الفصل 27 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
18
كلمة
7,597
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

عاد جاسر إلى منزله محطماً وجلس على سريره بإهمال وهو يشعر بالإرهاق الشديد. قلبه اعتاد على الوجع، وتلك المرة أخف من ذي قبل. لم يلبث أن تعلق بها بشدة، ولكنه يشعر بالخذلان الشديد من قلبه. فقد كان قلبه ضريراً، مشى طريقاً لم يحسب خطواته.

ولكن مهلاً أيها الوجع، لقد فقدت احتمالي على الصبر. أصبحت أتمنى فقدان ذاكرتي كي أنسى اسمي، شكلي، وضعي، بل أنساني كلي. وكالعادة لجأ جاسر إلى ربه، فهو الواحد الأحد الأعلم بقلوب عباده، وهو فقط من يداوي الجروح ويضمد كسر القلوب. فهو يستعين بربه على خذلان قلبه، والله خير معين.

وقف بين يدي ربه يناجيه كثيراً وكثيراً حتى نام من شدة الإرهاق والتعب. وانقضى ذاك اليوم بوجعه، وأتى نهار جديد سطعت شمسه الذهبية وأعلنت عن نور الكون. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن بعد العتمة نور يضيء الكون بأكمله. انقضى نصف النهار وأشغل حاله في بعض القضايا التي بيديه، ثم ارتدى ملابسه وذهب إلى مكتبه وهو لا يعلم ماذا يفعل به قلبه عندما يراها. وصل إلى المكتب بأقدام مترددة، ولكنه لم يعتد الهروب.

رآها منكبة على الأوراق التي أمامها بوجهها البريء الملائكي. ألقى السلام ببشاشة كعادته: "السلام عليكم ورحمة الله، إيه أخبار الحسابات على حسك يا منون؟ ابتسمت فور سماع صوته ثم رفعت وجهها إليه مرددة سلامه: "وعليكم السلام ورحمة الله، تمام يا متر بظبط لك الدنيا أهو، وكمان ظبط لك ملف المرتبات وعملته بنظام حلو." كل شيء يدل فيها على برائتها ورقيها. ثم وجد حاله يسألها: "ليه مجبتيش سيرة قبل كده بخطوبتك؟

هو إحنا مش أصحاب قبل ما تبقي شغالة معايا؟ أومأت برأسها بموافقة ثم أجابته: "طبعاً أصحاب، ويعلم ربنا إني بعتبرك كيف أخوي مدحت بالظبط، لأنك راقي وبتتعامل وياي كأني عادية مش مختلفة." وأكملت وهي تقدم اعتذارها له: "أني غلطانة معلش، بس والله معاذ كان مسافر ولسه راجع من أربع أيام، وجه كلم بابا طوالي وكله حصل ورا بعضه." تنهد بحسرة انتابت قلبه على تلك المنة التي حلم يوماً أن تكون زوجة له. ثم سألها كي يطمئن عليها:

"بس كنتِ اتأنِ في اختيارك وخدي وقتك في التفكير، لأن جواز القرايب بيجيب مشاكل." وأكمل وهو يبرر كلامه: "أني مش بقلقك ولا بخوفك، بس بقول لك نصيحتي من خلال واقع المحاكم اللي عايشين فيه دي." حركت رأسها بنفي ثم فهمته ظروف زواجها من معاذ:

"له أصل معاذ مش بس يبقى ابن عمي، له ده بن خالتي كمان. وأصلاً خالتي هي اللي ربتني ومن زمان وهي روحها متعلقة بيا، وأني كمان بحبها كيف ماما بالظبط. فمن واحنا صغيرين تقول معاذ لمنة ومنة لمعاذ، وهو بصراحة بيحبني قوي وكمان مراعي ظروفي." وأكملت وهي تحكي بضعاً من تفاصيل علاقتها بمعاذ المحببة إلى قلبها:

"تصور قبل ما يسافر كان ييجي يوديني كليتي بنفسه ويهتم بكل تفاصيلي. كان بيوكلني بإيديه وبيخاف علي من الهوا الطاير. بس لما يسافر قلت إنه أكيد هيشوف ناس جديدة ونظرته ممكن تتغير. ومع إنه كان بيكلمني علطول وبيطمن علي، إلا إني مكنتش متأكدة من مشاعره ناحيتي. ولحد ما رجع أول حاجة عملها طلبني للجواز من بابا وماما. وقتها مش عايزة أقولك حسيت قد إيه غالية عندي، وإن مهما شاف ولف ودار مش هيلاقي حد يحبه قدي. ده كل الحكاية."

