تحميل رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) بقلم رباب حسين pdf
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ مملكة السحر (نبوءة التنين) بقلم رباب حسين.
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الفصل الأول 1 - بقلم رباب حسين
في عالمٍ تقوده الوحوش، انقرض معظم البشر إثر هجومٍ لم يملكوا له دفعًا. وبعد أن تغذّت الوحوش على دمائهم، تحوّل العالم إلى غابةٍ موحشة. وكان يقود تلك الوحوش سيدها مورجاث، ثعبانًا هائلًا متعدد الرؤوس، يفرض هيمنته وجزيته على الممالك الأخرى.
ولم يبقَ من البشر إلا أولئك الذين امتلكوا قوى سحرية. ولكي يتمكنوا من التعايش مع هذا العالم الجديد، اضطروا إلى تقديم طفلٍ كل شهر قربانًا لمورجاث، ليتغذّى على دمه. وهذه كانت الضريبة ليجعلهم يعيشوا بسلام ولكن بقلب مثقل بألم الفقد. فقد الأم والأب لابنهما. وقد قام الملك فالين ( ملك مملكة السحر) بعمل جدول القربان الذي نص على تقديم أول جنين لكل أسرة إلى مورجاث. وحينها لن يطلب من الأسرة أي طفل آخر.
مرت شهور… بل سنوات من الفقد والألم. تحرم الأسرة من أول مولود لها حتى تنعم بالأمان. فأصبح الأمان باهظ الثمن للغاية.
إلا أن تنبأ أحد السحرة بنبوءة ردت الأمل والحياة إلى قلوب البشر. نبوءة التنين.
وهي التي قصت على ميلاد طفل ثاني لعائلةٍ ما يحمل قوة خارقة من السحر وهو من سيحرر أرض ممكلة السحر ويعيد إلى البشر الأمان وسوف يصبح قائدهم الجديد.
إنتظروا جميعًا ميلاد ذلك الطفل على أمل يأتي إليهم ويخلصهم من هذا العذاب.
واحتفالًا بميلاده قامو بعمل حفلًا سحريًا لكل طفل في سن العاشرة من عمره. فا هذا هو السن الذي يثقل فيه السحر عند المولود ويكتسب مهارات جديدة. وأصبح عيدًا مقدسًا لهم. وحين يبلغ عدد من الأطفال سن العاشرة يجتمعون معًا ليلًا أمام أعين الجميع ويترقبون تجسد نبوءة التنين أمامهم.
وبعد سنوات. وفي أحد ليالي العيد حين بلغت ابنة الملك أريانا عامها العاشر اجتمعت مع عدد من الأطفال اللذين اتموا عامهم العاشر في ساحة المملكة الكبيرة. وتقدمت أريانا إلى منتصف الساحة وهي تنظر إلى الملكة سيرينا والملك فالين بابتسامة مشرقة. فاليوم سوف تتعرف على قدراتها الخاصة.
اقتربت من كبير السحرة ميرفال الذي أمسك بعصاته السحرية ومررها على رأسها وهي تقف أمام حوض من الماء الكبير. فا ارتفعت المياه عاليًا من الحوض باندفاع شديد أغلقت أريانا عينيها على أثره بفزع. وحين فتحت عينيها مرة أخرى وجدت ما حولها يكسوه اللون الأسود. فقدت بصرها وأصبحت ترى فقط بعض الألوان تتحرك حولها. ألوان كثيرة تركض نحوها وهي تتلفت حولها بذعر وتقول: أمي.. مش شايفة حاجة. أمي..!
انتفض الملك والملكة على الفور واقتربا منها فرأت أريانا ضوءًا ورديًا يخترق هذا الظلام الذي يحيط بها فركضت نحو الضوء فإذا بها تحتضن الملكة وحين استنشقت عطرها قالت ببكاء: أمي… مش شايفة حاجة خالص.
جثت أمامها سيرينا بقلق وقالت: مش شايفة ازاي! أمال عرفتي منين إني قربت منك؟
أريانا: شفت لون وردي بيقرب مني. إنتي عارفة إني بحب اللون ده. وأكيد ده إنتي وبابا عشان أنا بحبكم.
نظر فالين إلى كبير السحرة وقال: حصلها إيه يا ميرفال؟
اقترب منها ميرفال وقال: شايفة ألوان تانية يا سمو الأميرة؟
أريانا: شايفة ضوء أخضر جاي منك يا ميرفال. قلبك طيب وطاهر.
نظر ميرفال إلى الملك وقال: دي قوتها السحرية يا مولاي. بتقدر تشوف النفوس من جواها. يمكن فقدت بصرها عشان بصيرتها تنور. ده هيخليها مالكة عادلة جدًا. أظن دي أجمل قوة سحرية ظهرت في أرض المملكة لحد دلوقتي.
سيرينا بفزع: يعني مش هتشوف تاني؟
أريانا: أنا حاسة بكل اللي حواليا من غير ما أشوفه يا أمي.
نظرت سيرينا إلى فالين بحزن وقالت: ليه حاسة إن القوة دي هتبقى عبأ عليها أكتر ما هتخدمها؟
فالين بحزن: خديها جوا القصر يا سيرينا وبعدين نشوف حل مع ميرفال.
قادتها سيرينا إلى داخل القصر. وعاد الملك ليجلس على عرشه ينتظر ظهور القدرات السحرية لراعياه.
صعد أكثر من عشرة أطفال وكانت مواهبهم ممتازة. هناك من يتحكم بالصخر والرياح والماء ومن يحول المياه إلى جليد. كان يوم حافل بالقدرات الخارقة حتى شعر الملك بأن النبوءة سوف تتحقق اليوم.
حتى صعد آخر طفل إلى الساحة حين قال ميرفال: نيراس ابن فالريك.
صعد طفل متلهف بقلبه وراهبًا لما يحدث. فهو لا يزال طفلًا ويشعر بثقل الأمر على عاتقه. اقترب من ميرفال ووقف أمامه فنظر له وهو يعقد حاجبيه. ثم رفع عصاه ووضعها على رأسه فاقتربت غمامة سوداء فجأة فوق جموع الحاضريين. نظروا لها جميعًا بخوف بعيون مشدوهة ثم عاد ميرفال نظره إليه فوجده ينظر لما يحدث بتعجب ولكن ما أثار فضوله أنه لم يحصل على أي قوة سحرية. ثم اقترب فالريك منه واحتضنه بقلق وقال: إيه اللي بيحصل؟!
ميرفال: الولد معندوش أي قوة سحرية.
وقف الرجال أمامه وقالوا: لازم يخرج برا المملكة. طفل من غير سحر هيلعن المملكة ويخسرنا مواهبنا كلنا وساعتها مورجاث هيهجم علينا ومش هيسيب مننا حد عايش.
نظر ميرفال إلى الملك وقال: مولاي الملك فالين. القانون معروف وواضح. طفل من غير قدرات سحرية هو فال سيء علينا جميعًا.
وقف وزير السحر الأسود زادور وقال: لازم ينفى يا مولاي.
اقتربت منه أمه فيسرا وقالت: ده ابني الثاني. عايزين تبعدوه عني. مش كفاية أخوه اللي خده مورجاث. أنا مش هسيب ابني يخرج يواجه الوحوش والحيوانات المفترسة برا لوحده.
تمسك بها نيراس بقوة وهو يرى الجميع يهاجم وجوده بالمملكة ويطلب نفيه. مما دب الخوف في قلبه فظل يرمق والده بقلق ولكن لم يقوى على مجابهة جميع الرجال في المملكة اللذين انتفضوا جميعًا يطالبون بإبعاد الطفل على الفور. مما جعل الملك فالين يوافق على طلب شعبه وأمر بنفيه.
جذبه الحراس من بين يدي أمه فيسرا عنوة ووضعه خارج أسوار المملكة. وقف ينظر إلى البوابة بفزع وصوت صرخات فيسرا يخترق مسامعه. شرع بالبكاء وهو ينادي على أمه ويصيح باسمها كي تفتح له الباب ولكن أمر الملك لا يمكن الرجوع عنه.
وفجأة اختفت الأصوات وحل الظلام والتفت نيراس إلى الأرجاء من حوله بفزع. ارتعشت أوصاله وانكمش على نفسه. البرد قارس ولا سبيل له للنجاة. فهو ميت لا محال. وهذا ما فكرت به فيسرا وفالريك. فقد علما أن نجاته أمر مستحيل.
علا صوت عواء الذئاب. صوت الطيور الليلية والخفافيش. الظلام حالك ولا يرى شيء فلم يجد سوى ذلك الجبل الذي يقع بجوار المملكة. ظن أنه ملجئًا له فركض نحوه يختبأ داخل أحد الكهوف. وحين وصل إليه جلس بداخله منكمشًا. تتصاعد أنفاسه وقلبه يتهاوى بين ضلوعه وحين بدأ إدراك ما قد حدث للتو إنسابت دموعه وقلبه يصيح مناديًا لأمه فهي ملجأ الأمان له.
حتى قاطع بكاءه صوت حركة داخل الكهف فانتفض بفزع ونظر إلى الداخل يحدق بالظلام. يتأهب لما سيحدث. ابتلع ريقه بتوتر وقال: مين هنا؟! وحش؟
لم يتحدث أحد. الصمت يقتله رويدًا رويدًا. يحدق إلى لا شيء. استمر الصمت لدقائق حتى صدع صوتًا قويًا ولمعت عينين داخل الظلام بثت الرعب داخل روحه فارتد إلى الخلف بخطوات مرتعشة. حتى تقدمت نحوه خطوات لم تأتي دابتها على الأرض إنما داخل صدره. حتى ظهر دب جبلي ضخم ظل يخطو نحوه ونيراس يتراجع إلى الخلف حتى تسارعت خطوات الدب وانقض عليه فجأة فسقط نيراس أرضًا ورفع كلتا يديه أمام وجهه وصرخ بقوة. فجأة لم يشعر بأي شيء حوله. هدأ صوت الدب فرفع نيراس عينيه بتوجس والتفت إلى الدب فوجده يجلس أمامه مسالمًا. نظر نيراس إليه متعجبًا وانحنى له الدب كالكلب المطيع ووضع رأسه أمام يده. حدق به نيراس بدهشة ثم تفاجأ أن الدب يحرك رأسه أمامه وكأنه يطلب منه أن يربت على رأسه. فحرك نيراس يده على استحياء وربت على رأس الدب حتى هدأ وجلس بجواره. تنفس نيراس براحة وجلس بجواره متعجبًا لما فعل هذا الدب. شعر بالدفء بجواره حتى نام دون يشعر.
مر الليل الطويل بين بكاء فيسرا وشرود فالريك. أما الملكة سيرينا فاحتضنت الأميرة أريانا بين ذراعيها وهي تنام بهدوء واطمئنان. دموعها تنساب حزنًا عليها. ترى أن فقدانها لنظرها أمر محزن لا تعلم أن هناك الكثير بانتظارها. على عكس الملك الذي قبض حزنه داخل قلبه وجلس على عرشه وحيدًا يحدق بالفراغ حزنًا على حالة أريانا.
حل الصباح واستيقظ نيراس عندما تسلل الضوء إلى عينيه نظر بجواره فلم يجد الدب. خرج من الكهف متأهبًا. التفت يمينًا ويسارًا فلم يجد أحد. شعر بالجوع ونظر حوله يبحث عن أي شجرة مثمرة ولكن لم يجد سوى الصخور والجبال. فجلس على الصخرة يطأطئ رأسه بحزن حتى وجد سمكة تلقى أمامه أرضًا فرفع رأسه بتعجب فوجد الدب يجلس ويحرك يده نحو السمكة وكأنه يطلب منه أن يأكلها.
أمسك بها نيراس وقال: دي عايزة تطبخ.
ظل الدب يحدق به فتحرك نيراس يبحث عن حجر ليشعل النيران بالطريقة البدائية كما يفعل والده دائمًا. بعد قليل كان يتناول نيراس السمكة بعد أن تم طهيها.
فجأة سمع ضجيج من حوله. ظهر الخوف على وجه الدب وجذب نيراس من يده وانحنى أمامه فصعد نيراس على ظهره وركض الدب بعيدًا عن الأصوات وبعد أن توارى عن الأنظار ظهر الوحوش التي تمر بالطريق حتى تصل إلى مملكة الوحوش.
نظر نيراس إلى الدب بامتنان وهو يربت على ظهره ثم قال: شكرًا إنك بتحميني. من النهاردة إنت صديقي الوحيد وهسميك كوردن.
منذ ذلك الحين ولم يتفارق نيراس عنه فأصبح درع الحماية له. حتى مرت الأعوام سريعًا. فقد فالريك وفيسرا الأمل في عودته فكيف لطفل أن ينجو بهذه الغابة وحيدًا.
بعد عشرة أعوام. وفي ليلة هادئة كان يجلس نيراس أمام الكهف الذي تغير ملامحه كثيرًا عن زي قبل بعد أن أعده نيراس منزلًا له. يتابع أحوال المملكة من الخارج ولا يقوى على الاقتراب. فالآن بات يعلم أن وجوده بالمملكة هو بداية لعنة على البشر. وفضل أن يعيش وحيدًا حتى لا يموت أحدًا بسببه. ولكن الغريب أن لم ينفى طفل آخر داخل المملكة وهذا يعني أنه الطفل الوحيد الذي ولد دون موهبة.
كان يمسك بأحد الأخشاب ويشذبها بحجر مدبب. حتى تشكلت على هيئة دب صغير. وضعه نيراس أمام كوردن وقال: عملتلك لعبة يا كوردن.
عبث بها كوردن بيده لبعض الوقت ثم توقف فجأة ونظر إلى الطريق. فنظر نيراس بنفس الاتجاه وقال: وحوش هتعدي ولا إيه؟!
دخل بالكهف وراقب ما يحدث حتى وجد موكب ملكي يمر أمامه فقال: ده مش وحوش. ده حد من العيلة الملكية.
لم يستمع إليه كوردن بل أخذ يدفعه إلى الداخل بخوف فقال نيراس: خايف ليه كده؟ مفيش وحوش.
لم يستمع له فنظر له نيراس متعجبًا وهو يحاول جاهدًا أن يحميه. ثم قاطعه صوت الوحوش فنظر إلى ما يحدث فوجد الوحوش تقطع الطريق أمام الموكب الملكي. فربت على ظهر كوردن حتى يتوقف عن دفعه وراقب ما يحدث بصمت. بدأ الصراع بين الوحوش وحراس الموكب وكالعادة تغلبت الوحوش عليهم حتى قُتل جميع الحراس وبقي فقط العربة التي بداخلها فردًا من العائلة الملكية.
هجمت الوحوش بقوة على العربة وارتفع صوت الصراخ من داخل العربة. تفاجأ نيراس بأن الصوت الذي يصدع من العربة هو صوت نسائي وحينها لم يستطع أن يكتفي بالمشاهدة. صعد فوق ظهر كوردن وقال: نزلني من على الجبل بسرعة.
لم يتحرك كوردن فأردف: هتموت يا كوردن. اتحرك بسرعة.
صفعه على ظهره حتى تحرك كوردن ونزل من الكهف وتفاجأ الوحوش باقترابه منهم. وحين رأوا نيراس يعتلي ظهره حولوا أن ينقضوا عليه. نزل نيراس فورًا ورفع سكينًا صغيرًا أمامهم. فنظروا له باستهزاء والتفوا من حوله وراقب نيراس تحركهم بخوف. فمن المؤكد أنه سيفقد حياته الآن.
ثم اقتربوا منه بخطوات ثابتة وواثقة والخوف بدأ يسيطر على قلبه. وكلما اقتربوا كلما شعر بحرارة جسده. لم يمهلوه وقتًا كثيرًا بل انقضوا عليه واحدًا تلو الآخر وهو يحاربهم بذلك السكين الصغير فقط. وحين شلوا حركته بالأرض وزاد ألم جسده عندما تكتلوا فوقه صرخ صرخةً مدوية.
خرجت أريانا من الموكب لترى ما يحدث ولماذا ابتعد الوحوش عن العربة. ومن الذي يصرخ بالخارج! وحينها شعرت بشعور غير معتاد. بدأت عينيها تلتقط أضواء أخرى. فوضعت كلتا يديها على عينيها وأغمضتهما بقوة. وحين عادت فتحهما وجدت بصرها قد ارتد إليها. ورأت الوحوش تهجم على بشريًا أمامها. فتحت عينيها بصدمة لم تصدق أن بصرها قد عاد. تُرى ما السبب!
ولكن ما حدث مع نيراس كان أكثر عجبًا. حرارة جسده تزداد. حتى تحول صوت صراخه إلى صوت غريب. لم يسمع به أحد من قبل. وكأن هناك وحش يكمن بداخله. وفجأة ظهر حيوانات مفترسة حول الوحوش. أحاطت بهم من كل اتجاه. وعلى رأسهم كوردن الذي دفع بالوحوش بعيدًا عن جسد نيراس. وما أن وقف حتى ظهر ضوءًا بيده يبعث بنور قوي. فرفع نيراس كلتا يديه معًا وخرج من بينهما ضوءًا شديدًا تحول إلى لهيب فركض الوحوش بعيدًا عنه بخوف. نظر نيراس إلى كلتا يديه بتعجب. ثم رأى تجمع الحيوانات من حوله. من ذئاب وأسود وضباع. تنفس بقوة وكأنه يلاحق أنفاسه. حتى وقعت عينيه على أريانا التي تقف أمامه وتفتح عينيها بذهول. ليس فقط أثر صدمتها من نظرها الذي عاد إليها فجأة وإنما من هيئته العجيبة وهذا اللهيب الذي صدر من بين يديه العارية. وتيقنت أنه يملك قوة سحرية لا مثيل لها.
تعلقت نظراتهما ببعض. لم يكن إعجابًا عاديًا بل وكأن روحهما ارتبطت ببعضهما البعض. شعور لا يمكن وصف سوى بأنهما كانا كشخص واحد انقسم إلى نصفين وعاد ليلتحم من جديد ليكملا بعضهما البعض.
