حبايبي الحلوين ازيكم عاملين ايه اعذروني مقدرتش اكتب غير 5000 كلمة بس. أنا عارفه إن البارت كده قصير بس قلت أجيب لكم أي حاجة علشان خاطر ما تتعلقوش معايا أحسن من ما فيش خالص مستنية تفاعلكم على البارت وعايزة رأيكم ويا ريت التفاعل يزيد وتحسسوني بقيمة الرواية شوية وبقيمتي معاكم وأسيبكم مع البارت قراءة ممتعة حبيباتي. ــ ازيك يا مها؟ كيفك؟ اتوحشتك قوي.
تلبكت كثيراً وخصوصاً أن جاسر الذي استمع إلى ذاك الطارق يردد لها كلماته وبالتحديد "اتوحشتك قوي" فهلع من مكانه وقد ركبته عفاريت الجن والإنس الآن، ومن يراه يظن أنه سيرتكب جريمة من هيئته الغاضبة بشدة.
أما هي كانت تقف تنظر إليه بصدمة، فلم تكن تتوقع أنها ستراه مرة ثانية، فقد مر عامان على عدم وجوده وتوقعت أنها لن ترى طيفه يوماً من الأيام ثانية، ومن دواعي الاندهاش ما يحملهم بين يديه طفلان يبدو عليهما أنهم في عمر السنة، إحداهما ولد والأخرى بنت جميلة يهبط شعرها على عينيها وجمالها فائق للغاية.
أما هو مجرد أن رآها أمامه تسهمت نظراته عليها بشدة، فقد شعر بالوحشة تجاهها بطريقة لا توصف. ظلا كلتاهما ينظر إلى الآخر نظرات مختلفة، هي نظراتها ذهول، تعجب، صدمة من رجوعه بل ومجيئه إليها. دقات قلبها ثارت بداخلها وذكرتها بكل شيء حدث وكأنه الأمس وليس من سنوات مضت، وبقيت ملامحها الضائعة عالقة في كل كيانها.
أما هو نظراته عليها عاشقة، متيمة، فقد هرب منها إليها. حاول أن ينساها بكل الطرق ولكنه لم يستطع محوها ولو بذرة من قلبه وعقله. ثم تحمحم وهو لم يستطع تفسير معنى نظراتها له: ــ أممم.. مش هتقولي لي اتفضل أو حمد لله على السلامة ولا الخالة ماجدة مش موجودة أمشي وأجي وقت تاني.
فاقت من تيهتها وحالة الذهول التي اعترتها على كلماته، كما أن ابنته ما إن رأتها ظلت تشب عليها بشدة وتكاد أن ترتمي بين يديها مما أثر بمها، فهي تعشق الأطفال بشدة. فأتت والدتها هي الأخرى من ورائها وهي تسألها قبل أن تصل إليها وترى من الواقف: ــ واقفة أكده ليه يابتي مين على الباب؟ وما إن وصلت إليها ورأت ملامحه حتى ردد لسانها تلقائياً والبسمة اعتلت وجهها: ــ عامر، ياه كيفك يا ولدي؟ لساتك فاكرنا!
والله فيك الخير يا ولدي حمد لله على سلامتك يا حبيبي. ثم أشارت إليه أن يدلف إلى الداخل وهي تلوم ابنتها: ــ اتفضل يا ولدي البيت بيتك، ليه سايباه واقف يابتي على الباب وفي يده عيلين كمان؟ ثم لفت انتباهها أخيراً هذين الطفلين فسألته: ــ مين دول ياعامر؟ ولادك؟ انت اتجوزت وخلفت كمان من غير ما نعرف! كانت تسأله وهي تمد يدها له وتناولت منه أحد الطفلين الذي أخذته منها وضمته إلى صدرها تهدهده بحنو راق لذاك الطفل. ثم أجابها وما
زالت عيناه لم تفارق مها: ــ الله يسلمك يا خالة تسلمي وتعيشي من كل شر. ثم أجابها أخيراً، وهو يرى تلهف مها إلى معرفة صفة هؤلاء الطفلين له: ــ دول ولادي زين وماهي.