كان ينصت لها باهتمام شديد. وبعد حكاها تلك لم يستطع قلبه الجميل إلا تمني السعادة لها. ثم حمل حقيبته من على مكتبها هاتفا بتشجيع: "إذا كان كده فربنا يوفقك ويبارك لك فيه يارب. بس ياترى بقى هتكملي شغل في المكتب هنا ولا بعد ما تتجوزي هتفارقي وتسيبنا؟ أجابته بتأكيد:

"له مهسيبش المكتب هنا، أني اعتبرت نفسي صاحبة مكان وحبيت الشغل معاك ومع كل أصحابي. واتفقت مع معاذ إني هكمل هنا واني حابة المكان لأنه هادي ولأني حفظته وهو ممانعش خالص. بصراحة هو حد جميل قوي بيفهم علي ومش بيحتكر قراراتي. ده هو كمان اللي موصلني الشغل هنا وهو هو اللي هييجي ياخدني."

الآن تيقن جاسر أنه أمام عشق الطفولة من ابنة عم لابن عمها. فتحت جدار الوجع بقلبه ودقت فيه بشدة. تذكر حب طفولته هو الآخر. كل ما قالته منة عن معاذ كان يفعله هو الآخر مع رحمة. ومن المحير له أن منة شعرت بمحبة بنت عمها بظروفها تلك. وبات داخله يسأل: لمَ لم تكتشف رحمة محبته وعشقه لها كمنة الله؟ ولكن وقف مع حاله وأعاد التفكير قائلاً لحاله:

"ولكن مهلاً أيها الجاسر، فرحمة لم يمهد لها كمنة. فلا تبتئس بقلبك واترك قلبك ونصيبك بيد الله، فهو مقلب القلوب وسيهرم بعطاياه." فاق من شروده على صوت منة تسأله: "إيه يا متر؟ رحت فين؟ تنفس بعمق داخله ثم تحدث: "موجود أهه، تمام والمكتب طبعاً ميقدرش يستغنى عن موظفة نشيطة وشاطرة زيك. أسيبك بقى وهدخل أراجع القضية اللي معايا عندي جلسة النهاردة."

تركها ودلف إلى مكتبه وجلس على الكرسي وهو ينظر إلى أركان مكتبه. ومن الآن فصاعداً لن يفكر في أي ارتباط، ووقته كله سيوهبه لمهنته حتى يصبح علماً في القانون يُحتذى به. ******””””****”””*** في المالديف تجلس مكة أمام تلك البحيرة وسط المساحة الخضراء الواسعة. فكم يعطيها ذاك المكان قسطاً كبيراً من الراحة والسلام النفسي. كانت ممسكة بهاتفها تتصفحه، ثم قررت تصوير المكان بفيديو قصير. ثم قامت بنشره على الانستجرام

والفيسبوك مدونة فوقه: "بيت الأحلام محاط بجمال الطبيعة وروعة الاخضرار بعيداً عن ضجيج العالم." رأى آدم ذاك المنشور عندما وصله إشعار بما نشرته، ثم قام فوراً بالتعليق عليه. فهو يشعرها دائماً بالاهتمام بها مرسلاً تعليقه: "ويسكن ذاك البيت أميرة متوجة على عرش العالم بأكمله، سكنت قلب أميرها." وصلها تعليقه فور نشرها لذاك البوست ثم تفاعلت معه. ألقت الهاتف من يدها وقررت الاستمتاع بجمال الطبيعة. وما إن جلست

مع حالها بدأ عقلها يفكر: من أين ستبدأ مع آدم؟ وهل ستستمر من زواجها به؟ وكيف ستكون حياتها معه؟ فهي لن ترضى أن تأكل وتشرب من ماله، وهو في نظرها مال حرام. لن تشعر بالارتياح في معيشتها معه، وهو مازال يغني بتلك الطريقة التي يرفضها عقلها بتاتاً.