أصبح نبض قلبهما واحد. واقتربت منه أريانا دون أن تشعر وهي تتأمل ملامحه التي تُعد أول ملامح بشرية تراها منذ وقت طويل. لمعت عيني نيراس وهو يرى وجهها الطفولي البريء. هدأ وبدأ قلبه ينبض بشعور مختلف. هناك عشق تخلل بداخله ليس عشق الحبيب فقط. بل اكتمال روحه التي فقدها منذ ولادته.
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الفصل الثاني 2 - بقلم رباب حسين
م يكن القدر قد كشف كل أوراقه بعد فبعض النبوءات لا تبدأ لحظة ولادة أصحابها بل حين يلتقي طريقان كُتب لهما أن يصيرا طريقًا واحدًا. وفي تلك الليلة التي اشتعلت فيها النار بين يدي المنبوذ وعاد النور إلى عيني الأميرة بدأت عجلة المصير تدور من جديد حاملةً معها أسرارًا دفنتها القرون وحربًا ستقرر مصير مملكة السحر بأسرها.
ما حدث كان كفيل بأن يجعلهما في حيرة. كيف عاد لها بصرها بمجرد رؤيته. وكيف تغلب على تلك الوحوش! وما السبب وراء تلك الحيوانات التي ساعدته!
أما هو فلم تقل دهشته. ينظر إلى يديه متعجبًا. هو يعلم أنه بدون موهبة فكيف أخرج ذلك اللهيب من يديه.
عاد النظر إليها وحين نظر إلى عينيها تجمد الزمن من حوله. هدأت الأصوات. وتشوشت الرؤية فلم يعد يرى غير وجهها. وكأن عالمه اجتمع داخل عينيها ولم يسمع سوى نبض قلبه.
اقتربت منه وهي تحدق بهالته. فهي فقدت بصرها ولكن لم تفقد قدرتها على رؤية الروح. هالته مختلفة لم تراها من قبل. فمنذ أن حصلت على قدراتها السحرية وهي تدرس هالة الروح ومعناها بكل اهتمام. فهذا ما يميزها وما تم إعدادها إليه كملكة. فاستغلت موهبتها لتعرف معادن البشر من حولها. اللون الوردي يعبر عن حب الشخص ولطفه. الأخضر يعبر عن نقاء القلب. الأزرق يعبر الأخلاص. الأسود يعبر عن الكراهية والحقد. والرمادي يعبر عن اعتدال الشخص. أما هو فجسده يشع باللون الذهبي الخالص. عينيه تبعث الهدوء داخل روحها وما تعجبت منه شعورها نحوه فبالرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي تراه بها تخلل داخل صدرها شعورًا بأنها وجدت من كانت تبحث عنه منذ ولادتها.
ما إن وقفت أمامه ارتعش قلبه وتذكر على الفور ما سمعه من رجال قومه قبل نفيه. هو يسلب منهم قوتهم السحرية. تحكم بعينيه وارتد إلى الخلف على فور مبتعدًا عنها وانحنى أمامها قائلًا: مولاتي الأميرة.
نظرت إليه وقالت: إنت تعرفني؟
نيراس: طبعًا. إنتي أميرة مملكة السحر؛ أريانا.
أريانا: إنت بتعمل إيه برا المملكة؟ مش خايف من الوحوش!
نيراس: بعرف استخبى منهم ماتقلقيش. بس سموك لازم تروحي المملكة فورًا قبل الليل.
نظرت أريانا حولها فرأت الحرس قد ماتوا. فعادت النظر إليه وقالت: أرفع راسك لو سمحت وبصلي.
اعتدل في وقفته ورفع عينيه أمامها ليرى وجهها عن قرب. نبضات قلبه تلاحق بعضها البعض حتى اضطربت أنفاسه.
ارتبكت أمام عينيه فتحمحمت قليلًا وقالت: ممكن توصلني؟ الحراس كلهم ماتوا ومش هعرف أرجع لوحدي. أنا مش عارفة الطريق.
عقد حاجبيه وقال: اه افتكرت. إنتي يوم الاحتفال فقدتي بصرك. بس إنتي شيفاني ازاي؟!
أريانا: حاليًا ماعنديش أي تفسير للموضوع.
نيراس: يعني إيه؟
أريانا: يعني لحد قبل ما أشوفك وأنا كنت لسه عامية. لكن لما قربت منك نظري رجعلي.
تذكر نيراس ما حدث يوم الحفل وحديث ميرفال عندما أخبر الملك أن قدراتها هي رؤية الروح. هنا وتأكد أن الأميرة فقدت قدراتها بمجرد أن اقترب منها. فابتعد عنها وقال: أسف يا سمو الأميرة ماقدرش أوصلك.
عقدت حاجبيها وقالت: هتسيبني في وسط الغابة لوحدي؟!
أغمض نيراس عينيه بحزن وقال: أسف يا مولاتي. لكن ده أضمن لسلامتك.
أريانا: سلامتي تسيبني أمشي في طريق زي ده ماعرفش حتى وجهتي!
نيراس: أسف. حاولي تلاقي طريقك بنفسك.
التفت وصعد على ظهر كوردن ثم ربت على ظهره كي يتحرك ولكنه أبى. ربت على ظهره مجددًا فزفر كوردن بقوة ولم يتحرك. فصاح به كي يتحرك فنظر كوردن إلى أريانا التي تتابع ما يحدث بصدمة. كيف تركها هكذا ورحل رغم معرفته بهويتها! وصعد كوردن صفح الجبل.
أغمض عينيه بحزن. هذا ليس من شيمه ولكن فكر فقط أن الملكة القادمة لا يمكن أن تكون بدون قوة سحرية.
ما إن اختفى عن نظرها حتى فقدت بصرها على الفور. عاد الظلام يخيم من حولها. ظلت تلتفت يمينًا ويسارًا على أمل أن تجد من ينقذها ولكن لم تشعر بأحد. صمت خيم بالأجواء أصاب صدرها بقبضة مؤلمة. علمت أن حياتها على وشك أن تنتهي.
داخل قصر مورجاث؛ ملك الوحوش، دخل رئيس الحراس وانحنى أمامه ثم قال: مولاي مورجاث. الحراس هاجموا موكب الأميرة أريانا زي ما أمرت لكن رجعوا بأخبار غير مفهومة.
مورجاث: أخبار إيه! الأميرة ماتت؟!
زاروك: لا يا مولاي. زي ما أمرت كان مجرد تحذير للأميرة عشان ماتخرجش وتروح لميرفال تاني. لكن الأخبار عن واحد وقف قدام الحراس وكان يملك قوة سحرية فريدة من نوعها. الحراس خافوا منه ورجعوا على المملكة فورًا.
اقترب مورجاث منه زحفًا لينظر زاروك إلى عيون الأفاعي التي تنظر إليه بتوجس مما دب الخوف في قلبه فقال: إيه القوة السحرية؟
ابتلع زاروك ريقه بتوتر وقال: عمل بلورة نار بإيده.
فتح مورجاث عيونه بدهشة وقال: مفيش حد من السحرة بيتحكم في النار. مين الراجل ده؟ عايزه قدامي هنا فورًا.
زاروك: مين هيقدر يقف قدامه يا مولاي؟
مورجاث بحدة: لو لزم الأمر خرج الحرس كلهم. مهما عمل مش هيقدر على العدد ده كله. خلي الوحوش كلها تخرج تجيبه هنا مقيد.
انحنى له زاروك مجددًا وقال: أمرك يا مولاي.
خرج من القاعة واتجه فورًا نحو الحرس وأمرهم بالخروج والبحث عن هذا المجهول الذي حارب الحرس وحده.
أما الملك فالين فكان يجوب داخل القصر بقلق. قد تأخرت الأميرة أريانا عن موعد عودتها كثيرًا فنظر له الوزير زادور ( وزير السحر الأسود) وقال: إهدى يا مولاي. أكيد الأميرة هترجع دلوقتي.
فالين: الوقت إتأخر والشمس قربت تغرب. حضر العساكر يخرجوا يدوروا عليها. وأرسل إلى ميرفال واسأله عن الأميرة وأعرف مشيت ولا لأ.
زادور: وهطلب من كاسيان يخرج يدور عليها مع الحرس، هو خطيبها ولازم يخرج يحميها. مع إنه إعترض أكتر من مرة على خروج الأميرة من المملكة يا مولاي.
فالين: إنت عارف إنها بتروح تتأمل في الجبل مع ميرفال من ساعة ما فقدت بصرها. وده بيقوي قوتها الروحانية على رؤية جوهر الناس. وكمان قوتها بتزيد بالتأمل. مش عارف ليه إنت وكاسيان معترضين على الأمر.
زادور: عفوًا يا مولاي مانقدرش نعترض على سموك، بس كل ده خوف على الأميرة ومن حب كاسيان فيها وغيرته عليها.
فالين: طيب أجل الكلام ده دلوقتي وابعت الحراس يدوروا يمكن يلاقوها.
زادور: أمر مولاي.
خرج زادور وذهب إلى غرفة كاسيان الذي يتدرب على بعض التعاويذ السحرية الخاصة بالسحر الأسود، نظر زادور لما يفعله وقيم النتائج ثم قال: أريانا مارجعتش لحد دلوقتي. أخرج مع الحرس ودور عليها.
زفر كاسيان بضيق وقال: برده خرجت من غير ما تقول وراحت لميرفال تاني! أنا مش عارف هي بتعمل كده ليه. حذرتها أكتر من مرة من الخروج ومش بتسمع كلامي وده اللي مخليني متأخر في إتمام الجواز. أريانا بتتعامل معايا على إني واحد من الراعية وهي الأميرة والملكة المنتظرة وبرغم حبي ليها إلا إني متضايق من تعاملها معايا. بابا… هي مش بتحبني.
زادور بهدوء: السلطة ليها حكم تاني يفوق حكم الحب. حتى لو مش بتحبك هي عارفة إنك أنسب زوج ليها وكمان هي مطمنة ليك لإنها شافتك من جواك مش من برا وعارفة معدنك كويس.
تنهد كاسيان وقال: كان نفسي تختارني بقلبها مش بعقلها. أنا هخرج أدور عليها.
أخذ كاسيان الحراس وانطلق إلى خارج أسوار المملكة في حين أن حراس مورجاث كانوا يبحثون عن نيراس في الغابة.
كان نيراس يقف أمام الكهف أعلى الجبل ويتابع أريانا من بعيد. كانت تتجه يمينًا ويسارًا دون وجهة مجددة. تتعثر وتقع ثم تعود وتنهض من جديد وهو يتابعها بحزن وقلق. كلما سقطت هوى قلبه بين قدميه وحين تنهض مرة أخرى ينظر إليها ويتأكد من سلامتها.
اقترب كوردن منه وحرك رأسه قليلًا فدفع يده. التفت إليه نيراس وقال: مش هعرف أنزلها تاني. دي الأميرة لو قربت منها هتخسر قوتها.
دفعه كوردن بقوة أكبر وكأنه يدفعه من حافة الجبل كي ينزل فزفر نيراس وقال: طيب أعمل إيه؟ أقضي على مستقبل المملكة كلها؟ أكيد الحرس هيرجعوا يدوروا عليها وأنا متابع من بعيد وبراقبها. لو حد قرب منها هنزل أحميها لكن تفضل معايا لأ.
جلس كوردن خلفه بضيق فتحرك التراب من تحته أثر دفعته ونفر بوجه فخرج رزاز من فمه في وجه نيراس فقال: بتتعصب عليا؟ إنزل إنت أحميها.
نهض كوردن ووضع رأسه تحت يده يطلب منه أن يمسح على رأسه وكأنه يخبره بأنه لن يفترق عنه. فربت نيراس على رأسه وقال بحزن: أنا زعلان من نفسي أكتر ما إنت زعلان. لكن وجودي جنبها هيأذيها.
بعد أن حاولت أريانا مرارًا أن تعثر على طريقها وفشلت جلست على أحد الصخور وأغمضت عينيها بحزن. ثم تذكرت ميرفال وما تعملته منه حين أخبرها أن تغلق عينيها وتبدأ بالبحث عن وجهتها دون أن تراها. تحاول أن تستشعر الأمان من حولها وحينها ستجد ضلتها.
حاولت أن تهدأ وبدأت تحدث نفسها قائلة: لازم ألاقي طريق النجاة. أكيد في حد هيعرف يوصلي ويجي ينقذني.
كان نيراس يحدق بها من بعيد. فقدت الأمل في النجاة. هل جلست تنتظر الموت كما فعل عندما كان طفلًا بالعام العاشر من عمره؟
قاطع تفكيره كوردن الذي دفعه بعنف فنظر له بفزع وقال: إيه تاني؟!
نظر كوردن إلى أسفل صفح الجبل بالجهة الأخرى فالتفت نيراس على الفور فوجد الوحوش قد عادت وهي في طريقها نحو الأميرة. صعد نيراس على ظهر كوردن سريعًا ونزلا أسفل الجبل. وفي وسط تأملها وبحثها عن الأمان سمعت بصوت ضجيج يقترب منها. صوت أقدام تركض نحوها سريعًا ففتحت عينيها على الفور. فوجدت ضوء ذهبي يخترق بصرها. علمت على الفور أنه هو ثم ظهرت ملامح وجهه بين الظلام ليعود الضوء إلى بصرها مرة أخرى. بحثت عن الأمان فظهر أمامها من ببن الظلام.
فوقفت أمامه سريعًا وهي تنظر إليه بصدمة مما يحدث معها كلما رأته. ما سر عودة نظرها بجواره فقط.
أما نيراس فعادت حرارة جسده ولكن هذه المرة لم يهتم. فقط جذبها من ذراعها سريعًا لتجلس خلفه وانطلق كوردن عائدًا نحو الجبل فتمسكت بملابسه بقوة وعاد إلى الجبل قبل أن يصل الوحوش إلى مكانها. وحين وصل إلى صفح الجبل نزل من على ظهر كوردن ونظر إليها وهي تطلع به بتعجب ثم قالت: رجعت ليه؟
أشار نيراس إلى أسفل الجبل وقال: الوحوش كانوا هيشوفوكي تاني.
أريانا: بتحميني ليه! مش إنت اللي رفضت تساعدني من الأول!
تنهد نيراس وقال: عندي أسبابي. عارف إنك شيفاني شخص سيء بس بجد غصب عني يا سمو الأميرة.
التفت أريانا لتبتعد عنه وقالت: مش محتاجة شفقة منك.
وقف نيراس أمامها وقال: مش هينفع تنزلي لوحدك ده غير إن الشمس غربت.
أريانا: لو كنت وافقت توصلني كان زماني جوا المملكة. ده غير إنك مش شخص أمين على حياتي.
نيراس: أنا فعلًا شخص مؤذي. ده غير إني ماقدرش أروح هناك. ممكن يقتلوني.
أريانا: اه، خايف على نفسك يعني؟
نيراس: عمري ما فكرت في نفسي. بالعكس أنا كل يوم بستنى موتي. لكن بفكر فيكي إنتي. قربي منك غلط عليكي. بس عشان مفيش حل تاني قدامي هضطر أخليكي هنا معايا لحد الصبح وساعتها تقدري تنزلي من على الجبل.
التفت من أمامها وتوجه داخل الكهف فقالت: هو ليه نظري بيرجع لما بقرب منك؟
وقف نيراس ولم يلتفت إليها، فقط قال وهو يواليها ظهره: عشان أنا خطر عليكي.
دخل بالكهف وتركها بالخارج. ثم وجدت كوردن يدفع باللعبة الخشبية التي صنعها نيراس له ويضعها أمامها. ثم جلس بجوارها كطفل يبحث عمن يلعب معه. فابتسمت له وقالت: إنت حلو أوي. مش زي صاحبك ده أبدًا.
نظر لها نيراس وهو يجلس بالكهف فبادلته النظرة وجلست تلعب مع كوردن.
أما كاسيان فبدأ بالسير بالطريق الذي يجب أن تعود منه الأميرة ولكن وجد العربة الملكية فارغة والحراس ملقون على الأرض. نزل يركض بالأرجاء يبحث عنها. ثم رأى الوحوش يتجولون حول المكان. أمر الحراس بأن يتأهبوا، وحين اقتربوا منهم وقف كاسيان وخلفه الحراس وبدأت المعركة بينهم. رفع كاسيان يده ليخرج دخان أسود منها فسقط أحد الوحوش بعد أن فقد قدرته على الرؤية. أمسك به كاسيان وقال بغضب: فين الأميرة؟
دفعه الوحش بقوة واشتد الصراع بينهم. فقد كاسيان عدد من الحراس فعدد الوحوش كثير للغاية. ووجد أن متبقي حوله أثنان فقط. فقام برفع يده إلى السماء ليخيم غمامة سوداء حولهم. ورفع حارس آخر يده ليخرج قيود من الضوء تقيد بعض الوحوش ثم ركض كاسيان نحو فرسه وأمر الحارسين بأن يتتبعاه وعادوا جميعًا إلى المملكة.
القلق يخيم على قلبه. فقد أريانا على يد الوحوش. الغضب يسيطر عليه والخوف من عدم رؤيتها مرة أخرى أصاب قلبه بالحزن.
عادوا إلى المملكة ونزل كاسيان من على فرسه وتوجه نحو قاعة الملك مباشرة وقال بخوف: الوحوش خطفوا الأميرة! الموكب فاضي والحراس مقتولين في الأرض ومفيش أي أثر لأريانا.
وقف فالين بصدمة وبجواره سيرينا التي دب الخوف في قلبها واسودت عين الملك فالين بغضب لا مثيل له معلنًا بداية حرب يعلم أنه سيفقد كل شيء يملكه بها وأولها عرشه الثمين. فا مورجاث هو من أخل بالإتفاق ويجب عليه دفع الثمن.
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الفصل الثالث 3 - بقلم رباب حسين
لم تكن الحروب تبدأ دائمًا بقرع الطبول أو اصطدام السيوف بل أحيانًا بكذبةٍ واحدة أو قرارٍ متسرع أو سرٍ أخفاه القدر طويلًا. وبينما كانت مملكة السحر تستعد لمواجهة عدوٍ ظنته يعرفه كانت خيوط النبوءة تُنسج في صمت لتقود الجميع نحو حقيقةٍ لم يتخيلها أحد… حقيقةٍ قد تغير مصير الممالك وتوقظ قوةً ظلت نائمةً لسنوات لا لتبدأ الحرب فحسب… بل لتحدد من سيبقى حيًا حتى نهايتها.
