالداخل.
لكنها لم تستوعب ما رأته...
شخص يجلس على كرسي عاصم داخل المكتب.
تجمدت في مكانها، ولم تفهم كيف يجلس رجل غريب في بيت عاصم، مع وجود زوجته داخل الشقة.
وفي تلك اللحظة...
وصل إليها صوت مجدي من داخل المكتب وهو يقول:
— صحيح يا داليا... إنتي بتحبي عاصم قد إيه؟
تنهدت داليا بضيق، وقد بدا واضحًا أن سؤاله استفزها، فقالت بحدة:
— وده هيفرق إيه في موضوعنا دلوقتي يا مجدي؟ ياريت نتكلم في المهم.
ابتسم مجدي ابتسامة جانبية، ثم قال وهو ينظر إليها بثبات:
— وهو فيه حاجة أهم من كده؟ تخيلي... واحدة تسرق جوزها، وبسببها يتس"جن... يا حرام. لا، وبتقول: "أنا بحبه." مش غريبة دي؟
في الخارج...
اتسعت عينا نور بصدمة، وما إن استوعبت ما سمعته حتى رفعت يدها بسرعة، ووضعتها على فمها، حتى تمنع نفسها من إصدار أي صوت قد يفضح وجودها.
بدأت الأفكار تتلاحق داخل رأسها.
إذا كان ما تسمعه صحيحًا...
فهذا اعتراف صريح ببراءة عاصم.
وفجأة، لمعت فكرة في عقلها.
أخرجت هاتفها بهدوء شديد، وفتحت الكاميرا، ثم بدأت في تسجيل كل ما يدور داخل الغرفة، وهي تحاول ألا تُصدر أي حركة أو صوت قد يشعرهما بوجودها.
في الداخل...
ضحكت داليا بسخرية، ثم قالت بغل واضح:
— أنا فعلًا كنت بحبه، عشان كده لما طلبت مني أول مرة أسرق كل الملفات والأوراق اللي في خزنته، أنا رفضت، وقلت: ده جوزي، ومستحيل أخونه.
توقفت لحظة، ثم اشتدت نبرة صوتها وهي تكمل:
— بس هو اللي خلاني أعمل معاه كده. ما كانش شايفني أصلًا. كل تفكيره كان لسه مع الزفتة اللي اسمها نور. وطلع عمره ما حبني زي ما كان مفهمني. أنا بالنسبة له كنت مجرد حاجة جديدة... وحب يجربها.
ابتسم مجدي ابتسامة خبيثة، ثم نهض من مكانه، وبدأ يقترب منها خطوة بعد الأخرى، وهو يقول:
— أممم... وعشان كده قررتي تبيعيه ليا، بأنك تسرقي كل الأوراق من خزنته، وأنا بكل سهولة أقدر أسحب قرض بضمان شركته، وكمان أسحب كل فلوسه. لا بجد... شاطرة.
قال جملته الأخيرة وهو يدور حولها ببطء، بينما كانت هي تراقبه بحذر.
ابتسمت داليا ابتسامة باردة، وقالت بثقة:
— وعندي استعداد أعمل أكتر من كده... بس للأسف معنديش وقت. لازم أسافر قبل...
انقطعت كلماتها فجأة.
تجمد جسدها بالكامل عندما شعرت بحبل يلتف حول عنقها من الخلف.
في لحظة واحدة...
كان مجدي قد وقف خلفها، وأحكم لف الحبل حول رقبتها بكل قوته، بينما كانت عيناه تمتلئان بالحقد.
في الخارج...
اتسعت عينا نور برعب.
شهقت بصمت، ثم كتمت أنفاسها بكل ما أوتيت من قوة، حتى لا يشعر بها.
لم تصدق ما تراه أمامها.
أما داليا...
فرفعت يديها بسرعة، تحاول إبعاد الحبل عن رقبتها، لكن دون جدوى.
كانت تقاوم بكل ما تملك.
تضرب بيديها في الهواء.
وتحاول أن تلتقط أي نفس.
لكن قوة مجدي كانت أكبر.
بدأت حركتها تضعف شيئًا فشيئًا.
وسقطت ذراعاها ببطء.
حتى انقطع نفسها تمامًا...
وفارقت الحياة.