كانت تستند على الأريكة وقررت أن تفرد جسدها عليها، علها ترتاح من الوساوس التي اقتحمت جميع مخيلتها في فترة النقاء التي قررت أن تجلسها مع حالها. نظرت حولها لم تجده موجوداً في المكان، ومن الواضح أنه مسترخٍ في غرفته. فقامت بخلع حجابها وفردت شعرها خلف ظهرها، وكما أنها قررت خلع ذاك الجلباب الذي ترتديه دائماً.

كانت ترتدي أسفله قميصاً من اللون الأسود بنصف أكمام شفافة وصدر مفتوح بعض الشيء ويصل لما بعد ركبتيها، مما أظهر جمالها البارع مع جسدها الأبيض في جو مشمس يشعرها بالدفء. وكما أن فصل الشتاء قارب على الانتهاء، فلم تشعر بالبرد. وأغمضت عينيها كي تستمتع بهدوء اللحظة بعيداً عن ضوضاء العالم. فاللحظات الهادئة التي تريح النفس تمر سريعاً.

أما هو، قرر النزول إليها ومشاركتها جلستها. فقد أنهى مكالمته مع راشد عن العمل. نزل وعيناه مشطت المكان باحثة عنها، فالمكان واسع. فوجدها في ركن جانبي أمام البحيرة الواسعة. ساقته قدماه إليها، ثم رآها بهيئتها الآخاذة تلك، فوقع قلبه صريعاً بين يديه من شدة خفقانه انبهاراً بكتلة الأنوثة المتفجرة المسترخية أمامه الآن.

وقف أمامه وقام بتوجيه هاتفه عليها والتقط لها صورة بوضعها تلك، فقد أبهرته تلك الصغيرة بهيئتها. استمعت تلك مكة إلى صوت فلاش الكاميرا فانتفضت من مكانها مرتعبة خوفاً من أن يكون غريباً اقتحم عزلتها. ولكنها وجدت زوجها. رأى هلعها فذهب إليها وجذبها إلى أحضانه مردداً بحنو وهو يقبلها من رأسها: "اهدئي يا حبيبي، متقلقيش ومتخافيش، محدش غريب يقدر يجي هنا."

حاولت أن تبعده عنها ولكنه كان متمسكاً بها. فلأول مرة يحتضنها وهي بهيئتها المهلكة لأنفاسه بتلك الدرجة. فكل جلستها معه بحجابها وجلبابها، أما تلك اللحظة رأى أنثاه الحقيقية متجسدة أمام عينيه وبين أحضانه، ولن يتركها قبل أن يشبع رغبته بها حتى ولو كان ظاهرياً. احتضنها من خصرها بقوة بإحدى يديه، وبالأخرى رفع وجهها إليه كي يجبرها تنظر داخل عينيه، ثم همس لها: "مالك مرعوبة كده ليه؟ إحنا هنا لوحدنا وتقدري تلبسي اللي على كيفك."

ثم غمز لها بإحدى عينيه وهو ينظر إلى جسدها بوقاحة زوج عاشق: "يعني ممكن تلبسي بوركيني وتنزلي البحر، وممكن تلبسي هوت شورت وانتي قاعدة في المكان الساحر ده، ولا إيه." تاهت في عينيه وهمسه ولمسه الرقيق وصوته الرجولي المصطحب بالحنو، ثم قالت وهي تنظر أرضاً: "إنت كنت بتصورني ليه؟ من فضلك امسح الصورة علشان حد ميمسكش الموبايل بتاعك ويفتح الصور ويشوفني بالشكل ده." رفع وجهها إليه مرة أخرى ثم طمأنها:

"أولاً مفيش حد بيمسك موبايلي خالص غيري. ثانياً كل البرامج عندي مقفولة بباسورد محدش يعرف يفتحه غيري." وأكمل وهو يلصقها بأحضانه أكثر: "هو معقول أخلي حد يشوف روبانزل بتاعتي! قولي لي بقى قاعدة لوحدك ليه؟ لم تستطع التحكم في حالها وهي في قربه المهلك، ثم تمتمت بخفوت راجية إياه أن يتركها: "طب ممكن تسيبني ونقعد نتكلم براحتنا؟ حرك رأسه رافضاً بقطع: "لا يمكن أبداً أسيبك بعد ما لقيتك. اتكلمي واحنا زي ما إحنا كده." وأكمل مشاغباً

إياها: "قولي بقى إنك ضعفتي وحنيتي ومش قادرة تتنفسي في قربي." حاولت الإفلات من يده ولكنها لم تفلح، ثم سألته: "طب انت عايز إيه دلوقتي يا آدم؟ "عايز أفضل كده حتى لو هفضل باصص جوه عيونك من غير كلام." "حرام عليك، انت بتتعبني وبتتعب أعصابي كده." "فيها إيه يعني، مانتِ تعبانة أعصابي وقلبي وعيوني، وكل حاجة فيا بتقول آه منك يابنت قلبي." "ليه يعني هو أنا عملت إيه؟

"تؤ تؤ، قولي معملتيش إيه. سهر وسهرتيني، دوخة ودوختيني وراكي، تعب أيام وليالي ومرمطتي اللي خلفوني. مش عايزاني بقى أتعبك شوية." "برضه مردتش علي، إنت عايز إيه دلوقتي؟ "عايزك." أغمضت عيناها من طريقته وتلميحاته، وبات جسدها يدق بعنف داخلها وأعصابها تفككت من نبرته ونظراته لها. أما هو حينما أغمضت عيناها لم يستطع التحكم في حاله واقترب منها يقبلها برغبة. فهو رجل وهي امرأته بين يديه، فهو عاشق وبين يديه أنثى راغباً بها بشدة.

وهي مشاعرها عذرية لم تفقه في قوانين القرب شيئاً. فجعلته يتمنى المزيد. صار في دوامة قربه منها وهي لم تستطع الإفلات منه، تريد الابتعاد وجسدها خانها. تريد أن تدفعه وتجري من أمامه وتختبئ بين جدران غرفتها كي تهدأ مشاعرها الثائرة، ولكنها غير قادرة على الحراك. أخذتها الأماني والحلم معه إلى بعيد. فهي لم يرضيها عذابهما. فهما قد وصلا قمة الحب حباً، وبالرغم من ذلك حكم البعاد مسيطر على حالها.

لم يفصل قبلته عنها حينما لم يجد اعتراضها، ولكن فصل قبلته عندما رأى دموع عينيها الساخنة هابطة على وجهها. فأغمض عينيه هو الآخر ودفن يديه خلف رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مردداً بعتاب: "ليه كده ياحبيبتي؟ ليه العذاب ده؟ انتِ بتحبيني وكل حتة فيكي عايزاني ومش قادرة تبعدي، يبقى ليه كده." كانت الأخرى مغمضة العينين وكأن عيناهما هي سر ضعفهما، فهربا كلتاهما من نظرات تضعفهما. ثم تحدثت أخيراً عما يجول في صدرها من أرق:

"لأني مش مرتاحة، حاسة إن الأكل اللي باكله من فلوس حرام، والكان اللي قاعدين فيه من مال حرام، والعيشة دي كلها من الحرام." حقاً أدمته تلك الحقيقة التي نطقتها الآن. ولكن ماذا يفعل؟ هو عمله ولقد رزقه الله بتلك الموهبة ومن ورائها اكتنز ذاك المال، فهو لم يسرق أو يقتل أو يتاجر في الأشياء الممنوعة. ثم أخذ نفساً عميقاً وزفره بعمق، حتى هي شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجهها. فاستشفت إزعاجه، ثم تحدث بنبرة موجعة: "طب أعمل إيه دلوقتي؟

ده شغلي ومعرفش أعمل غيره. يامكة افهميني، دي موهبة ربنا رزقني بيها، ليه أدفنها وأضيع نفسي في حاجات هتوه فيها؟ قررت أن تفتح عينيها الآن وتسحبه معها لعالمها الجميل، عالم طاعة الله ورضاه، عالم لم تكفيه كنوز العالم. ثم بدأت لأول مرة غنواها له بصوت ساحر جعله انصدم له ولم يصدق حدسه مما استمع إليه الآن. وهي تجذبه من يديه وتجلسه على الأريكة وبدأت بالتمايل أمامه كفتيات الفيديو كليب، بل ويزيد.