وداخل أسوار المملكة كانت هناك نيران تشتعل بحرب لم يكن يتوقعها أحد. حين علم البلاط الملكي بخطف الأميرة استنفروا من هذا الفعل وطالبوا بشن حرب لإعادة الملكة القادمة إلى قصرها. ليس فقط إنتماءًا للقصر والمملكة وإنما بقلوب أباء قد فقدوا ابناءهم ليشتروا الأمان داخل منازلهم. ليضمنوا سلامتهم وسلامة أولادهم الأخرين. ولم يعد هناك من يستطيع التحمل أكثر.
أعلن فالين التعبئة للجيوش والاستعداد لاقتحام مملكة مورجاث. استعان فالين بوزير السحرة كي يعد الشباب اللذين يملكون قوة سحرية فريدة تساعدهم على الحرب.
بعد وقت دخل الوزير درافان ووقف بالبلاط الملكي وسط الوزراء وانحنى أمام الملك وقال: مولاي.
فالين: إحنا بنستعد للحرب يا درافان وعايز أقوى السحرة في المملكة. المرة دي مورجاث مش هيقدر علينا عشان هنظم صفوفنا وندعم المواهب القوية التي تقدر تساندنا في الحرب. حضرلي أكفأ السحرة عشان نبدأ ندربهم على القتال مع الجيش.
تدخل كاسيان قبل أن يتحدث درافان وقال: أنا أضمن موهبة ندرة جلالتك وكمان متدرب على القتال. رايث متحكم بالماء وعنده قدرات قوية وندرة وكمان هو المساعد بتاعي وبنتدرب سوا كل يوم.
فالين: يحضر لتدريب الجيش وباقي السحرة ولو أثبت كفاءة يقود الحرب.
درافان: رايث هو أخو الطفل المنبوذ. صح يا ساحر كاسيان؟
كاسيان: أيوة هو.
درافان: خايف يكون شايل ضغينة من الملك جواه بسبب نفي أخوه.
كاسيان: لو جواه ضغينة عمري ما كنت هخليه مساعد ليا. هو ممتاز وعنده ولاء للمملكة والملك فالين.
فالين: خليني أشوفه الأول يا كاسيان.
كاسيان: أمرك يا مولاي.
درافان: فيه موهبتين كمان. لوكاس متحكم بالصخر والتراب وزيف متحكم بالرياح.
فالين: ممتاز. بكرة يبدأوا تدريب.
كاسيان بقلق: أخشى إن مورجاث يكون أذى الأميرة أريانا يا مولاي. أفضل نطلع للحرب فورًا.
فالين: إنت قلت إن عدد الحراس برا أسوار المملكة كبير. وده معناه إن مورجاث بيخطط للحرب علينا وده طبعًا باين من خطفه للأميرة. سواء عايشة أو ميتة هنقوم بالحرب عليهم ونأمل إن إحنا نرجع بالملكة القادمة للمملكة.
زادور: لو تسمحلي يا مولاي باستخدام تعاويذ السحر الأسود.
زفر فالين وقال: إنت عارف رأيي بشأن استخدام السحر الأسود يا زادور. هو مش هيأذي الوحوش وبس لكن هيأذينا إحنا كمان وأنا سلامة الشعب عندي أهم.
زادور: مولاي سموك دايمًا متحامل على السحر الأسود. أنا قبلت بدفن مواهبي تنفيذًا لأوامر سموك لكن كاسيان موهوب. النهاردة قدر يقف قدام الوحوش بأبسط التعاويذ لو سمحتله باستخدام قوته كاملة هيقدر يقف قدام مورجاث ونقضي عليه.
فالين: أنا مقدر موهبتك وموهبة كاسيان يا وزير. لكن آخر مرة راح مننا أطفال كتير بسبب السحر الأسود اللي دخل الماية واضطرينا نمنع شرب المياه والناس كانت هتموت. لولا ميرفال كان زمانا ميتين من العطش. مورجاث هيموت هيموت لكن مش على حسابنا إحنا. كفاية إننا آخر البشر على الأرض.
تنهد زادور وقال: أمر مولاي.
فالين: اتمنى تتفهم قراراي يا وزير. إنت من أقرب وأوفى من في البلاط وأنا بثق فيك ثقة عمياء. يكفي إن ابنك هيكون زوج الملكة وده دليل على ثقتي فيكم. لكن مصلحة الناس عندي أهم.
كاسيان: وأنا ممتثل لأوامرك يا مولاي ومعالي الوزير كمان. إحنا بس شايفين إن ده فيه خلاص للشعب لكن سموك أمرت وإحنا علينا التنفيذ.
فالين: أذهب وأحضر رايث هنا في البلاط.
انحنى كاسيان وغادر القاعة متجهًا نحو مكتبه. حين دخل وجد رايث يقف متوترًا وقال: وصلت للأميرة يا سيدي؟
زفر كاسيان وقال: لأ. والملك فالين أمر بشن الحرب على مملكة مورجاث.
فتح رايث عينيه بصدمة وقال: بس دي عملية إنتحار جماعي.
كاسيان: وللأسف مجبرين نعمل ده. الوحوش منتشرة خارج الأسوار بشكل غير مسبوق. وده معناه إن فيه تحركات تجاه المملكة عشان كده لازم نفاجأهم بالحرب. إنت عارف أن أفضل الدفاع هو الهجوم ومباغتة العدو.
رايث: إسمحلي بالحرب يا سيدي.
كاسيان: الملك طالبك بالاسم ومستنيك في القاعة الرئيسية.
رايث بدهشة: أنا! وجلالة الملك عرفني منين؟
كاسيان: أنا اللي رشحتك. مفيش أكفأ منك في التحكم بالماية. ودلوقتي تعالى معايا نروح للملك.
أومأ له رايث وتبعه بخطوات مثقلة إلى القاعة. الوقوف أمام الملك به رهبة في قلوب الشعب وأخذ يرتب حديثه ويراجع خطوات التحية قبل أن يدخل ويقف أمامه. ثم دخل القاعة وعرف الملك به فانحنى أمامه وحينها قال الملك: سمعت عن مواهبك النادرة يا رايث.
رايث: بعض من قدرات شعبنا العريق يا مولاي.
فالين: طيب حابب أشوف نبذة عنها.
ظل مطأطئ الرأس أمامه وفجأة لاحظ فالين والوزراء أن كوب الماء الذي بجواره يتحرك. وصعد الماء إلى فوق وخرج من الكوب ثم تبلور أمامه وتحرك حتى وقف أمام عين الملك.
فقال أحد الوزراء: ودي موهبة تستغل في الحرب يا مولاي؟
فجأة تحولت البلورة إلى سيف وتحركت سريعًا نحو الوزير ووقفت أمام عينيه ليفتحهما مشدوهًا. فابتسم فالين وعاد النظر إليه وتفاجأ بأنه فعل كل هذا دون أن يرفع رأسه عن الأرض. إنه موهبة قوية ونادرة حقًا. لذا قال: أكيد موهبة تستغل في الحرب. شيء جميل إن المملكة فيها شباب بقدرات سحرية زي رايث. مع إني كنت اتمنى إن أخوه نيراس كان يحصل على موهبة هو كمان.
رفع رايث عينيه ونظر إلى الملك ثم قال: قدره يا مولاي ولا يمكن تغيير القدر.
نظر فالين إلى عينيه ولاحظ أنها لا تحمل أي ضغينة. فهو بالفعل تخطى هذا الأمر. نظر إلى كرسي الأميرة أريانا بحزن. فهو كان يستعين بها في الحكم على معدن الأشخاص من حوله. وبقلب أب مفطور على فراق بنته الوحيدة التي لا يعلم إن كانت على قيد الحياة أم لا أغمض عينيه بحزن ثم طلب منهم أن يرحلوا جميعًا وينفذوا أوامره. عاد بنظره إلى مقعد الأميرة وتنهد بثقل.
ليتكِ تعودي… تُرى هل أنتي بخير؟
نعم بخير تحت جناح ذلك المنبوذ، تجلس على حافة الجبل وكوردن مستلقي بجوارها تحت نظرات نيراس الذي يتابعها متعجبًا من الحالة التي تصيبه كلما اقترب منها. يتأمل براءتها.. نظراتها لكل شيء حولها فهي ترى العالم لأول مرة. وأكثر ما حدقت به هي النجوم تنظر إليهم وكأنها تتحدث معهم. مع شخص كانت تحدثه دون أن تراه والآن تغمرها السعادة لرؤيته لأول مرة.
بعد وقت، لاحظ نيراس أن أريانا تضع يدها فوق معدتها وتشد عليها بقوة كي تتوقف عن طلبها للطعام. فتذكر أنها لم تأكل شيء منذ الظهيرة. فنزل من الجبل ليلًا بالرغم من خطورة الأمر ولكنه لم يقوي على تركها دون طعام. نزل دون أن تشعر ولكن بعد أن اتبعد عنها وعاد الظلام إلى عينيها التفتت في ذعر وأخذت تنادي: أنت هنا؟! رحت فين؟ إنت كويس… أنا مش شايفة حاجة.
استيقظ كوردن على صوتها المرتفع فبحث عن نيراس ولم يجده. أخذ يركض بالأجواء يبحث عنه بفزع وكأنه فقد عزيز عليه. ثم اقترب منها حتى تهدأ فهي تصرخ بذعر والخوف جعلها ترتعش. أمسكت بكوردن وكأنه طوق النجاة وهو يحدق بالفراغ بعينين حزينتين عله يعود أو يراه مرة أخرى. وبعد وقت عاد نيراس وحينها رأت أريانا هذا الضوء الذهبي يكسر الظلام مرة أخرى. ارتسمت ابتسامة على وجهها حتى عادت ملامحه للظهور وانقشع الظلام. وقف كوردن فور أن رأه أما هي فركضت نحوه وصاحت به: كنت فين؟! ليه سبتني ومشيت!
نظر لها بدهشة وقال: أنا متأخرتش. جيت بأسرع وقت.
أريانا: وليه تمشي من غير ما تقولي أصلًا؟ وسايبني لوحدي ليه؟
نيراس: كوردن كان معاكي. وإنتي هنا في أمان. أنا عايش هنا بقالي سنين عمر ما حد طلع الجبل ولا شاف الكهف ده. عشان كده نزلت وأنا مطمن عليكي. ليه كل الغضب ده يا مولاتي.
قالت ببكاء: عشان مش بشوف حاجة وإنت بعيد عني. الضلمة بترجع تاني مجرد ما بتمشي. لو سمحت ماتبعدش أنا ما صدقت إني أشوف من جديد. إنت رجعت النور لحياتي من تاني ودي حاجة كنت بحلم بيها أنا وأمي. كنت دايمًا بدور على السبب اللي خلاني كده لكن من ساعة ما شفتك مابقتيش بدور. بالعكس نسيت كل ده ولما برجع الضلمة برجع أقول لنفسي ليه أنا مش شايفة.
نظر لها نيراس بحزن. دموعها ألمته وليس بألم عادي ولكن روحه التي بكت بدلًا عنها. دموع قلبه هي التي انسابت بين ثناياه لتصرخ لا تبكي… لا تبكي.
انحنى أمامها وقال: أنا بعتذر يا مولاتي. بس لاحظت إنك جعانة وإنك ماكلتيش حاجة من بدري فا نزلت أصطاد من النهر اللي ورا الجبل. ماحبتش أقولك عشان ماتعترضيش إني نازل في الوقت ده عشان سلامتك أهم مني.
تنهدت أريانا وزالت دموعها وقالت: أرفع راسك. بطل تنتحني قدامي أنا مش الملكة بتاعتك.
وقف أمامها وقال: بس إنتي الملكة اللي جاية وأنا مجرد واحد من راعياكي.
أريانا: ولو من المملكة بتعمل إيه براها؟ وليه عايش هنا لوحدك لسنين؟
نيراس: واضح إن سموك مش عرفاني. أظن ده مبرر إنك تطلبي مني مابعدش عنك لأنك لو تعرفيني مش هتطلبي مني كده.
عقدت أريانا حاجبيها وقالت: ليه هو أنت مين؟
نيراس: أنا…. المنبوذ… نيراس بن فالريك.
أريانا: أخو رايث؟!
نيراس: مين رايث؟!
أريانا: اه صح… ده اتولد بعد إنت ما اتطردت. رايث يبقى مساعد خطيبي كاسيان وهو أخوك الصغير.
نظر نيراس إلى الفراغ… قلبه يصرخ “مخطوبة” ثم حدث نفسه متهكمًا: ” وحتى لو مش مخطوبة إنت عندك أمل تبصلك أصلًا! دي أكيد هتهرب دلوقتي.”
عاد بنظره إليها وحدق بها متعجبًا ثم قال: مش هتطلبي تبعدي عني؟
أريانا: ليه! اه… عشان يعني قوتي بتروح؟
نيراس: أيوة. بدليل إنك بتفقدي قدرتك ونظرك بيرجع تاني وأنا جنبك.
أريانا: مش مهتمة بصراحة. أصل معلش هي إيه قدرتي! أشوف معادن الناس وجوهرهم؟ في المقابل فقدت نظري وده شيء صعب التعايش معاه. مع أن الملك والملكة دايمًا في خلاف على الموضوع وميرفال دايمًا اللي بيحله. لكن أنا بعد فترة لقيت إن نظري مهم جدًا. يعني مثلًا.. وماتقولش عليا تافهة وكده؛ نفسي أشوف شكلي في المرايا وأنا لابسة فستان جديد. أو أعرف بقيت حلوة ولا لأ زي ما بسمع. أو أشوف شكل ماما وبابا وخطيبي اللي معرفش شكله خالص. بجد كان فيه حاجات كتير مفتقداها ومش عارفة الناس بتوصفني فعلًا صح ولا بتجاملني عشان بنت الملك.
نيراس باندفاع: بس إنتي فعلًا حلوة أوي.
نظرت له أريانا بدهشة فنظر إلى أسفل مسرعًا بخجل وقال: عفوًا سموك. بس دي الحقيقة وماتعودتش أكدب.
أريانا: ولو قدام جلالة الملك… هتكدب ولا تقول الحقيقة؟
نيراس: لو قدامه هقول الحقيقة طبعًا ومن غير خوف.
أريانا: إيه أول حاجة هتقولها لو شفته؟
نظر إليها نيراس وقال بحزن: مش هقول… هطلب منه أشوف أمي. بقالي سنين بتمنى أشوفها ولو مرة واحدة واطمنها عليا. أقولها إني عايش في أمان وكويس وأطلب منها ماتخافش عليا أبدًا ولا تعيش زعلانة وحزينة.
تنهدت أريانا وقالت: وليه مارجعتش وقولتلهم إنك تملك قوة سحرية؟! ومش أي قوة إنت بتتحكم في النار.
نيراس: عشان أول مرة أشوف القدرة دي أول ما شفتك. قبل كده عمري ما عرفت أعمل كده أبدًا.
أريانا بتعجب: معقول بتمتص قدرات سحرية من الناس وتخرجها إنت؟!
نيراس: ليه بتقولي كده؟!
أريانا: عشان زي ما قلت نظري بيرجع وده معناه إنك بتسحب مني قدرتي السحرية وبعدها كونت كورة اللهيب دي. يبقى خدت قوتي وحولتها لقوة تانية.
صمت نيراس قليلًا ثم قال: لو دي فعلًا قدرتي السحرية ليه ميرفال ماشفهاش يوم الاحتفال؟!
شردت قليلًا وقالت: صح… غريبة! بس حلها عند ميرفال. أنا ممكن أخدك ليه وهو يقولك السبب وساعتها لو فعلًا دي قوتك هترجع المملكة.
نيراس: ياريت. بس سموك هتعملي كده عشاني؟!
أريانا: وعشاني… ماتنساش إن نظري بيرجع وإنت معايا ولو رجعت المملكة أعتقد مش هسيبك تمشي بعيد عني. وساعتها هقدر أبعد عنك عشان استخدم قوتي في الوقت اللي عايزاه وأقربك لما أحب أشوف زيكم كلكم.
نيراس: سموك طماعة شوية.
أريانا: وإنت صراحتك هتوديك في داهية. بس عجباني. أول مرة حد ينتقدني.
نيراس: عفوًا بس دي الحقيقة. سموك هتساعديني بس عشان مصلحتك.
أريانا: ومصلحتك. ولا ناسي إنك مش هتبقى منبوذ ولا مطرود بعد كده!
نيراس: صح.
أريانا: يبقى المصلحة متبادلة. أظن دلوقتي نستنى النهار يطلع ونروح لميرفال. بس أنا ماعرفش الطريق. كل اللي أعرفه إنه عند التل الكبير.
رفع نيراس السمكة بيده وقال: عارفه. نروح بكرة بس قبل ما تنامي لازم تاكلي.
أومأت له أريانا وهي تبتسم. أعجبت بجرائته وقوة شخصيته. والآن عرفت السبب الذي تركها لأجله ولكن لم تتحدث معه بهذا الأمر. فهي قررت أن تضعه تحت الاختبار حتى تقرر إذا كان يصلح بأن يكون بجوار الملكة طوال الوقت أم لا. وهذا لأنها لم ترى هالة مثل هالته من قبل. وحين عرضت أن تأخذه إلى ميرفال كان رغبةً منها كي تعرف رأيه به قبل قرار تعينه معاون الأميرة.
من يصدق أن ينقلب الحال مع نيراس بهذا التغيير الجذري! ولكن هل سيتوقف التغيير عند هذه النقطة فقط أم أن هناك الكثير من المفاجأة التي لم يعرفها بعد.
الفصل الرابع
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الجزء الرابع 4 بقلم رباب حسين
مملكة السحر (نبوءة التنين)رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الحلقة الرابعة
ليست كل اللقاءات تُكتب بالصدفة فبعض الأرواح تلتقي لأنها خُلقت لتوقظ ما مات في الأخرى. هناك قلوبٌ لا تحتاج إلى سنواتٍ لتعرف بعضها بل يكفيها نظرةٌ واحدة لتدرك أنها وجدت موطنها. لكن حين يصبح هذا اللقاء هو ذاته الخطر الذي يهدد المستقبل يقف الزمن ساخرًا واضعًا القلب في كفة… والمصير في الكفة الأخرى. فهل ينتصر ما تشعر به الأرواح أم ما فُرض عليها منذ بداية النبوءة؟
بين عيون يملأها الظلام وقلب يخاف النبض الغادر يبتعدان ولكن للقدر رأي آخر.