تركها مجدي تسقط على الأرض بلا رحمة.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم أطلق ضحكة ساخرة، وقال:
— يا خسارة يا قطة... كان نفسي تعيشي، بس اللي يتحدى مجدي... يستاهل القتل.
في الخارج...
كانت يد نور ترتجف وهي لا تزال تمسك الهاتف.
شعرت بأنفاسها تكاد تتوقف من شدة الخوف.
لكنها تماسكت، وأغلقت التسجيل بسرعة، بعدما تأكدت أنها وثقت كل شيء سيكون دليلًا على براءة عاصم.
وأدخلت الهاتف في جيبها.
أخذت خطوة إلى الخلف بهدوء، وهي تحاول الانسحاب من المكان دون أن يشعر بها مجدي.
لكن...
في اللحظة التي همَّت فيها بالابتعاد، تعثرت قدمها في طرف السجادة.
اختل توازنها، وسقطت على الأرض.
خرجت منها شهقة مكتومة غصبًا عنها.
وضعت يدها على فمها بسرعة، وعيناها اتسعتا من الخوف.
ثبتت نظرها على باب المكتب...
وفي ثانية واحدة، انفتح الباب.
خرج مجدي على مصدر الصوت، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف في مكانه.
أما نور، فتراجعت إلى الخلف وهي تزحف على الأرض برعب، وقلبها يكاد يقف من شدة الخوف.
نظر إليها بحدة، ثم قال:
— إنتي مين؟ ودخلتي هنا إزاي؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تجد أي كلمة تستطيع أن تنطق بها.
وفي لحظة خاطفة، خطرت لها فكرة واحدة...
الهرب.
نهضت بسرعة، واستدارت تجري بكل ما تملك من قوة نحو باب الشقة.
مدت يدها لتفتحه...
لكن قبل أن تلمس المقبض، انغرست أصابع مجدي في شعرها، وجذبه بعنف إلى الخلف.
صرخت صرخة عالية خرجت منها رغمًا عنها من شدة الألم.
في تلك اللحظة...
كان يونس يصعد درجات السلم بهدوء.
بعدما طال غيابها، بدأ القلق يعود لينهش قلبه من جديد، فلم يستطع أن يبقى في السيارة أكثر من ذلك.
قرر أن يصعد ليطمئن عليها بنفسه.
وما إن وصل إلى منتصف السلم...
حتى شق صراخ نور المكان.
تجمدت الدماء في عروقه.
شعر وكأن قلبه انتُزع من بين ضلوعه.
ومن دون أن يفكر...
اندفع يجري بأقصى سرعة نحو الشقة.
في الداخل...
كان مجدي لا يزال ممسكًا بشعرها بقوة، وقال وهو يبتسم ابتسامة مرعبة:
— الحلوة مين... وعايزة إيه؟
ثم مرر نظره عليها من أعلى إلى أسفل، وأضاف بسخرية:
— شكلك مش حرامية.
شد شعرها إلى الخلف بقوة أكبر، حتى تأوهت من شدة الألم، ثم قال بصوتٍ غليظ:
— انطقي.
وقبل أن تتمكن من الرد...
دوّى صوت ارتطامٍ عنيف في المكان.
في لحظة واحدة...
كان باب الشقة قد اندفع إلى الداخل بقوة، حتى سقط على الأرض.
التفت مجدي بفزع نحو الباب.
أما نور...
فما إن رأت يونس يقف أمامها، حتى شعرت بالأمان يعود إليها من جديد.
أفلتت نفسها من قبضة مجدي، وركضت بأقصى سرعتها نحوه.
ارتمت بين ذراعيه وهي ترتجف من شدة الخوف.
ضمها إليه بسرعة، ثم أبعدها قليلًا، ورفع وجهها بين يديه وهو يتفحصها بعينيه بلهفة.
قال، وصوته يرتجف من الخوف عليها:
— نور... إنتي كويسة؟
قبل أن تجيبه...
كان مجدي قد سمع اسمها.
اتسعت عيناه وهو يحدق بها، ثم تمتم بدهشة:
"دي... دي نور... مرات عاصم!"
استغل انشغال يونس بها، واستدار بسرعة، محاولًا الهرب خارج الشقة.
لكن يونس كان أسرع.
ترك نور تقف خلفه، ثم اندفع نحوه.
أمسكه من قفاه قبل أن يبتعد، وجذبه بعنف، ثم دفعه بقوة، فاصطدم بالحائط وسقط على الأرض.