انصعقت مها من تسميته لولده باسم زين ولدها وابنتها اسمها قريباً من اسمها، فازداد قلبها دقات بداخلها، وخاصة أن زين يشبه ولدها بشدة ولما لا فهو كان أبيه أيضاً. ثم أكمل عامر ونظرات مها المشتتة لذاك الطفل وأبيه أرعبتها من الداخل، فهي الآن تود اختطافه من إيد والدتها وسحقها له بين أحضانها وهي تشعر بالحنين الشديد لولديها فيه:
ــ أول ما سافرت علطول بعدها بشهر اتعرفت على بنت هناك كانت لسه جايه الشغل جديد والمعرفة ما أخذتش وقت طويل، تقريبا اتجوزنا بعد شهرين وسبحان الله بعد تسع شهور بالظبط كنا خلفنا زين وماهي. ثم استرسل حديثه وقد تبدلت ملامحه إلى حزن عميق:
ــ بعد ما ولدتهم بتلت أيام جالها حمى نفاس ما قدرناش نسيطر عليها وماتت وسابت لي الطفلين دول في رقبتي، جبت لهم مربية لحد ما تموا السنة وقررت أن أنا أرجع وبقى لي أسبوع هنا في البلد لحد ما أموري استقرت ودورت لهم على ست صحتها كويسة، صاحبي جابها لي ومجوزة عيالها تقعد معاهم وتراعيهم معايا بس بردو على قدها واهي ماشية. كانتا تستمعا إليه وشعرت ماجدة بالشفقة الشديدة عليه ثم التوى ثغرها بحسرة:
ــ يا عيني عليك يا ابني وعلى اللي جرى لك واللي انت شفته في السنة دي لحالك وولادك اللي اتحرموا من أمهم بدري بدري. دي هتلاقيك شفت المرمطة بيهم على ما كبروا السنة. تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماتها التي ذكرته بعام كامل من الأوجاع وهو يحمل على عاتقه مسؤولية طفلين كان لهما أب وأم:
ــ والله يا خالة أصعب سنة مرت عليا بعمري كله، أتاري الأمومة صعبة قوي وما طلعتش بالساهل واصل، بس نحمد الله مرت بعد روحي ما قربت تروح وقلت أرجع بيهم بلدي يتربوا فيها ويحتموا بيها وسط ناسهم.
نظرت ماجدة إلى ابنتها وعينيها تلتمع بشيء ما، بل وتمنته داخلها أن يكون ذلك العامر وأبناؤه من نصيب ابنتها كي يعوضاها عن ما فقدته من زوج وأبناء وبيت وحياة، وخاصة أنها ترى في عامر الرجولة التي لم تجدها في أخيه يوماً من الأيام، حيث كان يقف في صفهم دوماً ويدافع عنها أمام أخيه ولم يخشى من توجيهه للصواب يوماً. ثم قامت من مكانها وناولت الطفل لمها مرددة بمغزى وهي تلقيه في أحضانها:
ــ خدي يابتي سمي الله، والله حسيته شبه زين وزيدان. امسكي هدخل أعمل لابو زين حاجة يشربها وأرجع لكم طوالي. ناولتها الطفل في أحضانها فشعرت برجفة اجتاحت أوصالها فور احتضانها لذاك الطفل، وما كان منها إلا أنها ضمته بحنو اعتادت عليه في التعامل مع هؤلاء البريئة، كانت دقات قلبها تدق بوتيرة سريعة نظراً لشعورها بأن الماكث في أحضانها وليدها وليس طفلاً تحتضنه لأول مرة. إنه لإحساس صعب للغاية لهذه المها.
ملأ الطفل أحضانها المحرومة من أبنائها، كملئ الابتسامة لوجهها وهي تداعب الطفل بين يدها، ثم قربته من أنفها تشتم رائحته، فهي تعشق رائحة الأطفال في ذاك السن بشدة.
لطالما كان للحضن سحر خاص يميزه عن أي لغة أو تعبير آخر، فهو لغة عالمية يفهمها الجميع، لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لغة تتحدث من القلب إلى القلب، لغة تلامس المشاعر وتسكّن الروح. سكناً ومأوى لمن حرم من منزل أحضان حبيبه، وهذا الطفل الساكن الآن بين أضلعها جعلها تشعر بكل هذه الأشياء. فاقت على صوت عامر الذي أعجبه المشهد بشدة وأثلج صدره وشعر الآن بأن القادم سهلاً للغاية لامحالة، بعد أن رأى تعلقها الشديد بالطفل وهو بين يديها:
ــ ياه لساتك هتحني للأطفال وتشمي ريحتهم وانتي هتضميهم يا مها؟ لساتك رقيقة وناعمة زي ما انتي والدنيا مش زايداكي غير الحلا وبس يا أجمل ما شافت عيوني.