وبهذا القصر الغامض يصيح مورجاث غاضبًا بينما زاروك يقف أمامه يرتجف خوفًا حتى اقترب منه مورجاث ينظر إليه بعيونه الثعبانية ويقول: يعني هو في الغابة وماقدرتوش توصلوا لمكانه! المفروض إن الغابة دي مكانا إحنا ازاي بشري قدر يستخبى فيها؟
زاروك: الحرس لحد دلوقتي بيدوروا ومفيش أي آثر.
مورجاث: وقاعد في التلج ده من غير ما يشعل نار يتدفا بيها! قولهم يدوروا كويس.
زاروك: أمرك.
ركض من أمامه وأبلغ أحد الحراس أن يذهب إلى الحرس بالغابة ويأمرهم بالبحث عن أي مصدر ضوء. لا يعلم أن كوردن هو من يتولى تدفئة نيراس منذ الصغر والآن يستلقي نيراس على يمينه وأريانا على يساره وقد أغلق نيراس الكهف ببعض جلود الحيوانات لتزيد من حرارة الكهف وتمنع الهواء البارد من الدخول.
أما رايث فعاد إلى منزل والده. وجده ينتظره كالعادة عند الباب فهو ابنه الوحيد الذي عوضه عن فراق ثورن ونيراس. حياه رايث وقال: الجو برد يا بابا. مفيش داعي للقلق وإنك تسنتنى كل يوم عند الباب.
فالريك: إنت عارف إني مش بطمن غير لما بشوفك نايم في سريرك.
ابتسم رايث وقبل يده ثم قال: ماما فين؟
فالريك: في الأوضة. أدخل طمنها إنك رجعت.
دخل رايث ونظر إلى فيسرا التي شعرت بخطواته فانتبهت إليه حتى استنشقت رائحته فرفعت يدها تبحث عنه بالفراغ. فهي فقدت بصرها بسبب دموع عينيها التي لم تجف منذ أن رحل نيراس.
اقترب منها وأمسك يدها فابتسمت على الفور وقالت: رجعت؟
رايث: رجعت يا أمي. بس كنت عايز أقولك على حاجة قبل ما تنامي.
فيسرا: خير يا حبيبي.
رايث: الملك أمر بالحرب على الوحوش. واختارني عشان أقود الحرب.
فتفحت فيسرا عينيها في صدمة وقالت: لأ… كفاية خسرت ولادي الاتنين في سبيل المملكة والحكم. الأول سرقوه من حضني والتاني نفوه برا يواجه البرد والجوع ومش هسمحلهم إنهم يسرقوا ابني التالت.
رايث: ماما كل شباب المملكة هيطلعوا الحرب وأنا موهبتي نادرة والجيش محتاج المواهب دي عشان نقدر نكسب الحرب.
فيسرا: فالريك… أنا مش موافقة. ابني مش هيضحي عشان حد تاني. حرام عليكوا أنا قلبي مكسور بسبب ابني اللي برا ده ومش هخلي التاني يحصله.
فالريك: إهدي بس يا فيسرا. إنتي مش مستحملة ضغط عصبي أكتر من كده. ارتاحي وأنا هشوف حل. وبعدين أنا واثق في قدرات ابني ومش هيرجع خسران. بالعكس هيكسب الحرب.
فيسرا: وإنت تضمن منين؟ تعرف منين إنه هيعيش؟
فالريك: ده إحساسي بيه.
فيسرا: وليه ماصدقتش إحساسي لما طلبت منك تخرج تدور على نيراس برا السور؟ مع إني بقالي سنين بقولك إنه عايش وسبتني أعيط عليه وهو برا لوحده لحد ما دموعي ضيعت نظري.
فالريك: عشان زي ما قولتي إنه مرمى برا السور في البرد وسط الوحوش. متوقعة إني أصدق إنه عايش. دي آخر حاجة ممكن عقلي يصدقها.
فيسرا بحدة: وأنا بقولك إنه عايش.
هنا وانفجر رايث وصاح بهما: كفاية بقى! كل حياتكم مش بتفكروا غير في نيراس. أي نقاش يحصل لازم ينتهي عنده وتتخانقوا. أنا تعبت من كتر المشاكل دي والخناق اللي مش بيخلص. عايزين توصلوا لإيه تاني؟ عايزة تموتي من حزنك عليه؟ فكري فيا شوية وفي بابا. إحنا حياتنا باظت بسببه. إفهمي إن وجوده هنا وسطنا كان هيبقى نهاية كل الناس هنا في المملكة. ماكنتش أنا هتولد من الأساس ولا البيت ده كان هيبقى موجود وكنا هنفضل هربانين طول حياتنا من الوحوش. بتلومي الملك على إنه بيحمي الشعب. طبيعي هيضحي بواحد عشان المملكة تفضل في أمان. ولو سمحتم مش عايز اسمع اسم نيراس تاني. إفهمي يا ماما بقى… نيراس مات.
تركهما ودخل غرفته وهي تقف مصدومة مما سمعت. لا تعلم أن رايث قد تأثر بهذا الشكل بسبب مشاكلها مع فالريك حتى رفض سماع اسم أخيه. وتفاجأت من ولاء رايث التام إلى الملك. أما فالريك فشعر بالحزن بسبب ابنه. فهو لم ينعم بطفولة سوية بسبب نيراس. كان الكل يخاف منه ويبتعد عنه قبل أن يبلغ العام العاشر. عاملوه على أنه منبوذ مثل أخيه وربما لن يحصل على قوة سحرية مثله. حتى تم العاشرة وهو طفل وحيد بلا صديق ولا أخوة. عدا الشجار الدائم بينه وبين فيسرا والذي انتهى بفقدانها للبصر. والآن هو ذاهب لحرب لا يعلم إن كان سيعود أم لا وهما لا يران سوى نيراس.
بحث الحراس عن نيراس حتى الصباح ثم عاد الحرس إلى المملكة وخرج حراس أخرون يبحثون مرة أخرى.
استيقظ نيراس فوجد الأميرة لا تزال نائمة. انتظرها حتى تستيقظ وهو يتحكم بنظراته حتى لا يتطلع بها وهي نائمة. تخونه عينيه وتسرق نظرة خلسة حتى يذكره عقله أن ما يفكر به من المستحيلات. ولكن عادت عينيه تنظر إليها وبعد مقاومات استسلم وتطلع بها. وبعد دقائق لاحظ أن كوردن ينظر إليه ويبتسم وكأنه أمسكه بالجرم المشهود. فتحمحم بصوت مرتفع فانزعجت الأميرة أثر صوته وتحركت قليلًا. نظر كوردن إليه ودفعه بيده كي يصمت.
نهض نيراس وغادر الكهف ونظر حول الجبل كي يرى تحركات الوحوش بالخارج. تبعه كوردن ونزل ليصطاد الأسماك من النهر ثم عاد بعد وقت محمل بكثير من السمك ثم وضعه أمامه فقال نيراس: كل ده؟!
انحنى كوردن وقسم السمك إلى نصفين وأخذ نصف السمك له وحده فقال نيراس: إحنا رايحين التل مش مهاجرين.
لم يستمع له فقط أكل السمك ولم ينظر إليه. خرجت الأميرة من الكهف وقالت: صباح الخير.
نيراس: صباح الخير يا مولاتي.
نظرت إلى السمك وقالت: هو إنت عايش على السمك بس؟
نيراس: كوردن فاشل في الصيد. لكن لما بنزل أنا باصطاد حيوانات من الغابة. بس النهاردة ماردتش أنزل عشانك.
أريانا: برافو عليك بتتعلم بسرعة. يلا نفطر عشان نلحق نروح لميرفال وارجع للمملكة. أكيد الملك والملكة قلقانين عليا.
أومأ لها نيراس وبدأ بإعداد الطعام لهما. على عكس كاسيان الذي لم يتذوق طعم النوم بهذه الليلة. ظل يحدق بالنافذة التي بأعلى برج بالمملكة. ينظر إلى خارج السور وكأنه ينتظر عودتها أو أي إشارة منها كي يذهب إليها ولكن دون جدوى. التفت وغادر البرج ثم دخل إلى القصر. رأى زادور يدخل إلى قاعة الملك فقال: بابا… استنى.
التفت إليه وقال: كنت فين طول الليل؟
كاسيان: في البرج. يمكن ألاقي أي أثر للأميرة خارج السور.
زادور: عشقك ليها غريب يا كاسيان.
كاسيان: يمكن عشان دايمًا شايفها بعيد أو حاسس إنها مش هتبقى ليا. فكرة إن قلبها مش ملكي مخلياني خايف إني أخسرها وتروح لغيري.
زادور بحدة: حتى لو قلبها مش ملكك لازم تتجوزها. الأميرة مش هتثق غير فيك وإنت أحق واحد بيها.
كاسيان بتعجب: مالك يا بابا النهاردة متضايق ليه كده؟
تنهد زادور وقال: الوضع كله يقلق، المملكة كلها ممكن تروح مننا بسبب غياب الأميرة والحرب اللي هتقوم.
كاسيان: ماتقلقش. الجيش هيستعد. أنا بس كنت عايز أقولك ماتزعلش من كلام الملك امبارح.
ربت زادور على ذراعه وقال: مش زعلان. عندي أمل إنك تقدر تغير قانون الملك وتقنع الملكة إنها تغيره.
كاسيان: بس أنا لو اتجوزت الملكة مش هتدخل في شئون المملكة. دي حاجة تخصها هي.
زادور: وإنت جوزها. وأنا حماها هيحصل إيه لو منحنتني بعض التجاوزات عن القانون؟
كاسيان: طيب يا بابا. خلينا بس نرجعها.
زادور: واثق إنها هترجع. روح وشوف الجيش والسحرة الجداد.
أستيقظ رايث واستعد للذهاب إلى تدريب الجيش. وجد فيسرا تجلس بالخارج وعندما سمعت خطواته وقفت على الفور. فاقترب منها وأمسك يدها فقالت: ماتزعلش يا حبيبي.
رايث: مش زعلان.
فيسرا: برده هتروح الحرب؟
رايث: أوامر ولازم تتنفذ. ماتقلقيش يا أمي.
قبل يدها وغادر وقلبها يدعو له بأن يعود إليها ولا تخسره أيضًا.
بالطريق؛ سمع الناس يتحدثون بشأن الحرب. منهم المعارض ومنهم من يرى أن هذا هو طريق الخلاص. وحين وصل إلى مقر تدريب الجيش وجد كاسيان يقف مع ساحران. تيقن بأنهما السحران الذي رشحهما وزير السحرة درافان.
اقترب منهما وقدم التحية لكاسيان فقال له: كويس إنك جيت بدري. أعرفك على الساحر لوكاس متحكم بالصخور وزيف متحكم بالرياح.
مد يده وصافحهما وقال: رايث متحكم بالماء.
لوكاس: ناقص النار ونقدر نتحكم في الطبيعة.
كاسيان: مفيش حد بيتحكم في النار في المملكة كلها.
زيف: أكيد بس بنأمل.
رايث: لو ولد ساحر متحكم بالنار هيبقى من أقوى المواهب.
كاسيان: أكيد. بس دلوقتي خلينا نتعامل في حدود المتاح. عايزكم تقعدوا وتتفقوا مع بعض على طريقة تستغلوا بيها قدراتكم عشان نقدر نستفيد بيها في الحرب. وبعدين نتفق مع الجيش على خطة نباغت بيها مورجاث في قصره.
بدأ التدريب. بين حرب السيوف وقدرات السحرة التي تجمعت لتشكل عرضًا غير مألوف. فلأول مرة يتم استغلال قوتهم السحرية داخل تدريبات الجيش.
أما خارج السور فكانت أريانا تأكل الطعام ونيراس بجوارها. لاحظت نظراته لها فنظرت إليه متعجبة وقال: هو رايث… شخص كويس؟
أريانا: أممم.. أزرق.
عقد نيراس حاجبيه وقال: يعني إيه؟
أريانا: ما أنا ما شفتوش. أنا شفت جوهره بس.
نيراس: ويعني إيه جوهره أزرق؟
أريانا: مخلص. بس هو مخلص بشكل أعمى. يعني تابع مخلص من الدرجة الأولى حتى لو على حساب نفسه لازم ينفذ أوامر كاسيان.
نيراس: خطيبك؟
أريانا: اه.
نيراس: بتحبيه؟
نظرت له بدهشة فأردف: أظن مولاتي عرفت إني صريح.
أريانا: بس دي مش صراحة. ده تدخل مش من حقك.
نيراس: مش من حقي لو جوا حدود المملكة. لكن هنا إنتي في أرضي وأنا اللي بحط القوانين.
أريانا: تحط قوانين عليا؟!
نيراس: إنتي خارج حدود مملكتك. يعني علميًا أنا هنا الملك بحق الانتفاع بالأرض.
ابتمست أريانا وقالت: هتندم على الكلام ده لما نرجع المملكة.
نيراس: شايفك واثقة إني هرجع!
أريانا: واضح إنك مش عارف قيمة موهبتك. إنت بتتحكم بالنار وكمان الحيوانات المتوحشة بتساندك. غريب الموضوع ده برده، والغريب أكتر هو ازاي كل ده بيحصل وإنت معندكش موهبة من الأساس وليه إنت بالذات اللي بيتحكم بالنار فقط؟
نيراس: إجابات الأسئلة دي كلها مش عندي.
أريانا: يلا نروح ونعرف الإجابات سوا.
نزلا معًا من الجبل وكوردن يسير خلفهما. ونيراس يحمل بعض المياه والطعام للطريق. نظر نيراس حوله بتأهب يخشى أن يتعرض لهجوم من الوحوش مرة أخرى فيبدو وأنهم يبحثون عن الأميرة بكل قوتهم.
بعد أن نزلا من الجبل صعد نيراس فوق ظهر كوردن وتبعته الأميرة وأمسكت بثيابه بقوة. هناك شعور غريب يتخلل صدرها ولكن لم تعيره انتباه فهي تتأمل الكون حولها لأول مرة وابتسامتها لا تفارق شفتاها. فحلم أن ترى من جديد كان بعيد المنال ولكنه تحقق بفضله. نظرت إليه وهو يتلفت يمينًا ويسارًا بقلق وابتسمت دون أن تشعر. هو حقًا شخص جدير بالثقة. فحتى هذا الوقت لم يحاول حتى أن يلمس يدها بالرغم من وجوده بالخارج مع الحيوانات بالغابة نصف عمره ولكنه يحافظ على إنسانيته ومبادئه. لو يحاول أن يستغل نومها بجواره داخل كهف مهجور ومغلق.
فجأة توقف كوردن مكانه والتفت يمينًا. هناك صوت تحركات بالجوار. التفت نيراس سريعًا بقلق وهمس إليها: مهما يحصل ماتنزليش من علي ضهر كوردن. هو هيحميكي.
أريانا: وإنت؟
نيراس: مش مهم. أنا كده كده مستني موتي من زمان. لو جرالي حاجة كوردن هيوصلك للمملكة.
أريانا: مش همشي واسيبك. الملك مش بيحارب لوحده والأميرة عمرها ما بتتخلى عن الملك.
نيراس: لكن إنتي مش أميرتي. اسمعي كلامي ونفذيه.
أريانا: لأ.
التفت نيراس إليها ونظر لها بضيق فقالت: ماتعودتش حد يملي عليا أوامر. أنا بأمر وبس وبما إني مش قادرة أفرض كلمتي هنا فا مش هسمح لحد يفرض كلمته عليا.
نيراس: كل ده عشان بتشوفي وإنتي جنبي بس؟!
نظرت له طويلًا ولم تتحدث. سؤاله كان مباغت وحين سمعته تردد بعقلها سبب آخر لذا لم تتحدث. لاحظ نيراس صمتها وتعجب منه ولكن قاطعهما صوت الوحوش التي تقترب منهم.
نزل نيراس من على ظهر كوردن وأشار له كي يذهب. نظر له بقلق ولم يتحرك. فقالت أريانا: شفت! حتى كوردن مش موافق.
زفر نيراس وقال: طيب استخبوا.
أريانا: ماتبعدش يا كوردن عشان أقدر أشوف.
أختبأ كوردن خلف شجرة ووقف نيراس ينظر بين الأشجار ينتظر ظهور الوحوش. فهو يشعر بأنه محاصر.
ظل يلتفت حوله حتى ظهر الوحوش أمامه واحد تلو الآخر ونيراس يقف بثبات. يعلم أنه ميت لا محال وهذا ما دفعه للقتال دون خوف.
التفوا من حوله وهم يزفرون بقوة في وجهه ولأول مرة نيراس لا يشعر بالخوف منهم. بل على النقيض هو شعر بخوفهم منه.
زادت حرارة جسده لا يعلم ما السبب ولكن هذه المرة كانت حرارته أعلى.
هاجمه أحد الوحوش فلكمه بقوة ثم تقدم آخر فلكمه أيضًا. توالوا عليه وهو يلكمهم بقوة غير معهودة حتى نظر إلى يديه والقوة تتنتشر بجسده. شعور بالقوة التي تفوق جسده فصاح بأعلى صوته عاليًا فتجمد الوحوش من حوله وهم ينظرون إليه بدهشة. هذا ليس ببشري أبدًا.
وفجأة حاصرهم حيوانات الغابة وبدأ الوحوش يبتعدون عنهم ويركضون بكل اتجاه هربًا منهم ونيراس يقف بينهم بشموخ وعينيه تبث الرعب بينهم. كل هذا تحت نظرات أريانا التي تأكدت بأن قوته السحرية لا مثيل لها وزاد من رغبتها بأن تعرف ما السر وراءه.
…..
الفصل الخامس
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الجزء الخامس 5 بقلم رباب حسين
مملكة السحر (نبوءة التنين)رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الحلقة الخامسة
ليس أخطر ما يصنعه القدر أن يجمع طريقين متوازيين بل أن يجعل كل خطوة يخطوانها معًا تُبعدهما أكثر عن الحياة التي كُتبت لهما.
