رواية ملك بلا مملكة &; الفصل التاسع
تقدما خطوة واحدة في اللحظة نفسها كأن بينهما خيطا خفيا يشد الحركة ويوحد الإيقاع وانطلقت الضربة الأولى لا كعدوان مباغت بل كافتتاح مقطع موسيقي يعرف كل عازف فيه متى يدخل ومتى يصمت فالتقت قبضته بساعد الكيان والتف جسده مبتعدا نصف دائرة بينما دار الكيان حوله بخفة هواء لا يُمس
استمر القتال ساعات طويلة لم يعد فيها الزمن يُقاس بالدقات بل بالأنفاس ولم تعد الضربات عشوائية بل حركات متتابعة في تناغم غريب فحين يهاجم يامان يتراجع الكيان بخطوة محسوبة ثم يعود بخط مائل يصنع فراغا يجبر يامان على الدوران وحين يندفع الكيان بسيفه المتشكل من الظل ينزلق يامان تحته كما تنزلق نغمة هادئة بين ضربتين قويتين
كان العنف حاضرا في كل تماس وكانت الصخور تتشقق تحت الأقدام وكانت الشرارات تتطاير كلما التقت طاقة بطاقته ومع ذلك لم يكن في المشهد فوضى بل نظام دقيق يشبه رقصة قديمة يتبادل فيها الشريكان القيادة دون اتفاق مسبق يعرف كل واحد موضع قدمه وموعد انحناء جسده
أدرك يامان أنه لا يقاتل خصما يريد قتله بل مرآة مكتملة تعكس سرعته وقوته وذكاءه وتتفوق بخطوة كلما اعتمد على العجلة فترك العجلة وترك الرغبة في الحسم وبدأ يتحرك كما تعلم في صمته يستمع لثقل الهواء ويقرأ المسافة بين النبض والنبض فخف وقع ضرباته وصار ينتظر الفتحات الصغيرة التي لا تُرى إلا لمن هدأ داخله
تقدم الكيان بهجوم واسع يقصد إخضاعه فامتص يامان القوة بدلا من مقاومتها ودفعها جانبا كما يُدفَع مجرى ماء عن صخرة ثابتة ثم رد بحركة منخفضة أصابت توازنه للحظة لكن الكيان استعاد اعتداله في انسياب كامل كأنه لا يسقط بل يبدل اتجاهه
توالت الجولات بلا عد ولا إعلان وكان التعب يظهر على جسد يامان عرقا واهتزاز عضلات بينما ظل الكيان خفيفا قاسيا مكتمل الهيئة ومع ذلك لم يعد الفارق شاسعا كما كان من قبل فقد صار الإيقاع مشتركا وصارت المبادرة تنتقل بينهما كما تنتقل النغمة من وتر إلى آخر
وحين اقتربت اللحظات من نهايتها اندفعا معا في هجوم متزامن التقت فيه القوتان في قلب الساحة فاهتز الكهف وارتد كل منهما خطوتين وتوقفت الحركة دفعة واحدة كما تتوقف رقصة عند آخر إيقاع وبقيا واقفين يتنفس كل منهما بعمق ينظران في عيني بعضهما لا غالب ولا مغلوب
كان التعادل حاضرا لا كعجز عن الحسم بل كاعتراف متبادل بأن كل واحد بلغ حدود الآخر وأن المعركة لم تعد صراعا على البقاء بل حوارا بالقوة والفهم معا وفي صمت ما بعد القتال أدرك يامان أنه لم ينتصر ولم يُهزم بل أصبح مساويا لظله لأول مرة.
