أمام المشفى ليلا، وبالتحديد في الساعة الحادية عشر قرب منتصف الليل، استعدت فريدة للخروج من المشفى. فقد أنهت عملها وسهرتها في المشفى، ثم خرجت أمام الباب وأخرجت مفاتيح سيارتها التي اشتراها بالتقسيط حديثا، كي تتحرك للجانب الآخر التي تركن به سيارتها. وعلى نفس الجانب كانت سيارة سوداء مفخمة تقف بجانب سيارتها وعلى أهبة الاستعداد. فقال أحدهم:
ــ تقريبا هي دي اللي عليها العين. يالا أجهزوا بسرعة علشان مش عايزين شوشرة ولا من شاف ولا من دري. كان فارس يعد حاله هو الآخر لمغادرة المشفى في نفس التوقيت، ولكنه كان في سيارته ممسكا بهاتفه يرد على أحد أصدقائه. ولم يراه الواقفون بتلك السيارة نظرا لأن سيارته هو الآخر مفخمة.
تحركت صوب سيارتها، فلمحها فارس وتلقائيا نظر إليها وظلت أنظاره مثبتة عليها. ثم على حين غرة لمح هؤلاء الأشخاص يقتربون منها. ومن ثم كـ.ـتم أحدهم أنفاسها كي لا يعلو صوتها، والآخر قام برش ذاك الرذاذ. وفي لمح البصر غابت عن الوعي وحملوها السيارة، وكل ذلك في غصون ثواني. كاد أن يجن من ما رأته عيناه وعقله يكاد يكون متوقف. ولكنه فكر سريعا، إن نزل من السيارة ستختفي ولا يستطيع الوصول إليها، فأدار محرك سيارته على الفور.
أما هؤلاء الخاطفين لها، انطلقوا بالسيارة وهي بداخلها، والانتصار يزين ملامحهم فقد تمت مهمتهم بنجاح دون أي عواقب. فهم يراقبونها منذ ثلاثة أيام وسألوا عنها وعن مواعيد عملها وكل شيء يخصها ويخص عائلتها. وذاك التوقيت والمكان الذي تركن به سيارتها منجرف قليلا عن المارة والوقت أصبح قرب منتصف الليل.
أما هو، جن جنونه ما إن رأى ذاك الموقف أمامه. فكر كثيرا حتى يستطيع إخراجها من سيارة هؤلاء وهو يحاول اتباعهم. ولكن ما لفت انتباهه أرقام تلك السيارة وعلم لمن تكون. فضـ.ـرب الجنون بعقله من أفعال أبيه التي حتما ستصيبه بالانهيار. وبسرعة بديهة خالف الطريق، فهو قد حفظ ذاك المكان. ثم قابلهم من شارع جانبي ومن ثم اعترض طريقهم ووقف بعرض الطريق. وقبل أن يستوعبوا الأمر، أخرج سلاحه وقام بإطلاق الرصاص النفاذ في إطارات السيارة بطريقة متدرب ماهر. مما جعل هؤلاء الأشخاص يطلقون رصاصهم.
فعلى صوته هاتفا بتهديد: ــ أنا عارف مين باعتكم. اهدو، أنا فارس عماد الالفي، وأكيد سيد اللي متفق معاكم. وخلو بالكم متعملوش شوشرة، إحنا هنا في الصعيد وأهلها لو طلعوا هتتبهدلوا. سيبوا البنت منك ليه، يا أما مش هيحصل كويس. ما زالوا يطلقون الرصاص حتى أصيب ذاك الفارس بطلقة في كتفه الأيسر وهو يحاول تفاديهم. ولكن رئيسهم هاتف سيد المتفق معهم كي يستفهم منه وهو يأمرهم: ــ اصبروا، متضربوش نار، أمنوا نفسكم كويس.
أتاه الرد وفورا أبلغ سيد: ــ بقولك ياباشا، فيه واحد بيقول إن اسمه فارس عماد الألفي. فجأة اعترض طريقنا وضـ.ـرب رصاص على العربية. فاضطرينا نتعامل معاه وجت له رصاصة في كتفه. بس الغريب بيقول إنه عارفك وأننا جايين تبعك. هو انت كنت مكلف حد بالمهمة دي غيرنا ولا إيه؟ علشان هو مصمم ياخد البنت. شعر سيد بالذعر مما استمع إليه الآن. لاااا بل شعر أنه على حافة الهلاك على يد عماد الألفي مما سيفعله به. ثم انطلق
لسانه وهو يسب ذاك الرجل: ــ الله يلعـ.ـنك يا بن ال... إنت ضـ.ـربت نـ.ـار على فارس ابن عماد بيه ياغبي يامتخلف. أصيب الرجل هو الآخر بالذعر، ثم علل بنبرة ترتعد من الخوف: ــ والله ماكنت أعرف إنه يخص عماد بيه. إحنا اتعاملنا على أساس إنه حد بيهاجمنا، وخاصة إنه اعترض الطريق. وأول ماسمعت الإسم كلمتك علطول. وكمان متقلقش، الطلقة جت في دراعه. جز "سيد" على أسنانه غاضبا، ثم أمرهم:
ــ ارمي البنت من العربية وسيب المكان فورا. وهو هيسيبكم مش هيجي ناحيتكم، هو عايز البنت بس. وتعالولي فورا. ابتلع الرجل ريقه بصعوبة والخوف سرى في عروقه وهو يتخيل نفسه الآن فريسة الذئب الكبير وما سيفعله به. ثم قال بأسنان تصتك: ــ طب اوديه المستشفي علشان الطلقة اللي جت في دراعه. هدر به سيد بصوت عال: ــ سيبه يابني أدم إنت وتعالى. هو جمب المستشفى وهيعرف يتصرف. وانجز قبل ماحد ياخد باله.
أنهى أمره وأغلقت الهاتف في وجهه. ثم ظل يفكر، يخبر سيده عماد أم لا. ولكن فارس سيحكي لأبيه عن ماحدث له. وظل يشاور عقله كثيرا. أما عند فارس وفريدة، فقد فر هؤلاء الأوغاد هاربين بعد أن قذفوا فريدة أرضا. فانطلق إليها وكان قد ربط ذراعه كي يكتم الدـ.ـماء التي تسيل من ذراعه.
ثم تحامل على نفسه وحملها بين ذراعيه وأدخلها سيارته وهي تائهة بسبب ذاك المخدر. ثم رجع وأغلق سيارتها وأخذ حقيبتها ومفاتيحها. ثم ركب سيارته وانطلق بسيارته إلى شقته كي لا يثير الإنتباه لهم، فهو يخاف عليها من الموقف ككل ومن القيل والقال. وصل إلى شقته ثم هبط من سيارته وحملها إلى الأعلى.