فهناك مشاعر تولد في أكثر الأماكن استحالة بين الجليد والنار وبين أمير منبوذ لا يملك وطنًا وأميرة خُلقت لتجلس على العرش. وكلما اقتربت الأرواح من بعضها اقتربت معها الحقيقة التي أخفاها الزمن طويلًا. حقيق قد تجعل اللقاء معجزة أو تجعله بداية الفراق الأبدي.
وفي هذه اللحظة التي كتب بها بداية قوة ليس لها مثيل. معجزة تتحقق أمام أريانا تقف وتشاهد ما يحدث وبقلبها يقين أن هناك خطب ما لا تقدر على استيعابه.
بعد أن ركض الوحوش بعيدًا نزلت من على ظهر كوردن واقتربت منه بخطوات حذرة فهيئته دبت في قلبها الذعر. ربتت على ظهره فالتفت إليها على الفور وملامحه ترمي بشرر الغضب. حين رأها هدأ على الفور وعادت ملامحه طبيعية فنظرت له بقلق وقالت: إنت… كويس؟
نيراس: بخير.. بس لازم نمشي من هنا فورًا.
أومأت له ولحقت به وهو يمتطي ظهر كوردن الذي أنزل رأسه كي يضم نيراس إليه. ربت على ظهره ليطمئنه ثم صعد على ظهره وخلفه أريانا وركض كوردن بهما سريعًا بين الأشجار متجهًا إلى التل الكبير.
أما مورجاث فكان ينتظر داخل قصره مترقبًا ما سيحدث. فهو يعلم أن ظهور موهبة سحرية تملك قوة النار هي بداية النهاية له. أراد أن يقتله قبل أن تكتمل قوته ولكن جاء الحراس بأخبار جعلته يرتجف لأول مرة.
وقف زاروك خلفه مرتعشًا. مترددًا في إخباره بذلك الخبر. حاول إخراج صوته وقال: هرب منهم يا مولاي.
التفت إليه وكاد ينقض عليه من شدة غضبه فركض زاروك إلى الخلف وهو ينظر إليه مصدومًا فتعثر ووقع أرضًا وصاح مورجاث بصوت تردد داخل أركان القصر بأكلمه قائلًا: واحد قدر على كل الوحوش؟!
زاروك: الحيوانات المفترسة بتساعده. الوحوش بيهربوا منهم هما مش من الراجل ده.
وفي لحظة واحدة انقض عليه وابتلعه وهو يصرخ ساقطًا بين أنياب من كرس حياته لخدمته. والتفت ليصدر صوت فحيح ارتعشت على أثره كل الوحوش.
أما الملك فالين فكان يجلس بجوار سيرينا يحاول أن يطمئنها والدموع تتجمع داخل عينيه. فلم يقوى على كبت حزنه أمامها أيضًا يكفي دفن هذا الحزن أمام الجميع.
ربت على ظهرها وقال: هترجع يا سيرينا.
سيرينا ببكاء: لو كانت بتشوف كانت قدرت تهرب أو تساعد نفسها. صدقتني يا فالين لما كنت بقولك قوتها لعنة عليها. هي تخدمها بس وهي محبوسة جوا القصر لكن العالم برا خطر عليها. وإنت كنت بتساعدها عشان تنمي قوتها. تقدر تقولي قوتها هتفيدها بإيه دلوقتي!
فالين: حظها كده. مين فينا بيقدر يختار قوته.
سيرينا: طيب استخدم قوتك يمكن تلاقيها.
فالين: ما إنتي عارفة إن البلورة مش بتحدد مكانها. ومع ذلك جربت وفشلت.
سيرينا: دايمًا كنت بقولك إنها فيها حاجة مختلفة. اختفاءها وعدم قدرتك على رؤيتها في بلورتك السحرية كان دايمًا بيشغل بالي وبسأل نفسي إيه السبب.
فالين: دورنا كتير ومفيش سبب واضح.
تنهدت سيرينا وقالت: هتشن الحرب إمتى؟
فالين: الجيش بيتدرب. بالكتير يومين ونخرج للحرب.
سيرينا بحزن: يعني عشان أرجع بنتي تروح إنت للخطر برجلك؟!
فالين: المهم أريانا ترجع.
أسندت رأسها على كتفه فضمها إليه وربت على ظهرها. فهو من يشعر بألمها من فقدان ابنتهما الوحيدة.
في معسكر الجيش كان رايث يجلس يشاهد تدريبات الجيش فاقترب من كاسيان وجلس بجواره. هم رايث بالوقوف حتى يجلس كاسيان ولكنه جذبه ليعود إلى الجلوس وقال: أقعد… شكلك متضايق من الصبح ليه؟ نيراس برده؟
تنهد رايث وقال: لو حد سمع إن حياتي من ساعة ما اتولدت وهي ملعونة بسبب أخويا اللي مات قبل أنا ما أشوف الدنيا محدش هيصدق.
كاسيان: أنا لسه فاكر يوم ما اتنفى من المملكة. كان نفس اليوم اللي أريانا بتاخد قوتها فيه. للحظة فكرت إن النبوءة اتحققت معاها لما الماية ارتفعت بالقوة دي لأول مرة.
وقتها اطمنت إنها دخلت القصر قبل ما نيراس يقف وياخد قوته. كان منظر مايتنسيش.
رايث: ليه؟
كاسيان: أول ما وقف سحابة سودة غطت المملكة كلها. كأن فيه لعنة حلت علينا. صدقني يا رايث اللي الناس عملوه معاك قبل ما تاخد قوتك كان منطقي. خوفهم اليوم ده مايتنسيش.
رايث: مش بلوم على الناس وللأسف مش عارف ألوم على مين. أنا حياتي كانت جحيم؛ أمي ماكنتش بتبطل عياط لحد ما اتعمت. وخناق طول الوقت وهي مصرة لحد امبارح إنه عايش. إنت خرجت بنفسك يا سيدي تصدق إن ممكن حد يفضل عايش كل السنين دي برا السور!
كاسيان: لأ.
رايث: اقنعها ازاي؟ أخدها برا السور بنفسي! حتى دي مش متاحة لأنها مش هتصدق غير لما تشوف ده.
كاسيان: أنا مقدر اللي إنت فيه بس دلوقتي محتاج منك كل تركيزك. أنا معتمد عليك في الحرب اللي جاية.
رايث: ماتقلقش، هترجعلك تاني. أنا عارف إنت بتحبها أد إيه. ويمكن لما تلاقيك جاي تنقذها قلبها يدقلك.
تنهد كاسيان وشرد بالفراغ. يأمل أن يتحقق هذا الحلم الذي يتمناه منذ سنوات.
ولكن يبدو أن كل ذلك على وشك الانتهاء وهذا الحلم سوف يتبدد قريبًا.
فأريانا تجلس خلف نيراس وهما يقتربان من التل الذي يسكن به ميرفال. ترمقه بحذر وتتردد بالحديث معه. لا تزال تتذكر نظرات الوحوش إليه وهو يقف بينهم بكل شجاعة.
ساد الصمت بينهما بينما نيراس يفكر بدهشة مما حدث. وعلم أن هذا التغيير الذي طرأ عليه حدث فقط عندما التقى مع الأميرة. وظل السؤال: تُرى ما السبب؟
بعد وقت وصلوا أسفل التل ونزل نيراس ونظر إلى أريانا كي يساعدها على النزول. لمح داخل عينيها العديد من التساؤلات فقال: أنا كمان مش عارف إيه اللي بيحصل. بس اللي أنا متأكد منه إني عمري ما هأذيكي ولا هأذي أي حد.
أريانا: أنا مش خايفة منك. أنا بس مش فاهمة إيه اللي بيحصل ده.
نيراس: مش عارف. خلينا نشوف ميرفال يمكن نلاقي عنده الإجابة. بس عايز أطلب منك طلب؛ مهما قال ماتخافيش مني.
أريانا: واضح إن إنت اللي خايف. بص هو مهما كان السبب أو إيه اللي بيحصلك فا هو مش أسوء من وجودك هنا لوحدك في الغابة وسط الوحوش لسنين. أنا مستغربة أصلًا إنت ازاي نجيت وسط كل ده.
ربت نيراس على ظهر كوردن وقال: البركة في كوردن. هو بجد اللي لولاه ماكنش زماني عايش.
ابتسمت أريانا وقالت: هو فعلًا جميل أوي. أنا حبيته بمجرد ما شفته.
نيراس: طيب يلا بينا. خلينا نعرف الحقيقة.
نزلت أريانا ومشيا معًا خلف التل وتبعهما كوردن. وجدا ميرفال يجلس خلف التل بثبات يغمض عينيه يبحث عن هدوء ذاته الداخلي. تقدمت أريانا منه وهي تبتسم فهي لم ترى وجهه منذ سنوات. ثم قالت بصوت هادىء: عجزت يا ميرفال.
فتح ميرفال عينيه بدهشة والتفت إليها فورًا وحين رأها نهض واقترب منها سريعًا يتفقد سلامتها وهو يقول بصدمة: مولاتي الأميرة! إنتي عايشة! ازاي؟
أريانا: إهدى يا ميرفال أنا بخير. أول مرة أشوفك متوتر.
ميرفال: من وقت ما وصلني خبر إنك مارجعتيش المملكة وأنا هموت من القلق عليكي.
ثم نظر إليها متعجبًا وقال: هو إنتي… شيفاني؟!
أريانا: اه شيفاك. المعجزة اتحققت.
صمت ميرفال يحدق بها بتعجب ثم قال: حصل كده ازاي؟ وازاي هربتي من الوحوش؟
أشارت أريانا إلى نيراس الذي يقف خلفها وقالت بابتسامة: فيه حد انقذني وكمان هو السبب في إني شيفاك دلوقتي.
نظر له ميرفال وتجمدت عينيه. بادله نيراس النظرات وخيم الصمت على المكان. اقترب منه ميرفال وهو يتأمله عن كثب. حتى وقف أمامه ثم التفت إليها وقال بصدمة: المنبوذ!
أغمض نيراس عينيه بضيق فاقتربت أريانا منه وقالت: بلاش الكلمة دي يا ميرفال.
ميرفال: بس أنا فاكره كويس أوي. نيراس بن فالريك. يمكن قربك منه هو اللي سحب منك قدرتك السحرية.
أريانا: إحنا فكرنا كده في الأول. بس صدقني الموضوع أكبر من كده بكتير. ممكن تكشف عن قدرته السحرية؟
ميرفال: مولاتي؛ واضح إنك مش فاهمة هو اتنفى ليه من المملكة. نيراس معندوش قوة سحرية.
أريانا بثقة: وأنا بقولك أكشف عن قوته السحرية.
تنهد ميرفال ورفع عصاته السحرية أمام وجهه فقُذفت العصا بعيدًا عن يده فنظر لها ميرفال بدهشة ثم عاد النظر إليه وهو يفتح فمه متعجبًا. حتى ظهرت النار بين يديه فارتد ميرفال إلى الخلف وقال بسعادة ممزوجة بالدموع: قوة النار! ازاي؟!
اقتربت منه أريانا ووضعت يدها على كتفه وقالت بابتسامة: قولتلك.
شرد ميرفال بالفراغ لا يصدق ما يحدث وبعد دقائق قال: ازاي قوته مظهرتش يوم العيد؟
أريانا: فيه أسئلة كتير أوي يا ميرفال عندي وعنده وأظن مفيش إجابة غير عندك إنت. وأولهم السؤال اللي قولته ده وأهم سؤال بعده؛ ليه الحيوانات بتتبعه وبتساعده على محاربة الوحوش؟
هنا وتأكد ميرفال من الشك الذي يخيم على صدره وقال: إنت… نبوءة التنين؟!
عقد نيراس حاجبيه ولم يستوعب ما قال. أخذ يبتسم وهو ينفي برأسه ما يسمع ثم قال: لأ… لأ طبعًا. أنا ماعنديش موهبة أصلًا. مش.. مش إنت قولت كده؟!
صمت ميرفال قليلًا يفكر ثم قال: فيه حاجة حصلت يوم العيد حجبت رؤية قدرتك.
أريانا: إيه هي؟!
تنهد ميرفال وقال: مش عارف. أول مرة أقابل وضع زي ده. ده غير إن أجددنا لما تنبؤا بالنبوءة دي محدش توقع أو قال إن القدرة بتاعته هتتحجب.
أريانا: إهدى يا ميرفال وحاول توصل لسبب. فكر بهدوء عشان الموضوع كده كبر أوي عن اللي في دماغنا. أنا من ساعة ما شفته وأنا بتفاجأ باللي بيحصل معايا ومعاه. لكن اللي بتقوله دلوقتي حاجة توقف العقل.
ميرفال: أنا كمان مش مصدق اللي بقوله. لكن لو الوضع كده يبقى معناه حاجة واحدة. نيراس اتلعن عشان ماتظهرش قدرته. لعنة من سحر أسود قديم وواضح إنه قوي لدرجة إنه خفى قدرته. لاحظي إنه أكبر وأقوى قوة سحرية اتولدت في المملكة كلها لحد وقتنا ده.
أريانا: يبقى لازم نعكس التعويذة دي. ووقتها هتظهر قوته كاملة.
ميرفال: طيب إبعدي شوية يا مولاتي عشان ماتتأذيش.
نيراس بقلق: هو… إنت هتعمل إيه؟
ميرفال: أنا آخر واحد ممكن يأذيك يا نيراس.. ماتخافش.
ذهب ليلتقط عصاته السحرية ووقف أمام نيراس على مسافة ثم قال: بنور الأصل لا الوهم. وبعهد الأرواح الأولى اكشف لي ما اختبأ في الظلال ولتسقطْ أقنعة السحر الأسود.
ظهرت هالة سوداء ضخمة بصدر نيراس وتألم بقوة من شدتها فنظر إلى صدره بصدمة فأكمل ميرفال وصاح بقوة قائلًا: يا ماء الحياة اغسلي أثر اللعنة. يا ريح الصفاء بددي ظلام السحر. يا نور السماء أخرج السحر الأسود من هذا الجسد.
تألم نيراس أكثر ولكن ما حدث بالخلف كان أكثر صدمة. فا حين كان يركز ميرفال وأريانا على ما يحدث مع نيراس انتبها إلى كوردن الذي بالخلف حين صاح متألمًا وخرج من صدره ظلام مصدرًا صوتًا صدى بالأجواء. اندفع الظلام خارج جسد كوردن كأنه يبحث عن صاحبه وقبل أن يستطيع ميرفال حبسه التف حول نيراس كأفعى سوداء ثم اخترق صدره بقوة حتى اتسعت العلامة السوداء على جسده وسقط أرضًا فاقدًا للوعي.
صرخت أريانا بفزع وفتح ميرفال عينيه بصدمة وهو ينظر إلى كوردن الذي سقط خلفه وتحول جسده إلى جسد بشري.
وقفا يشهدان ما يحدث ولا يملك أحد تفسيرًا واضحًا. وزادت الأسئلة المحيرة داخل رأسهما.
تُرى أين الحقيقة؟
…..
الفصل السادس
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الجزء السادس 6 بقلم رباب حسين
مملكة السحر (نبوءة التنين)رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الحلقة السادسة
هناك حقائقٌ لا تكشفها السنوات بل تكشفها لحظةٌ واحدة ينهار فيها كل ما اعتقدناه يقينًا.
وأخطر الأسرار ليست تلك التي يخفيها الأعداء بل التي تنام داخلنا دون أن نعلم بوجودها. حتى يأتي يوم تتمرد فيه على القيود التي كبلتها طويلًا.
فحين تمتزج اللعنة بالنبوءة ويصبح الماضي سجنًا للحاضر لا يعود السؤال: من المخطئ؟ بل يصبح: من الذي تجرأ على العبث بالمصير؟
وما إن تبدأ الحقيقة في الظهور حتى تدفع ثمنها القلوب أولًا. لأن بعض الأقدار لا تفتح أبوابها إلا بعد أن تنتزع من أصحابها آخر ما يملكون من طمأنينة.
أما في تلك اللحظة التي خرجت بها لعنة السحر الأسود التي حولت بشريًا إلى دب؛ انتقلت فيها تلك اللعنة إلى صدر نيراس لتتضاعف لعنته أكثر ويفقد وعيه على الفور. عدا فقدان كوردن بهذه الطريقة. فمن يصدق أن الدب الذي راعاه وقام بحمايته طوال هذه السنوات كان بالأصل إنسيًا!
حقيقة أصابت أريانا وميرفال بصدمة أفقدتهما القدرة على الحديث. كان ميرفال ينظر لهما وعقله يبحث عن تفسير لما حدث الآن وربما لم يراه من قبل. كيف ارتدت اللعنة إلى صدره بينما كان يلقي عليه تعويذة لخروج السحر من جسده؛ لم يجد سوى تفسير واحد؛ اللعنة التي أُلقيت عليه قوية ويلزمها بحث في طريقة لإخراجها. هو يعلم مدى أهمية نيراس الآن بالنسبة للمملكة. فهو المنتظر الذي سيقود البشر إلى الحياة مرة أخرى.
أما أريانا فركضت نحو نيراس تحاول أن تجعله يسترد وعيه أما ميرفال فأخذ رداءًا ووضعه على جسد كوردن العاري كما ولدته أمه. حاول تدفئته وهو يربت على وجنته بصفعات خفيفة كي يسترد وعيه.
لاحظ ميرفال لهفة الأميرة على نيراس وكيف تحاول معه كي يفتح عينيه. ربما لأنه المنتظر! هذا ما تردد داخل عقله.
بعد وقت. استعاد كلًا منهما وعيه ونظرا إلى بعضهما البعض بتعجب. والتفت ميرفال وأريانا إلى كوردن ثم قالت أريانا: هو… ده حصل ازاي؟
وقف نيراس وهو يضع يده على صدره متألمًا واقترب منه ببطء. رفع يده يتحسس وجه كوردن وهو يقول: مش ممكن! إنت إنسان زينا!
حاول كوردن أن يتحدث لأول مرة فقال بتلعثم: أنا… إنسان.
نيراس: إنت مين؟ وليه كنت بتحميني كل الوقت ده؟
كوردن: شفتك أول مرة… شميت ريحتك… إنت مني. من دمي.
نيراس: ازاي؟ من عيلتي يعني؟
كوردن: أيوة. إنت… قريب مني. عشان كده حاميتك.