أشار إلى نور أن تبتعد عنهما.
ثم اتجه إليه.
ولم يمنحه فرصة للنهوض.
انهالت عليه لكماته بعنف، واحدة تلو الأخرى.
كان كل ما عاشه من خوف على نور، وكل ما رآه داخل الشقة، يخرج في تلك الضربات.
ظل يضربه بقوة، حتى لم يعد هناك مكان سليم في وجهه.
وبعد دقائق...
وصلت الشرطة.
وأُلقي القبض على مجدي.
كما وصلت سيارة الإسعاف، ونقلت داليا، لكن بعد الكشف عليها، تبيّن أنها فارقت الحياة.
أما نور...
فسلمت الهاتف للشرطة، وقدمت الفيديو الذي سجلته، ليكون الدليل الذي أثبت براءة عاصم.
وبالفعل...
حصل عاصم على حكم بالبراءة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
بعد سنتين...
في هدوء الليل...
دوّى صوت رنين الهاتف.
فتح يونس عينيه بصعوبة، ثم مد يده يلتقط الهاتف وهو يتمتم بنعاس:
— ألو... حد يكلم حد في ساعة زي دي؟ هكون بعمل إيه يعني الساعة تلاتة الفجر؟ أكيد نايم... إيه؟ طيب... طيب، جايين حالًا.
أغلق يونس الهاتف، وما إن استدار حتى وجد نور قد استيقظت على صوته.
فركت عينيها بنعاس، ثم قالت بصوتٍ هادئ:
— في إيه يا يونس؟ بتكلم مين دلوقتي؟
اقترب منها، وجلس على طرف السرير، ثم حاوطها بذراعه بحب، وقبّل رأسها برفق، وقال بابتسامة:
— ده أحمد يا حبيبتي، بيقولي سارة شكلها كده بتولد.
بمجرد أن سمعت كلمة "بتولد"، اعتدل جسدها في السرير بسرعة، وكأن النوم تبخر من عينيها في لحظة.
قالت بلهفة:
— إيه... بتولد؟ طب يلا بسرعة، لازم نروح معاهم المستشفى.
ولم تمنحه فرصة ليرد.
نهضت من فوق السرير بسرعة، واتجهت إلى الدولاب، وفتحته على عجل، تبحث عن ملابس ترتديها.
ابتسم يونس على اندفاعها، ثم نهض هو الآخر، واتجه إليها.
وقف خلفها، ولف ذراعيه حول خصرها، ثم قال وهو يضحك:
— اهدي يا حبيبتي... على فكرة هي اللي بتولد، مش إنتِ.
استدارت إليه بسرعة، وقالت بجدية ممزوجة بالقلق:
— أيوه يا حبيبي، بس أنا حاسة بيها. هي أكيد موجوعة جدًا... ما أنا كنت زيها في ولادة ياسين.
ابتسم بحنان، وربت على ذراعها، ثم قال:
— طيب، خليكي إنتِ مع ياسين، عشان لو صحي ما يتخضش، وأنا هروحلهم.
خرجت من بين ذراعيه، وعادت تلتقط ملابسها وهي تقول بإصرار:
— ياسين مع ماما يا يونس، متخافش. المهم دلوقتي نروح ليهم.
ثم دخلت الحمام بسرعة لتبدل ملابسها.
أما يونس...
فظل واقفًا مكانه، وهز رأسه باستسلام، ثم قال وهو يبتسم بضيقٍ مصطنع:
— أنا اللي أستاهل... مش أنا اللي اقترحت إن الڤيلتين يبقوا جنب بعض؟ اشرب بقى يا معلم.
خرجت نور من الحمام بعد دقائق، فوجدته لا يزال واقفًا يتمتم مع نفسه.
نظرت إليه باستغراب، ثم قالت بنبرة يغلب عليها الاستعجال:
— يلا يا يونس... هنتأخر.
تنهد وهو يرفع يديه باستسلام:
— حاضر... هوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
بعدما وصلوا إلى المستشفى...
كانت سارة مستلقية على السرير، بينما كان الممرضون يدفعونه بسرعة في اتجاه غرفة العمليات.
كانت تمسك بيد أحمد بقوة شديدة، حتى كادت تكسرها، بينما دموعها لا تتوقف.
صرخت بألم:
— خليهم يهدوا السرعة شوية... آآآآآآه!