دلف إلى بهو الصالة الواسع بفراشه الوثير، ثم وضعها برفق على الأريكة وحاول إفاقتها. ولكنها ما زالت غائبة عن الوعي ويبدو أن ذاك المخدر سيأخذ وقتا طويلا. تركها في الأمان، ثم فكر سريعا في رد فعل أهلها، فأخرج هاتفها من حقيبتها وجذب أصبع يدها فقد رآها وهي تفتحه قبل ذاك. تبسم وجهه وشعر بالانتصار حينما فتح أمامه. ثم أتى برقم والدها وفتح الواتساب وقام بتدوين الرسالة وحاول أن يتحدث بلغة الصعيد بقدر الإمكان:
ــ أني هاخد نبطشية كمان النهاردة علشان في حالة طوارئ في المستشفي. متقلقش علي ومتبعتليش لاني داخلة العمليات دلوك ومهعرفش أرد عليك وهقفل الموبايل. لم يمر غصون ثواني حتى أرسل إليها والدها رسالة داعيا لها: ــ ماشي ياداكتورة ربنا يعينك يابتي.
تفاعل على رسالة أبيها ثم أغلق الهاتف وهو يتنفس براحة. ثم بدأ بجلب أدواته الطبية كي ينتشل الرصاصة من كتفه، فهو جراح ماهر ويرث دهاء أبيه في الجراحة. ثم تحامل على حاله وانتشلها من كتفه، وما ساعده أنها كانت في كتفه الأيسر.
بعد مدة ما يقرب من أكثر من ساعتين، كان جالسا بجانبها غافيا من أثر المخدر الذي وضعه على كتفه. بدأت تتملل في نومتها على الأريكة وفي غصون دقائق كانت تتأوه وهي تشعر بالدوار وتدلك جبينها. أما هو فاق على تأوهاتها. ثم أفاق الاثنين وكلاهما يمسح على شعره. فقد نزع عنها حجابها كي تستطيع التنفس. وعيناي كلاهما التقت في عيناي الآخر. فنظرتها له تعني الذهول من الموقف ولم تدرك إلى الآن أنها منزوعة الحجاب. أما هو تسهم إليها وهو ينظر إلى جمالها برغبة ويبتلع ريقه بصعوبة. فقد كان تأوهها رقيقا جعله يتعمق النظر إليها ويود أن يحذبها بين يداه الآن.
أما هي، سألته بلسان ثقيل وما زال الدوار يتملك منها: ــ أني ايه اللي جابني اهنه. ثم شهقت وهي ترى خصلاتها هبطت على عينيها، فمسحت على رأسها بتعجب وأكملت وهي تهدر به وعيناها تجول المكان تبحث عن حجابها: ــ إنت عملت ايه ياسافل فين حجابي ياللي ايدك عايزة تتقطع قبل ما تمد يدك وتكشف ستري. لم يشعر بالضيق من سبابها له، بل ابتسم بتسلية لشراستها وتمردها وسألها متأدبا:
ــ تصدقي أنا دكتور وليا برستيجي ومحدش في الدنيا قدر يتكلم معايا بالطريقة دي غيرك. بس ممكن نتفاهم بالراحة يادكتورة. ما إن ناداها بلقب دكتورة حتى شعرت بالراحة غزت في جسدها وأحست بالأمان. ثم تبدلت من نبرتها الشرسة إلى نبرة أكثر هدوءا وهي تسأله: ــ ممكن أعرف حوصل ايه وايه اللي جابني اهنه. ثم تذكرت أمر هؤلاء الرجال الذين قامو برش ذاك المخدر عليها وهي تهتف بذعر: ــ وه!
افتكرت أنا كان في ناس رشوا عليا مخدر وبعدين لقتني هنا. انت جبتني إزاي وليه؟ ولا تكون انت اللي أجرتهم عليا علشان تخطفني؟ ضحك بشدة لأول مرة في شبابه منذ أن فارقته أمه على طريقتها التي تتحدث بها وذعرها. ثم تحدث من بين ضحكاته بنبرة سعيدة: ــ تصدقي إنك مسلية موووت وطريقتك في الكلام حلوة قوووي. من زمان ما ضحكتش قوي كدة. لااااا ده من سنين ملهاش عدد يادكتورة.
سرّ قلبها لسعادته، بل وخطفتها ملامح وجهه المبتسمة. ودق ذاك النابض بين أضلعها ولم تعرف مالسبب وراء كل تلك الدقات. تسمّرت نظراتها أمامه وعينيها سكنت عيناه. وكالعادة ما إن استقرت عينيها داخل عينيه تشعر بذاك السحر الغريب العجيب الذي يجذبها لإطالة النظر بهما. تتسمّر وتدخل في تيهة المشاعر وتخبط الإحساس بالاحتياج داخلها بشعور غريب لم يوصف بعد. وكأن عيناه أكبر لص تحت قبة السماء.
أما هو، فسكتت ضحكاته عندما رأى نظرتها المتسمّرة تلك ولم يفسر معناها بعد. فدق قلبه هو الآخر، وللعجب أنه نفس شعورها معه، هو نفس ما يشعر به هو الآخر. ثم حدثتها عيناه: ــ أتعلمين ما العجز يا حبيبتي؟ العجز أن أرى هذه العيون الجميلة ولا أستطيع تقبيلها. وأجابته عيناها وهي تشعر بغرابة المشاعر داخلها: ــ عندما أنظر إلى عينيك تأخذني إلى عالم آخر، عالم من الخيال لا كلام يحاكيه ولا اقتباس ينصفه.
ظل تائهاً في لون عينيها البنيتين وشعر فيهما بالدفء والاحتواء والحنان. شعر فيهما بأنهم يجذبانه لها دون إرادة منه أو مقاومة. ثم اقترب بخطواته منها وهمس أمام عينيها: ــ عيونك فيهم دفا غريب قوي محستش بيه من زمان. هما إزاي جمال قوي كدة بالرغم من إن لونهم منتشر.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من كلماته التي خدرتها، وغير أنها مازالت تشعر بالدوار من أثر المخدر. ثم تمتمت بخفوت بكلمات غير مرتبة لأنها لم تستطع لملمة أعصابها المشتتة بعد. وقد ضرب الخوف صدرها من سحر اقترابه ولم تستطع السيطرة على حالها حينئذ: ــ هو انت بتبص لي أكده ليه؟ أوعى تكون جايبني هنا علشان تضحك على عقلي وتقول دي بنت خام وهعرف ألفها بكلمة ونظرة وابتسامة.