نيراس بدهشة: مش فاهم حاجة. إنت مني ازاي؟
نظر إلى ميرفال الذي ينظر إلى الفراغ بشرود يحاول أن يجد تفسير ثم قال: مفيش غير معنى واحد… أخوك اللي اتقدم قربان لمورجاث قبلك. إنت أكيد الطفل التاني يا نيراس. يبقى الدب ده هو أخوك وحد لعنه بالسحر الأسود حوله لدب.
أريانا بحدة: مين عمل كده وليه؟ مين ليه مصلحة إن النبوءة متظهرش وكمان يتنفي المنتظر خارج سور المملكة يواجه الموت كل لحظة؟ ده اللي إحنا استنيناه سنين طويلة عشان يخلصنا من حكم مورجاث ومن الوحوش وينقذ أرواح أطفال أبرياء بيموتوا عشان إحنا نعيش.
وفي اللحظة التي تتحدث بها الأميرة رفع نيراس كلتا يديه يحتضن وجه كوردن وينظر إليه والدموع تتلألأ داخل مقلتيه ثم قال: إنت ثورن… أخويا الكبير. كل ده كنت بتحميني.
أمسك يده ووجد وشم العائلة مطبوع على يده باسم والده؛ فالريك. فهذه من عادات تقديم القربان حتى يُسجل اسم الطفل ولا يُطلب من العائلة طفل آخر.
وحين رأى اسم والده احتضنه بقوة فبكى ثورن وقال: كنت عارف إنك أخويا. عرفتك من أول يوم قربت منك. عشان كده ماقدرتش أبعد عنك لحظة واحدة.
كادت أريانا تبكي وهي تشاهدهما في هذه الحالة، فعادت تنظر إلى ميرفال وقالت بغضب: اللي عمل كده لازم يتحاسب.
ميرفال: إهدي يا سمو الأميرة. الموضوع ده محتاج تحقيق موسع ولو اتعرف هيقلب المملكة كلها. وأصلًا هي مقلوبة وبيستعدوا للحرب ضد مورجاث لإن الملك متوقع إنك عنده رهينة.
تنهدت أريانا وقالت: لازم حد يبلغ الملك إني عايشة.
ميرفال: إرجعي القصر دلوقتي.
أريانا: الوحوش بتجري ورايا. لازم الحرس يبقوا معايا يا أما نيراس يوصلني.
ميرفال بصدمة: هو نيراس حارب الوحوش وظهر قوته النارية قدامهم؟
أريانا: اه.
ميرفال: كده نيراس في خطر كبير. مورجاث هيحاول يقتله قبل ما تكتمل قوته. وقوة نيراس مش هتكمل طول ما اللعنة دي في صدره.
أريانا: طيب أنا أوصل للقصر ازاي؟ لازم أمنع الحرب اللي أكيد هنخسر فيها أرواح كتير.
ميرفال: أنا هروح وإنتي خليكي معاهم بس هيعرفوا يحموكي؟
نيراس: ماتقلقش.
ميرفال: أنا مش عايزك تظهر قدامهم تاني ده ممكن يقتلوك. إنتوا أدخلوا التل وماتحولوش تخرجوا منه.
أومأت إليه أريانا وذهب ميرفال مسرعًا. أما ثورن فحاول أن يقف على قدميه فوقع على الفور. تقدم منه نيراس وأمسك به وقال: أسند عليا إنت لسه مش واخد تمشي على رجلين.
وضع ثورن ذراعه على كتف نيراس وقال: ياريتني فضلت دب كان زماني قادر أحميكم.
ابتسم نيراس وقال: فرحة إن أخويا الكبير لسه عايش وكان بيحميني كل السنين دي أحلى حاجة حصلتلي في حياتي. ياااااه لو ماما تعرف إن إحنا الاتنين عايشين.
أريانا: قريب أوي هترجعوا المملكة.
دخلوا إلى التل فوجدوا طعام بالداخل. ساعد نيراس ثورن على الجلوس ثم توجه نحو الطعام وأكل بشراهة. نظرت إليه أريانا بتعجب فقال نيراس: حاسس إني كنت بجري بقالي يومين. حرارة جسمي بتزيد بشكل غريب.
ثم توقف عن الأكل وقال: بس جسمي طبيعي دلوقتي! مع إن وإنتي قدامي دايمًا بحس بحرارة شديدة.
نظر إلى يديه حاول أن يخرج النيران من يديه ولكن تألم فجأة وأمسك صدره فشعر بحرارة شديدة. فتح ملابسه من الأعلى فوجد بقعة سوداء داخل صدره وكأنها فوهة بركان. نظرت إليه أريانا وثورن بصدمة ثم ركضت نحوه أريانا بفزع وقالت: إيه ده؟!
نيراس بألم: أول ما حاولت أخرج النار من إيدي حسيت بيها بتخرج من صدري.
أريانا: ماتحاولش تستخدم قوتك تاني لحد ما يرجع ميرفال.
نيراس بغضب: قعدنا نقول ميرفال اللي هيحل الموضوع ومن ساعة ما جيت وكل حاجة بتحصلي بتأذيني.
ثم صرخ بألم فقالت أريانا: إهدى يا نيراس. العصبية بتأذيك زيادة.
ثورن: اللي بيحصل ده صعب عليه جدًا.
أريانا: خلينا نوقف الحرب وهنفضل هنا مع ميرفال لحد ما نلاقي حل لكل ده ونخرج السحر الأسود منه.
نيراس: مش هترجعي المملكة؟
أريانا: لأ… هفضل معاك.
نيراس بحزن: عشان تشوفي بس؟
أريانا: لأ… إنت عارف إحنا مستنين أد إيه عشان تظهر النبوءة. أنا مش هسيبك وأمشي. إنت أمل المملكة كلها.
تنهد نيراس ولم يتحدث. كان يأمل أن يسمع سبب آخر ولكن بكل وقت يخبر نفسه بأن أريانا لن تصبح ملكه. فعليه الآن أن يركز على ما يجب عليه فعله في سبيل قومه وأيضًا يبحث عن من ألقى عليه تلك اللعنة وكان السبب في نفيه من المملكة.
وصل ميرفال إلى المملكة وركض فورًا نحو القصر الملكي وطلب مقابلة الملك وحين دخل وجده يجلس حزينًا فانحنى أمامه وقال: مولاي… الأميرة أريانا عندي في التل الكبير.
وقف فالين مندهشًا وركض نحوه وقال: عندك! بجد شفتها؟
ميرفال: أيوة يا مولاي. وجيت أبلغك عشان ترسل الحرس يرافقوها للمملكة.
صاح ميرفال قائلًا: يا حراس. أرسلوا لحضور كاسيان فورًا.
تلقى الحراس الأمر وذهبوا على الفور ثم نظر فالين إلى ميرفال وقال: ليه ماجتش معاك؟ هي بخير صح؟
ميرفال: جدًا يا مولاي. بس الوحوش منتشرين في الغابة بشكل ملحوظ.
فالين: عارف. كانوا عايزين يخطفوها.
ميرفال: الوحوش بتسعى ورا حد تاني يا مولاي.
عقد فالين حاجبيه وقال: حد مين؟
ميرفال: نبوءة التنين تحققت.
فتح فالين عينيه مشدوهًا وقال: اتحققت ازاي؟ ومين اللي ظهرت عليه النبوءة؟
دخل كاسيان القاعة ركضًا وقال: أمر مولاي.
فالين: استنى يا كاسيان. قولي يا ميرفال إيه معنى كلامك ده.
ميرفال: نيراس بن فالريك. فاكر الاسم ده؟
كاسيان: المنبوذ؟
أومأ ميرفال إليه وقال: هو نبوءة التنين. هو المنتظر يا مولاي.
نظر كاسيان وميرفال إلى بعضهما البعض بدهشة وقال كاسيان: ده من غير قوة سحرية!
قص له ميرفال ما حدث اليوم وهما في حالة دهشة ثم قال فالين ولازال علامات الدهشة على وجهه: المهم أريانا ترجع دلوقتي واطمن عليها. أنا هاجي بنفسي التل عشان كمان أشوف نيراس وثورن.
كاسيان بضيق: سموك مصدق الكلام ده؟ يعني إيه نظرها بيرجع لما بس بتبقى جنبه؟
فالين: مش وقت مشاعر الغيرة يا كاسيان.
تنهد كاسيان وهو يخمد ذلك الغضب الذي يتخلل صدره ولكن هناك ما ينبئه أن ما يحدث هو بداية فقدان أريانا. ثم قال بحزن: أمرك يا مولاي بس عايز أجي اطمن عليها.
أومأ له فالين وخرج من القاعة متوجهًا نحو الموكب الملكي بعد أن أمر كاسيان بتجهيزه.
انطلقوا جميعًا نحو التل الكبير ولاحظ فالين أن هناك عدد لا حصر له من الوحوش ينتشر داخل الغابة. وذلك بعد أن علموا بأمر قتل زاروك على يد مورجاث فدب الخوف في قلوبهم مما جعلهم يبحثون بكل مكان ولا يزال صوت مورجاث الغاضب يتردد داخل أذانهم.
كان نيراس يجلس متألمًا وأريانا تحاول أن تبحث عن دواء ولكن دون جدوى. ثم طلبت من ثورن أن يبحث في ملابس ميرفال ويرتدي ثيابًا تقيه من حرارة الجو الباردة. ثم جلست أريانا بجوار نيراس وهو يتأمل ملامح الحزن في عينيها ولا يقوى على إبعاد نظره عنها. لاحظت أريانا نظراته وبدأ الارتباك يظهر عليها. شبكت أصابعها وحركتهم بتوتر فابتسم نيراس وقال: واضح إني لازم أسأل لأن بجد مابقتش قادر أخبي السؤال ده أكتر من كده؛ هو الإحساس اللي جوايا ده جواكي برده؟
أريانا بتعجب: أنهي إحساس؟
نيراس: حاسس إن اللي بيحصل معايا أنا وإنتي ليه تفسير أعمق من اللي إحنا شايفينه. لو كلام ميرفال صح يبقى أنا أكيد عندي قوة سحرية وكل اللي كان بيحصل معايا ده مش بسبب إني بسحب الطاقة السحرية من اللي حواليا. فكري كده… إنتي بيرجعلك نظرك وأنا قوتي بتظهر وإنتي جنبي أو كانت بتظهر؛ ده مش معناه إن فيه رابط بينا غريب شوية. وكمان السحر الأسود اللي نزل عليا أنا وأخويا ثورن واتقلب دب وعاش طول حياته برا السور.
أريانا: كل الأسئلة دي في دماغي بس اللي بيحصل حواليا مخليني مش عارفة أفكر بهدوء.
نيراس: وأنا كمان. بس فيه حاجة أنا متأكد منها. اللي عملي السحر أنا وثورن له علاقة بمورجاث. فكري معايا… المفروض ثورن كان متقدم قربان لمورجاث لكن هو ممتصش دمه بل اترمى عليه سحر أسود وحوله لدب. ده غير إن معنى اللي عمله معايا إنه كان عارف إن أنا المنتظر زي ما إنتوا بتقولوا.
أريانا: فعلًا… كلامك منطقي.
تأمل نيراس ملامحها ولأول مرة يترك العنان لعينيه لتبرز بعض الأعجاب الذي يتملكه وقال: نفسي أعرف إيه الرابط اللي بينا… تفتكري ده رابط من نوع تاني. يمكن بنكمل بعض أو مخلوقين لبعض.
لم تتحدث فقط تأملت تلك النظرة التي لم ترى مثلها من قبل. قال ما بقلبها ليكشف عن السبب الذي طوته بعيدًا عن عقلها. فكانت تراه منبوذًا لا يصلح أن يكون أكثر من مجرد تابع أو سببًا كي تبصر مرة أخرى. ولكن السبب الحقيقي التي كانت تخشاه هو ما كانت تتهرب منه.
نيراس هو مفتاح الحياة بالنسبالي.
طال الصمت والعيون تتحدث ببعض المشاعر… الخجل والإعجاب يرتسمان داخل تلك النظرات التي تصيب قلب كلًا منهما بسيل من المشاعر التي لم يختبراها من قبل.
كادت تتحدث ولكن قاطعها صوت فالين الذي دخل التل وحين وقع عينيه عليها قال: أريانا… بنتي.
وقفت أريانا على الفور حين سمعت صوته. ولأول مرة منذ سنوات ترى ملامح وجهه. ابتسمت والدموع تتجمع داخل مقلتيها ثم اقتربت منه ببطء وهو يرى أن عينيها ترتكز على وجهه… علم أن ميرفال محق؛ الأميرة عاد إليها بصرها.
وقفت أمامه ورفعت أناملها تتحس ملامح وجهه التي غيرها الزمن. يبدو أكبر سنًا لكن نظرته الحنونة كما هي لم تتغير.
حركت أناملها على ملامحه ولم تستطع أن تتمالك دموعها. بكت ثم قالت من بين شهقاتها: كان نفسي أشوفك… إنت وحشتني أوي يا بابا.
ضمها إليه بسعادة وأغمض عينيه بامتنان. فقد عادت روحه إلى جسده بعودتها.
أما النظرات من حولهما كانت متفاوتة؛ نيراس ينظر إليهما بحزن حين سمع صوت بكاءها. ميرفال سعيد بما يحدث الآن وعودة الأميرة. ثورن يتمنى لو يرتمي بين أحضان والديه فهو لم ينعم بدفئهما من قبل.
ثم انتبه نيراس إلى نظرات كاسيان إليه. ينظر إليه بغضب ويبدو أنه يشتعل بالغيرة. فالأميرة عاد لها بصرها بفضله وهذا يعني أن نيراس سوف يحتل مكانة خاصة عندها؛ خاصة إذا كان هو المنتظر حقًا.
تعلقت نظراتهما ببعض وبدأ صراع صامت ما هو إلا بداية صراع أكبر سيطيح بكل شيء.
لكن المعركة التي بدأت بين نظرات نيراس وكاسيان لم تكن سوى الشرارة الأولى… فهناك حرب أكبر تقترب وحين تنكشف الحقيقة كاملة لن يكون الصراع على قلب الأميرة بل على مصير المملكة بأكملها.
فإذا كانت النبوءة قد استيقظت… فإن اللعنة استيقظت معها أيضًا.
…..
الفصل السابع
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الجزء السابع 7 بقلم رباب حسين
مملكة السحر (نبوءة التنين)رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الحلقة السابعة
ليست كل الحروب تبدأ بسقوط السيوف فبعضها يبدأ بنظرة وبعضها بكلمة وبعضها بحقيقةٍ خرجت إلى النور بعد أن ظلت مدفونة تحت ركام السنوات.
الحقيقة لا تكشف أوراقها دفعةً واحدة بل يتمزق ستارها خيطًا بعد خيط حتى يجد الجميع أنفسهم في مواجهة حقيقة لم يكونوا مستعدين لها.
وحين يصبح المنبوذ هو الأمل الوحيد وتتحول اللعنة إلى مفتاح النجاة يدرك الجميع أن ما ظنوه نهاية لم يكن سوى بداية الطريق.
لكن أخطر ما في النبوءات أنها لا تمنح أصحابها القوة بلا ثمن ولا تفتح أبواب المجد إلا بعد أن تعبر بهم وادي الألم. فكل خطوة يخطوها المنتظر نحو مصيره تقترب معها الظلال أكثر وكأن الشر نفسه قد استيقظ ليمنع اكتمال ما كُتب منذ آلاف السنين.
وفي ذلك الكهف الذي جمع لأول مرة الملك بابنته والمنتظر بملكه والغريم بغريمه… كانت المشاعر تتصارع بصمت بينما كان القدر يبتسم؛ لأنه يعلم أن ما سيحدث بعد هذه اللحظة سيغير مصير المملكة بأكملها.
وحين ابتعدت أريانا عن أحضان والدها ووقع نظر فالين على نيراس الذي ينظر إلى كاسيان بقوة وحين انتبه إلى نظرة الملك انحنى أمامه على الفور وقال: مولاي الملك.
فالين: تعالى يا نيراس. عايز أعرف الكلام اللي بيقوله ميرفال ده حقيقي ولا لأ.
وقف نيراس وهو ينظر إلى أسفل باحترام وقال: للأسف يا مولاي أنا مش عارف الكلام صح ولا لأ. كل اللي أعرفه إني يوم ما وقفت قدام ميرفال وأنا طفل عنده ١٠ سنين إني لعنة وحلت على قومي. اترميت برا المملكة وأنا عارف إن ده لصالح البشر كلهم وأصبحت… منبوذ. لكن من وقت ما شفت الأميرة وحياتي كلها اتغيرت. وتحولت في يوم وليلة من منبوذ لمنتظر.
فالين: أنا كمان مش عارف ده حصل ازاي بس… محتاج أتأكد.
رفع نيراس نظره إليه وقال: تتأكد ازاي سموك؟
فالين: إنت تملك قوة النار زي ما ميرفال بيقول؛ وريني.
نظر نيراس إلى أريانا فقالت على الفور: لأ يا مولاي، نيراس ماينفعش يستخدم قوته دلوقتي.
عقد فالين حاجبيه وتحدث ميرفال قائلًا: ليه؟!
نظرت أريانا إلى نيراس وقالت: وريهم.
فتح نيراس ملابسه من أعلى عند الصدر. ففتحوا جميعهم أعينهم بدهشة؛ صدره محترق بالكامل. تقدم منه ميرفال ونظر إليه عن كثب ثم قال: واضح إن اللعنة اللي خرجت من ثورن ودخلت جواه خلت حالته أسوء.
أريانا: من وقتها وهو مش حاسس بقوة النار في جسمه ده غير إن حاول يستخدم قوته صدره ألمه جدًا. شوف حل يا ميرفال.
ميرفال: المشكلة إني مش عارف التعويذة اللي لعنته بالشكل ده وخلتني حتى مشفش قوته السحرية. وكمان ليه امتص لعنة أخوه!
فالين: وفين أخوه؟
تقدم منه ثورن وانحنى أمامه كما فعل نيراس وقال: أنا أخوه.
تقدم منه فالين ونظر بيده ليرى ختم اسم فالريك على يده. نظر له بتعجب وقال: أول طفل يتقدم قربان ويرجع تاني.
