رواية ملك بلا مملكة &; الفصل الخامس
خرج بخطوات ثابتة إلى ساحة دائرية من ترابٍ رطب، تحيط بها أعمدة خشبية تتدلّى منها رموز منحوتة بعناية. كان الهواء باردًا، والندى يلمع فوق الأرض كطبقة رقيقة من الزجاج.
تركت الرمح طواعية، واستغلت اللحظة التي احتاجها ليستعيد ثباته، فسددت ركلة دقيقة إلى داخل ركبته أربكت مركز ثقله،في الحركة التالية كانت خلفه دون أن يلتقط صوت خطوتها، وضغطت بكوعها خلف عنقه وسحبت ساقه المقيّدة جزئيًا بالحبل، فسقط أرضًا.
نهض يامان ببطء،لم يكن الألم ما أثقل صدره، بل الإرباك، لم يفهم أسلوبها، لم يستطع قراءة نيتها قبل الحركة، ولم يستطع استشعار انتقالها كما اعتاد، لأن سحر الغابة كان يعطل أدواته المعتادة في التحليل والاستشعار.
ارتفعت ضحكات خافتة من أطراف الساحة. لم تكن ضحكات صاخبة، بل نبرات ساخرة واثقة. قالت إحداهن إن قوته كبيرة لكن قدميه لا تعرفان أرضهم، وأضافت أخرى أن الغابة لا تحارب معه بل عليهم ،ابتسمت الأولى وهي تعيد ترتيب حبالها، وكأن النزال كان درسًا بسيطًا.
حاول أن يستدعي طاقته، لكن الجدار الشفاف لا يزال قائمًا. عندها فقط تسلل إلى داخله سؤال لم يطرحه من قبل: هل عجزه سببه سحر الغابة وحده، أم أنه لم يتعلم يومًا كيف يقاتل دون الاعتماد على قوته الخاصة؟
كانت ضحكات الإنكا تتردد في خلفية الفجر، خفيفة لكنها واضحة، وللمرة الأولى منذ سنوات بعيدة، شعر يامان أن خصومه لا يرونه أسطورة… بل تحديًا يمكن تفكيكه.
ظل واقفًا في منتصف الساحة، صدره يعلو ويهبط ببطء محسوب، وعيناه لا تنظران إلى المحاربات الخمس، بل إلى عرش الزعيمة.
تقدم خطوة واحدة فقط، علامة احترام لا خضوع،
قال بصوت هادئ إن القتال بلا فهم ليس شجاعة، وإنه يطلب مهلة، لم يطلب شفقة، ولم يشتكِ من سحر الغابة، بل قال إنه يريد وقتًا يتدرب فيه وحده داخل حدودهم، حتى يخوض النزالات كما ينبغي،ساد همس حاد بين الصفوف
إحدى المحاربات سخرت قائلة إن الذئب يطلب أن يتعلم المشي بعد أن انكسرت قدماه.
أخرى اعترضت بأن أرض الإنكا ليست ساحة تدريب للغرباء، وأن من يعجز يُحسم أمره، لا يُمنح فرصة ثانية.
ارتفعت الأصوات قليلًا، لكن الزعيمة الشابة رفعت يدها، فعاد الصمت بسرعة.
نظرت إلى يامان طويلًا، كأنها تقيس ليس قوته بل صموده تحت الإهانة، ثم قالت إن الغابة لم ترفضه، وإنها لن ترفض طلبه،ستمنحه يومين كاملين داخل حدود الغابة.
يومين يتدرب فيهما بمفرده، دون أن يُساعده أحد
لكن الشرط لن يكون بسيطًا.
إذا فاز بعد اليومين على اثنتين من المحاربات، فلن يكون ذلك كافيًا،عليه أيضًا أن يهزمها هي شخصيًا، إن انتصر عليها، نال حريته الكاملة وخرج حيًا كما وعدت، أما إن عجز عن هزيمتها، حتى لو تغلب على الأخريات، فلن يُمنح الحرية
لم تشرح السبب،ولم يعترض أحد
أُطلق سراح يامان داخل الغابة، لكن تحت رقابة غير مرئية. لم يرافقه أحد، ومع ذلك شعر أن الجذور تنصت إلى خطواته
ابتعد عن الساحة، وسار نحو عمق الأشجار حيث الضوء أخف والهواء أثقل،كان يبحث عن الأعشاب.
لم يكن جاهلًا بعالم النبات،يعرف أوراق السلفان، وجذور الهربان، ورائحة الليرما الزرقاء التي تعيد الصفاء إلى الحواس، اعتقد أن بإمكانه إيجاد ما يخفف أثر السحر الأخضر الذي يحيط بالغابة،راح يتتبع الروائح الخفيفة بين الأشجار، ينحني أحيانًا ليفحص نبتة، ويترك أخرى، وجد أعشابًا تعيد النشاط الجسدي، وأخرى تهدئ التنفس، لكنه شعر أن ما يحجبه ليس تسممًا ولا وهنًا طبيعيًا،في منتصف اليوم الأول، لمح شيئًا غريبًا.
بين جذعين ملتفين، كان هناك حجر مسطح نصف مدفون في الأرض، تتسرب من تحته نسمة باردة غير منسجمة مع حرارة النهار. انحنى، وأزاح بعض الطين، فاكتشف حلقة حديدية صغيرة مخفية بعناية،رفع الحجر بصعوبة، فكشف فتحة ضيقة تقود إلى درج حجري ينحدر نحو الأسفل،لم تكن تلك فتحة طبيعية.
نزل ببطء، متحسسًا الجدران الرطبة، حتى وصل إلى قبو عميق محفور في الصخر، كان الضوء خافتًا، يأتي من شق صغير في الأعلى،وهناك، في زاوية القبو، رآها
فتاة صغيرة السن، لا تتجاوز الخامسة عشرة، بشعر أسود كثيف غير مرتب وعينين واسعتين بلون رمادي باهت،لم تكن مقيدة بالسلاسل، لكن الرموز المنقوشة على الجدران حولها أوضحت أن السجن سحري لا مادي
نظرت إليه بدهشة لم تخلُ من ابتسامة خفيفة
قالت إنها لم تتوقع أن يكون أول من يعثر عليها رجلًا
عرّفت نفسها بأنها عرافة صغيرة، وأن رؤاها أقلقت مجلس المحاربات. لم يقتلوها، لكنهم حبسوها هنا لأن نبوءاتها لا تناسب قوانين الغابة دائمًا.
قالت له إنها تعلم سبب ضعفه.
وإن الأعشاب التي يبحث عنها لن تعيد له قوته، لأن ما يقيّده ليس نباتًا ولا سمًا، بل ميثاق قديم بين الغابة والسماء
ثم رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت:
ساعدني على الخروج،وأخبرك كيف تقاتل الغابة بدل أن تقاتلك
لم يكن في صوتها رجاء طفولي، بل يقين محسوب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!