مازال يشعر بالاختلاف والجمال في حديثهم. فهي تختلف اختلافا كليا عن كل الحسناوات الذي قابلهن في حياته. لا تشبه عيناها أي عيون. ولا حديثها سمعته أذناه قبل ذلك. بل فريد، ساحر، مملوء بالعزة التي تليق بكِ فريدة زمانك. ما أجمل هاتين العينين البحريتين اللتين أهلكتا قلبي لشدة جمالهما! ثم تحدث بحنو كي يطمئنها: ــ يعني لو عايز أضحك عليكي زي ما بتقولي، هستنى ساعتين لما تفوقي من الغيبوبة اللي كنتي فيها مثلاً؟
مانا كنت ممكن أعمل اللي أنا عايزه وانتِ غايبة عن وعيك ولا من شاف ولا من دري. ثم سألها باندهاش: ــ هو انتِ ليه مصممة إني شهواني للدرجة دي أو إني ممكن أستغل ضعف ست قدامي وأجبرها على علاقة مش حباها وغصب عنها؟
وحتى لو قدرت أسحبها بكلامي وأستغل ضعف مشاعرها مش هعملها. أنا ماما الله يرحمها علمتني إن أبقى راقي ومستغلش قلوب الناس ولا ضعفها ولا أعمل حاجة تغضب ربنا أبداً. علمتني قيم مش موجودة دلوقتي عند أغلب الشباب. وانتِ بجد لما تعرفيني هتعرفي إني لا يمكن أعمل حاجة فيكي تخليكي تخافي مني أبداً. كانت تستمع إليه باندهاش. فهو في شخصيته تلك راقياً إلى أبعد الحدود. فكيف لتلك الشخصية أن تفعل ما فعله بها؟
أيعقل أن ذاك الانفصام يحول الشخص مائة وثمانون درجة! لاحظ اندهشها من تسمّر عينيها وفمها المفتوح ببلاهة ثم سألها: ــ انتِ مالك مسهمة كدة ليه يابنتي؟ هو أنا بقول حاجات غريبة ولا إيه بالظبط؟ حمحمت بتوتر ثم خرجت من حالة الذهول وسألته: ــ طب أنا جيت هنا إزاي؟ سألتك السؤال دي ميت مرة ومجاوبتنيش. التفت بوجهه للناحية الأخرى ثم مسح على شعره وهو يشعر بالاشمئزاز من أفعال أبيه التي حتماً ستجعله يود الفتك به. ثم نظر إليها مجيباً
إياها: ــ والله أنا كنت جوه عربيتي بالصدفة وقت مرواحي وشفت من بعيد تلت رجالة رشوا عليكِ المخدر ومشيوا بالعربية. وفي لحظة لفيت لهم من الطريق التاني واتعاملت معاهم. ثم وجه أنظاره إلي ذراعه الملفوف مكملاً شرحه لها:
ــ اضطريت إني أضرب نار عليهم علشان أعمل لهم دوشة. فخافوا ورموكي من العربية. بس زي ما انتِ شايفة كدة أخدت طلقة في دراعي. وشلتك جبتك على هنا عشان ما كانش ينفع أدخل بيكي المستشفى وأعمل لك شوشرة. وفتحت موبايلك بالبصمة وبعت رسالة لوالدك إن إنتي عندك حالة طوارئ في المستشفى ومش هتيجي إلا بكرة علشان ميقلقش عليكي. ــ شلتني! شلتني إزاي يعني؟ جملة استفهامية نطقتها فريدة وهي تود أن تخنقه بين يديها، وأكملت باستنكار:
ــ آااه دي إنت إنت خدت على كده عاد واستحليت الحوار ده بقِي وبتقول دي هبلة ومش هيفرق لها. عاد لنوبة ضحكاته مرة أخرى، ثم هدأ وهو يرى تذمرها مرددًا بصوت مصطنع لائم: ــ يعني هو ده اللي إنت فهمته وركزت فيه؟ وما همكش إني أخذت طلقة في دراعي عشان خاطرك وإني أنقذتك من اللي كانوا هيخطفوك؟ ويحسروا قلب أبوكي عليكي ويعملوا فيكي البدع؟ ده آخرة المعروف يا دكتورة. هزت رأسها باستنكار واهتز فكها ساخرًا: ــ دكتورة مين؟
هو إنت خليت فيها دكتورة؟ أنا بقيت حاسة إني عرضة بين إيدين الباشا يعمل اللي على كيفه وقت ما يحتاج. امتعضت ملامح وجهه وهو يتساءل: ــ تقصدي إيه بكلامك ده؟ هو أنا أذيتك في حاجة قبل كده عشان تقولي كده؟ ولا إنت بتلوميني عشان أنقذتك؟ ولا كنت أسيبهم ياخدوكي عشان ما لكِش حد؟ ولا كنت دخلتك المستشفى وأنا شايلك بردو وذراعي بينزف؟
وساعتها بقى مش هنخلص، وكل هب ودب هيجيب سيرتك. ولا أنا وإنتي هنعرف نبرر واحنا داخلين على نص الليل وفي الصعيد كمان؟ تداركت خطأها في خلط شخصياته الاثنان الذي يحياهم، وألّامت حالها ثم اعتذرت له: ــ إني متأسفة يا دكتور، بس اللي حصل لي ده ما يصدقهوش عقل. إني ليه حد يخطفني أصلًا؟ في حاجة إني مش فاهماها. تلون وجهه بالحمرة من تذكره لما فعله أبيه، ولم يعرف بما يجيبها، ولكنه حاول تهدئة حاله وأجابها بإنكار وكأنه لم يعرف شيئًا:
ــ مش عارف هما مين ولا كانوا عايزين إيه منك. وبعدين كل اللي كنت مركز فيه إزاي أنقذك منهم. ضمت شفتيها بامتعاض من ما حدث لها، ثم رددت بحزن: ــ مش عارفة إني بالذات ليه بيحصل معايا كده؟ مع إني ماشية جمب الحيط ومش بعمل مشاكل مع حد وكافية خيري شري.
اقترب منها ثم تحدث بهدوء وهو يجذب حجابها وناولها إياه، مما جعلها تندهش من حركته تلك وشعرت برجفة في جسدها، شعر بها هو الآخر من هزة يدها وهي تتناول منه الحجاب، مما جعله هو الآخر اهتز جسده وهو يتأثر بحالتها تلك:
ــ البسي حجابك الأول عشان شعرك الأحمر ده ما يخلنيش أعمل حاجة مش عايز أتهور وأعملها. ده أولًا. ثانيًا بقى يا دكتورة، لازم تعرفي إن أقدار الله كلها خير، ودايمًا ربنا هتلاقي ساتر اللي قريب منه قوي. ومهما كانت حجم المشكلة أو البلاء، ربنا بيبعت معاه صبر وجبر هيخلوا الإنسان من حلاوة عطايا ربنا وهبته لينا بالخير كله، هينسونا هموم الدنيا واللي جرى لنا. فحطي دايما في بالك إن ربنا بيجعل دايما مخرج للي بيتقيه.