نيراس: أول طفل يتقدم قربان ويرفضه مورجاث. مولاي؛ أنا عايز أعرف مين السبب في اللي حصلي أنا وأخويا. وليه أنا وهو نترمي برا سور المملكة وسط الوحوش طول عمرنا؟
فالين: كل حاجة هتتعرف في وقتها.
أريانا: أنا عايزة تحقيق شامل عن الموضوع يا مولاي. لأن اللي عمل كده هو السبب برده إني أفقد نظري طول عمري.
فالين بتعجب: إيه علاقتك بالموضوع يا أميرة؟
أريانا: عشان نظري مارجعش غير لما شفته وقوته ماظهرتش غير لما شافني. ده معناه إني مصابة باللعنة دي أنا كمان.
ظهر الغضب على فالين ونظر بالفراغ. ما تقوله أريانا صحيح فتنهد وقال: كاسيان؛ عايز تحقيق مع كل اللي بيجيد السحر الأسود في المملكة.
كاسيان بصدمة: أنا يا مولاي هحقق معاهم؟
فالين: إيه مش هتعرف تحقق مع والدك؟
كاسيان: معالي الوزير أكيد بعيد عن الشبهات. لكن أنا شايف إنه أحق وأجدر واحد بالتحقيق معاهم. وأكيد هو اللي هيقدر يكشف نوع التعويذة اللي أصابتهم كلهم.
نيراس: بالعكس، مفيش حد فوق مستوى الشبهات.
نظروا إليه جميعًا بصدمة من حديثه فأردف: بعتذر أنا مش بتهم حد معين. لكن تعويذة قوية بالشكل ده وتصل لدرجة إن كبير السحرة مش عارف هي إيه استحالة تكون من حد قوته السحرية ضعيفة. بل بالعكس دي محتاجة حد قوي في السحر الأسود عشان كده مش شايف إن استبعاد أي حد في المملكة كبير في السن حاجة صح.
أريانا: بس إنت قلت برده إن ثورن راح قربان لمورجاث وهو اللي ماقبلش القربان وحوله لدب. يعني ممكن يكون هو اللي لعنه.
نيراس: بس مورجاث مش بيتقن السحر.
فالين: اللي بتقوله ده معناه إن فيه حد من السحرة متواطئ مع مورجاث.
نيراس: وسموك شايف إن فيه تفسير تاني؟!
كاسيان بحدة: إنت مين أصلًا عشان تتهم كبار السحر الأسود بالخيانة؟ إحنا لحد دلوقتي مشفناش دليل واحد إنك فعلًا المنتظر وشايفك مستغل الموضوع وبتتكلم بقوة وبتوزع اتهامات كمان.
نيراس: لأ هو أنا بتكلم بقوة من قبل ما أعرف إني المنتظر. وأظن لو ماكنتش بالقوة دي ماكنش زماني عايش لحد دلوقتي وسط الغابة اللي برا اللي إنتوا رمتوني فيها.
أريانا بحدة: نيراس! كفاية لو سمحت. أظن محدش في المملكة كلها كان عايز ينفيك برا لكن السحر ده هو السبب في اللي حصلك وأكيد جلالة الملك لو كان عارف إنك تملك قوة سحرية ماكنش رماك برا زي ما قلت. كل اللي حصل كان غصب عننا ومكيدة محكمة. وماتنساش إني معاك في اللعنة دي.
تنهد نيراس وقال: أنا كل اللي قولته واللي مبني على منطق إن كل الناس يتحقق معاهم وخاصة كبار السن لأن اللي حصل من أكتر من ٢٣ سنة وده بيستبعد أصلًا الشباب. بس السيد كاسيان واخد الموضوع بشكل شخصي.
فالين: أنا فهمت وجهة نظرك بس مش مسموح لحد يكلم كاسيان بالشكل ده ويتهم وزير السحر الأسود بالخيانة.
نيراس: كلهم تحت الاتهام بالنسبالي. أعذرني يا مولاي أنا اللي اتنفيت وسط الوحوش. كنت بنام من غير أكل وبحارب كل الظروف عشان أقف قدام سموك دلوقتي. وطالما مهمتي إني أحمي شعبنا يبقى لازم أثق في كل القيادات اللي موجودة. ولو حضراتكم واثقين في حد عشان تعرفوه؛ أنا معرفش حد ولا بثق في حد.
ميرفال: لازم تثق في عدالة الملك. لو فيه حد خان شعبنا هو اللي هيحاسبه وبنفسه.
نيراس: أكيد بثق في جلالة الملك. ومش ناسي لما كلهم كانوا بيطالبوا بنفي وهو الوحيد اللي كان بيبصلي بحزن عشان عارف إنه بيقدمني للموت.
فالين: كان قرار مش سهل ويمكن أكتر قرار هندم عليه. لكن دلوقتي سيب التحقيق معانا ماتقلقش. أهم حاجة إنت دلوقتي. لازم نعرف نبطل التعويذة دي وترجع تستخدم قوتك تاني.
ميرفال: أنا هخليه معايا هنا في التل لحد ما أقدر أعالج المشكلة اللي عنده.
فالين: مفيش مشكلة. بس خلي بالك منه.
ميرفال: محدش يجرأ يدخل التل بتاعي يا مولاي.
أومأ إليه فالين وقال: يلا يا أريانا نرجع المملكة.
أريانا: بعتذر يا مولاي. أنا هفضل هنا مع نيراس.
نظر لها فالين مندهشًا وتحدث كاسيان بحدة: ليه تفضلي معاه؟
نظرت إليه أريانا نظرة جانبية ولم تتحدث، فقال فالين: عايزة تفضلي برا السور يا أميرة؟!
أريانا: أنا هنا في أمان. لكن نيراس هو مستقبل المملكة ولازم أكون معاه. خاصة بعد ما قولت لسموك إن اللعنة علينا إحنا الاتنين.
كاسيان: ووقت ما ميرفال هيفك اللعنة هتزول من عندك. مش شايف أي داعي إنك تفضلي هنا معاه.
أريانا: وأنا مش هطمن غير لما يفضل المنتظر تحت عيني طول الوقت. ده مستقبل مملكتي ومش هضيعه عشان أي اعتبارات تانية.
كاد كاسيان أن يتحدث بغضب ولكن تحكم بأعصابه في اللحظة الأخيرة ثم قال: ممكن اتكلم مع سمو الأميرة لوحدنا شوية يا مولاي؟
فالين: طبعًا.
أشار كاسيان إلى خارج الكهف كي تذهب أمامه فنظرت أريانا إلى نيراس وأومأت إليه حتى ها. فأومأ إليها نيراس ولحق بها تحت نظرات كاسيان التي تطلق سهام غضب مشتعلة ثم لحق بهما. خرج ثورن يرى ما سيحدث فهو يعلم أن نيراس يكن لها إعجابًا شديدًا.
لاحظ فالين ما يحدث فاقترب منه ميرفال وقال: قولتلك يا مولاي. كاسيان مش هو الاختيار الأمثل لسمو الأميرة.
فالين: بس هو بيحبها بجد.
ميرفال: من طرف واحد للأسف.
تنهد فالين بقوة وللحظة فكر بأن ما يحدث مع نيراس وأريانا له مخزى أكبر وأسباب سوف تظهر إلى العلن قريبًا.
أما بالخارج فوقف كاسيان أمام أريانا يحجب عنها رؤيته حتى لا ترى نيراس ثم قال بحدة: مش شايفة إن اللي بيحصل ده المفروض مايحصلش.
أريانا: إنت اللي مش شايف نيراس ده مهم أد إيه سواء للمملكة أو ليا. أنا مش بشوف غير وهو جنبي.
كاسيان: يعني المفروض يفضل جنبك طول الوقت! طيب لو اتجوزنا هيعيش معانا ولا هينام وسطنا؟!
أريانا: لحد ما نفك اللعنة نيراس هيفضل جنبي. لو دي الطريقة الوحيدة اللي هشوف بيها مش هتردد أبدًا.
كاسيان: إنتي معجبة بيه؟
أريانا: أميرة مملكة السحر والملكة القادم للشعب ماتعرفش معنى الخيانة. لو أعجبت بحد تاني واتأكدت من ده عمري ما هكمل معاك.
كاسيان: عشان عمرك ما حبتيني.
أريانا: وأنا عمري ما قولتلك إني بحبك.
كاسيان: بس إنتي ليا ومحدش هيقدر ياخدك مني.
أريانا: لحد دلوقتي لأ. لكن زي ما قلت لو أعجبت بحد تاني أنا اللي مش هكمل معاك.
نظر إليها كاسيان بحزن ثم قال: طيب… أنا مش همشي. هفضل معاكي.
أريانا: ده معناه إنك مش واثق فيا وده شيء مش هسمح بيه بس هعدي التجاوز ده عشان عارفة إنك بتغير عليا. لكن وجودك هنا مالوش أي داعي ده غير إنك مكلف بتحقيق مهم. ماتنساش إن لو عرفنا مين اللي عمل السحر ده هنقدر نعرف الطريقة اللي نبطله بيها. يعني إنت كده بتساعدنا أكتر وده دورك في خدمة شعبنا.
تنهد بضيق. يعلم أنها تعامله كأميرة للبلاد وهي تملك شخصية قيادية قوية. ولكن كل ما كان يرجوه أن يرى نظرة حب في عينيها. كتلك التي ترتسم داخل عيون نيراس كلما رآها. أما الآن فارتسمت نظرة أخرى… غيرة. لاحظ ثورن نظراته وأنفاسه المتلاحقة التي كادت تحرق ما حوله فقال: إهدى يا نيراس. هو خطيبها وإنت مالكش حق تغير عليها.
نيراس: بس هي مش بتحبه.
ثورن: طيب إهدى عشان العصبية بتأذيك.
نيراس: قولها تبعد عنه. مش قادر اتحكم في نفسي.
لاحظ ثورن علامات الألم على وجهه فذهب نحوهما على الفور وقال: مولاتي. تسمحي بكلمة ضروري.
تنهدت بضيق من حديث كاسيان معها. فهو يحتد بالكلام ويتحدث معها بغضب وهي لا ترى سببًا لهذا. فهي تبحث عن علاجها وعن طريقة لإنقاذ شعبها ويتهمها بالخيانة.
وقفت مع ثورن بعيدًا عن كاسيان الذي رمق نيراس بنظرات الضيق. ثم قال ثورن: لو سمحتي بلاش تقفي مع كاسيان قدام نيراس دلوقتي. هو متضايق وده بيأذيه.
نظرت أريانا نحوه فوجدته ينظر إليها بحزن فقالت: هو متضايق ليه؟
ثورن: أظن السؤال ده إجابته عنده. لكن أنا مهمتي حمايته.
لاحظت أريانا خروج الملك من التل فقالت: هما خلاص هيمشوا.
اقترب الملك منهم وقال: أنا لازم أرجع المملكة وأوقف الحرب. وعايز اطمن الملكة عليكي. هي هتفرح جدًا إنك رجعتي تشوفي تاني وكله بفضل نيراس.
زفر كاسيان بضيق ثم قال فالين: يلا يا كاسيان نرجع القصر.
كاسيان: تحت أمرك.
ذهبا معًا وهو يرمق أريانا بحزن. “هذه بداية النهاية.” هذا ما تردد داخل عقله. ثم لحق بالملك وغادرا.
وفي تلك الأثناء كان هناك من لبى طلب الحضور عند مورجاث ووقف عند بابه ينتظر الأذن بالدخول. وحين دخل تقدم منه مورجاث بغضب وقال: كل ده عشان تيجي يا زادور؟!
زادور: المملكة كلها كانت في حالة تأهب من ساعة ما الأميرة اتخطفت وكمان إعلان الحرب. إوعى تكون اتجننت وخطفتها فعلًا.
مورجاث: اتفاقنا كان واضح. إنت طلبت أخوفها عشان أمنعها من زيارة ميرفال عشان ماتخرجش برا السور وتقابل المنبوذ. وأنا نفذت ده لكن فجأة ظهر المنبوذ قدام الوحوش وحاربهم بالنار.
فتح زادور عينيه بصدمة وقال: لأ! دي مصيبة. كده كل حاجة هتتكشف. والناس هتعرف إن النبوءة اتحققت والمنبوذ هيبقى المختار.
مورجاث بغضب: أمال أنا بقالي يومين بطلبك ليه؟! شوف حل. لازم نخلص عليه قبل ما قوته تكتمل.
زادور: قوته مش هتكتمل بسهولة. بس هو كده هيبقى تحت حماية الملك ده لو عرف الحقيقة. وطالما الأميرة عرفت يبقى هو هيعرف. أنا هخلص منه بس لازم أخطط للموضوع الأول.
مورجاث: لو فشلت أنا هدخل جوا المملكة وأقتله بنفسي حتى لو بعدها حارب البشر كلهم. أنا قادر أموتهم زي ما موت كل البشر العاديين.
زادور: بلاش تهور. خلينا نفكر ونوصل لحل سوا.
لم يكن مورجاث ليهدأ وهو يشعر بأن نهايته قد اقتربت. فظهور النبوءة معناه بداية الحرب الأخيرة.
أما رايث فعاد إلى منزله سعيدًا لأول مرة حين رأى نظرات التقدير التي تحيط به من كل من حوله وخاصة الملك بعد أن كان يرى الخوف والاشمئزاز يرتسم داخل عيون كل من يراه. والآن قد نال التقدير الذي لطالما حلم به وهذا بفضل مجهوده الذي بذله منذ أن بلغ العاشر من عمره. وتأكد بأن بالاجتهاد والأخلاص سوف ينال ما يريد.
وحين رأه فالريك ورأى تلك الابتسامة الواسعة على فمه قال: واضح إنك فرحان يا رايث.
رايث: لأول مرة يا بابا أحس إن ليا قيمة والناس بتحترمني وتقدرني. حتى السيد كاسيان قالي إنه معتمد عليا في الحرب. عندي إحساس إننا هنفوز في الحرب دي.
فالريك: طالما إنت موجود في الجيش أنا مطمن. أنا واثق في قدرتك على التحكم في الماية وعارف إنك أقوى مني.
فيسرا: هيكسبوا ويرجعلي بالسلامة. أنا واثقة من ده. مش هخسره هو كمان.
ربت فالريك على كتفه وقال: لأ… هيرجعلنا منتصر.
ابتسم رايث وهو يرى نظرات الثقة داخل عين والده. وهذا ما جعله يشعر بالفخر أكثر.
أما بذلك التل؛ فبدأ ميرفال يبحث عن طريقة ليبطل هذه اللعنة. ونيراس يجلس بالخارج يتأمل الطبيعة من حوله وقلبه يشتعل بالغيرة.
اقتربت منه أريانا وجلست بجواره وقالت: متضايق ليه بقى وطلبت مني أبعد عن كاسيان؟!
نظر نيراس إلى عينيها مطولًا ثم قال بتعجب: أنا عارف إنك حاسة باللي أنا حاسس بيه بس مستغرب إنتي ليه متجاهلة الأمر.
أريانا: إن يعني الرابط اللي بينا قوي! ما أنا عارفة إن لعنتنا واحدة.
نيراس: لأ… مش قصدي كده. أنا قولتلك إن حاسس إننا بنكمل بعض. مش حاسة بده؟
أبعدت أريانا عينيها عنه وقالت بارتباك: مش فاهمة تقصد إيه.
نيراس: ارتباكك قدامي عكس قوتك اللي بتتكلمي بيها مع خطيبك كاسيان، وده معناه إن قلبك مش معاه، ومعناه برده إن الرابط اللي حاسس بيه هو اللي جواكي. مهما تهربي منه هو موجود. وأظن إن ده إجابة سؤالك. ولو سمحتي ماتقفيش معاه قدامي تاني لحد ما أقدر أخرج قوتي من جديد. ولا أقولك ولا تقفي معاه قدامي خالص لأني وقتها برده مش هعرف اتحكم في قوتي وممكن أحرقه قدامك.
تعلقت نظراتهما ببعض، هو يقرأ ما بقلبها ويكشف المشاعر التي تدفنها وترفض أن تصدقها دون رحمة. لا تنكر أن قوته وجراءته تنال إعجابها دائمًا خاصة حين دافع عن رأيه واتهام جميع سحرة السحر الأسود بالخيانة ولم يتراجع عن رأيه حين اعترض الملك. وهذا على عكس كاسيان الذي يرضخ للأوامر دون نقاش.
قاطع تلك النظرات خروج ميرفال من التل الذي قال: نيراس… تعالى لوحدك معايا جوا.
نهض نيراس وأريانا أيضًا ثم قالت: ليه لوحده؟!
ميرفال: خايف يمتص أي سحر أسود تاني وده ممكن يموته. معلش يا أميرة خليكي هنا مع ثورن.
نظر لها نيراس يطمئنها ثم دخل الكهف..
ميرفال: هجرب تعويذة الطرد تاني يمكن اللعنة بتاعت ثورن تخرج منك ويفضل بس اللعنة الأولى.
تنهد نيراس وأومأ إليه بالإيجاب ثم أغمض عينيه مستعدًا لذلك الألم الذي سيشعر به الآن.
رفع ميرفال عصاته السحرية وقال: يا ماء الحياة اغسلي أثر اللعنة. يا ريح الصفاء بددي ظلام السحر. يا نور السماء أخرج السحر الأسود من هذا الجسد.
سقط نيراس أرضًا وهو يمسك بصدره متألمًا بشدة. ثم خرج ثعبان أسود من صدره وسقط مغشيًا عليه. ارتفع الثعبان أمام ميرفال ينظر إليه بعيون حمراء تدب الرعب في كل من يراها. فرفع ميرفال عصاه وأخرج نورًا شديدًا منها أحاط بذلك الثعبان حتى بدأ يختفي وسط الضوء تدريجيًا وظلت العيون تنظر إليه والجسد يتلاشى حتى اختفى تمامًا.
ابتسم ميرفال بسعادة فقد نجحت التعويذة والآن سيستطيع نيراس أن يستخدم قوته من جديد وبقى فقط تلك التعويذة التي تمنع اكتمال قوته.
وفي تلك الأثناء لاحظ الوحوش وجود ثورن على أعلى التل فصعدوا جميعًا بسرعة ووقف ثورن ينظر إليهم بصدمة وينظر إلى أريانا التي ارتعشت من الخوف واختبئت خلفه.