كانت حركتها التي تفعلها مع طريقة غنواها الساحرة جعلته ثائراً وجسده يأمره الآن أن يرفعها أرضاً ويهرول بها إلى غرفتهم ويقضي معها أوقات من السعادة التي تجعله يهدأ عندما يفرغ طاقة غرامه المشحونة بها. فقد كانت تغني له بطريقة مثيرة: أنا أنا بعشقك أنا أنا كلي لك أناده أنا بعشقك أنا أنا كلي لك أنا أنا، أنا، أنا، أنا، أنا، أنا يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه الأمر لك طول الحياة، طول الحياة يا من ملك روحي بهواه، روحي بهواه

الأمر لك طول الحياة، طول الحياة الماضي لك وبكرة لك وبعده لك كده الماضي لك وبكرة لك وبعده لك أنا في سهادي وفي منامي بندهك وبسألك بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك بتحبني ولا إنكتب على القلب نارك، نارك قول يا حبيبي، حبيبي قول قول يا ملاك أنا، أنا، أنا بعشقك أنا، أنا، أنا بعشقك أنا بعشق الكلمة اللي بتقولها وبعشق ضحكتك أنا، أنا، أنا بعشقك

أنا بعشق الليل اللي في عيونك وبعشق رقتك أنا، أنا، أنا بعشقك أنا بعشق الأرض اللي عديت يوم عليها خطوتك أنا، أنا، أنا بعشقك ثم أنهت غنواها وجلست أمامه قائلة بشيء صدمه منها: "إيه رأيك؟ مش أني عندي موهبة برضه ومدفونة؟ إيه رأيك لو عملت فيديو كليب بذمتك مش هينجح؟ إنت فنان وعارف العرب والمقامات، هل أنا غلطت في طريقة إلقائي؟ كان مازال منبهراً مصدوماً مما استمع للتو. لقد كانت رائعة، جذابة، مثيرة.

"كفاكي يا امرأة، ماذا تقصدين الآن بما فعلتيه الآن؟ ثم سألها بصدمة: "مكة، إنتِ بتعرفي تغني؟! سألته هي الأخرى: "جاوب الأول، هل غنيت صح؟ هل غلطت في طريقة إلقائي؟ هل صوتي ينافس الفنانات الموجودين على الساحة دلوقتي؟ أجابها وهو مازال غير مصدق ما استمعته أذناه الآن: "ده إنتِ مش بتعرفي بس، ده إنتِ عظمة على عظمة يابنتي، ده إنتِ خطيرة جداً." ثم ضرب كفاً بكف وهو مازال على صدمته: "إنتِ بتعرفي تغني من امتى؟

تعمقت مع بالحديث بأريحية، فهي انتوت توبته ولن تكل ولن تمل، ولم تفعل ذلك بالغصب والكلام الجارح. فهي متدينة وتعرف ربها، فـ "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". "إني طلعت على الدنيا لقيتني بغني زيي زي الأطفال، ومع الوقت لقيتهم بينبهروا بصوتي وبيقولوا لي إن صوتي حلو. لكن لما كبرت شوية وعرفت الصح من الغلط والحرام من الحلال، بطلت أغني خالص وبقيت بستغل صوتي في قراءة القرآن لحد ماكله نسي إني بعرف أغني وإن صوتي حلو."

ثم أكملت وهي تفرغ قنبلتها أمامه، وهي متأكدة أنه سيثور عليها، فهو عاشق ويغار، ومن يغار لا يتحمل ما ستقوله. ولكنها تحاول معه بالعقل: "طب تمام، إيه رأيك بقى أخلع النقاب وأخرج بالحتة السواريه وأروق على شكلي كده وأعلن عن مولد فنانة جديدة تهز أركان الوطن العربي بصوتها اللامع. وأعمل لي كام فيديو كليب كده مع حبة شباب طول بعرض مرميين على القهاوي وألعب بالملايين لعب. أمال إيه عاد، ماني عندي موهبة حرام أدفنها بالحيا."

