الفصل الثاني.
الليل يزحف بجلبابه الأسود المظلم، حتى خيم بجناحته فلم يعد هنالك سوى ضوء القمر وإنارة المصابيح المتناثرة على طرفي أعمدة الحارة التي تعج بالمارة، الضوضاء من حوله والصمت مازال يقتله من الداخل، قبع محله بشرفة غرفته لأكثر من خمسةٍ ساعات متتالية ومازال لا يشعر بالوقت، جفائها يجعل ما حوله كالغبار الذي لا يشعره سوى بالإختناق فيعجز حتى عن التقاط أنفاسه بصورةٍ طبيعية، عالمه يتوقف على كلمة منها تمنحه بها الأذن للبوح عن مشاعره التي لم تمنحه فرصة سماعها، ليته كان يتمكن من اختطافها عله يحظى بوقت اضافي يرغمها به على سماعه، انتبه بجلستها لصرير باب غرفته المزعج، فحانت منه التفاتة جانبية، فوجد والدته تقتحم غرفته، علم دون الحاجة لسؤالها سبب وجودها فقال بجفاءٍ:
_ماليش نفس.
انقشعت ابتسامتها وحلت غيمة الحزن بعينيها، فجذبت أحد المقاعد الموضوعة بشرفته، وقربتها لتجلس جواره، وقالت بحنانٍ:
_لحد أمته هتفضل على الحال ده يا حبيبي.. حرام عليك نفسك.
لانت معالم وجهه الداكن، ذو الندبة التي تحتل أعلى حاجبيه، وربما ما يميز وجهه المخيف بعض الشيء عينيه التي تشبه حبات البندق، التقط "مصطفى" نفسًا مطولًا قبل أن يخرج ما يعذب روحه:
_لحد ما ينفذ الصبر مني.. ويمكن وقتها تشفق عليا وتديني الفرصة اللي بتمناها منها.
تدفقت دمعاتها على وجهها المسن الذي يكسوه بعض التجاعيد، ومع ذلك لم تزيحها علها تستعطفه، فأمسكت يده وقالت ببكاءٍ:
_يا حبيبي أنت مش في ايدك حاجة تعملها، سبق واتقدمتلها اكتر من مرة وروحنا انا وابوك لاهلها، بس مفيش نصيب.. لازم تستوعب ان مستحيل تتجوز واحدة غصب عنها وهي رافضاك!
منحها نظرة حملت معنى القهر والحسرة، فتغلب عليه الصمت لدقيقةٍ قطعها حينما قال بشرودٍ يسحقه بتفكيرٍ مقبض:
_يمكن خايفة من الندبة اللي عندي في وشي.. أكيد محسساها اني مجرم!
بكت الأم بصوتٍ مكتوم، فمن الواضح بأنه يرفض سماع واستيعاب أي شيء قد تخبره به، فتحملت ذاك الألم الطاعن لقلبها وهي تستمع اليه يستطرد بخفوتٍ:
_أنا ممكن اقولها الحقيقة.. هقولها ان الندبة دي كان سببها ولد في ٢اعدادي هو اللي ضربني بالمطوة.. أنا كنت بحاول ادافع عن نفسي مش أكتر.. انا مش مجرم والله.
انتبه من غفلته على صوت بكاء أمه، فتألم لأجلها، جذبها مصطفى لاحضانه بوجعٍ مازال يقتص منه لما يتسبب به لمن حوله، فقال بصوتٍ يجاهد ليبدو ثابتًا لا يصاحب تأويهاته:
_غصب عني والله... أنا بحبها ومش قادر أخرجها برة تفكيري.
ربتت بيدها على كتفيه وهي تخبره بتفهمٍ:
_عارفة.. حبها غيرك للأحسن أنا وأبوك عملنا المستحيل عشان تهتم بدرستك وهي قدرت تعمل كده من غير حتى ما تتدخل!
واستكملت بصوتٍ واهن:
_كنت أتمنى إنها توافق تكون موجودة في حياتك.. بس ده نصيب يا حبيبي ولازم تتقبله... ادعي ربنا يعوضك بالاحسن منها ويعوضها بالاحسن منك.
أبعدها عن أحضانه وكأنها تفوهت بجريمة هزت عرش قلبه المسكين، تطلعت لوجهه فوجدته يبرق بحدقتيه بشرٍ، ومن ثم صاح غاضبًا وهو يبتعد عنها:
_عايزاني ادعيلها تكون مع غيري!!!