انحنى الكيان ببطء أمام يامان انحناءة كاملة لم تكن خضوعًا بل اعترافًا وتكسر صوته للمرة الأولى وهو ينطق بكلمات خرجت كأنها تعبر مسافة قرون فقال إنه سيكون حليفه إذا احتاجه يومًا ما وإن الرابطة التي وُلدت بينهما في القتال لن تنقطع ثم أدار وجهه نحو الساحرة الصغيرة كمن يؤدي تحية قديمة بين رفيقين يعرف كل منهما سر الآخر
تلاشت أطرافه أولًا كضباب يُسحب إلى العلو ثم انطفأت عيناه المضيئتان وبقي صدى حضوره لحظة في الهواء قبل أن يختفي تمامًا
ظل يامان ينظر إلى الموضع الذي كان يقف فيه ثم التفت إلى الساحرة وسألها عن اسمه وعن حقيقته إذ لم يكن شبحًا عابرًا ولا وحشًا مصنوعًا من وهم
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأخبرته أن ذلك الكيان لم يكن ظلًا بلا أصل بل أحد أمراء الجان الأزرق وأن اسمه كان يُتلى يومًا في مجالس النار والريح وأنه صديق قديم لها يعود عهد معرفتهما إلى زمن سبق هذه الغابة نفسها وأنه أدى دينًا عليها حين استدعته لتختبر به يامان فلبّى الدعوة ثم عاد إلى عوالمه بعد أن اكتمل العهد
وقبل أن يسألها سؤالًا آخر انقطع الخيط الزمني فجأة كأن صفحة طُويت دفعة واحدة وتبدّل الهواء من حوله ولم يعد الكهف حاضرًا بل اختفى كما يختفي حلم عند اليقظة
شعر بخطوة ثقيلة خلفه ثم أخرى وارتفع صوت احتكاك رماح بحجارة وعندما رفع رأسه وجد نفسه في ساحة مفتوحة تحت سماء غابة الانكا وقد انقضت المهلة التي حددتها زعيمة محاربات الانكا وانتهى اليومان في تقويم البشر كما وُعد
كان الحراس يحيطون به من كل جهة دوائر متتابعة من المحاربات المدججات بالسلاح عيونهن ثابتة لا تحمل سخرية هذه المرة بل انتظارًا رسميًا للحكم ولم يعد أمام يامان سوى أن يتقدم إلى قلب الساحة حيث يُحسم مصيره في المواجهة التي طلبها بنفسه
دخلت المقاتلة الثالثة بخطوات واثقة ووقفت أمامه في صمت قصير يسبق العاصفة وكانت عينا يامان هادئتين على غير ما عُرف عنه فقد كان يعرف أن ميزان التحدي لم يعد مجرد قوة جسد بل حسابات أعمق تتعلق بما سيأتي
بدأت الجولة الثالثة سريعة خاطفة تبادلت فيها الأجساد الاقتراب والانسحاب واشتعلت الشرارات بين حد السيوف ووقع الأقدام على التراب الرطب وكان يامان قادرًا على قراءة حركتها كما قرأ غيرها لكنه في لحظة حاسمة فتح ثغرة صغيرة في دفاعه لم تكن زلة بل قرارًا محسوبًا فتقدمت ضربة المقاتلة وأصابته إصابة واضحة أسقطته على ركبة واحدة ثم أطاحت بسلاحه من يده أمام الجميع
أما زعيمة محاربات الانكا فقد ظلت صامتة لحظات تزن كلماته ثم أعلنت أنها توافق على مواجهة ثنائية فقط وأن نزالها معه سيؤجل إلى النهاية إن بلغها وأشارت بيدها لتدخل مقاتلتان من الصفوف في آن واحد وتبدأ الجولة الجديدة بينما بقيت هي تراقب بعينين لا تفوتهما حركة واحدة كأنها تنتظر أن ينكشف سر ابتسامته الساخرة في اللحظة المناسبة
بدأت المواجهة عند ارتفاع الشمس ولم تتوقف مع اقترابها من كبد السماء كانت حرب نصف يوم كاملة لا تعتمد على البطش وحده بل على قراءة النفس قبل الحركة كانت الزعيمة سريعة حادة كحد صاعقة تضرب من الأعلى وتنسحب قبل الرد وكان يامان ثابتًا عميق الجذور يمتص الهجوم ثم يعيده متحولًا إلى انسياب خاطف كلما سنحت اللحظة تبادلا الهجوم والدفاع مرات لا تحصى تشققت الأرض تحت أقدامهما وتكسرت أسلحة احتياطية واستبدلاها دون كلمة ولم يكن في القتال صخب سوى صوت الاحتكاك وصوت الأنفاس المتلاحقة
عند انكسار الظل نحو الغرب بدأت ملامح الإرهاق تظهر على الجانبين لكن يامان كان قد بلغ تلك النقطة التي تتحد فيها إرادته مع سكونه فقرأ ترددًا عابرًا في كتف الزعيمة واستثمره بخدعة قصيرة تبعها دوران كامل أنهى به النزال حين أوقف سيفه عند صدرها دون أن يمسها فتجمدت الحركة وساد صمت عميق أعلنت فيه الزعيمة هزيمتها ورفعت يدها إقرارًا بانتصاره
اجتمع يامان والزعيمة في مجلس خاص بعيدًا عن العيون وتوصلا إلى اتفاق يقضي بأن يلبى جيشها ندائه إذا احتاجهم يومًا في حرب قادمة على أن يلتزم هو بشرط واحد همست به في سره شرط يتعلق بميزان القوى في الغابة وبألا يُستدعى جيشها إلا في معركة لا يكون فيها سعي إلى مجد شخصي بل ضرورة تحمي الأرض كلها فقبل يامان الشرط وأعطى كلمته
وبعد أن انتهى المجلس وهدأت الساحة قرر العودة إلى أرض غابته حيث تقبع مملكة الذئاب الجريحة المهزومة هناك حيث سقط العرش وتغيّر وجة الغابه.
<img class="x16dsc37" role="presentation" src="data:;base64, &; width=&;18&; height=&;18&; />
١٥٤١٥٤
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!