كانت تستمع إليه بقلب بدأ ينبض شعورًا غريبًا عنها لم تجربه من قبل، ولكنه شعور لذيذ هائل أحبته وأحبت الإحساس به وتمنته الآن أن يدوم. ثم لملمت خصلاتها المبعثرة وثبتتها بدبوس الشعر، ثم لفت حجابها وأحكمته على رأسها وهتفت بامتنان ووجهها يصحبه البسمة: ــ كلامك مريح قوي وجميل وعامل كيف البلسم وريحني قوي. ثم هتفت وهي تبدل نبرتها الهادئة المبتسمة إلى أخرى شرسة جعلتها تندهش من تغير علامات وجهها مابين لحظة وأخرى:
ــ طب ممكن بقى لما يحصل لي حاجة تاني ما تجيش ناحية حجابي وتكشف ستري عشان دي حاجة بتخنقني قوي وبتخليني قرفانة من نفسي يا فارس. دق قلبها لسماعه اسمه من بين شفاها بدون لقب دكتور، ثم حرك رأسه للأمام بموافقة: ــ حاضر يا دكتورة، مش هتتكرر تاني. بس لما خلعته عنك عشان أثر المخدر ونفسك يضيق، بس إن شاء الله مش هيحصل حاجة تاني.
بعد أن أنهى طمئنته لها، قام من مكانه ودلف إلى المطبخ وقام بصنع كوبان من القهوة كي يفيقا من أثر المخدر.
ظلا يتحدثان كثيرًا، هو يفتح مواضيع عدة يتعرف بها على شخصيتها وظروفها، وهي تسأله عن علاقته بأمه وحياته قبل ذلك. وبالتقريب عرف كلاهما كل شيء عن حياة الآخر. فهو قد حكى لها عن حياته المستقرة الآمنة ولم يذكر شيئًا عن حياته المريرة التي عاشها، وهي كانت خير منصت له. وإلى اليوم بل وتلك الساعة بالتحديد، ولد قلب الدكتورة فريدة على يد فارس الألفي بالحب الذي كبل مشاعرها الآن تجاهه.
مر كثير من الوقت وهم لم يملوا بعد من حديثهم مع بعضهم، حتى أشرق الصباح وأعلنت الشمس عن طلوع يوم جديد يحمل بين طياته الكثير من أقدار الله لعباده. فحملت حالها وغادرت المكان، وتركت ذاك العاشق الثاني الذي يشعر بنفس مشاعرها تجاهه. فقد نبض القلب المظلم وبالغرام أصبح بها متيم. في منزل عماد الألفي، حيث أتى إليه سيد وهو يرتعب من الخوف مما سيبلغه به، ولكنه مضطر والمضطر يركب الصعاب، وهو ونصيبه.
دلف إليه وبالطبع أخذ موعدًا معه، فكان يجلس على أريكته وهو يرتدي الروب الخاص به من قماش الستان اللامع، عاري الصدر تحته إلا ذاك السروال الذي يصل لركبتيه، وأمامه مشروب الكحول الذي يحتسيه، ثم تحدث وهو يرتشف بتمهل من الكوب: ــ ها يا سيد، جبتوا البت الدكتورة اللي قلت لكم عليها؟ زاغت عيناي ذاك السيد ثم تهته بخوف: ــ ها... أصل... ــ ما تخلص يا سيد، هو أنا فاضي لك. جملة اعتراضية نطقها عماد بحدة أرعبت ذاك الواقف،
الذي نطق على الفور: ــ أصل الشباب حصل معاهم مشكلة بعد ما جابوا البنت ودخلوها العربية، وكل حاجة كانت ماشية تمام لحد فجأة طلع لهم فارس بيه ابن حضرتك في وشهم وضـ.ـرب عليهم نار، وتقريبًا عرفهم من العربية بتاعتك يا باشا. بس كان... كان... ابتلع ريقه برهبة ولم يستطع الإكمال، فهدر به عماد وهو يلقي بالكوب الزجاجي على المنضدة بحدة، مما جعله يتهشم على الفور، مما دب الرعب في صدر سيد كثيرًا: ــ أه، وبعدين يا بوز الفقر؟
إنت ما أنا عارف أنا مشغل معايا بهايم يغرقوا في شبر ميه. ارتعش جسد سيد من عيني عماد الحمراء من الغضب، ثم ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وأكمل في دفعة واحدة، وطبق الحكمة: وقوع البلاء أفضل من انتظاره: ــ وفارس بيه أخذ طلقة في دراعه. اتسعت مقلتاي عماد، ثم قذف المنضدة بما عليها، فهو في غضبه غشيم للغاية. ثم خطى إلى سيد الذي وقف يتشهد الآن، ومن رعبه أفلتت المياه من بين ركبتيه من هلعه، ثم أمسكه من تلابيب قميصه يهزه بعـ.ـنف:
ــ ينهار أبوكم! مش فايت بقى تضـ.ـربوا ابني طلقة! هات لي الجحوشة دول هنا عشان هبعتهم لعشماوي. وأكمل متسائلًا بنبرة حادة: ــ وبعدين جرى له حاجة؟ وعمل إيه مع البنت؟ أجابه بصوت يكاد يخرج من حلقه غصبًا، وهو يطمئنه كي ينجو من براثنه: ــ متقلقش يا باشا، أنا سيبت واحد فيهم يطمن عليه من غير ما ياخذ باله. بس فيه حاجة غريبة هوريها لك يا باشا.
تركه عماد وإشارات وجهه تدل على الاستفسار. ثم أخرج سيد الهاتف من جيبه وفتحه أمامه، وأتى بذاك الفيديو ووضعه أمام عيني عماد، الذي شاهده باندهاش من أفعال ابنه الغير مفهومة لديه، ثم سأله بعد أن شاهد الفيديو مرة ثانية: ــ هو وداها فين بعد اللي حصل وعمل إيه؟ أجابه سريعًا:
ــ وداها عنده البيت يا باشا، وفضلت موجودة معاه لحد الساعة ٥ الصبح. وبعدين الراجل شافه وهو بيوصلها لعربيتها، هي ماشية قدام وهو ماشي وراها ولافف دراعه بشاش وكان كويس. ضم عماد شفتيه بامتعاض من تصرفات ابنه التي تستدعي ذهوله. فمنذ متى وهو يحنو على جنس حواء؟ منذ متى وهو ينظر إليهم بتلك النظرة العاشقة المتمنية؟ ومـ.ـن مـ.ـن؟ من ابنة بواب! ثم أتى برقم فارس وهاتفه، وما إن آتاه الرد حتى تحدث إليه بنبرة باردة:
ــ والله أنا مستغربك جدًا يا فارس. يعني واحدة ضـ.ـربتك وهزقتك ومرمطت بكرامة أهلك الأرض، وجيت أجيبها لك تحت رجلي عشان أعلمها الأدب، عشان اتجرتأت على أسيادها بنت البواب، وفي الآخر تعرض حياتك عشانها للخطر؟ اهتز فكه بسخرية من تفكير أبيه، ثم تحدث بنفس النبرة الباردة: ــ والله يا باشا، اختياراتي سواء مدمرة حياتي أو مظبطاها، أنا حر فيها. ملكش اختيار في حاجة زي دي طالما دي حريتي الشخصية. ابتسم ببرود اعتاد عليه
مع ولده هاتفا بنبرة ساخرة: ــ بس متوصلش لبنت بواب. ارتقي شوية في اختياراتك وخليك ناصح ولو مرة واحدة في حياتك، وسيبك من قلبك الخرع ده. لو منبهر بيها، خدها لفة أو لفتين أو عشرة لحد ما تتكيف، وبعدين طوحها بطول دراعك. بس متنزلش للمستوى اللي شفته منك في الفيديو لما الرجالة رموها، ولا نظرة الخوف والرعب اللي كانت في عينيك عليها يا فارس يا ألفي. جز فارس على أسنانه بغضب، ثم هتف بتوعد لأبيه:
ــ طب من الآخر كده يا باشا، ملكش دعوة بيا ولا بيها، ولا تتدخل في أي حاجة تخصني. إحنا اتفقنا على كده قبل ما تجيبني هنا إجباري. ولا ناسي تهديدك ليا؟ المرة دي بقى أنا اللي ههدد. لو قربت من فريدة بالذات، هكشف المستور، وبعدها هخلص من حياتي خالص. والساعة اللي كنت جايبها لي هدية وأنا جاي هنا، وهي اللي عرفتك كل حاجة عن اللي حصل، ولـ.ـعت فيها وخلصت منها. أنا خلاص كشفت كل أعيبك وحوارتك. قهقه عماد من تحذيرات ابنه، ثم هدأت
ضحكاته ليقول بنبرة جليدية: ــ بتهدد أبوك اللي وصلك للعز والمركز اللي إنت فيه ده كله يا فارس، عشان بنت البواب! والله واكتشفت دلوقتي إني ربيتك تربية ناقصة يا ابن عبير. ــ إنت ما ربتنيش يا عماد يا ألفي، وعبير دي هي صاحبة أي حاجة حلوة لسه فاضلة فيا. أما إنت مسبتليش غير المرار العلقم اللي افتكره لك، واللي إنت شربته لي بالكوم من وأنا طفل صغير ولسه مكمل...