تُرى من سيحمي أريانا الآن؟!
…..
الفصل الثامن
رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الجزء الثامن 8 بقلم رباب حسين
مملكة السحر (نبوءة التنين)رواية مملكة السحر (نبوءة التنين) الحلقة الثامنة
هناك لحظات يظن فيها الإنسان أنه انتصر على الشر ثم يكتشف أن ما حطمه لم يكن سوى أحد أذرعه.
فبعض اللعنات لا تموت بخروجها من الأجساد بل تولد من جديد وهي أكثر شراسة تبحث عن ضحية أخرى وعن طريق جديد للعودة.
وحين يقف الحارس بلا قوة ويصبح المنقذ عاجزًا عن إنقاذ من أقسم على حمايتهم يبدأ القدر في كتابة أكثر فصوله قسوة. عندها لا يكون السؤال: من سينتصر؟ بل: من سيبقى حيًا حتى يشهد النهاية؟
وفي الوقت الذي ظن فيه ميرفال أنه نجح في اقتلاع السحر الأسود من صدر نيراس… كانت الوحوش قد أحاطت بالتل من كل جانب وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة تحديدًا. لحظة يضعف فيها المنتظر ويغيب فيها آخر حاجزٍ يقف بينها وبين الأميرة.
هنا وقد تبدلت ملامح أريانا وفي اللحظة التي رأت فيها الوحوش يتسلقون الجبل وجدت نفسها تبحث عنه ليس فقط ليحميها بل أصبح مصدر الأمان لها. أما ثورن الذي وقف عاجزًا أمام ما يحدث فقد استخدم جسده كدرع لحمايتها. وبنظرات مرتعشة وقلب نبضاته تلاحق بعضها البعض وقف ينظر إلى الوحوش التي تقترب واحد تلو الآخر. وأريانا تنظر إلى الكهف الذي أغلق على نيراس وميرفال بخوف وقلبها ينادي باسمه عاليًا.
وفجأة حدث شيئًا عجيبًا؛ الوحوش وصلت إلى صفح التل وما أن اقتربت منهما تجاهلهما. كأنهم لا يرونهما. وما زاد دهشتهما أن وقف أحد الوحوش يقول بصدمة: أنا متأكد إني شفت الأميرة هنا.
نظر له آخر وقال: مش معقول يعني اختفوا! طلعنا الجبل على الفاضي. يلا ننزل.
نظرت أريانا لما يحدث بعين مشدوهة توزع نظراتها بين ثورن والوحوش. وانتظرت حتى نزلت الوحوش مرة أخرى وتركت التل وذهبت.
نظرت أريانا إلى ثورن وقالت: هما ازاي مشفوناش؟!
ثورن بدهشة: أنا آخر واحد ممكن يكون عنده علم بالموضوع.
صمتت أريانا قليلًا تفكر ثم قالت: ما هو مفيش حل غير إنك خفيتنا.
ثورن بدهشة: خفيتنا ازاي يعني؟! لأ مافتكرش.
أريانا: ثواني؛ إنت طول عمرك بتحمي نيراس؛ مش يمكن دي قوتك السحرية. حماية. بنستخدم القوة دي في المملكة للدفاع عن السور من الحيوانات والوحوش.
ثورن: قصدك إن عندي درع حماية؟
أريانا: بس مختلف، إنت قدرت تخفينا جوا الدرع، كأننا مش موجودين. إنت سمعت بنفسك لما قال واحد منهم إنه شافني. ولما وقفت وراك ماشفنيش. وده اللي السحر الأسود ماقدرش يغيره. إنت حامي.
ثورن: مافكرتش إني عندي قوة سحرية.
أريانا: ليه؟ ما أنت واحد مننا.
نظر لها ثورن وابتسم بامتنان، كان يعيش وحيدًا لم يقبل برفقته أي دب أو حيوان آخر لذا عاش داخل الكهف منفردًا حتى ظهر نيراس في ليلة باردة. كان يظن أنه سيرفضه ولكن حين اقترب منه ربت عليه بحنو وهذا كان الدافع الآخر لبقائه بجواره كل هذه المدة. ولكن الآن لديه عائلة وشعب ينتمي له بل وأصبح ساحر ولديه قوة سحرية.
أما فالين فوصل إلى المملكة وتوجه على الفور نحو غرفة الملكة سيرينا، وحين دخل الغرفة وسعادته تسبقه وقفت سيرينا على الفور حين رأت تلك النظرة التي بعثت في قلبها الأمل لذا قالت قبل أن يتحدث: الأميرة رجعت؟
فالين: لقيناها. مورجاث ماخطفهاش فيه حد حماها وراحت عند ميرفال وهو جيه وطمني عليها. رحت إتأكدت بنفسي ولقيتها كويسة جدًا.
اندفعت سيرينا نحو الباب وهي تقول: هروح أشوفها.
أمسكها فالين من ذراعها وقال: لا هي ماجتش معايا. أقعدي وأنا هفهمك كل حاجة.
جلست معه وقص لها فالين ما حدث اليوم وهو لا يصدق أن كل هذا حدث دفعةً واحدة. وقفت سيرينا بسعادة وقالت: يعني أريانا بتشوف! أنا عايزة أشوفها.
فالين: حاضر. بس الوقت إتأخر دلوقتي والخروج برا السور فيه خطر عليكي. الوحوش منتشرة في كل حتة وبيدوروا على نيراس.
سيرينا بقلق: طيب ما ده خطر عليها. كنت رجعتها المملكة أفضل.
فالين: أول مرة أشوف أريانا متمسكة برأيها بالشكل ده. رفضت تترك نيراس حتى كاسيان كان متضايق جدًا وإحنا راجعين. وقلبي حاسس إن أريانا هتقع في الحب قريب.
صمتت سيرينا ولم تتحدث. هي تعلم أن أريانا لم تقع بحب كاسيان وإنما قبلت بالزواج منه فقط لأنه الأنسب من بين كل المتقدمين لخطبتها.
أما كاسيان فعاد لمنزله حزينًا وحينها وجد زادور ينتظره بالداخل. وحين رآه قال: إيه أخرك كده؟
كاسيان: كنت بشوف الأميرة.
وقف أمامه بدهشة وقال: شفتها! فين؟
كاسيان: عند ميرفال.
زادور: يعني ماتخطفتش؟ فهمني كانت فين كل ده؟ ما إحنا بعتنا مرسال لميرفال وقال مش عندي.
كاسيان بضيق: أنا مش قادر اتكلم دلوقتي، ممكن نأجل الكلام لبكرة؟
زادور: لأ يا ابني. مالك متضايق ليه؟ احكيلي فيه إيه مش إحنا دايمًا أسرارنا سوا؟
نظر له كاسيان قليلًا ثم قال: بابا إنت مش مخبي عليا حاجة صح؟
زادور: لأ. هخبي عليك إيه؟
كاسيان: يعني ماعملتش حاجة زمان محتاج تقولي عليها؟ يعني سحر عملته كده أو كده؟
زادور: لأ. الملك مانع السحر الأسود من زمان ما أنت عارف. فهمني بتسأل ليه؟
كاسيان: بتأكد بس عشان مش عايز لما تقف قدامي وأحقق معاك يحصل مشكلة.
زادور: كلامك كله ألغاز ليه كده؟ ما تحكيلي.
تنهد كاسيان وقال: حاضر. هحكيلك.
قص له كاسيان ما حدث وزادور يخفي بقلبه الرعب والصدمة بعد أن انكشف كل شيء بل ونيراس يوجه أصابع الاتهام للجميع وهو على رأس قائمة المتهمين. يبدو وأن عليه التحرك سريعًا.
أما ميرفال ونيراس فخرجا من الكهف ووجدا أريانا تجلس بجوار ثورن وكأنها تختبئ بجواره. نظر لها ميرفال بتعجب وقال: مالك يا أريانا خايفة ليه؟
ثورن: الوحوش شافوها فوق التل وطلعوا هنا.
تقدم منها نيراس على الفور وهو يتفقدها بقلق وقال: عملوا فيكي حاجة؟
أريانا: لأ. ثورن حماني.
ثم نظرت إلى ميرفال وقالت: عايزاك تكشف على قوة ثورن السحرية.
ميرفال: تمام.
وقف ميرفال ورفع عصاته السحرية أمام عين ثورن فخرج من جسده هالة بيضاء مشعة وكأنها درع. فقالت أريانا: كنت متأكدة. ثورن حامي بس بطريقة قوية. الصراحة نسل السيد فالريك كله متميز. وكأن التلاتة قوة واحدة وبيكملوا بعض. نيراس المنتظر وثورن بيحميه ورايث هو قوة الماء اللي تقدر تطفي نار نيراس. وده طبعًا في حالة إن لو حد إتأذى بالغلط.
ميرفال: تحليل ممتاز يا مولاتي.
ابتسمت أريانا وقالت: تلميذتك النجيبة. بس بصراحة كان نفسي تشوفوا لما طلعوا الوحوش وكانوا واقفين قدامنا ومش شايفنا ولا حتى شافو الكهف.
ربت نيراس على كتف ثورن وقال: طول عمرك بتحميني. مش كنت متضايق إنك لما رجعت بني آدم إنك مش هتعرف تحميني تاني؛ أهو لسه لحد دلوقتي قادر تعمل ده.
ميرفال: أنا كمان عندي خبر حلو. قدرت أخرج لعنة ثورن من صدر نيراس. يعني دلوقتي يقدر يستخدم قوته ولكن مش بشكل كامل.
أريانا: أنا عايزاه يستخدمها كلها. أظن لازم تشوف حل في الكتب القديمة.
ميرفال: فكرت فيها. وحتى فكرت إنى أبحث في مكتبة السحر في المملكة.
أريانا: يعني عايز تروح القصر؟ مش عايز تحاول هنا؟
ميرفال: إنتي عارفة إن الطاقة الروحانية هنا عالية جدًا. لكن نيراس في الوقت الحالي محتاج قوته وبعدين نوظفها زي ما إحنا عايزين. والتل هنا مش هيساعده في المرحلة دي.
نيراس: يعني هنرجع المملكة؟
ميرفال: أعتقد كده. لما بحثت في الكتب اللي عندي مالقتش حاجة جديدة. بس المهم خرجنا اللعنة الزيادة دي.
أريانا: يبقى بكرة الصبح نرجع القصر.
زفر نيراس بضيق. فرجوع أريانا إلى القصر معناه إنها ستلتقي بكاسيان دائمًا وهذا أكثر ما يبغضه. لاحظت أريانا نظراته ولكنها تجاهلت الأمر. طلب منهم ميرفال أن ينالوا قسطًا من الراحة حتى يعودوا إلى المملكة في الصباح الباكر.
وبالفعل؛ عادوا إلى المملكة تحت حماية ثورن الذي أخفاهم عن أعين الوحوش داخل الغابة.
أما رايث فقد استيقظ بنشاط وذهب إلى مقر تدريب الجيش كي يستأنف التدريبات مع السحرة والجنود. وحين دخل وجد كاسيان يقف أمام صفوف الجيش ويقول: يعني الحرب كده ملهاش داعي. الأميرة بخير وكويسة.
ابتسم عناصر الجيش بسعادة. فكانت تلك الحرب بمثابة عملية إنتحارية جماعية. قد أقدموا عليها لأنهم يعلمون أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة ولكن الثمن باهظًا… حياتهم. فهم ينتظرون تحقيق النبوءة وحينها سينتفضوا وهم على يقين أنهم سيحققون الفوز.
وقف رايث ينظر إلى ما يحدث متعجبًا وبداخله حزن أن التقدير الذي كان يراه بعيون الناس قد انتهى. اقترب من كاسيان بعد أن انصرف الجيش وغادروا مقر التدريبات وقال: سيدي.
التفت إليه كاسيان وقال: أهلًا يا رايث.
رايث: شكلك حزين ليه؟ مع إن المفروض تبقى مبسوط إن الأميرة رجعت.
كاسيان: ما هي رجعت ومارجعتش.
رايث: مش فاهم.
كاسيان: يعني رجعت وكويسة بس يبدو إني خسرتها. وزي ما رجوعها المفروض يفرحني فيه حد كمان قريب منك هيرجع وهتلاقي نفسك زعلان زيي بدل ما المفروض تبقى فرحان.
رايث: مين ده؟
كاسيان: نيراس… عايش.
فتح رايث عينيه مشدوهًا ولم يتحدث فأردف كاسيان: لأ… مش هو بس. ده كمان أخوك الكبير هيرجع معاه. أظن إن بدل ما كان عندك مشكلة واحدة هيبقوا أكتر. وطبعًا ولائك ليا هيختفي.
رايث: عفوًا يا سيدي. بالرغم من إني مش فاهم إنت بتتكلم على إيه لكن صدقني مفيش حاجة ممكن تغير ولائي ليك. حتى لو عندي ٢٠ أخ وأخت؛ إنت الأساس بالنسبالي.
قاطع حديثهما أصوات التهليل بالخارج. خرجا من مقر التدريب فوجدا الأميرة تسير بين عامة الشعب وهم يحتفلون بعودتها سالمة وأيضًا بعدم خوض الحرب ضد مورجاث. وقف كاسيان يتابعها بابتسامة فهو أسير ابتسامتها وروحها الطيبة ويشعر بالسعادة كلما رأى حب الناس إليها ولطالما أخبرها بأنها ستكون ملكة محبوبة.
لاحظ الناس أن أريانا أصبحت تبصر الآن فبدأ البعض بالتحدث عن الأمر.
وفي خضم ما يحدث؛ وقع نظر كاسيان على نيراس الذي يسير بجانب الفرس الذي تمطيه الأميرة ويتابعها باهتمام ويبدو قلقه عليها جاليًا. تنهد بضيق ونظر بعيدًا عنهما.
لاحظت أريانا أن كاسيان يقف مع رايث عند المقر فنظرت إلى نيراس وأرادت أن تعرفه على أخيه. نظرت إليه وأشارت نحو كاسيان وقالت: خدني هناك.
نظر نيراس إلى الجهة التي أشارت إليها فوجد كاسيان. تنهد بضيق وأشار إلى ثورن بأن يلحقه. وصلوا عند كاسيان تحت نظرات الجميع. وعندما اقتربت منهما نزلت من على ظهر الفرس فسعد كاسيان بالأمر وظن أنها جاءت لتحييه بنفسها ثم قال: قولتي هتفضلي برا المملكة؛ معقول رجعتي عشان مازعلش.
أريانا: لو شايفة إني عملت حاجة تزعل كنت هعتذر عنها ومش هعملها لكن إنت اللي زعلان لأسباب واهية.
تنهد كاسيان وقال: كنت فاكر إن ممكن تتنازلي عن كبريائك شوية في سبيل إنك ترضيني على الأقل عشان متأكدة إني بعمل كده عشان بغير عليكي.
أريانا: ده مش كبرياء؛ بس مش منطقي أعتذر عن حاجة أو أحاول أراضيك بس عشان إنت فاهم تصرفاتي غلط.
كاسيان: أنا مش بتكلم على تصرفاتك إنتي لكن نظراته ليكي بتشعل الغيرة جوايا وأكيد إنتي ملاحظة ده.
أريانا: وحتى لو ملاحظة قولتلك طالما مكملة معاك يبقى لسه عند رأيي في جوازنا. وهو شخص مهم بالنسبة لينا كلنا وأكيد هياخد حيز من الاهتمام عندي وعند الملك.
لاحظ نيراس ما يحدث ونظرات الناس التي بدأت تنتبه أن الحديث بينهما محتد. فاقترب منها وهمس بأذنها: الناس بتتفرج يا مولاتي.
أومأت له وقالت: همشي دلوقتي.
كاسيان بحدة: وهو بيأمرك تمشي ولا إيه؟ إنت بتدخل بينا ليه من الأساس؟
حاول نيراس أن يتحكم بغضبه وقال: أنا ماتدخلتش بينكم.
كاسيان: لأ اتدخلت ومش مسموحلك تتدخل. ولا إنت شايف نفسك حاجة وبقيت ملك علينا عشان تأمر الأميرة.
أريانا بحدة: كفاية يا كاسيان. واضح إن زمام الأمور عندك اختل. وأنا مش هكلمك لحد ما عقلك يرجع يفكر صح.
كاسيان: إنتي بتقاطعيني عشانه؟ كل ده عشان المتشرد ده؟!
لم يستطع نيراس أن يتحكم بغضبه أكثر فوقف بينهما وبدأت النيران تظهر في يديه. مما جعل الناس تبتعد بذهول. وصاح أحدهم: النبوءة!
بدأ الحديث بين الناس يعلو وأصوات التهليل تتزايد من حولهما ولكن توقفا عندما وجدوا نيراس ينظر إلى كاسيان بحدة ويقول: كلمة كمان وهتندم إنك وقفت قدامي في يوم من الأيام.
تفاجأ نيراس برجل يدخل بينهما ودفع كاسيان إلى الخلف ووقف أمام نيراس يرمقه بغضب ثم رفع يديه ليحرك الماء من الدلو الذي بجواره ويقسمهما إلى كورتين. أحاطت كل كرة من الماء بيد نيراس فاطفئت لهيبها فنظر له نيراس بإعجاب مما فعل ولكن سرعان ما تحولت نظراته إلى الغضب عندما قال: إياك تتعدى حدودك مع السيد كاسيان.
وقفت أريانا خلف نيراس وصاحت: رايث! إنت مش عارف إنت واقف قدام مين؟
تبدد الغضب من قلب نيراس على الفور بمجرد أن سمع اسمه وقلبه ردد بهدوء: أخويا الصغير!
وقف ثورن بجواره يشاهد ما يحدث بعين مشدوهة. لم يتوقع أن يسير اللقاء بينهما لأول مرة بهذا الصدام.
حل الصمت؛ بين نظرات الدهشة بين الناس والسعادة بتحقيق النبوءة أخيراً، أسئلة كثيرة تتردد داخل عقولهم وأولهم من هو ومن أين أتى، وبين صدمة نيراس وثورن وغضب كاسيان ورايث؛ يقف الجميع في حالة تأهب.
تُرى؛ ماذا سيحدث بعد أن ظهرت قوة نيراس أمام الشعب؟
…..