كان أحمد يجري بجوار السرير، يحاول مجاراتهم بصعوبة، وهو بالكاد يلتقط أنفاسه، ثم قال وهو يلهث:
— هو إنتِ راكبة تريلا يا حبيبتي؟
وفجأة...
عضت يده بقوة.
أطلق أحمد صرخة عالية، وهو يسحب يده بسرعة:
— إيدي... حرام عليكي يا مفترية!
ردت عليه بين صرخاتها المتألمة:
— أنا شكلي هموت.
اتسعت عيناه، وقال بفزع:
— يا رب... قصدي بعد الشر عليكي يا روحي. هو إنتِ أول واحدة تخلفي؟
صرخت من جديد وهي تتألم:
— نور... أنا عايزة نور.
نظر أحمد حوله بسرعة، ثم قال وهو يحاول تهدئتها:
— وهي نور اللي هتولدك؟
وصلوا أمام غرفة العمليات.
اضطر أحمد إلى ترك يدها، بينما أخذها الممرضون إلى الداخل.
أُغلق باب غرفة العمليات.
وقف أحمد أمام الباب للحظات، ثم نظر إلى يده التي عضتها، وأخذ يفركها وهو يتأوه.
اقترب منه يونس، وكان يحاول كتم ضحكته، ثم قال:
— بتوجع... صح؟ أنا عارف.
نظر إليه أحمد بغيظ وقال:
— إنت شمتان فيا؟
ضحك يونس، ثم ربت على كتفه وقال:
— لا... عيب، إحنا أصحاب برضه.
في تلك اللحظة...
وصلت نور إليهما مسرعة، وقالت بلهفة:
— ها... طمنوني.
أجابها أحمد بسرعة:
— لسه داخلة العمليات... ادعيلها.
وضعت يدها على صدرها، وقالت بإخلاص:
— ربنا يقومها بالسلامة، إن شاء الله. ما تقلقش يا أحمد... خير إن شاء الله.
هز رأسه وقال:
— إن شاء الله.
مرت ساعة كاملة...
وكانت كفيلة بأن تستنزف أعصاب أحمد تمامًا.
أخذ يتمشى ذهابًا وإيابًا في الممر، بينما التوتر يزداد على ملامحه مع مرور كل دقيقة.
اقترب منه يونس، ووضع يده على كتفه، وقال محاولًا طمأنته:
— خير يا صاحبي، إن شاء الله هيطلعوا بخير.
تنهد أحمد، وقال بصوتٍ خافت:
— اتأخروا أوي يا يونس... أنا خايف عليها.
ابتسم يونس ابتسامة مطمئنة، ثم قال:
— أنا حاسس بيك. يوم ولادة نور برضه قعدوا كتير... متخافش يا حبيبي.
أما نور...
فكانت تجلس على المقعد المقابل لغرفة العمليات، تمسك بالمصحف، وتقرأ فيه، داعيةً من قلبها أن تمر ولادة صديقتها على خير، وأن يخرج الطفل ووالدته سالمين.
وفجأة...
شق صمت المكان صوت بكاء طفل حديث الولادة.
انتفض الجميع من أماكنهم، واتجهوا بسرعة نحو باب غرفة العمليات.
وبعد لحظات...
خرج الطبيب.
أسرع أحمد إليه، وقال بلهفة تكاد تخنقه:
— مراتي يا دكتور... عاملة إيه؟
ابتسم الطبيب في وجهه ليطمئنه، ثم قال:
— المدام والطفل بخير، وشوية وهتتنقل أوضة عادية هي والبيبي.
في تلك اللحظة...
لم يستطع أحمد أن يمنع دموع الفرحة التي لمعت في عينيه.
أخيرًا...
أصبح أبًا.
ابتسم يونس، ثم قال للطبيب باحترام:
— شكرًا يا دكتور.
ابتسم الطبيب ورد:
— العفو... ده واجبي.
ثم استأذن وغادر.
وبعد أن نُقلت سارة إلى غرفة عادية...
كانت مستلقية على السرير في هدوء، بينما جلس أحمد إلى جوارها، يحمل ابنته الصغيرة بين ذراعيه.
ومنذ أن سلمته الممرضة طفلته...
وهو يرفض أن تخرج من حضنه.
لدرجة أنه رفض حتى أن يترك نور أو يونس يحملانها، وكأنها أثمن شيء امتلكه في حياته.