تلك الكلمات التي خرجت من فم الفارس بمرارة يشعر بها أي إنسان يسمعه، مما زاد عماد حقدًا على عبير، ليعقب على كلماته بغل وغيظ: ــ والله لو أطول أعمل في عبير أكتر من اللي عملته، لا هعمل فيها عشان ربت عيل خرع فاشل زيك ومش هيعرف يحافظ على إمبراطورية عماد الألفي يا نوغة عبير. هدر به فارس بغيظ:
ــ متجيبش سيرة ماما على لسانك تاني يا عماد يا ألفي، لو لسه باقي على حياتي وحياتك إنت كمان. عشان ما أعملش حاجة تخليك تندم، أو ما تلحقش تندم أصلًا. ثم أكمل تحذيراته لأبيه قبل أن يغلق الهاتف في وجهه:
ــ آه، آخر حاجة حابب أعرفها لك عشان ما تتهورش وتتغشم زي عوايدك، لو قربت من فريدة بالذات أو صابها أي أذى هي أو أهلها، لههد المعبد عليك وعليا وعلى الدنيا بحالها. فريدة خط أحـ.ـمر، وإنت عارف الخطوط الحمراء الدموية بالنسبة لي بتمثل إيه، وأظنك جربت قبل كده لما عيونك دمعت من الخوف. فبلاش نوجع بعض، وكل واحد يخليه في منطقته يلعب على كيفه وزي ما هو عايز.
أنهى كلماته وأغلق الهاتف في وجهه، مما أثار غضبه، فقذف الهاتف هو الآخر في الحائط وهو يشعر بالجنون. ثم جلس على الأريكة وأشغل الموسيقى، ومن ثم المطربة المفضلة لديه ألا وهي كوكب الشرق أم كلثوم، وتبدلت حالة الجنون إلى الرواق وهو يدندن معها. تبدلت الحالة من النقيض إلى النقيض تمامًا في جزء من الثانية، ثم احتسى مشروب الكحول مرة ثانية وهو يجلس على الكرسي الهزاز منسجمًا بهدوء، من يرى ذاك الشائب ينخدع فيه انخداعًا كليًا.
********************* في فيلا آدم المنسي، حيث بدأ ذاك البث المباشر وهو يطرب فيه بأنشودة للعفاسي بصوت عذب جميل، وما إن اندمج في الأنشودة، قرأت عينيه بعض الـ.ـتي أثرت في نفسه وجعلته يحزن كثيرًا، وبدأ حماسه يقل رويدًا رويدًا. وبالرغم من أن أكثر الـ.ـ معجبة وبشدة للأنشودة بصوته، إلا أن الـ.ـ السلبية هبطت من عزيمته. ثم أغلق البث وبدأ بفرز الـ.ـ، والتي كانت أغلبها: ــ جرى إيه يا نجم؟ فينك؟
وحشتنا ووحشتنا أغاني الرومانسية اللي كانت بتطلعنا العالي. سيبك من جو المشيخة ده، إحنا مش في الجامع. وقرأ تعليقًا آخر: ــ Oh No! بقي آدم المنسي النجم اللي كانت البنات هتتجنن عليه وبتطلع له على المسرح تحضنه وتبوسه وترقص معاه، يدفن نفسه وموهبته بالحيا كده عشان مجرد حتة بنت صعيدية فلاحة، وهو كان بيترمى تحت رجليه ملكات جمال! لااا لااا يا نجم عود لعهدك ومجدك يا نجم وقول وسمعهم وغني ومتعهم. وتعليقًا آخر:
ــ إيه بجد الحاجات المقرفة اللي بتحصل دي؟ يعني إنت ضحيت بنجوميتك ومجدك وشهرتك عشان شخص في أي وقت لو حصل أي حاجة، هينساك ويسيبك، بس بعد ما يكون خسرلك كل حاجة حلوة في حياتك، وفي الآخر هيقولك: محدش طلب منك تضحي. ووقتها هتكون خسرت نفسك وجمهورك الكبير اللي قعدت سنين تبنيه.
ظل يقرأ المزيد والمزيد وهو يشعر بالتحطم من تلك الـ.ـ وأحس بأن أنفاسه ضاقت ذرعًا. فأغلق الهاتف ورماه أرضًا حتى انكسـ.ـرت شاشته. ومن ثم كانت مكة تهبط الأدراج بخطوات متمهلة، ورأت ما فعله فاندهشت وأسرعت خطواتها إليه وهي تجذب الهاتف وتقلب فيه بيدها، ثم ضمت شفتيها بحزن عليه، فخطت إليه ووجهت شاشة الهاتف أمام عينيه وهي تسأله باندهاش: ــ طب ممكن أفهم إيه اللي حصل عشان ترميه وتكسره بالشكل ده أصلًا؟
شعر بالاختناق من استفسارها، فقد أثرت الـ.ـ السلبية عليه بشدة وجعلته الآن غير متزن فكريًا. ثم أجابها بخفوت وهو يوجه أنظاره ناحية الحديقة بعيدًا عن عينيها: ــ مفيش، مخنوق شوية بس. استشفت حزنه من وأنه بالتأكيد مملوء بالهم وأنه على غير عادته الطبيعية، ثم اقتربت منه وبدأت تدلك رقبته من الخلف بحنو كي تجعل جسده يشعر بالاسترخاء:
ــ طب ممكن نهدي ونستغفر ربنا الأول ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ودقيقة ذكر كده عشان نطمن قلبنا ونعرف نتكلم بهدوء، لأن وقتها الشيطان هيكون انطرد. أخذ نفسًا عميقًا وهو يمسح وجهه بيديه، ولم يفعل ما قالته لينطق برجاء لها:
ــ معلش يا مكة، سيبيني لوحدي شوية. مش قادر أتكلم في أي حاجة ولا فيا طاقة إني أفتح أي حوار. وكمان مش عايز وأنا متعصب ومخنوق نتناقش، اصبري لما أهدى شوية عشان أتكلم بأعصاب هادية، ولا أنا أضايقك ولا إنتي تزعلي مني في أي كلام أقوله لك. تنهدت بحزن عميق من هيئته التي أوجعت قلبها، ثم رددت بطاعة وقد لمع الدمع في عينيها لحالته تلك، وطريقته التي لأول مرة يتعامل بها معها: ــ حاضر يا آدم، هسيبك لوحدك.