أغمضت عينيها وهي تحاول أن لا تنظر له وهو يلقي عليها كلماته الناعمة التي سحبتها لشباك الخطيئة يوماً من الأيام، تلك الخطيئة التي أفقدتها الغالي والنفيس، فكان عقاب رب العالمين جراها مؤلماً لروحها. أما هو فسر إبعاد عينيها عن مرمى عينيه بأنها تشعر باللذة والانتشاء جراء كلماته المعسولة. ولكنها استجمعت قواها المشتتة الآن وهتفت بنبرة جادة دون أن تنظر إليه: ــ انت رجعت ليه يا عامر؟
اهتز جسده بلهفة لسماع اسمه من بين شفاها بعد أن حرم منه مدة طويلة وقصد النظر داخل عينيها وهو يجيبها:
ــ القدر هو اللي رجعني. هربت منك واستغليت فرصة أول واحدة حسيتها مشدودة لي واتجوزتها علشان أنسى المر العلقم اللي مرينا بيه وبعدت وقدرت واتأقلمت ومضايقتكيش وحاولت أعيش مراتي سعيدة ومظلمهاش بقلبي اللي اتعلق بيكي وكنت بكابر مع نفسي، لكن في عيونها كنت بشوف عيونك انتي يا مها. وفي ملامحها كنت راسمك انتي قدامي مش هي. حتى لما عرفت أنها حامل في توأم فرحت قوي فوق ما تتخيلي، قلت ياه ربنا كرمني وعفا عن غلطتي وقبل توبتي وهيديني تاني ومحرمنيش، لكن القدر قال كلمته وماتت وسابت لي الطفلين دول اللي أول ما جم الدنيا سميتهم زين ومها.
اتسعت مقلتاها بذهول من اعترافاته والكلام الكبير الذي يلقيه على مسامعها وهتفت بنبرة ذهولية: ــ هي اسمها مها مش ماهي؟ هز رأسه للأمام بتأكيد: ــ قلت قدام خالتي ماجدة إن اسمها ماهي علشان ما تلفش الانتباه للاسم وأسبب لك إحراج، لساتي بخاف عليكي حتى من نظرة أي لوم وعتاب.
شعرت بأن الدنيا تدور حولها وبأن غمامة الماضي الأليم تعود تنسج خيوط الألم من جديد حول أمانها الذي بنته طيلة المدة المنصرمة. ماذا بكِ أيها الأزمات ألم تتركيني بعد وتلتفي حول غيري؟ لقد صدقت أنني رممت جراح الماضي وأجملت خطيئتي وذنبي برضاي وتوبتي. ولكن لا الماضي يريد أن يبتعد ولا الحاضر يريد أن يمهلني ولا المستقبل الذي حلمت به سيأتيني محلقاً بجناحات الراحة لكِ يا مها. ثم حاولت تهدئة مشاعرها الثائرة المقاتلة لأجل أن
تواجه بصرامة متسائلة إياه: ــ طب والمطلوب مني إيه يا عامر؟ استوعب سؤالها واردف بنبرة هادئة متجنباً كل القلق الذي يشعر به داخله من نظراتها الغير مفهومة له وأغلبها جامدة: ــ نقول بسم الله وجاي أطلب يدك. عايز أتزوجك يا مها. وأكمل سريعاً كي يلاحق أفكارها التي تهاجم مخيلتها: ــ وقبل ما دماغك تروح لبعيد أني ما عايزكيش مربية لولادي ولا دي غرضي أني استغلك في النقطة دي. ثم استرسل حديثه وهو يرمقها بنظرات هائمة:
ــ أني عايز أتزوجك علشان محتاجك إنتي بالذات، ارجوكي كفاية عناد بقي. اهتز فكها ساخراً من عرضه وكل كلماته، وبالتحديد كلمته الأخيرة: ــ له هو انت فاكر اني رفضت زمان عناد يا عامر! وأكملت بتشبث برأيها: ــ اني رفضت زمان علشان انت مينفعش تبقى موجود في حياتي اللي دخلتها غدر من الأساس، ودلوقتي بردو لنفس السبب، علشان ما بني على باطل فهو باطل. قوس فمه بتعجب من كلامها: ــ يعني إيه؟
ما كل حاجة خلصت ورفضك دلوقتي ملهوش مبرر، اني أولى بيكي من أي راجل، انتي كنتي مرة أخويا اللي مات وأي حد عاقل قاعد معانا هيقول لكلام الراجل ده عين العقل يا مها. لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة: ــ حد مين دي يا عامر؟ هو الحد اللي انت هتتكلم عنه ده عارف انت عملت إيه فيا؟ واسترسلت وهي تشير إليها بكفي يديها بامتعاض:
ــ انت دمرتني نفسياً وجسدياً وخلتني حطام ست. خلتني كرهت نفسي. كرهت أمومتي. كرهت أي راجل. وجاي دلوقتي تقول لي إني أولى بيك وبتملى بوقك بيها كمان! يا شيخ حرام عليك، إني ما صدقت لقيت مها اللي ضاعت واندفنت من سنين جواك انت واخوك الله يرحمه. ــ إيه انتي بقي كفاياكي ذل فيا انتي! ملعون أبو قلبي يا شيخة اللي راهن حاله تحت رجلك. ملعون أبو القلب اللي عشقك سنين وضيع شبابه عليكي.