بدأت تفتح عينيها ببطء، وما إن استوعبت ما حولها، حتى كان أول ما وقع بصرها عليه هو أحمد، يجلس بجوارها وهو يحمل ابنتهما بين ذراعيه بكل حب، وعيناه لا تفارقان ملامحها الصغيرة.
شعرت بسعادة غامرة وهي تراه بتلك الهيئة.
انتبه أحمد لاستيقاظها، فابتسم ابتسامة واسعة، ثم مد يده يمسك يدها بحنان وقال:
— حمدالله على السلامة يا حبيبتي.
حولت سارة نظرها مباشرة إلى طفلتها، وما إن رأتها حتى امتلأت عيناها بالدموع من شدة التأثر، وقالت بصوتٍ مرتعش:
— أحمد... قربها مني، عايزة أبوسها وأشم ريحتها.
ابتسم بحب، ثم نهض واقترب منها، ووضع الصغيرة بين ذراعيها برفق.
ظلت تتأمل ملامحها للحظات طويلة، وكأنها لا تصدق أنها أصبحت أمًا، ثم ابتسمت وهي تقول:
— بنتنا حلوة أوي يا أحمد... ما شاء الله، ربنا يحفظها.
ابتسم أحمد بفخر، وقال وهو ينظر إلى طفلته:
— طالعة لأمها طبعًا.
ضحكت سارة بخفة، وقالت:
— ده أكيد طبعًا.
تعالت ضحكاتهما معًا، وهما يعيشان واحدة من أسعد لحظات حياتهما، بعدما اكتملت عائلتهما أخيرًا، وأصبحت سعادتهما أكبر من أن توصف.
في تلك اللحظة...
دوى طرق خفيف على الباب، ثم انفتح، ودخلت نور يتبعها يونس.
اتجهت نور مباشرة نحو سارة، وجلست بجوارها، ثم مررت يدها برفق فوق رأسها بحنان، وقالت بابتسامة دافئة:
— حمدالله على السلامة يا حبيبتي... حاسة بإيه دلوقتي؟
ابتسمت سارة بتعبٍ خفيف، ثم أجابت:
— أحسن... الحمد لله.
تنهدت نور، ثم نظرت إلى أحمد بعتابٍ لطيف وقالت:
— ينفع يا سارة؟ جوزك مش عايزني أشيل البنت خالص، لا أنا ولا يونس! هي مش بنتي ولا إيه؟
التفتت سارة إلى أحمد بصدمة مصطنعة، وقالت:
— أحمد!
نظر إليها ببراءةٍ مزيفة، ثم قال مدافعًا عن نفسه:
— ده فرقتنا بس يا حبيبتي. وبعدين البنت صغنونة، ومش هتستحمل الشيل كتير... ولا إيه يا يونس؟
ردت عليه نور بسرعة، وهي تنظر إليه بغيظ:
— يا سلام! واشمعنى بقى؟ يونس مقالش كده لما ولدت ياسين، ده إنت أول واحد جريت عشان تشيله.
هز أحمد كتفيه بثقة، ثم قال:
— ياسين ده ولد... لكن بنوتي بنت رقيقة جدًا.
وقبل أن يكمل حديثه...
استيقظت الصغيرة فجأة، وانطلقت في البكاء بصوتٍ عالٍ.
نظر إليها أحمد بسرعة، ثم قال وهو يضع يده على صدره:
— بسم الله الرحمن الرحيم! إيه السيرينة اللي اتفتحت مرة واحدة دي؟ شكلها هتطلع راديو زي أمها.
رمقته سارة بنظرة حادة، وقالت بتحذير:
— أحمد!
رفع يديه باستسلام، ثم اقترب منها وهو يضحك وقال:
— روحه وقلبه، أنا بهزر يا روحي. دي هادئة جدًا... أهو، هديها لنور زي ما إنتِ عايزة.
ثم دار إلى الجهة الأخرى، واقترب من نور، ووضع الصغيرة بين ذراعيها بحرص.
استقبلتها نور بكل حب، وتأملتها بإعجاب، ثم قالت بابتسامة واسعة:
— بسم الله ما شاء الله... زي القمر، شبهك أوي يا سارة.