أنهت كلماتها وحملت مصحفها في يدها وخرجت إلى الحديقة كي تقرأ وردها اليومي. أما هو، فهاتف هند أخته فور خروجها، وبعد السلام والتحية، طلب منها أن تقرأ الـ.ـ التي دَوّنت له على بثه. وبالفعل قامت بقرائتها، وبعد أن أنهت معظمها، سألته بتعجب: ــ طب إيه بقى اللي في الـ.ـ مضايقك قوي كده؟ ممكن أفهم؟ أجابها بضيق: ــ يعني مش شفتي طريقة الناس عاملة إزاي وكلامهم اللي زي السم؟ تفهمت وجعه جيدًا، ثم تحدثت باستجداء:
ــ أه، شفت الناس الكتيرة قوي اللي بتشكر في محتواك وهم مليانة قلوب على إلقائك للأنشودة وأنك أبهرتهم في لونك الجديد. تنفس بصوت عالٍ وصل إليها، ثم قال بحيرة: ــ طب والـ.ـ التانية؟ ما أخذتيش بالك منها ولا قصدتي تعمي عينك عنها؟ أجابته بثقة: ــ يا سيدي، هو الناس ليها عندك إيه يعني عشان تشغل بالك برأيهم ولا بكلامهم؟ وهم السخيفة؟
بص على الحلو الكتير قوي اللي مالي الـ.ـ، وسيبك من الناس اللي لا هتودي ولا بتجيب من وراها إلا الهم. فكأنك مش شفتهمش وتنكد على نفسك. وطالما الآراء الكتيرة عجبهم اللون ده، يبقى نكمل ومنشغلش بالنا بالمحطمين. وبعدين يا سيدي، طالما مستريح وحابب اللي بتعمله، يبقى طظ والف طظ فيهم، ولا كأننا شفناهم قدامنا ولا كلامهم يفرق لنا يا دوومة. وبصراحة بقى، إنت أنشدت الكلمات حلوة قوي، وأنت عارف إن العفاسي شيخي المفضل، عشان كده هطلب منك كتير حاجات حلوة للعفاسي بصوتك.
استطاعت شقيقته تهدئته ببراعة فائقة، وهو يشعر بالاقتناع، فهتف بقلب مطمئن: ــ من زمان قوي وإنتي بتبسطي الأمور وبتحليها بكلامك وتقلبي الوحش اللي ماليها لحاجة حلوة تطمن القلوب يا هنودة. ابتسمت شقيقته ورددت بقلب مملوء بالحنان بنبرة تصحبها الدعابة: ــ روّق يا نجم النجوم، الناس مبتتفقش على حد، وحتى على نفسهم. فكبر الجي يا فنان. قهقه آدم على دعابتها، ثم شكرها بامتنان:
ــ حبيبة أخوها، منحرمش منك. هقفل أنا بقى عشان شديت مع موكة، هروح أروّق عليها. أنهى حديثه معها، ثم ألقى هاتفه وخرج إلى الحديقة، وجد مكة تقرأ القرآن بتتمعن وقلب مطمئن، فاقترب منها واحتضنها من ظهرها وقبلها من جبينها هاتفا بجانب أذنها بحنو: ــ حبيبي اللي زعلته، حقك عليا. أغلقت المصحف الشريف وقبلته، ثم وضعته على المنضدة الموجودة أمامها، وتحدثت إليه بنبرة ملامة، وقد رأت الـ.ـ على البث المباشر وعرفت سبب ضيقته:
ــ لا، إني مخاصماك وقلبي زعلان منك قوي. جذب يدها بين كفي يديه وهو يقبلها: ــ طب متزعليش مني، عشان إنتي عارفة مقدرش على زعلك ولا إن قلبك يكون مضايق من حاجة. تهجمت ملامحها بامتعاض، فكفاها تعب حملها الشديد عليها والذي أثر على نفسيتها بشدة، وجاء هو وأكمل عليها، ولم تدعه لأسفه اهتمامًا: ــ ليه يا آدم؟ لما نزلت البث وجت لك بعض الـ.ـ السلبية، وشك قلب وزعلت قوي كده؟
بجد إني اتضايقت من ضيقتك، ومش بس كده، له إني زعلانة كمان بسببها، مش بسبب إنك قلت لي بعدي عني دلوقتي. تنهد بضيق من تفكيرها، ثم تحدث بنفس تهجمها: ــ هو ده كل اللي هامك وضايقك عشان نفسك، مش عشان زعلانة إني اتضايقت؟ بجد أنا مصدوم فيكي دلوقتي وفي طريقة تفكيرك، وحاليًا حسستيني إن عقلك صغير ومبتعرفيش تحتوي زعلي ولا ضيقتي زي ما أنا بعمل معاكي. اشتد الاحتدام بينهم وهتفت بحدة: ــ عقلي صغير!
هو انت هتعايرني إنك هتراضيني وتحتويني؟ دي واجب عليك على فكرة إنك تراعي أهل بيتك. قام من مكانه وألقى الكرسي جانباً ثم هدر بها: ــ لا، انتي أكيد مش طبيعية لأن طريقتك في الكلام مش مقبولة بالمرة، وآدي المكان ليكي يا ستي، ولا تكلميني ولا أكلمك، وخلّيكي بقى في نكدك ده لما تعرفي تتعاملي إزاي مع جوزك، وتتعلمي إنك ما تبقيش حادة معاه في الكلام وتغيّري من أسلوبك، نبقى نتكلم وقتها.
ألقى كلماته في وجهها ثم ترك لها المكان، فأدمعت عيناها لما حدث بينهما، ثم شعرت بالدوار يهاجمها وشعرت أنها تريد أن تتقيأ، فمعدتها انقلبت بسبب حزنها وجرت ناحية الحمام وأفرغت ما في معدتها. استمع إلى تعبها وهو يهبط الدرج، فنظر إليها من بعيد بأسى وخطى بخطواته إليها كي يقف بجانبها، ولكنه تذكر كلماتها اللاذعة له، فغيّر اتجاهه وغادر المكان تاركاً إياها تنفرد بحالها.