كلمات وجه مقتضبة بملامح وجه مكفهرة، ثم نهض غاضباً وتحرك من أمامها. يبدو عليه القهر، فلم يكن يتوقع أن يكون ذلك ردها له ومقابلتها الجافة الباردة له، وكأنها رأت أكثر شيء تكرهه في حياته، بل وثقيل ثقل الجبال على قلبها. واستطرد قائلاً بنبرة جادة:
ــ كلامي بقى مع أخوالك ووالدتك عشان إني جبت أخري منك يا مها. بس مش دلوقتي، بعدين هسيبك تهدي من مفاجأة رجوعي وتستوعبي كل الكلام اللي اتكلمنا فيه. وبعدين يفرجها ربنا. ابقي قولي لخالتي ماجدة إني مشيت عشان العيال تعبوني. رفعت إحدى حاجبيها متعجبة وأكدت له بقوة:
ــ والله أنت اللي محتاج تستوعب إني مبقتش مها الهبلة الخنوعة بتاعت زمان يا عامر. لااا، إني دلوقتي واحدة فرمتها الظروف. وإنها جت على نفسها من أول مرة اتنازلت عن حقوقها كزوجة مع أخوك. كنت المفروض زمان أقف في وش الكون كله وأهبش حقي من اللي ظلموني. بس لما ركبت قطر التنازل اللي جر وراه محطة الخطيئة، بقت تذكرة رجوعي غالية قوي. بس على ما وصلت دفعت التمن غالي، وأنت عارفه كويس.
ثم أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم: ــ زمان كنت هخاف من كلام الناس وملام أمي وأوامر خوالي اللي هتتحدث عنهم، ودفنت حالي ورضيت باللي مترضاش بيه أي ست. وكان على يدك. بس خلاص، دفعت التمن غالي ومش هعيد الماضي الأليم ده تاني وياك يا عامر. مهما سقت عليا الخلايق كلها، مش هبص غير لحالي واللي يسعدني ويرضيني وبس، عشان دي حقي اللي ربنا اديهولي.
كان يستمع إليها بقلب يخفق وجعاً، بل ينزف دماء الحيرة والتعلق بها. ماذا يفعل هو الآخر بقلبه؟ لم يستطع إخراجها منه ولو يوماً واحداً. كي يجرب كيف تكون نظرة الحياة له بدون وجودها فيها. ما بك أيها الحب الغريب؟ لم يستطع فهمك أحداً. قدر واثق الخطى يهبط على قلب بني آدم، ويرغمه على الرضوخ ضد إرادته. ضد ظروفه، والأدهى أنه يجبرك أن تتحمل النتائج وترضخ لها عنوة، وغصباً!
مشاعر مختلفة، الفراق والحبيب أمام أعيننا. الغربة والوطن محتومين علينا. فالمشاعر عين تشير للجسد، والجسد يعطي أوامره للقلب، وليس العقل. والقلب يتغشم ويلقي حاله في غيابات جب المشاعر، دون أن يرأف أو يسمح للعقل بتمعن الظروف التي تليق بك أيها القلب أم لا.
بعد أن أنهت كلماتها، ناولها يده كي تعطيه الطفل دون أن يرد على كلمة واحدة مما قالتها. فقط عيناه اللائمة هي من قامت بالواجب معها. ضمت الطفل النائم إلى صدرها بحنو بالغ وقبلته بنهم، والشعور بالحنين يسري بجسدها مجرى الدم في العروق.
ثم ناولته الطفل بيدين ترتعشان ويصعب عليها اعطائه له، فقد شعرت بدفئه بين أحضانها بشدة. ولكن قوت حالها وأعطته إياه ووجهت أنظارها بعيداً عنهم. ثم حمل أطفاله وخرج ليعود بقلب محطم. فقد جاء آملاً وخرج خائباً.