ابتسمت سارة بسعادة، ثم سألتها بدلال:
— بجد يا نور؟ يعني أنا قمر كده؟
اقترب يونس منهما وهو يبتسم، ثم قال:
— مقولتوش يا جماعة... هنسميها إيه؟
رفعت سارة نظرها إلى نور، وكانت عيناها تمتلئان بالمحبة، ثم قالت دون تردد:
— هسميها نور طبعًا.
تجمدت نور مكانها للحظة، واتسعت عيناها، ثم اغرورقتا بالدموع من شدة فرحتها.
ابتسمت سارة وهي تكمل كلامها:
— مش هلاقي لبنتي أحسن من الاسم ده.
لم تستطع نور الرد.
اكتفت بابتسامة امتزجت بدموعها، بينما كانت تنظر إلى الصغيرة التي تحمل اسمها.
أما أحمد ويونس...
فتبادلا نظرة هادئة، ارتسمت معها ابتسامة صادقة على وجهيهما.
كان كلٌ منهما يشعر بالامتنان لتلك العائلة التي جمعتهم، وبالدفء الذي ملأ المكان، وكأن الله عوضهم جميعًا عن كل ما مروا به من تعب، ليمنحهم في النهاية هذه اللحظات المليئة بالحب والسعادة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
مرَّ أسبوع كامل منذ قدوم نور (الطفلة) إلى الدنيا، امتلأ البيت خلاله بالضحكات، والهدايا، وتجهيزات السبوع التي كانت تملأ كل ركن بحالة من البهجة.
وقفت نور أمام المرآة بعد أن انتهت من ارتداء فستانها، التقطت قلادتها من فوق التسريحة ورفعتها حول عنقها، حاولت أن تغلق القفل أكثر من مرة لكنها لم تستطع رؤيته جيدًا.
وقبل أن تحاول مرة أخرى...
انعكست صورته في المرآة خلفها.
ابتسم يونس وهو يقترب بخطوات هادئة، ثم رفع يده وأزاح خصلات شعرها الطويلة برفق عن عنقها.
ما إن رأته في المرآة حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة.
أخذ القلادة من بين أصابعها وقال وهو يركز في القفل:
— سيبيها عليا.
وبكل هدوء أغلق القفل، ثم مرر أطراف أصابعه بخفة فوق القلادة وكأنه يتأكد أنها في مكانها.
لكن بدلًا من أن يبتعد...
لف ذراعيه حول خصرها من الخلف، وأسند ذقنه فوق كتفها، وأصبحا ينظران إلى انعكاسهما في المرآة.
ابتسم وهو يقول بصوت مليء بالعشق:
— تعرفي... كل مرة ببصلك فيها بحس إن ربنا رزقني بالدنيا كلها مرة واحدة.
احمر وجهها بخجل وهمست:
= يونس...
ابتسم أكثر.
— لا بجد... أنا كل يوم بصحى وأقول لنفسي هو أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان ربنا يرزقني بيكي... زوجة تشبه القلب، وابن يشبه الحلم.
ابتسمت وهي تحاول الهروب من نظراته في المرآة.
— كل مرة بتتكسفي فيها... بتخليني أقع في حبك من أول وجديد.
ضحكت بخفة وهي تضرب ذراعه برفق.
= بس بقى...
اقترب أكثر وهمس بجانب أذنها:
— لو الزمن رجع بيا ألف مرة... كل مرة هختارك إنتِ.
شعرت بحرارة كلماتِه أكثر من قربه، فاستدارت إليه بسرعة حتى تخفي خجلها وهي تقول:
= يلا يا يونس... هنتأخر عليهم.
رفع حاجبه باستغراب مصطنع.
— يا حبيبتي... ده البيت جنب البيت.
ضحكت وقالت:
= برضو... عايزة أنزل أطمن إن ياسين جاهز.
ضم شفتيه للأمام باعتراض طفولي.
— أممم... يعني اهتمامك كله دلوقتي بقى على ياسين؟
نظر إليها بحزن مصطنع وهو يكمل:
— شكلك نسيتي أبوه خالص... ده حتى طيب أوي.
ضحكت بخجل من غيرته الواضحة، ثم رفعت يديها وأمسكت وجهه بين كفيها.
= مقدرش أنسى حبيبي؟
هز رأسه وكأنه ينتظر الإجابة.
ابتسمت بحب وقالت:
= مستحيل... إنتوا الاتنين أغلى حاجة في حياتي... قلبي بقى مقسوم بينكم، وكل واحد واخد حتة أكبر من التانية.