نهضت خلفه وهي تحاول تبرير موقفها:
_لا أنا بقول إنك لازم تفوق لنفسك ولمستقبلك وآآ...
قاطعها حينما اتجه لفراشه وتصنع حاجته للنوم.. فقال:
_انا تعبان وعايز ارتاح... من فضلك اخرجي.
تطلعت له بحزنٍ، فلم تعد تمتلك أي وسيلة قد تساعده بها، لذا انسحبت وتركته عله يتقبل ما لا يحتمل سماعه!
*****
انتهت "صبا" من جمع الأطباق، ثم اتجهت للمطبخ لتبدأ بغسلهم من بقالها طعام العشاء، فإذا بوالدها يناديها ويحثها على ترك كل شيء، وبالفعل تركت عنها الاطباق واتجهت للصالون، فتساءلت وهي تجفف بالمنشفة المياه عن يدها:
_أيوه يا بابا.
أشار لها على الأريكة المقابلة له:
_اقعدي يا بنتي.
انتابتها ربكة لما سيخبرها به أباها، خاصة بأنها باتت تعتاد على تخمين ما يود قوله لها، فالتقطت نفسًا مطولًا قبل أن تلقي بجسدها على جسد الأريكة، لتجده يبدأ بمقدماته المتكررة عن كل عريس يأتي به إليها ولكن تلك المرة أضاف بإصرارٍ:
_الولد كويس ومتعلم وابن حلال.. والاهم من كل ده اني عارفه من وهو عيل صغير.. وزي ما انتي كنتي حابة ان الخطوبة تستمر سنة واحدة والفرح بعد امتحاناتك يعني مالكيش حجة يا صبا.
تهدلت معالمها بيأسٍ من اللجوء لمحاولاتها التي باتت لن تجدي نفعًا بالهروب، لذا ردت عليه باستسلامٍ:
_اللي حضرتك تشوفه يا بابا.
اتسعت ابتسامته بفرحةٍ، بعدما تمكن من نيل مراده دون عناء مثل كل مرة:
_ خليكي واثقة يا صبا اني مش عايز غير مصلحتك.. الولد متربي واخلاقه عالية.. ان شاء الله يكون الخير ليكي.
هزت رأسها وببسمةٍ مصطنعة قالت:
_إن شاء الله.
ونهضت وهي تشير له بأدبٍ:
_هروح أنضف المطبخ.. عن أذن حضرتك.
أشار لها بودٍ:
_روحي يا حبيبتي..
تركته يخبر والدتها بحماسٍ عن مكالمته لصديقه ليحدد اليوم الذي سيأتي به لرؤيتها، واختفت داخل المطبخ، جذبت "صبا" كوبًا من المياه الباردة، ارتشفته مرة واحدة عله يسكن نيران صدرها المهتاجة، لا تعلم لما يتنابها خوفًا مبالغ به مثل كل مرة يتقدم شابًا لخطبتها، وضعت الكوب عن يدها وهي تعنف ذاتها بحديثها المنفرد:
_انا هفضل خايفة منه كده لحد امته.. انا لازم أعيش حياتي واختار الشاب اللي يناسبني.. هو مش هيتحكم فيا!
وبدأت بجلي الاطباق وهي تردد بعض الأذكار ولسانها لم يتوقف بالاستغفار والتسبيح مثلما اعتادت..
*******"
لم ترأف به حتى بأحلامه، رآها تمنحه ابتسامة خفق قلبه طربًا لها، وكأنه يشفق لحاله فيجاهد لزرعها بمخيلاته حتى وإن كانت تمنحه حبها بخيال أحلامه الوردية، فتح"مصطفى "عينيه ومازالت ابتسامته محفوفة على طرفي شفتيه، فدث يده اسفل وسادته وأخرج تذكارها الغالي، احتضن الكتاب الذي يخصها بحنان عجيب، حتى أنه كاد بتصفح صفحاته بحبٍ يلمع لرؤية خطها المنمق، فإن كان يعشق كل ما يخصها حتى ما تدونه يدها فإلى أي حد ستصل درجة حبها بداخل أوردته اذن؟
ظل مستيقظًا على فراشه حتى سطوح شمس اليوم التالي، وغمس آذان الفجر، فاحتضن كتابها بين يده وهو يردد بتمني:
_بحبها يا رب.