أما هي، فرأت تقدمه وتراجعه فشعرت بالألم النفسي وأنه تركها دون أن يحنو عليها كعادته، فبكت بشدة بعد أن جففت وجهها وخرجت من الحمام وصعدت إلى غرفتها وارتمت على تختها وهي تبكي بأسى لشجارهم الذي لم يكن من الأساس. *** في مكتب جاسر، وبالتحديد في الساعة الثامنة مساءً، أنهى مقابلته مع موكله ثم عاد إلى مكتبه. ألقى السلام على مها الجالسة المنكبة على الملف الذي بيدها، فردت السلام بخفوت بنبرة حزينة: ــ وعليكم السلام.
اندهش لنبرتها، ثم عاد بخطواته إليها متسائلاً إياها بنبرة حنون: ــ مالك يا مها؟ صوتك متغير أكده ليه؟ لم ترد رفع وجهها إليه، فهتفت وهي تحاول الانشغال بالملف الذي بيدها: ــ مفيش يا متر، إني زينة، متقلقش. اندهش لعدم نظرتها له، وبات داخله يتساءل: ماذا فعلت بكِ كي لا تريني وجهكِ وتتحدثين معي بتلك النبرة الحزينة؟ فسألها: ــ هو إني ضايقتك في حاجة يا مها؟ عشان ما تبصيليش؟ وإني هكلمك؟
تخبط قلبها داخلها لأجل حزنه وما وصل إليه من نبرتها، فهو يتعامل معها برقي وذوق لم تعهده في جنس الرجال من قبل، بل إنه يحنو عليها ويخاف على حزنها كأنها كقطعة زجاج رقيقة يخشى عليها الكسر أو الخدش، فهو أثبت لها أن الرجال مختلفون متنوعون، أنساها كل ما حدث لها من مرارة، جعل قلبها ينبض بالحب الراقي الحلال لأول مرة في عمرها بأكمله. ثم رفعت عينيها المغشيتين بالدموع وأثر الاحمرار الشديد نابع منهما، فانقبض قلبه داخله لأجل حزنها الشديد البائن على ملامحها
المنطفئة المملوءة بالقهر: ــ لا والله يا متر، يعلم ربي إني عمري ما شفت منك إلا كل طيب وكل رجولة، إني بس اللي نفسيتي تعبانة شوية. أنهت كلماتها ثم أدارت وجهها بعيداً عنه، وقد لمعت الدموع في عينيها ثانية، فخطى تجاهها وهو يشعر بالوجع لوجعها، ثم اقترب منها وكل ذرة بداخله ثائرة، فحبيبته حزينة، بل عيناها ممتلئة بالدموع التي جعلت القابع بين أضلعه يريد اختطافها بين أحضانه كي يخفف ألمها، ثم همس أمام عينيها برقة أذابتها:
ــ مش حرام العيون دي تدمع؟ مالك بس يا أم الزين؟ ما إن ناداها بـ "أم الزين" حتى شهقت في بكاء مرير، جعله واقفاً أمامها يشعر بالعجز الآن ويود جذبها بين أحضانه كي يشعرها بالأمان الذي جافاها، ثم مد يده دون أن يخشى أي شيء وأزاح يدها من على عينيها الباكية ورفع وجهها إليه حتى استقرت عيناها داخل عينيه الزيتونتين، مما جعلها تهتز بإثارة من اقترابه وهو يطمئنها:
ــ له، ما أتحملش بكاكي ولا إني أشوفك أكده، ومقدرش أضمك لقلبي وأخفف عنك وأوريكي إن الدنيا لسه مليانة حب واحتواء، وأعرفك إن قلبك جميل ميستاهلش إلا كل جميل. تطلعت بمقلتيها الحمراوين من البكاء وهي تشعر بأنها في أكثر وقت لاحتياجه الآن، فهو أتاها في عز ضعفها، في عز تشتتها، فأكمل هو: ــ كفاياكي دموع وقولي لي جرى إيه خلاكي هتبكي بشدة قوووي أكده؟ هدأت من شهقاتها ثم تمتمت بنبرة خافتة حزينة:
ــ أصل النهاردة كان عيد ميلاد زين وزيدان، وكنت بجهز للاحتفال باليوم دي من قبلها بيومين، وكنت أعرف أي حاجة نفسهم فيها وأكتبها أول بأول وأجيبها لهم. ثم ذرفت دموعها وهي تحاكيه عنهم مرة أخرى، وهو يجلس أمامها على المكتب ويستمع إليها بإنصات شديد محبب إلى قلبه:
ــ كانوا روحي وقلبي والنفس اللي هتنفسه في أحضانهم، بيكفيني وبيراضي قلبي عن أي وجع، بس هما مشيوا وما بقاش ليا إلا الوجع. مشيوا وأخدوا وياهم ضحكتي وفرحتي وحياتي وحشة من غيرهم. ابتسم لها مردداً بحنو: ــ ياه يا مها، قد أكده كنتي أم عظيمة وبتهتمي بيهم وهتحبيهم أكتر من نفسك؟ لدرجة إن عيونك مليانة دموع لحد دلوقتي على فراقهم! مررت لسانها على شفتيها من جفاف حلقها، ثم تحدثت وعيناها تلمعان عشقاً لطفليها الراحلين:
ــ واكتر من أكده كمان، أصلك ما تعرفش زين وزيدان دول كانوا متربيين كيف؟ وكانوا كيف النسمة مهتحسش بوجودهم. وكانوا جمال في الشكل والأسلوب والتربية وكل حاجة حلوة كانت زين وزيدان. ثم أكملت وقلبها ينبض بالوجع لفقدانهم: ــ شكل ما تكون الدنيا حالفة ما تخلييني أتهنى على أي حاجة حلوة، وما تسيبليش غير الوحش كله. تحدث بنبرة دعابية كي يخرجها من حالة الحزن الكئيب الذي اعتراها، وهو يغمز لها بعينيه:
ــ طب ما دي سهلة خالص يا أم الزين، ممكن ببساطة تجيبي زين وزيدان غيرهم في تسع شهور بس، انتي احني وارضي. فتحت فمها ببلاهة من وقاحته، ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى وهي تشعر بالخجل الشديد من وقاحته، فجذب وجهها مرة أخرى وشاكسها مزيداً: ــ له، مش وقت كسوف خالص، إحنا لسه بنقول يا هادي، تقومي تتداري عيونك عني وتخلي الدنيا تضلم يا أم الزين. تطلعت لعينيه بخجل ثم تحمحمت باستفسار: ــ اممم.. غمز اليها مرة أخرى وأكمل
مشاكستها بنبرة دعابية: ــ لا واني بقول عنك كلك فهم يا أم الزين. هي كلمة نجيب زين وزيدان تنين في تسع شهور بس محتاجة استغراب واندهاش وعقل يروح ويجي ودراسة جدوى يعني وحوارات. وأكمل وهو يجبرها على النظر داخل عينيه: ــ دي حاجات ومحتاجات بتتحس. إلا بصحيح انت محستهاش يابطل. شهقت بشدة شهقة عالية ثم تحدثت: ــ ها انت بتقول يامتر هي وصلت لبطل كمان.