أما هي، فتنفست الصعداء فور خروجه، ثم خطت طرقة منزلهم الطويلة ودخلت إلى المطبخ كي ترى والدتها ماذا تفعل، وتلوم عليها لأنها تركتها وحدها مع ذاك العامر. فاندهشت وهي تراها تشعل الخلاط الكهربائي وأمامها كمية الطماطم الكثيرة تلك، ويبدو أنها نسيت أمرها، أو يبدو أنها هي التي تناست برغبتها. ثم سألتها بذهول: ــ هو انتي نسيتي إن عندنا ضيف بره راجل غريب وقاعدة هنا تسبكي وتضربي طماطم وسبتيني لحالي وياه؟ رفعت
حاجبيها وهتفت باستنكار: ــ وهو عامر ضيف يابتي؟ دي عشرة عمر وصاحب مكان. واني قلت أسيبكم تدردشوا مع بعض شوية. هو هياكلك يعني؟ ضيقت عيناها ووجهت لها سؤالاً بذهول: ــ وه هو مبقاش راجل غريب عني ولا إيه؟ لو سمحتي يا أمي، لو جه تاني بلغيه أي وقت إني مش موجودة. مش عايزة أقابله خالص. تحدثت والدتها بنبرة صوت فخورة وإطرائية وهي تمدح ذاك العامر: ــ ليه بقى إن شاء الله؟
دي جدع متربي وزين وعمر العيبة ما طلعت منه. وشكله راجع وناوي على خير. افتحي إنتي سكة الخير وياه ومتقفليش على حالك يابتي. إني قرأت في عينيه إنه رايد الود والقرب، واني عيني متكذبش أبداً. اهتز فكها ساخراً من كلام والدتها، وكأن الجميع اتفقوا اليوم على قهرها: ــ وأني بقولها لك أهه بكل تصميم، واحنا لسه هنقول يا هادي، إني ولا عايزة ود ولا قرب ولا عايزة ألمحه خالص.
لم تعطي ماجدة لحديثها أهمية، وفسرت موقفها ذاك على أنها رافضة مبدأ دخول أي رجل في حياتها، وليس عامراً بالتحديد، وأنها لن تتعافى من صدمتها بعد. فهدأتها بكلمات أتت ببالها كي تهدأ، وبعد ذلك تفاتحها بهدوء: ــ ماشي يابتي، اللي على كيفك. روحي يالا انتي، البسي وروحي على شغلك عشان متتأخريش.
شهقت مها بشدة وهي تتذكر جاسر، وأنها أغلقت الهاتف في وجهه فور رؤيتها لعامر وسماعها أولى كلماته. فضـ.ـرب الخوف بأوردتها، والآن هو بالتأكيد يستشيط من ما سمعه وإغلاقها للهاتف. فجرت من أمام والدتها مسرعة، فذاك الجاسر لها أصبح النفس ومنياها والعوض والجبر وهواها الذي انتشلها من الضياع ووضعها جميلة أمام أعينها. جعلها تشعر بأنوثتها وكينونتها، وأنها امرأة مرغوبة. فهو لها الآن بكل الرجال، بل وأعظمهم وأهمهم. هو لها الآن الترياق لقلبها المهموم، صاحب الغرام الأول المتيم لقلبها المحروم.
هرولت إلى غرفتها سريعاً وأغلقت الباب ورائها، ونسيت كلمات والدتها وأمر ذاك العامر وكل شيء. وذهبت لكي ترفق بحال مسكين يتأوى الآن على جمر النـ.ـار مما سمعه. فتحت هاتفها، وما إن فتحته حتى أتتها رسائله التي لا حصر لها، وما زال الهاتف يشعل نغمة الرسائل واحدة تلو الأخرى. ولكنها لم تهنئ على قرائتها، بل وجدت نقش اسمه على الهاتف فور أن أتته رسالة بأن الهاتف متاح الآن. وما إن أجابته حتى هجم عليها كالوحش الضاري:
ــ انتي إزاي تقفلي التليفون واني هكلمك يا مها؟ ومين الباشا اللي كان هيقول لك اتوحشتك قوي يا مها كيفك؟ انطقي حالا، يا إما هرتكب جريمة بسببك النهاردة. ابتعلت أنفاسها خوفاً من هجومه الضاري عليها، وأنه استمع بالفعل إلى كلمات ذاك الأرعن الذي جعلها الآن لم تستطع النطق ولا إجابته ببنت شفة. مما جعله يعتلي صوته مرة أخرى آمراً إياها، وهو يدور في المكتب حول نفسه بغضب عارم وصل عنان السماء والأرض من صمتها الذي جن جنونه أكثر:
ــ وكمان ساكتة؟ والزفت عمال هيتجنن على دماغه بسببك يا هانم. شوفي قدامك ربع ساعة وتاجي دلوقتي على المكتب يا مها. ورب الكون إني اتأخرتي لهكون قدام بيتك بعدها بدقائق، واللي يحصل يحصل. تمتمت سريعاً وهي تذهب ناحية خزانة ملابسها، وما زال الخوف من هوجاء ذاك الجاسر وغيرته فتت أعصابها وجعلتها مرتعبة للغاية. فلأول مرة تراه هكذا: ــ حاضر والله هلبس بسرعة وجاية. بس انت اهدي، مفيش حاجة حصلت لدي كله.
ضـ.ـرب على المكتب بقبضة يديه، وما زالت الغيرة من صوت ذاك الرجل وكلماته التي سمعها تشعل النيران في جسده، هادراً بها: ــ أهدى مين يا هانم؟ عايزاني أسمع راجل جاي لك لحد بيتك ويقول لك كيفك، وإنك وحشتيه، وأهدى! ثم مسح على خصلاته بضيق شديد، وما زالت مشاعر الغيرة تزداد أكثر عن ذي قبل بكل كيانه: ــ مفيش حاجة اسمها أهدى خالص. هو انتي شايفاني مجنون قدامك؟ انجزي يا مها، إني على أخري دلوقتي ومش طايق دبان وشي.
أغلق معها الهاتف ورماه على المكتب بعنف، وحالته الآن يرثى لها، وداخله ثائر كالبركان على وشك الانفـ.ـجار. فهو مع تلك المها بالتحديد لن يتحمل خسارتها، لاااا. بل لن يسمح أن تبتعد عنه. فهي المرأة الوحيدة التي شعر معها باحتياجها له. هي المرأة الوحيدة التي رأى في عينيها نظرة الانبهار به وبشخصه. رأى تعلقها به دون أن تحكى. فيها من معالم الرقة والسحر والجمال ما جعله وقع صريعاً في هواها من مجرد صورة فقط. ظل يدور في المكتب بأعصاب هائـ.ـجة ثائـ.ـرة، يود أن يذهب إلى منزلها الآن ويسألها عن مكان ذاك الرجل ويهرول إليه ويختنقه بين يديه. لأنه نعت حبيبته ومغرمته بوحشتها له. فما بالك أيها الجاسر إن علمت من يكون ذلك العامر ولماذا أتى؟
ظل هكذا والأفكار والمخيلات تعصف بعقله كالرياح العاتية، وداخله يردد بتصميم: ــ كلهم غير إلا إنتي يا مها. كلهم خسارتهم ولا حاجة ولا تسوى شيء إلا انتي يا أم الزين، إلا انتي.
دلفت مها إليه مهرولة وهي تشعر بالارتياب والارتباك معاً من صوته الغاضب. وما إن دلفت ورأته بتلك الهيئة الغاضبة بشدة، وعلامات الوجوم تعتلي وجهه، ولأول مرة تراها على وجهه، فدوماً تراه سمحاً مبتسماً لها، فاتحاً أبواب قلبه الجميل بسعة صدر لها. والآن يبدو أنها ستبدأ مواجهة الصعاب معه، وخاصة في وجود ذاك العامر من جديد. ألقت السلام بنبرة هادئة تبدو عليها الاستكانة حتى لا يرى توترها:
ــ السلام عليكم ورحمة الله. إني جيت أهه. في شغل مطلوب مني؟ قام من مكانه وأشار إليها أن يذهبا إلى الأريكة الموجودة بالمكتب كي يستطيعا التحدث، وهو يحاول كبت غضبه وغيرته داخله ويحاول التعامل بهدوء. وبعد أن استقرا، سألها بنبرة جليدية استدعاها خصيصاً لأجل أن يهدأ ثوران مشاعره: ــ مين الحلو اللي كان هيقولك كيفك واتوحشتك. هو انتي عندكِ أخوات رجال وأني معرفش؟ ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وأجابته وهي تحرك أصابع يديها بتوتر:
ــ دي عامر أخو مجدي الله يرحمه، لسه راجع من السفر. ضـ.ـرب على المنضدة التي أمامه بغضب، ولم يستطع التعامل ببرود، وخاصة بعدما عرف كينونة ذاك الشخص واسمه: ــ عامر مين يا أستاذة؟ قولي تاني أكده مسمعتش! وهو أخو المرحوم. هيقولك اتوحشتك عادي أكده. داي نبرة صوته وهو هيقولها. وصلت لي وجمعت. شكله أكده وهو هيبص لك ويقولها لك. اللي تتخزق عينيه إن شاء الله. وهو الحلو جاي يهز طوله من أنهي داهية حدفته علينا. عايز إيه؟
وياريت تحكي كل حاجة بصراحة من غير ما تخبي حاجة. واعرفي إن مش هقبل بأي حاجة تخصك تخبيها عني.
علشان انت لازم تعرفي إن اللي يخصك يخصني. علشان إنتي كلك على بعضك بتاعتي يا أم الزين. والموضوع دي إحنا خالصين منه. ومستني حضرتك تديني الإشارة علشان أجي وأطلب يدك. لأن وضعنا أكده ما يرضيش عبد ولا رب. وأني بصراحة متعودتش أعمل حاجة ما أرضاهاش على اختي لو كان ليا أو بنتي في يوم من الأيام. فطبيعي لازم نرتبط رسمي. علشان كفاية بقي أكده. وعايز أعرف عامر دي ظروفه إيه دلوك معاكي. علشان النقط تتحط على الحروف.
ـ إني كنت متجوزة مجدي وعامر كان صغير وكان بيقعد معانا أكتر الوقت. فكان معتبرني زي أخته. ـ بسسس لما مات مجدي عرض عليا الجواز. بس رديت وقتها إني شايفاه زي أخويا ومقبلتش. ـ عرض عليكي الجواز ورفضتي؟ راجع تاني ليه يا أم الزين يقول لك وحشتيني! ـ راجع بعياله اللي خلفهم ومرته ماتت. وجاي عايز يتجوزني. ـ يتجوز مين بروح أهله! دي إني أصور لك قتيل النهاردة إنتي وهو. ـ جاسر إيه الطريقة دي؟ أول مرة أشوفك متعصب وبتقول كلام زي دي!
ـ له يا حبيبتي. دي الطريقة اللي هتاخدي عليها بعد أكده. لما سيرة عفريت العلبة دي تيجي على لسانك. اللي طلع لنا من حيث لا ندري. وقال إيه يتجوزك! إحنا خلاص اتعرفنا الحمد لله. وعرفنا ظروف بعض وكل حاجة ليا وليكي واضحة. نقفل على القديم بالضبة والمفتاح. وأجي لوالدتك النهاردة أطلب يدك ونكتب الكتاب طوالي. واسم النبي حارسه وصاينه يروح يدور على دادا لولاده. أما إنتي بتاعتي وتخصيني. ولا إيه بقي يابطل قلبي؟
نتجوز بقي وأخدك ونطير قد شهر أكده من البلد اللي كتمت على أنفاسنا دي. ونقضي شهر العسل وكل واحد فينا يريح التاني. ولا إيه رأيك؟ ولا أقول لك متقوليش رأيك. إني خلاص قررت. إنتي تروحي دلوك تدي فكرة لجدة عيالي. إني هاجي بالليل إني وعمران ولد عمي في زيارة. وهكلمه دلوك هخليه بردوا يديها فكرة. روحي بقي استريحي لك شوية واظبطي الآداء. علشان مش ماشي من بيتكم النهاردة إلا واحنا متفقين على كتب الكتاب يا أم الزين.
طب مش إحنا أكده بنتسرع يا جاسر؟ مش نصبر شوية؟ ومتقلقش موضوع عامر دي مقفول بالنسبة لي. بصي يا أم الزين. طالما المبدأ موجود يوبقى ليه التأجيل دي؟
اولا. ثانيا نفسي واني هقول لك بحبك محسش بالحرام. واني هسـ.ـرق وقت من الزمن علشان أقولها لك. نفسي لما اجي أبص لك محسش إني هعمل حاجة تغضب ربنا. ماهي النظرة والكلمة حرام وسهم من سهام إبليس. واني ما أرضاش إننا نكلم بعض في السر. أو إني أستغل شغلك معاي أهنه في المكتب علشان أعلقك بيا. وكل دي بيتسجل علينا سيئات.
إني رايدك في الحلال. وحابب كل كلمة ونظرة وهمسة وتفاصيل كتيرة قوووي. حابب أقولها لك وأعيشها وياكي في حلال ربنا ورضاه. ها قلتي إيه يا أم الزين يا تاعبة قلبي معاكي؟ ضحكت يعني قلبها مال وخلاص. نروح بقي لجدة العيال توكلنا على بركة الله. بس الله يرضى عنك خفي عليا سهم هواكي شوي. لحد ما الأسبوع دي يخلص والعصفورة تسكن عشها اللي هيحاوطها برموش عنيه. حاضر يا جاسر. همشي بقي عن إذنك.
قلب جاسر يا باشا. امشي يا بطل علشان متهورش دلوك وأني بصراحة هموت وأتهور. ـ ازيك يادكتورة؟ عاملة إيه؟ بقالي كتير أووي مشفتكيش ولا اتكلمنا مع بعض. ـ الحمد لله يادكتور فارس. كيفك انت؟ ـ يارب دايما. ممكن اقعد؟ ـ اه طبعا اتفضل يادكتور. ـ هو انا ممكن أقول لك إني كنت متضايق وانت واقفة مع زميلك ومش عارف سبب ضيقتي إيه! بجد كنت حاسس إن في حاجة ضايقة على نفسي وأنت واقفة معاه. يا ترى عندك تفسير للإحساس ده يا دكتورة؟
تطلعت بمقلتيه مع تنهيدة حارة خرجت من صدرها مع ارتفاع دقات قلبها عقب استفساره، فهو أعلن غيرته عليها من وراء حجاب سؤاله لها، ثم استنكرت عدم معرفتها السبب. "مش عارفة بصراحة يادكتور إيه سبب ضيقتك واختناقك." ثم دققت النظر داخل عينيه الساحرتين لها لتسترسل بدهاء كي تجعله ينطقها صريحة، فهي تود سماعها. "دور جوه قلبك وعقلك واسألهم وشوف الجواب إيه، ورجاءً جاوبني أنا كمان علشان إنت حيرتني معاك."
راق لها دهائها وابتسم لها ولاهتمامها وهو يكاد يسمع دقات قلبها كالطبول في أذنه ولمعة عينيها وهي تتحدث معه، ثم قال: "قلبي وعقلي محيرني ومش مرسيني على بر، وعايزين يتكلموا بصراحة على اللي حاسينه بس خايفين." "خايفين من إيه؟ بلغهم إن الصراحة راحة للكل وبتقصّر الطرق وبتقرب المسافات قوووي... " كلمات مشجعة نطقتها فريدة بنبرة حماسية هادئة لفارسها، فعقب عليها بابتسامة ساحرة سرقت لبّها أكثر وأكثر.
"طب لما القلب والعقل يقولوا الصراحة، مش ضامنين رد فعل اللي قدامهم هيبقى عامل إزاي أو هيتقبلوه ولا لأ، فهيخافوا يخسروا بعد ما اتقدموا شوية." كانت تشعر بسعادة تملأ العالم أجمع بحديثهم ذاك، ثم شجعته ثانية وهي تتوق لسماع اعترافه بعشقه لها، فقد أحبت جلستهم تلك مثلها كمثل الأنثى الراغبة باعتراف حبيبها لها بأنه يعشقها، ونسيت كل شيء وضربت بكل ظروفه عرض الحائط.
"الخسارة الحقيقية لما الخوف من فقدان شيء يفضل يسيطر على الإنسان فيخليه فعلاً يخسر ويضيع من إيده حاجات أغلى من روحه، لو قعد عمره كله مش هيعرف يرجعها تاني." وأكملت وهي تبثه بنصائحها وعينيها الساحرتين مازالت ساكنة عينيه الحائرتين. "قوّي قلبك وعقلك وشوف هما عايزين يقولوا إيه، ومتحيرهمش معاك، وتوكل على الله."
نفذ إرشادها له على الفور، معترفاً لها اعتراف عاشق لامرأة بغرامها متيم، اعتراف مختلف عن كل العاشقين، جعل كل خلية بحسدها تهتز داخلها، وكأنه ألقى عليها تعويذة سحر وترنيمات عذبة رطبت قلبها العاشق لأول مرة بعمره.
"طب عقلي سمع كلامك وقال لقلبي يبلّغ قلبك إنه شايفك حبيبته، شايفك مستقبله وحياته، شايفك شعاع النور اللي هينوّر ضلام الفارس، شايفك أجمل بنت شافتها عيونه، وأجمل شكل في كل البنات، وأجمل غنوة سمعها قلبه وعقله منسيهاش، شايفة عقلي بلغ قلبي يبلغك سلام حبه إزاي يا فريدة؟ "اصمت أيها الفارس، كفاك كلماتك الرقيقة الساحرة لقلبي المسكين." تسمّرت عيناها أمامه ونطق قلبها بما خجل به لسانها.
"أحببتك لدرجة أنه قد اجتمع حب العالم بأسره في قلبي ووصلت معك لمرحلة العشق الأبدي. اعترفت مسبقاً أني أحبك بقلبي وأفعالي، واليوم أعترف أيضاً أني أعشقك يا قلبي وروحي. سأخبرك عن كل ما في قلبي طال كتمانه ولم يعد قلبي يحتمل ذلك. إنه حباً لك أوقعته نظرة شقت قلبي نصفين ونقشت في أعماقه ملامحك الفتانة حتى صرت أنظر إليك في كل وقت. وحين صار قلبي معلقاً بك، اليوم أعترف بأني أحبك ولكني امرأة شرقية خدشت قلبها وأنت الدواء والجرح وأنت الصديق والحبيب الذي لطالما أخبرته ما لا يقال، وها أنا أعترف مرتين أني أحبك. مرة أمامك ومرة أمام عيناك دون أن يتحدث فمي وتنطقها شفتاي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!