وانكس رأسه لتتحرر دمعات عاجزة كحاله البائس، نهض"مصطفى" عن سريره ثم اتجه للحمام الملحق بغرفته، فتوضئ وذهب ليلح على ربه بطلبها، ربما لا يداوم على الصلاة مثلما تفعل هي، ولكنه يجاهد ويبذل قصارى جهده لأن يصبح مثلها بيومٍ ما، انتهت اولى ركعاته ومع ثانٍ ركعة له أطال بالسجود وهو يناجي ربه بما أصبح علنًا للجميع فقال:
_يا رب تكون من نصيبي.. مش هستحمل انها تكون لغيري ولو ده حصل لقدر الله أقبض روحي قبل ما عيني تشوفها مع راجل تاني... يا رب اعمي عيني عنها لأني كل ما بشوفها بتعلق بيها أكتر وأكتر..
تقهقهرت دمعاته لتلامس سجادة الصلاة، فتابع وهو يتأوه من ذاك الألم الذي يطعن صدره بقسوةٍ:
_يا رب لو مش هتكون ليا إنزع محبتها من قلبي!
ونهض تلك المرة ليستكمل صلاته إلى أن انتهى، فحتى بصلاته استحوذت على دعواته باكملها مثلما تستحوذ عليه!
*******
على الرغم من أن يومها ممتلئ بالمحاضرات الهامة الا أنها لم تحبذ الذهاب للجامعة اليوم، يكفيها بأنها ستجمع المحاضرات من صديقتها "شيماء"، أردت أن تبتعد تلك الفترة عن الجامعة حتى يتم موضوع خطبتها على خير، بعيدًا عن أعينه، ظلت بالمنزل ثلاث أيام وطوال تلك الأيام كانت تتلاقى رسائل على صفحتها الشخصية من صفحاتٍ مجهولة، وحينما فتحتها علمت بأنه هو، فكان يكتبلها
«مش بتيجي الجامعة ليه؟
طمنيني انتي كويسة؟
أرجوكي ردي برسالة واحدة بس انك بخير!!»
سئمت من حظر عدد مهول من الصفحات المنشأة حديثًا، وأخرهم كانت رسالة جعلتها تبتسم بسخريةٍ على هذا الأحمق المجنون
«أنتي زعلانه مني صح.. صدقيني معتش هكلمك قدام أي شخص.. أنا آسف... ارجعي الجامعة وأنا وعد مش هضايقك تاني!...»
أنهت مهزلة الرسائل التي لا حصر لها حينما أغلقت صفحتها لتحظى ببعض السكينة والهدوء، فمازالت تستعد هي ووالدتها للغد، بعدما حدد والدها مع العريس بالقدوم غدًا لرؤيتها، حملت" صبا" سلة الملابس المبللة وعقدت خمارها الطويل ثم خرجت لتوزعها على الأحبال، وإذ فجأة تهدمت معالمها الهادئة حينما وجدته يقف قبالتها بالأسفل، يتمعن بالتطلع إليها ليتأكد بأنها على ما يرام، ابتعدت عن السور الحديدي برعبٍ قرأه جيدًا، فهرولت للداخل ومازال هو بالخارج يراقب مكانها الفارغ بنظرة حزينة، يحدثها من مسافة ألف ميل وقلبه قريب لا يبالي بابتعادها!
يناجيها بشوقٍ حتى وإن وجد الجفاء يصده..
«حبيبتي لماذا أرى الخوف يرتاع بمقلتيكِ حينما تريني؟
أتظنيني قد أمسك بالسوء وكل ما اتمناه هو أنتِ.. أقسم لكِ بأنني على أتم الإستعداد بأن أضحي بحياتي لأجلك أنتِ.. تريني أحمقًا وما أنا الا عاشق متيم بحبكِ، وإن كنت مجنونًا فوالله قد جن قلبي بلوعة عشقكِ..»
أخفض عينيه عن شرفتها وغادر بصمتٍ يمزقه من الداخل قبل أن يطول معالمه، بينما هي جاهدت لاخفاء الخوف والتوتر الذي انهال ليبتلعها دون رحمة، خشية من أن يعلم أبيها بالأمر فيخلق المشاكل بينه وبين ذلك البلطجي المخيف مثلما تراه!
*******
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!