ــ مالها بطل هو انت اول مرة تسمعي الكلمة دي ولا ايه. كلمات مشاغبة نطقها وهو مازال مكملا بطريقته الساحرة التي حبست أنفاسها في اقترابه ووقاحته وغزله المختلف التي أول مرة تسمعه ثم قام من أمامها وقد تيقن أنه أخرجها من حالة الحزن التي اعترتها وهو يردد: ــ طب كفاية عليكي اكده النهاردة علشان خدودك احمروا على الآخر واني خايف عليهم يولعوا. كفاية الولعة اللي أني حاسس بيها مش هنوبقي احنا الاتنين اصل اني هخاف عليكي قوي ياحب.
ما زالت تنظر إليه ببلاهة فهو بدأ يصارحها بمشاعره بطريقة مباشرة وانتقل من تخبئته المشاعر إلى وضوحها مما جعلها تجرب إحساس لن تلقاه طيلة عمرها مما جعل النابض داخلها تعلو دقاته حتى أنه ردد قبل أن يغلق الباب بنفس المشاكسة: ــ شفتي روقت عليكي في ثانية وخليت صوت قلبك طالع وبيسمع حتى المكتب الخشب اللي هتقعدي عليه علشان تعرفي بس إنك بطل.
أنهى غزله به وأغلق الباب وتركها تتخبط بمشاعرها من تحوله المفاجئ وكلامه الهائم به الممتزج بوقاحة الغزل الذي لم تسمعه أذناها يومًا من الأيام وتبدلت لحظات الحزن إلى لحظات من الهيام من كلام ذاك الجاسر لحظات جعلت قلبها يخفق داخلها ويطالبه بالمزيد والمزيد. تريد أن تسمع منه كثيرا. وتتشبع أذناها بما لم تطرب به يومًا من الأيام. تريد أسبابه الملفقة وعلاته الكثيرة والكثيرة كي يختلق أحاديث معها ويدق القلب بمشاعر المحبين الذي لم
يتذوقها قبل ذاك. شعرت الآن بالهدوء بعد اللحظات التعيسة التي فكرت بها وجالت بخاطرها ثم أسندت رأسها على الكرسي وعلامات الاستمتاع بحديثه الخاص بها بدت على معالمها ثم أغمضت عينيها بانتشاء ووجهها يتبسم بحالمية وعقلها يعيد كلماته لها كثيرا. فما أجمل حديث المحبين العاشقين للمتلهفين المحرومين!
حديث يشعرنا باللذة والمتعة. في منزل ماهر الريان ليلا كان يستند على الشزلونج ومتكئا عليه باسترخاء وهو يفكر في معشوقة روحه التي قلبت حياته رأسا على عقب وهو يشعر بالإنهاك منها ومن جنونها التي تفعله به ثم جال بباله أن يهاتفها فالتقط هاتفه وقام بالاتصال عليها عبر الماسنجر وانتظر ردها وبداخله ينتوي لها ويتوعد بالويلات إن لم تجيبه ثم أجابته فور اتصاله فردد هو بنبرة صوت أجش تليق به وهو يشاكسها:
ــ جدعة ياصغنن طلعتي بتسمعي الكلام أو خفتي من اللي كنت هعمله فيكي أيهما أقرب. ضحكت بسخرية يصحبها الدعابة من كلامه ثم رددت بثقة: ــ ها خوف مين يامتر انت عارف وواثق إني مهخافش غير من اللي خالقني فهخاف منك انت. ها دي بعدك إن رحمة المهدى تخاف من حد واصل. قهقه عاليا من حديثها وثقتها بنفسها ثم قال وهو يمسك على عنادها كي يثير استفزازها:
ــ بس بقى بلاش كلمتين فاضيين دي انت اترعبتي مني امبارح من مجرد نظرة مرعبة بعد العك اللي عملتيه ونفذتي الأوامر في ثانية. بالفعل استطاع استفزازها فهو يعشق الحديث المثير المملوء بالمشاغبة معها يشعره بأن صدره مثلج. أما هي تحدثت بتهديد له ولم يهمها: ــ لا هو انت متصل بيا علشان تقول الكلمتين دول وتتفرعن علي ولا ايه يامتر. إذا كان اكده عادي البلوك موجود وشيل دي من دي يرتاح دي عن دي. ازداد غضبا من كلماتها ثم هدر بها:
ــ طب قسما عظما يابنت سلطان إن ماظبطي لسانك دي معاي وبطلتي المناطحة الند بالند دي لاهخليكي تعيطي لمي لسانك يارحمة واعرفي انك هتتحدتي ويا جوزك اللي بإذن الله لما تاجي بيته هيقص لك لسانك دي. ضحكت بانتشاء فقد استطاعت استفزازه كما فعل ثم قالت: ــ والله انت اللي حضرت العفريت فاستحمل بقي يامتر هو انت مفكر هتهددني وتعاملني بالطريقة داي وهسكت لا دي عندها. ابتسم بتسلية لشراستها وتمردها ثم هتف بوقاحة وهو يغير مجرى الحديث:
ــ طب بقول لك ايه يارحمتي سيبك بقي من الحوارات دي. هو انت رميتي قلم الروج الأحمر اللي كنتي حطاه على شفايفك اخر مرة اتقابلنا. اندهشت من استفساره ولكنها أجابته بصدق: ــ له مهرميهوش ياماهر حاجتي اني بعتز بيها جدا. رفع حاجبه الأيسر هاتفا باستمتاع: ــ طب مترميهوش هاتيه معاكي ضمن حاجتك الشخصية علشان حبيته عليكي ولونه مثير وجذاب.
شهقت بخجل من تصريحاته وعقلها لم يصدق ماتفوه به ماهر الريان وهي تبعد الهاتف عن أذنها وهي تنظر إليه ببلاهة ثم تمتمت بنبرة ذهولية خافتة: ــ اممم انت بتقول ايه هو انت ماهر اللي هتتحدت وياي ولا انت مين بالظبط. ابتسم بتسلية من ذهولها ثم هتف مشاغبا إياها: ــ هو انت مش مرتي وفرحنا كمان يومين فيها ايه لما اقول اللي يحلالي. دي اني اقول واعمل كمان يارحمتي. ــ هااااااا تعمل ايه ياماهر ايه الطريقة دي انت شارب حاجة.
قالتها رحمة وهي ما زالت مندهشة من كلامه الوقح وعبثه معها ثم عقب هو: ــ رحمتي افتحي الفيديو حالا عايز اكلم كلامنا صوت وصورة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!