ضحك وقال:
— طب إزاي يعني؟
= معرفش... بس قلبي عرف يعملها.
ابتسم بعشق، ثم طبع قبلة طويلة على خدها، وأسند جبينه فوق جبينها وهمس:
— عاملك مفاجأة.
اتسعت عيناها بحماس شديد.
= بجد؟! إيه؟! قول بسرعة.
ضحك على طريقتها الطفولية وقال:
— لما نرجع.
عقدت حاجبيها وهي تتمسك بذراعه.
= لا... دلوقتي... عشان خاطري يا يونس... عشان خاطري.
نظر إليها وهو يحاول التماسك أمام نظراتها المتوسلة.
— إنتِ بتستغلي إنك عارفة إني مقدرش أقولك لأ.
ابتسمت بانتصار.
= أيوة.
ضحك وهو يمسك يدها.
— طب تعالي.
قادها حتى باب البلكونة، ثم وقف خلفها، ووضع كفيه برفق فوق عينيها.
= يا يونس... هو إحنا رايحين فين؟
— ثقة فيا وبس.
فتح باب البلكونة ببطء، ثم همس:
— مستعدة؟
هزت رأسها بحماس.
أنزل يديه عن عينيها...
وأزاح الستارة.
تجمدت مكانها.
اتسعت عيناها حتى لمع بداخلهما بريق الدموع.
كانت البلكونة وكأنها قطعة من الجنة...
سورها بالكامل مغطى بأنواع الورود التي تعشقها، الزهور مصطفة على الجانبين بألوان زاهية، تتوسطها جلسة صغيرة يحيط بها الضوء الدافئ، وكأنها صُممت خصيصًا لتحمل اسمها.
فتحت باب البلكونة بسرعة، ودخلت تنظر لكل زاوية بانبهار، تلمس الورود واحدة تلو الأخرى وكأنها تخشى أن يكون ما تراه حلمًا.
وفجأة...
بدأت تقفز في مكانها كالأطفال وهي تضحك.
= كل الورود دي أنا بحبها أوي أوي يا يونس... يااااه... بجد يعني كل يوم أول ما أصحى هشوف المنظر التحفة ده؟!
لفت إليه بسرعة.
= أنا مش مصدقة نفسي...
ابتسمت له بعينين لامعتين.
= شكرًا.
ثم اندفعت نحوه تحتضنه بكل قوتها.
شدها إليه بحنان وهو يبتسم.
رفع ذقنه قليلًا وقال:
— مبسوطة؟
أومأت بسرعة.
= جدًا... إنت متعرفش أنا بحب الورد قد إيه... وقعدة البلكونة دي بالذات.
ابتسم وهو يستمع إليها.
= زمان... لما كنت أحس إني لوحدي كنت أخرج أقعد في البلكونة، كنت ملياها ورد... كانت المكان الوحيد اللي بحس فيه براحة وأمان.
سكتت لحظة...
ثم عادت تدفن وجهها داخل صدره.
رفع يده يمررها بين خصلات شعرها بحنان.
قالت بصوت خافت وهي ما زالت بين ذراعيه:
= بس دلوقتي... مبقتش محتاجة كل ده عشان أحس بالأمان...
رفعت رأسها قليلًا لتنظر داخل عينيه.
= لأنك إنت مصدر الأمان الوحيد ليا...
ابتسمت بحب وهمست:
= بحبك.
أغمض عينيه للحظة وكأن كلماتها لامست قلبه مباشرة، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها برقة.
— وأنا بعشقك... وكل يوم بدعي ربنا يفضل الضحكة دي منورة وشك العمر كله.
ربت على بطنها بخفة وهو يبتسم بمشاكسة.
— وبالمناسبة... المكان ده معمول ليكي... بس فيه شرط.
نظرت إليه باستغراب.
= شرط إيه؟
— كل يوم بعد ما ياسين ينام... هنقعد هنا أنا وإنتِ، حتى لو عشر دقايق بس... من غير موبايلات، ولا شغل، ولا أي حاجة... وقتنا إحنا وبس.
ابتسمت حتى اغرورقت عيناها بالدموع، ثم مدت خنصرها نحوه وهي تضحك.
= وعد.
شبك خنصره بخنصرها.
— وعد.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات