الفصل 48 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
19
كلمة
5,778
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

حبايبي الحلوين كالعادة البارت إليكم عايزه تفاعل. لأني أنا عيطت كتير قوي وأنا بكتب البارت ده من كلام مها هي وأمها وكلام عمران. لكم أن تتخيلوا كم الدموع اللي أنا دمعتها وأنا بكتبه. كتبته لكم بإحساسي، يا ريت تتفاعلوا عليه وما تطنشوش اللايك قبل القراءة. وعايزة ريفيوهات كتير بعد القراءة. وأسيبكم مع البارت. قراءة ممتعة حبيباتي، ومحدش يقول لي الفصل قليل عشان هو 6000 كلمة.

انصعقت شمس وشعرت بأنها سقطت من جبل مرتفع الهاوية وألقي بها في أسفل الأراضين وهي تسألها: ــ هو عمران متجوز؟ اقتربت منها زينب في جلستها عندما لاحظت حزنها، وهي تؤكد لها وقد تبدلت معالم وجهها إلى الحزن الصادق النابع من قلبها المولـ.ـع بحفيد لولدها وهو على مشارف الأربعين: ــ وهو انتي مكنتيش تعرفي؟ أه يابتي متجوز الدكتورة سكون اللي كانت معانا في المستشفى، بس ياحبة عيني مخلفش لحد دلوقتي وحالته تصعب على الكافر. شعرت

شمس بالشفقة والعطف عليهما: ــ كنت بحسبها بنتك وأخت رحمة، بس ياحبيبتي صعبوا عليا قوووي. واسترسلت باستفسار: ــ هو العيب من مين ياطنط؟ لم تجبها زينب على استفسارها بالإجابة الصحيحة مراعاة لحرمة ولدها وكما أن سكون لا تستحق منها ذلك: ــ أمر الله يا بتي، لاهو فيه عيب ولا هي اسم الله عليها فيها حاجة. الاتنين عفايا الحمدلله، بس حكم ربنا كل شي له معاد. بس مخبيش عليكي قلبي متشحتف على حفيد من صلب ولدي ومتحملاش الانتظار.

ضمت شمس حاجبيها بحزن صادق ودعت لهما: ــ ربنا يفرح قلبك بيهم يا حبيبتي ويرزقهم يارب ويجيبولك الحفيد اللي بتتمنيه. عمران راجل قوووي وباين إن الدكتورة سكون محترمة وطيبة وجدعة وبنت ناس. علشان كدة يا خالتوا خلي عندك ثقة في ربنا كبيرة إنه هيرزقهم بالخير كله بإذن الله، بس كله بأوانه. لم تتفائل زينب من كلامها الذي صبرت به حالها كثيراً، ثم قالت بتشاؤم يملأ نبرتها:

ــ مش باين يابتي، دول بقى لهم أربع سنين متجوزين ومش باين لهم أي علامة، وأني ولا بعرف أنام الليل حتى من كتر الفكر فيهم. مطت شمس شفتيها باستنكار لتشاؤمها ثم طمأنتها: ــ ياطنط ماما دايماً كانت بتقول لي مبيخلاش من عند الله رزق، ومبيمنعش إلا علشان يدي ويجبر بالكتير قووي جبر يتعجب له أهل السما والأرض. يعني عندك أنا مثلاً دلوقتي مطرودة ويتيمة من غير أب ولا أم ولا أخ وعمي ظالمني، بس دايماً بقول أكيد ربنا له حكمة في كدة.

واسترسلت وهي تحلم بمستقبل أفضل: ــ وبالرغم من كده بحاول أصحى وأعيش يومي وأنفض عن دماغي همي اللي عايشة فيه. وتصوري إن محاولة خطـ.ـفي جت لمصلحتي قووي، عمي كلمني وقعد يتحايل عليا أتنازل عن القضية لأن اسمه جه فيها وهيديني حقي كامل ومش هيقرب لي تاني. بس أنا لسة مستنية آخد رأي أبيه ماهر عشان هو المتكفل بقضيتي كلها. يعني بالمختصر يا أمي رب ضرة نافعة.

ابتسمت زينب لكلامها ونظرت إليها بحالمية لرجاحة عقلها التي استشفتها من طريقة كلامها وهدوئها واستكانتها: ــ والله يابتي إنتي عندك عقل زين ووشك كيف النسمة وكلامك كيف البلسم اللي هيرطب على قلب الواحد وينسيه همومه. وكلك على بعضك حلوة قوووي وتستاهلي زينة الشباب كلهم ومحبتك دخلت قلبي ومهخليكيش تمشي من اهنه واصل إلا لما أطمن عليكي مع إللي يستاهلك ياحلوة إنتي ياقمرة. ابتسمت لها شمس ثم شكرتها بامتنان على كلامها:

ــ شكراً ياطنط على كلامك الجميل واحتوائك ليا. شكل ما يكون ربنا بعتك ليا عشان كنت في الحالة اللي أنا فيها. واللي حصل لي كنت هتمنى الموت، بس أكيد اللي حصل لسبب عند ربنا هو الأعلم بيه. بس معنديش شك إن كله خير. دق قلب زينب بسعادة، فكلام شمس لها أسعدها كثيراً. ثم ربتت على ظهرها بحنو لتقول بمغزى وهي تتفحصها بإعجاب من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها:

ــ أكيد طبعاً في سبب والسبب هيوبقى خير لينا كلاتنا يازينة البنتة، بس انتي ربنا يعافيكي وتوبقي بخير. *** ــ إيه يا أستاذ فارس، رحت هناك وقلت عدولي ولا جبت لي طلبي اللي بعتك علشانه؟ هو مش كان اتفاق بينا وانت وافقت وعشمتني ورحت قعدت تحب لي هناك وبتلف ورا الدكتورة بنت البواب وطنشتني خالص. تأفف فارس بضيق شديد على إصرار والده فيما يريده ثم هتف برفض قاطع:

ــ انسي إني أعمل لك اللي انت عايزه أو إنك تستخدمني زي عروسة الماريونيت تحركني على كيفك في الأعمال اللي انت عايزني أعملها دي. يستحيل يا عماد إني أكون نسخة تانية منك. تنهد بقوة، فأغلقت عيناي فارس من هول زفيره الذي وصل إلى أذنه ثم ألقى على مسامعه بصوت هدر: ــ طب وراس عبير أمك الله يرحمها مطرح ما راحت وسابت لي عيل خيخ زيك مش عارف يلم أعصابه شوية ويسترجل ويحافظ على اللي أنا بنيته ومش هسمح لك تهده يا بن عبير.

عثت في جوفه حرب أشد من أن يتحكم بها ومن أن يقاومها، ما إن أتى بسيرة والدته الحبيبة العزيزة إلى قلبه. ودخل الآن دوامة فارس المنفصم وهو ينهه بصوت أجش مفحم بالغلظة: ــ قلت لك ميت مرة ما تجيبش سيرة أمي على لسانك تاني. أقول لك على حاجة أحسن انت تنساني وتطلعني من حياتك ومش عايز منك ولا فلوس ولا مستشفيات ولا حتى اسمك. عايزة أنا كرهتك وكرهت اسمك وكرهت حياتي كلها بسببك. ابعد عني يا عماد.

اندلعت ثورة الغضب من عماد وهو يستمع إلى كلمات ابنه اللاذعة له وهدده بثقة: ــ احترم نفسك وانت بتتكلم معايا يا ولد واعمل حسابك انت مش هتمشيني على كيفك ولا حتى نفسك هتمشي على كيفك. يا أما وشرفي اللي ما بحلف بيه كده جثة أمك اللي أنا مجمدها تحت إيدي هعمل فيها اللي على كيفي واللي انت عارفه كويس قوي.

أدمعت عيناي فارس عندما ذكره بجثمان والدته الذي مازال تحت قبضة يد أبيه. وهو يريد أن يسابق الريح ويذهب إلى ذاك العماد ويشق ضلعه بخنجر مسموم ويتخلص منه ومن أذاه. وهتف بنبرة ذليلة لذاك القلب المتبلد المتحجر: ــ انت إيه يا شيخ قلبك ده؟ قلب حجر؟ إنت أصلاً مش بني آدم ولا تنفع تكون أب ولا كنت ليها زوج ورجل!

هو جسمها ناقص حرام عليك. مش كفاية إنك ما دفنتهاش لحد دلوقتي. انت عايز توصلني إني أنتحر وأسيب لك الدنيا كلها وأشبع بيها بقى يا عماد. ضرب عماد بقبضة يده على مكتبه وصاح به محذراً إياه: ــ طب أعملها كده يا ابن عبير أو جرب بس وشوف هعمل إيه في جثة أمك. ده انتحارك ده هيخليني ما أرحمهاش وانت فاهمني كويس قوي.

تلاحقت أنفاس ذاك الابن المقهور وأصبح الآن يشعر بالاختناق الشديد وأنه على مشارف الموت بسبب النقاش اللاذع الذي حصل بينه وبين أبيه عديم الرحمة. ثم أصر على رفضه:

ــ اعمل حسابك مهما عملت مش هعمل اللي انت عايزه مني. الناس هنا غلابة قوي ابعد عنهم بشرك وكفاية الميغة اللي انت بتعملها هناك. يا أما أنا كمان هقلب الترابيزة عليك وتهديد قصاد تهديد وتبقى خربت على دماغي ودماغك. انت أكتر مني بكتير أنا ما عنديش حاجة أخسرها. انت كل حاجة عندك هتخسرها. ذم عماد شفتيه بغضب من رأس فارس اليابس. ثم هدأ من نبرة صوته وهو ينهي النقاش الذي احتدم بينهم كالمعتاد آمراً إياه:

ــ طب ارجع لي بقى مصر. هلغي انتدابك. قدامك يومين بالظبط تشوف فيهم حالك. فور أن أدلى عليه أمره بتلك السلطة شعر وطلب منه ترك تلك البلدة حتى هوى قلبه بين قدميه. وظل ينقبض وينبسط في آن واحد. كأن أحدهم يطلب منه أن يخرج من الجنة كي يسقطه في الجحيم السعير. وضع يديه على أذنيه يصمهما عن أكثر صوت يكرهه في حياته. والآخر على ثرثرته التي جعلته صـ.ـرخ بقهر يدمي القلوب: ــ بسسسسسسسس. اسسسسسسسكت. هو أنا عبد المأمور؟

تعالى يبقى يجي لك سافر غصب عنك يسافر. مش راجع ومش جاي لك ولا عايزة أشوف وشك خالص. ابعد عني بقى أنا كرهت نفسي بسببك. ابعد عني. ثم أغلق الهاتف في وجهه مما جعل الآخر يلقي بهاتفه عرض الحائط حتى وقع هشيمًا في أرجاء المكان. وهو يهتف بعلو صوته بسباب مغلف بغضب عارم هو الآخر:

ــ أبو اللي جابك على عبير على القرف اللي أنا شايفه بسببك. إن ماندمتك يابن عبير على أغلى حاجة عندك مبقاش أنا. ولا إني اسمح لك تهد الإمبراطورية العالية اللي أنا عملتها سنين عمري ودفعت تمنها أغلى ما عندي.

كانت فريدة في ذاك الوقت تسير في طرقة المشفى. ولكنها وجدت حالها تتباطأ بخطواتها أمام مكتبه علـ.ـها تأمل في رؤيته. حتى انقبض قلبها هي الأخرى من سماعها لصراخه في الداخل. وبالتحديد كلماته الأخيرة. وهي تنظر حولها كي ترى ما إن سمعه أحدهم أم لا. ولأجل الحظ الذي كان معه لم يكن أحدهم بالقرب من غرفته إلا هي. فعلى الفور دخلت ويا ليتها لم تدخل. فقد كان في أشد حالات الهوجاء التي تعتريه وهو في انفصامه. فقد نفذ الصبر من صبره من

كلمات والده وجعله الآن يجلس بعينين قاتمتين مظلمتين من شدة غضبه. بل ولمعة الدمع ما زالت ظاهرة كعلامة للأعمى يراها. وما إن رأت حالته تلك حتى وضعت يدها على شفتيها تكتم شهقتها من منظره الدامي الذي جعل قلبها يدق بعنف داخلها شفقة وحزنًا على ذاك الحبيب المقهور. ولم تعرف ما السبب. فاقتربت منه وياليتها لم

تقترب وهي تسأله بفم يرتجف: ــ فارس مالك صوتك عالي قوووي وخرج لبرة وقلقني عليك. في إيه؟ رفع رأسه فجأة وفتح عيناه على وسـ.ـعيهما وهو يدقق النظر داخل عينيها بنظرة مخيفة. ولمعتهما كأنهما مضيئيتان بشر قادم لا محال. نظرته تشبه قط ممسوس أصاب جسدها بالرجفة المخيفة قبل قلبها الذي يرى الآن الغرفة أضيق من خرم إبرة. وهي تراه الآن كمثل جنيـ.ـًا متجسدًا في صورة إنسان.

اقترب منها بخطواته الأشبه بخطوات ذئب مفترس يهجم على فريسته في لحظة تقشعر لها الأبدان. من ما فعله في أقل من ثلاث ثواني. حيث جذبها بعنف من ذراعها حتى ارتطمت بعظام صدره الصلبة القوية كمن صدمت في جذع شجرة متين منذ الأزل. وبيده الأخرى خلع عنها حجابها حتى أسقطه أرضًا تحت تململها السريع بين يديه. وهي تحاول الوصول إلى الباب الذي في لمحة البصر حجبه عنها. وهو يحاوطها بجسده ذو الطول الفاره. فكانت تصل لمنتصف صدره. وهو يمد قدمه من الخلف صافعًا الباب بقوة اهتزت معها أرجاء قلبها الضعيف المسكين. الذي أوقعها تحت براثنه الآن في لحظة حاسمة فارقة بينهما.

أدارت جسدها للناحية الأخرى وكلاهما يدور حول الآخر بعينين تختلف نظراتها عن الأخرى. كانت بقدر رعبها منه إلا أنها مشفقة بشدة عليه الآن. ويبدو أنه كان يتحدث مع أبيه وهو الذي أوصله إلى تلك الحالة.

ثم حاولت استدعاء الهدوء. وبالتحديد وهو يضع يده في منتصف شعرها من الخلف ويلوي خصلاته الذي فككها ورمى رابطته أرضًا بهوجاء. فتحملت ألم قبضته لخصلاتها وهي تغمض عينيها وملامح الوجع شبه مخبئة على معالمها. ثم أسند جبهته بجبهتها وهو يحتضن خصرها بشدة مرددًا أمام شفتيها وعينيها المغمضتين بارتعاب وشفتيها ترتجف أمامه خوفًا من القادم. عندما تنفست أنفاسه والخطر بدأ يتصاعد في جسدها الساكن الآن بين يديه. وما زال يدور

بها وأنفه تلامست أنفها: ــ جيتي لقدرك اللعين بين إيدين الشيطان يا الملاك الضايع بين إيدين قدرك بحظك المسموم. على صدرها صعودًا وهبوطًا. وهي تضع كف يدها الصغيرة على صدره وأسنانها تصطك هلعًا. ولكن تحاول أن تسكن ملامحها الهدوء كي تست طب بمناسبتي إيه عاد؟ فتح عينيه فور سؤاله ليجيبها على الفور: ـ بمناسبتك صاحبتي وهشغلك معايا في المستشفى بتاعتنا. تقبلت هرائه بهدوء:

ـ طب عندنا في الصعيد أهنه البنت متخرجش من بلدها ولا تسافر غير ويا جوزها، حكاية الشغل والصحاب داي متمشيش معانا خالص. ـ خلاص أتّجوزك يافوفا إذا كانت حتة الورقة دي العائق وماله مفيش مشكلة خالص... كلمات واثقة نطقها فارس، فعقبت عليها وهي تزم شفتيها للأمام بدلال مصطنع وهي تحاول مجاراته: ـ هو الجواز مني مجرد حتة ورقة؟ له اني زعلانة خالص منك، هو انت شايفني وحشة ومستحقش أبقى زي البنات ويتعمل لي كيف ما بيتعمل لهم؟

عض على شفتيه السفلى قائلاً وهو يغمز لها بوقاحة أخجلتها: ــ بنات مين دول؟ ده إنتي وحش الكون ده، كفاية شعرك اللي مجنني. خلاص نعمل لك زي البنات واللي تشاوري عليه فارس يرميه لك تحت رجلك يا فوفا، إحنا يهمنا راحتك بردوا. مطت شفتيها بامتعاض من وقاحته ونظرته، ثم ابتسمت بمجاملة: ــ تمام أكده، ابعد يدك بقى ومتلمسنيش خالص إلا لما تيجي تتقدم لي علشان أحس إني غالية وإنك هتشتاق لحلالي معاك. وقول لي بقى عايز تسافر ليه؟

هو الجو هنا معجبكش؟ ــ بالعكس يا مزتي، ده الجو هنا جميل ورايق، كفاية إن انت موجودة فيه... نطقها بنفس غمزته ووقاحته، ثم أكمل وقد تبدلت ملامحه الوقحة إلى ممتعضة فور تذكره أمر أبيه: ــ اللي مش عايزني أرتاح خالص في الدنيا بعت لي أوامر إني لازم أسافر له، وهو بيمشيني على كيفه وهددني لو ما رحتلهوش بأغلى حاجة في دنيتي وآخرتي. ثم نظر إليها مكملاً، وقد لمعت عينيه بالدموع مرة أخرى:

ــ تعرفي إن أبوكي الراجل البواب الغلبان ده نعمة لازم تشكري ربنا عليها ليل ونهار، يا ريتني طلعت من أسرة فقيرة وأب وأم متساويين نفسياً، ولا إن عماد الجاحد ده يبقى أبويا. سالته بفضول: ــ هددك بإيه؟ أجابها وهو يبتلع غصته بمرارة كمرارة العلقم: ــ بجثة أمي اللي مجمدها، هيبهدلها وهي ميتة زي ما دمرها وهي عايشة. تجمدت عروقها من هول ما سمعت منه، وابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وهي تردد بذهول: ــ هو مدفنهاش؟

دي إكرام الميت دفنه، وكيف مخبي جثتها وليه مدورتيش على حد يساعدك أكده؟ حرام قوي. حرك رأسه للأمام وتحدث بأسى: ــ لسه عارف إنها مندفنتش من سنة واحدة بس، وأنا أضعف مما تتخيلي إني أقف قدام عماد الألفي كده، هبقى بغامر بيها وبعمري. ابتلعت ريقها برعب وهي تتخيله يضيع من بين يديها بسبب ذاك العماد، وهبطت دمعة شاردة من مقلتيها وحذرته خوفاً من فقدانه، فقد وقعت في سهم هواه وقضي الأمر:

ــ خلاص يا فارس، خليك هنا متسافرش وتسيبني، أنا محتاجة وجودك قوي أكتر منك. سألها بعينين حائرتين متمنياً سماع شئ ما يتردد داخله: ــ ليه يا فوفا مش عايزاني أسافر؟ ومحتاجاني إزاي؟ أرجوك اتكلمي. نطقها لسانها رغماً عنها وهي تتطلع إلى رجاؤه وهو في حالة انفصامه، ورأسها متدلياً للأسفل بخجل، فهو إن مشى حتماً ستنهار:

ــ إني هحبك يا فارس، ومش متصورة حياتي هنا من غيرك، أرجوك انت متتمشيش، خليك هنا جنبي، مبتبعدنيش عنك، خليك قصاد عيني يا عمري علشان قلبي في بعدك هيتوجع، وخلينا هنا نبني حياتنا مع بعض بعيد عن عماد دي خالص.

دق قلب فارس المنفصم هو الآخر لتلك الملاك، دق قلب الحجر الذي لا يلين لاعترافها الشامخ بحبه، ولكنه خاف وتصارعت الدقات في قلبه ما بين العشق والخوف بالتساوي، ثم ترجاها أن تبتعد كي ترحم حالها كي لا ينكوي قلبه عليها هي الأخرى، فطريقه مكلل بالأشواك: ــ عماد مش هيسيبك ولا هيسيبني، عماد هيدمرك وهيدمرني، من الأفضل تبعدي عني، انتي مش حمل عواصفي. حركت رأسها برفض وهتفت بنبرة تأكيدية وهي متمسكة بوجوده:

ــ متقلقش، هنعدي الصعاب مع بعض، بس انت فوق يا فارس. ضم حاجبيه متسائلاً: ــ أفوق من إيه؟ ــ فوق من وهم الماضي واخرج برة قوقعة عماد واتحدى الجبروت بإيمانك، وبرة قوقعة عبير واتحدى الخوف بيقينك إنها بين أيادي الله، ومهما يعمل هي خلاص روحها عند ربنا والجسد نايم ومش دريان. ــ إزاي؟ انتي عايزاني أسيبه يمثل بجثة ماما؟

ــ سيدنا حمزة بن عبد المطلب مثل بجثته ولقب بأسد الله وسيد الشهداء، واللي عملت فيه كده ربنا عاقبها عقاب أليم، وصدقني هو بيهددك بس وبيخوفك علشان تخضع له، وطول ما انت بترفض طلباته وبتقول لا هيفقد الأمل فيك، ولو كان عايز يأذيك مكانش كبرك ووصلك للمرحلة دي، هو مجنون بيك وعمره يا فارس وممكن يضغط عليك بكل الطرق إلا أذيتك. ــ بس ممكن يأذيني بنبض قلبي، يأذيني بيكي يا فريدة. ــ إيه ده؟

انت نطقت فريدة دلوقتي من غير فوفا ولا مزة ولا الحوارات دي واصل! انت دلوقتي واعي، وأوعاك تدخل جوة قوقعة ماضي الفارس الأليم تاني. ــ مش بمزاجي، بلاقي دماغي راحت للوجع وبحلم بعبير كتير وبلاقيني اتحولت ونفسي بتجبرني أتشرد وأشرد اللي حواليا. ــ أول ما نفسك تيجي تجبرك افتكرني وافتكر بسمتي وأملي في إني هغيرك، علشان انت جميل يا فارس. ــ انتي هدية ربنا ليا، ولو خسرتك انت كمان هضيع في ظلمات تشرد نفسي أكتر وأكتر.

ــ أوعدك إني عمري ما هفارق إلا لو ربنا أراد ياخد أمانته. ــ بعد الشر عنك يا ملاكي، إن شاء الله عماد مليون مرة وانت تعيشي تنوري الدنيا وتنوري ضلام الفارس. ــ طب قوم بقى اتوضى وصلي العشا وصلي كتير قوي واقرأ قرآن كتير واذكر ربنا كتير، الذكر بيطمن القلوب قوي. بابتسامة عذبة أنارت وجهه هتف بطاعة وأكمل مشاغباً إياها: ــ حاضر يا دكتورة، قومي البسي حجابك، شكلك نسيتي. وضعت يدها على رأسها وشهقت بذهول من نسيانها

حالها وهي تجذب حجابها: ــ حرام عليك يا فارس اللي هتعمله فيا دي، والله انت خربطت لي دماغي على الآخر ونسيتني اسمي وشكلي وهويتي، وشكلك عايز تنسيني ديني وهدخل جهنم وبئس المصير على حس عبثك دي، ارحمني لما تيجي غضبان مش أول حاجة تعملها تمد يدك على حجابي، ارجوك مد اليد حرام ومن أكبر الحرام والغلط. غمز لها ونطق بطريقة دعابية:

ــ طب ماتلميني من الحرام والغلط واتجوزيني، وساعتها لما أشيل حجابك أو أي حاجة تانية تقابلني في الطريق يبقى حلال الحلال. قامت من مكانها وهي تعدل هيئتها: ــ كل بأوانه يا فارسي، واتقل تاخد حاجة نضيفة. قوس فمه بانزعاج مصطنع ليقول بمشاغبة: ــ آه، بعد فارسي دي الآوان ده مينفعش خالص، وكله لازم يدوق طعم الحلال يا فوفا. ابتعدت عنه: ــ يوووه يا دي فوفا، متقولهاش تاني، أول ما تقولها قلبي بينقبض، أبوس يدك متبهدلنيش وياك.

مد يده بعبث: ــ طب بوسة يا فيري، ده يبقى يوم السعد والهنا. غمزت بعينيها بشقاوة وقد ظهرت غمازتيها في منتصف وجنتيها بطريقة ساحرة جعلته هرول إليها، ولكنها ألقت كلماتها وهربت على الفور مما جعله وقف مغتاظاً: ــ دي بعدك يا دوك. وقف مبتسماً ينظر إلى طيفها بسعادة لا توصف، فقد دلفت إليه وهو في قمة الحزن بل وأعلى درجاته، ثم أبدلت حزنه إلى سعادة وجعلته يتمنى أن يلقيها في أحضانه الآن كي تكتمل سعادته، وداخله يردد بانتشاء

وما زالت عيناه تتبعها: "عناقك يخذل برد أربعين شتاء" في منزل "ماجدة" حيث أصر "عمران" أن يحضر جلستها مع مها تحت تزمتها، ولكنه لم يدعها تنفرد بها، فهو وعد "جاسر" أن يجعله يأتي غداً، وأنه بفضل الله أولاً ثم مجهوده سيجعله يجبر غداً. كانت مها تجلس بتوتر للغاية، فهي قد استشفت من مغادرة جاسر قبل أن يلتقيان وجود مشكلة ما، عندما استدعتها والدتها بعد أن غادر جاسر، فتحدثت ماجدة:

ــ شوفي يا بتي، انت دلوقتي جاي لك عريسين، عامر أخو جوزك الله يرحمه، وجاسر اللي انت شغالة عنده. عامر لسه مكلمني من شوية على التليفون قبل ما جاسر ييجي وشايف إن هو أولى بيكي لأنك كنتِ مرت أخوه، وأي حد مكانه هيقول كده وأي حد هيسمع هيقول عين العقل.

دلوقتي عايزة أعرف رأيك، بس حابة أعرفك إني مرجحة كفة عامر أكتر من جاسر، جدع زين ولد حلال وانت معاشراه وعارفاه كويس قوي إنه هيتقي ربنا فيكي. أما جاسر مجرد إنك اشتغلتي عنده ولا تعرفيه ولا تعرفي طبعه، خليكي في اللي نعرفه أحسن من اللي منفهموش. كادت أن تعترض رأي والدتها، إلا أن سكون تحدثت باستجداء: ــ بعد إذنك أنتِ يا أم الزين، اصبري قبل ما تقولي رأيك. طب ليه يا أمي ترجع تتجوز أخوه؟

هي ما عندهاش أولاد علشان خاطر تنجبر تتجوزه؟ إيه اللي يخليها ترفض فرصة عريس زي جاسر متمسك بيها وبيحبها ومحترم وابن ناس وشاريها قوي؟ إيه اللي يخليها ترجع لعامر وتفتكر الأيام السودا اللي كانت عايشاها مع أخوه وتفتكر أولادها اللي ماتوا؟ أنا مش معاكي أبداً في رأيك يا أمي. دلوقتي الرأي رأيك يا مها، شوفي اللي هترتاحي له فيهم مين؟

واللي شايفه نفسك هتقدري تتنفسي وتشوفي الدنيا وتعيشيها معاه. شوفي راحتك أنتِ الأول يا حبيبتي فوق أي اعتبارات، دي حقك اللي اداه لك ربنا. هنا هتفت ماجدة باعتراض على كلام سكون: ــ طب والجدع يعيبه إيه يا بتي، دي حالة يصعب على الكافر بولاده اللي رجع بيهم، وأهم هيعوضوها عن ولادها اللي فقدتهم. هنا تحدث عمران معترضاً هو الآخر على كلام ماجدة مردداً بهدوء كي لا يثير ضيقها: ــ طب وهي فين من كلامك يا أمي؟

على حسب ما عرفت إن المرحوم ربنا يغفر له ويسامحه كان موريها المرار وما شافتتش معاه يوم حلو، من حقها تغير العتبة خالص. وخلي بالك ولاده اللي انت هتتكلمي عنيهم دلوقتي وهي هتربيهم في النهاية هتبقى مرت أبوهم، ويا مربي غير ولدك يا باني في غير ملكك، فخليها تشوف بنفسها هي عايزة إيه من غير ضغط مني ولا من سكون ولا منك ولا من أي حد. ربنا سبحانه وتعالى ادى للست حقها في الاختيار، مداش للظروف الحق في الاختيار.

حركت ماجدة رأسها للأمام باقتناع لكلام عمران، ثم سألت مها: ــ خلاص اللي تشوفه يا ولدي. وانت يا مها رأيك إيه؟ واعتبري اللي قلته ما لوش لازمة. رمقتها مها بنظرات خذلان وهي تسألها بعتاب قبل أن تجيب من منهم ستختار: ــ أظن يا أمي إني لما رجع عامر قلت لك أنا مش عايزة أشوفه ولا أعرف عنه أي حاجة، ولما يسأل عني تقولي له إني مش موجودة، ده يدل على إيه؟

يدل على إني كارهة دخول البيت ده تاني، البيت اللي اندفنت فيه أحسن سنين شبابي اللي ضاعت في روحي وهي بتداس كل يوم. وأنا كنت أشتكي لك كل يوم والتاني وانت كنت هتقولي لي استحملي واصبري، ما عندناش طلاق. مش لو كنت أطلقت منه وبعدت أنا وأولادي زين وزيدان كان زمانهم عايشين دلوقتي وياي من غير هم أبوهم ومن غير ما أنشغل عنيهم.

أنهت كلامها وانهمرت الدموع من عينيها لتذكرها الماضي الأليم، وذاك السبب بالتحديد من ضمن الألف سبب التي لم تحب سيرة عامر بسببها، ناهيك عن السبب الأكبر خطيئتها التي ارتكبتها معه، فهي الآن لا تريد أن تراه أمامها. تريده أن يبتعد. أن يتركها تعيش وتتنفس وتنسى الماضي الأليم الذي ارتكبته معه. تريد أن تنسى خطيئتها. وعند تذكرها لخطيئتها تلك تزداد دموع عينيها أكثر فأكثر، فقد دفعت ذنبها الغالي والنفيس وما زالت تتألم من فقدان عزيزي عينيها مهما ظهرت ضحكاتها، ولكن الألم يكمن ورائها بما يفيض أنهاراً.

وكل ذلك وماجدة لم ترتكز إلا على نقطة واحدة لامتها بقسوة: ــ يعني دلوقتي هتجيبي سبب موت ولادك فيا؟ إني أخص عليكي يا بنت بطني. ربنا يسامحك، لكن قلبي مش مسامحك. لاحظ عمران وسكون أن الموقف بدأ يحتدم، فهتف عمران على الفور: ــ يا أمي اهدى على حالك وعليها، مش شايفاها افتكرت ولادها وهتتقطع عليهم!

أي أم هتتحمل ولادها وبتتحمل أي كلمة منهم طالما موجوعين قوي، واللي حصل لها يقطم الضهر وما حدش يستحمله واصل، ألمه ثقيل قوي، وهي ما تقصدش اللي انت فهمتيه واصل. شعرت مها بثقل وألم نفسي شديد انتابها عقب كلمات والدتها الثقيلة على قلبها، ثم رددت وهي ما زالت تنفطر من البكاء: ــ حرام عليكي يا أمي، بزيادة كفاية عاد! ليه هتحمليني ذنبك في اللي هتفتكريه؟ هو إني ناقصة اللي فيا مكفيني؟

كل اللي إني محتاجاه منك إنك تشوفي راحتي إني قبل أي إنسان. تشوفي إيه اللي هيسعدني قبل ما يسعد غيري. إني أولى بعطفك من أي حد. هدأتهم سكون بكلماتها وهي ترى الحزن والضيق يخيم على ملامحهم بكثرة: ــ يا أمي مها تقصدش اللي وصل لك، ممكن نهدى عاد ونسيب اللي فات ومنفتحش في القديم ونطويه، كل لما هنفتح النفوس هتشيل.

تنهدت ماجدة بحزن وهي ترى انفطار ابنتها الكبرى وتذكرها أبنائها وتبدل حالتها إلى السوء فور أن أتت سيرة عامر، فتفهمت الآن وجهة نظر عمران وخطت إليها وجذبتها بحنو بالغ إلى أحضانها وهي تهدهدها بحنان بالغ:

ــ بس يابتي، بس يا غالية، ما عايزاش أشوف دموعك اللي هيقطعوا في قلبي كيف السكاكين، يغور عامر طالما هيخليكي بالحالة السودا دي. هرد عليه النهارده وهقول له كل شيء قسمة ونصيب، وخليكي يا بتي مع جاسر طالما دي هو اللي هيسعدك. بس ياحبيبتي. ازدادت شهقاتها في أحضان والدتها وتمسكت بها بشدة وهي تحثها على أن تضمها أكثر، فهي في أشد لحظات ضعفها الآن وتحتاج إلى عناقها الذي يخذل ألف وجع وألم لم يتحمله بشر:

ــ احضنيني قوي يا أمي، إني أكتر واحدة في الدنيا محتاجة حضنك، أكتر واحدة محتاجة عطفك. إني حاسة إني هشة قوي من جواي، وأي حد لو نفخ فيا وفي مشاعري بكلمة هطب ساكتة، ويا ريت يوحصل وأرتاح وأروح للغالين خلاص، معايزاش جواز ولا من دي ولا من دي، هقعد وياكي هنا. شهقت "سكون" و"ماجدة" وهتفتن في آن واحد وهي تشدد على احتضانها:

ــ بعد الشر عنك يابتي. يديم حسك وبسمتك وطلتك اللي كيف النسمة لأمك يا غالية. دي إني يجرالي حاجة لو مسك الوجع دي، انتي بت عمري بكريتي اللي شافك قلبي قبل عيوني، ودايماً كنتي حاملة هم خواتك وياي وربيتيهم معاي. طول عمرك حمالة القسية يا حبيبتي. اهدى يا أم الزين بعد الشر عليكي من الوجع وفطرة قلبك. لا يا حبيبتي اتجوزي وحبي واتحبي واتهني، إني مهدومش ليكي العمر كله.

وظلت كلتاهن يبكين مما جعل "سكون" هي الأخرى تبكي لبكائهن، وعندما رأى "عمران" دموعها جذبها إلى أحضانه على الفور وهو يهدئها: ــ له يا حبيبي مهتحملش كله إلا دموعك، اهدى يا دوك. تمسكت بأحضانه الحانية، فشدد عليها وقبلها من رأسها قبلة محب عاشق، ثم ترك "ماجدة" و "مها" تفرغان شحنة حزنهما، فالحضن الآن بمثابة الوطن يحتضن الوجع والألم. حضن بمثابة الاحتياج للرغبة في المعيشة، ثم ردد "عمران" أخيراً:

ــ خلااااص بزيادة كفاية بكاء، إحنا عايزين الفرح مش الحزن الناقع دي. أهم الحريم كده لما يمسكوا في النكد ملهمش كتالوج. خلاص يا أم الزين جواز إيه ده اللي مريداهوش، واليتيم الغلبان اللي مستني على نار دي مين هتتجوزه غيرك، كأنك أمك داعية لك والله بحق. ها يا أمي أتصل على جاسر وأقول له ييجي بكرة إن شاء الله؟ ربتت على ظهر مها متسائلة إياها: ــ ها يابتي موافقة نقول له ييجي؟ صمتت ولم تجب، فرددت سكون على الفور:

ــ وه يا ماجدة لسه هتستني رد، السكوت علامة الرضا يا حاجة. ثم نظرت إلى "عمران" وطلبت منه: ــ يالا يا عمران كلمه دلوقتي، خير البر عاجله، خلي الفرح يدخل قلوبنا والحزن يبعد عنينا. نظر "عمران" إلى "ماجدة" متسائلاً بعينيه، فأومأت هي الأخرى برأسها للأمام ورمشت بأهدابها كعلامة للموافقة، فقام "عمران" وهاتف جاسر، الذي فور أن سمع الخبر هلل بسعادة، أخيراً لنيل مبتغاه، ثم عبر عن سعادته لعمران:

ــ الله الوكيل لو أخويا ابن أمي وأبوي ما أحبه زيك يابن عمي. جميل، عمري ما أنساه لك أبداً. زمجر "عمران" بضيق من كلمته: ــ جميل إيه يابن عمي، إحنا أصلاً خوات، وإن مكنتش أقف جارك وأكون شقك اللي يتمنى لك السعادة والفرح من غيري يا جدع! ابتسم "جاسر" قائلاً بتسرع: ــ طب إحنا لسه بدري أجي دلوقتي؟ منعه "عمران" بشدة: ــ لااااا، دلوقتي إيه؟ دي هتبكي هي وأمها لما شبعانة، خليك بكرة أحسن تكون هدت.

ــ وه بكيتوا أم الزين يا عمران، والله حرام عليكم! كلمات استنكارية نطقها جاسر بنبرة معترضة حزينة على حبيبته، فعقب عليها عمران بنفي عن حاله: ــ وه وأني مالي يا جدع واحدة وأمها هيبكوا مالي أني! خلاص هقفل دلوك علشان أخد مرتي ونمشي، وبكرة عاد من النهاردة ميفرقش.

أغلق معه الهاتف، وظل جاسر يدور حول نفسه بغضب وهو يشعر بالضيق على حبيبته ومعشوقته، وهي تبكي الآن وحزينة، ويود أن يذهب إليها كي يخفف عنها آلامها وينهاها عن البكاء، فهو يشعر بأن قلبه يتمزق من الداخل لأجلها الآن. في الساعة العاشرة مساءً، خرجت فريدة من المشفى وانهت ورديتها، ثم هاتفت سكون قبل أن تصعد سيارتها، وبعد أن أجابتها: ــ اللي وحشاني وما بتسألش عليا، انت فين من ساعة ما أخدتي الإجازة؟ ما بتساليش عني يا وحشة!

عايزة أقعد معاكي نص ساعة لكده قبل ما أروح. اعتذرت لها سكون عن تقصيرها معها: ــ حبيبة قلبي، انت عارفة ما أقدرش أستغنى عنك ولا أبعد، بس موضوع عمليتي وبعدين فرح رحمة وحوارات كتير أكده، هبقى أحكيلك عنها أول ما نقعد مع بعض وحدينا. تفهمت فريدة ظروفها، ثم طلبت منها: ــ طب عايزة أقعد معاكي دلوك ضروري، عايزاني في موضوع مهم، قولي لعمران يجيبك وتعالي لي على البحيرة نقعد هناك شوي في الهوا ونتكلم مع بعض، الموضوع ضروري حبيبتي.

كانت سكون مفعلة السماعة الخارجية، فسألت عمران بعينيها، فأومأ برأسه بموافقة، فأجابتها: ــ خلاص يا فيري، عشر دقايق وهكون هناك في المكان اللي بنقعد فيه على طول، استنينا. أغلقت الهاتف، فسألها عمران بتعجب نظراً لإلحاحها: ــ يا ترى في إيه اللي مخليها مستعجلة قوي أكده؟ استر يا رب. ابتسمت له سكون وطمأنته: ــ ما تقلقش يا عمران، أكيد ما فيش حاجة صعبة، طريقة كلامها هتقول إنه خير بإذن الله.

تعجل في سرعته كي لا يجعلاها تنتظر كثيراً، ثم وصلا إليها في دقائق بسيطة، وجدوها تجلس أمام البحر تنتظرهم. ذهبوا إليها وبعد السلام والاطمئنان، كل منهم على حال الآخر، تحمحمت فريدة قبل أن تبدأ حديثها: ــ أمممم... في حاجة زينة قوي عايزة أخبرك بيها يا صاحبتي يا حبيبتي، بس خلي صدرك واسع وياي علشان خاطر إني هحبك وهتمنى لك الخير من كل قلبي.

نظرت سكون إلى عمران نظرة اندهاش، وبالأخير أومأت برأسها بموافقة، فأكملت فريدة بوجه بشوش كي لا تصيبها بالذعر، لأن تلك المسألة أصبحت بالنسبة لسكون رعبها الأول والأخير:

ــ شوفي يا حبيبتي، في دكتور زميلنا جاي منتدب من بقاله شهر أكده في المستشفى، ولما شاف حالتك وسمع عنها لما كنت هتعملي العملية، فجالي بعد ما عملتيها، وكان عارف كل حاجة عن حالتك، وقال لي على دكتور كبير قوي في مصر، ووراني فيديوهات كتيرة قوي ليه، وبصراحة إني شفت الفيديوهات، حالات انتِ ما تجيش جنبها حاجة، وما شاء الله تبارك الله، حملت وكملت حملها وبقيت أم، وانتِ الحمد لله مشكلتك مش معضلة قوي زيهم، فقال لي إنه هيحجز لك هناك

بنفسه، هو والد صاحبه، وهيتابع معاكي الحالة. وبيقول كمان إن كل الحالات اللي عنده ما بتكملش خمس شهور، وبأمر الله بتحمل، لأنه دكتور شاطر جداً، وكل الأجهزة اللي بيستخدمها من بره، ومفيش حالة بتستعصى عليه، ودايماً يقول للحالة إن ربنا عنده الكتير والكتير، لدرجة إن في حالات حملت عنده وهي في سن الـ 45 بعد ما عملت عمليات ملهاش أول من آخر.

إني شايفة يا سكون إنك تروحي له، وربنا هيكرمك على يده بإذن الله، وممكن يكون ربنا بعت فارس في الوقت دي علشان خاطرك انتِ. هو في مشكلة واحدة بس، إن الكشف عنده غالي قوي والعمليات غالية، ودي طبعاً مش هتستعصى عليك يا عمران. تبسم وجه عمران بأمل، ثم نظر إلى سكون مردداً بانتصار: ــ مش قلت لك ربنا ما بينساش حد أبداً! مش قلت لك اصبري، الصبر جميل، واني عارف إن ربنا مش هيكسر بخاطرنا أبداً يا سكون. ثم نظر إلى فريدة مشجعاً إياها:

ــ انتِ لسه هتسألي؟ خليه يحجز طبعاً ونروح ونعمل كل اللازم، داي سكون يعني فداها كنوز الدنيا كلها، ولو هبيع عمري مش هستخسره فيها، كله اللي هي. كانت سكون في ذاك الوقت متمسكة بيده، فضغطت عليها بامتنان وهي تشعر بالفخر بكون ذاك الرجل زوجها، بل أعظم انتصاراتها، ودقات قلبها أعلنت الطبول مما قاله، ولكنها خائفة وما زالت، فهتفت بنبرة ضائعة فاقدة للأمل:

ــ بلاش يا عمران نروح، مش عايزة أدّي اللي حواليا أمل جديد، وفي الآخر لو ما حصلش نصيب يحسوا بالهزيمة، وساعتها الدنيا هتبقى وحشة قوي في عيني. لامها بنظراته بشدة، ثم نظر إلى فريدة وهو يشد يدها للقيام، مؤكداً عليها:

ــ خليه يحجز يا فريدة، واني هتابع معاكي أول بأول، وإن شاء الله نروح، واللي فيه الخير يقدمه ربنا، سواء كان بالجبر أو بالصبر، كل أقدار ربنا خير، وما حدش هيعرف بالموضوع ده خالص غير لما ربنا يكرمنا، لا أمي ولا أبويا ولا أي حد في الدنيا، ولا حتى أهلها. هنروح مننا لنفسنا نتابع كل حاجة. ومعلش يا سكون، ما تجيبيش سيرة لحد خالص، مش عشان خاطر يزعلوا أو ما يزعلوش، عايزين كل حاجة تتم في الدرج عشان ربنا يكرمنا، وعلشان نشيل همنا بنفسنا.

بعد أن أنهى كلامهما وشكرها، أخذها عمران، وطيلة طريقهما يلومها على كلامها وعلى إحساسها بالتشاؤم الذي أزعجه كثيراً، حتى وصل إلى المنزل، فسبقته إلى الداخل، وبدوره يصطف سيارته ويطمئن على خيله قبل أن يدخل.

دخلت سكون، وجدت زينب تنتظرها في بهو المنزل وحدها في ركن جانبي بعيداً عن الأعين، وكانت شمس قد خرجت إلى البحيرة في جانب المنزل أو تبعد عنه بمسافة بسيطة، فقد أرسلت زينب معها الخادمة التي تعمل بالمنزل كونيس. فنادت على سكون تستدعيها للجلوس معها، وبعد أن اطمأنت على حالها وعلى والدتها، دخلت في صلب الموضوع الذي ستتحدث فيه على الفور، مما جعل سكون قلبها يهوى بين قدميها من كلمات زينب:

ــ شوفي يا سكون يا بتي، عمران لما يدخل دلوك هتكلم وياه في الموضوع اللي اتفقنا عليه، كل ما عليكي إنك تقولي إنك موافقة، ودي الوعد اللي انتِ وعدتيه لي قبل سابق، لما اتكلمنا ويا بعض. أنا قلبي متشحتف على حفيد لولدي اللي خلاص داخل على الأربعين، ما تزعليش من كلامي، زي ما قلت لك قبل أكده، والله قلبي بيتقطع وأنا بقولها لك، بس من جوة كل حتة في قلبي وفي كل كياني رايدة لولدي العزوة وزينة الحياة الدنيا.

أظلمت عيناي سكون بغشاوة الدمع، فهي الآن بين قاب قوسين أو أدنى، ماذا تفعل تلك الأم المحقة في إحساسها؟ وماذا تفعل في ذاك المرض اللعين المحاوط رحمها؟ وجدت حالها تومئ رأسها للأمام بقلة حيلة، وهي لم تجد التفكير الآن، فقد حصرتها زينب في خانة أضيق الحدود، وتوقف عقلها الآن عن أي رد فعل، والأخرى تربت على ظهرها كي تستعطفها، ثم أتت اللحظة الحاسمة، ودلف عمران إليهما، وجد سكونه في حالة يرثى لها، فشعر بوجود خطب ما، فسألهم:

ــ مالكم مبلمين أكده ليه؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟ ابتسمت زينب، ثم أمسكته من يده وجعلته يجلس بجانبها، وهي تنفي وجود شيء كي تجعله يهدأ وتستقر نفسه، وبعد طمأنتها له بأنه لم يكن شيئاً ووجدت معالمه هدأت واستقرت، حتى قالت أمامهما بما صدم عمران: ــ شوف يا ولدي، الموضوع ده كلمتك فيه قبل أكده، إني عايزك تبقى هادي، واني هتكلم وياك فيه، وخليت مراتك تبقى موجودة بالتحديد علشان كل حاجة تكون قدام عينيها وبرضاها وبدون غصبانية.

وأكملت حينما برزت عروق رقبته مما استشفه من حديثها ورأت ذلك، فقالت كلماتها دفعة واحدة، جعلت ذاك الجالس يعلن عن ثورة عارمة لم تكن تتوقعها من ولدها الوحيد، كي لا يتسبب في أزمة لزوجته، بل كل حياته وروحه، عشقه الوحيد، عشق العمران: ــ إني اتكلمت ويا سكون في موضوع جوازك تاني، عشان رايدة الحفيد وعايزة لك عزوة وزينة الحياة الدنيا، وهي ما عندهاش مانع، فليه تكابر طالما مفيش مشكلة هتحصل بينك وبينها، وربنا يكرمك والدنيا هتمشي.

هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش الغضب. ثم تنهد بقوة، فأغلقت عيناها من هول زفيره، وهو يترك كلام والدته بأكمله، ويتمسك في جملة واحدة: ــ حقيقي اللي هتقوله أمي دي يا سكون؟ حقيقي إنك موافقة إن إني أتزوج عليك؟ صمتت سكون ولم تعرف بما تجيبه، فقد غرزت زينب السكين في صدرها أمامه، وقضي الأمر، وتقف الآن كالمتهم في قفص الجريمة، ولا تعرف بما تجيبه.

ليس لديها سوى الصمت هو الذي يتحدث عنها، سوى الدقات المرتفعة التي يعلن عنها صدرها صعوداً وهبوطاً، هما فقط من يراهم، فعلم أنها وافقت، فأمسكها من كتفيها يهزها بعنف، ولأول مرة ترى سكون غضب العمران بتلك الدرجة الشديدة، مما جعلها سقطت مغشياً عليها من هول الموقف، ولأول مرة يحدث ذلك، وهو لا يتعاطف معها ولم يهتز لغفوانها، فهو كان جيش حامي بسيوف العشق الشديد لها، وهي أول من سن سيفه وطعنه به في صدره، حتى ردد قبل أن يغشى عليها:

ــ وافقتي يا سكون؟ وافقتي إن حضن عمران يبقى لغيرك، وكلام الحب اللي هيقوله لك عمران يبقى لواحدة تانية! اتنازلتي عني بالسهولة دي؟ كد أكده حضني وحبي وعشقي ليكي ومحاوطتي ليكي في كل حاجة، طلع تمنهم رخيص؟ حفيد لأمي وابن ليا من واحدة غيرك؟ خسرتي رهان قلبي عليكي. صدمتيني فيكي. كنت ردي عليها وقولي لها لا لعمران.

كنتي تسيبيني إني في وش المدفع، وكنت هبقى الكفيل بكل حاجة، بس ما توافقيش بالسهولة دي. كنت حصنك المنيع قدام أي حد مهما كان غلاوته عندي، بس كنت هاجي في آخر الليل وأترمى في حضنك وأشبع من حبك وعشقك وحنانك اللي ما كنتش عايز من الدنيا غيرهم. حسسيني إني عندك أغلى من كل حاجة في الدنيا، وأغلى حتى من استعطاف اللي حواليكي ليكي، حتى لو كانت أمي، أنا مصدوم فيكي صدمة العمر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...