انتفضت عيناه بحدة، ثم قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجباً: "نعم ياماما، سمعيني كده، إنتِ قلتي إيه تاني! مطت شفتيها بدلال اصطنعته جيداً كي تبرع في تنفيذ ما انتوت عليه: "اللي إنت سمعته. فيها إيه يعني دي أنا موهبة ومينفعش تفضل مكمورة كده في الضلام، وكمان حرام الملايين دي تضيع علي." انتصب واقفاً بغضب، ثم قام من مكانه وجذبها من كتفها وهدر بها بحدة، وكأنه صدق أنها ستفعل ذلك، فتلك المكة كل يوم يكتشف

بشخصيتها أشياء جديدة: "موهبة مين يا أستاذة! طب جربي تخلعي حجابك كده ولا نقابك ولا اعملي اللي إنتِ بتقوليه ده." انتصبت واقفة هي الأخرى وبنفس نظرات التحدي، أردفت بتصميم كي تقنعه: "بس كده حرام تحلل لنفسك حاجة وتحرمها علي. إحنا بني آدمين مخلوقين زي بعض بالظبط، وده تفرقة عنصرية." "لا ياماما، أنا راجل وإنتِ ست." "مفرقتش يا فنان، إني صوتي حلو وانت كمان، ومنفرقش عن بعض، يبقى ليه تحجر علي."

بمجرد أن استمع إلى هرائها ذاك، اندفع فيها ليشّن حروب أفعالها فوق رأسها بعنفوان. كادت أن تكمل كلامها، ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف. فتتقدم خطواته بقدر تراجعها ويغرس خنجر سؤاله في صدرها: "إنتِ عايزة إيه بالظبط؟ عايزة بدماغك دي توصلي لإيه معايا؟

أنا تعبت منك، تعبت من جريي وراكي، تعبت من المحايلة والدلع، وخلاص الصبر خلص من صبري. وإن مشلتيش الحوار من دماغك يبقى هعاملك معاملة ما أتمناها تشوفها مني." تشعب الغضب برأسها، ثم رددت بعناد وهي تحمل جلبابها كي ترتديه وهدرت به: "تمام، لحد ما تفكر في كلامي، ولا هاكل من الأكل اللي هتجيبه، ولا هشاركك أي ترفيه ولا أي قعدة، ولا هقبل منك أي مصاريف تخصني. وأكلي هجيبه لنفسي من الكريدت بتاعتي، ولو هاكل عيش وجبنة."

أمسك الجلباب من يدها ورماه بحدة في البحيرة، ثم جذبها من يدها ودلف بها إلى الداخل، فقد استفزته بكلامها وفجرت بركان الغضب داخله. وكما قال الحكمة "اتقِ شر الحليم إذا غضب"، وقد كان وصل غضبه عنان السماء. ثم دلف بها إلى غرفته ورماها على التخت. حاولت القيام والخروج من الغرفة، فهي لأول مرة تجرب غضبه، ولكنه أمسكها من يدها بقبضته القوية، فهو ذو لياقة بدنية عالية مدرب عليها بمهارة. لم تستطع الإفلات من يده وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله، ثم رماها على التخت هادراً

بها بأنفاس لاهثة: "طب طالما بتتكلمي عن الحرام والحلال، يبقى أنا هاخد حقي فيكي حالا وبحلال ربنا برضه." لاحظت أنه الآن خرج عن سيطرة وعيه وبدأ يقترب منها، فوضعت يدها على صدره مانعة إياه بصوت ضعيف باكٍ كي تجعله يتأثر ويبتعد، ولكن هيهات. لم يبتعد، فهي قد جرحته بشدة وأشعرته بأنه قليل ورمت بكرامته في أرذل القمامة. فاقترب منها مردداً قبل أن ينهال على شفتيها: "خلاص، وقت البكا راح."

ثم اقترب منها وبدأ ممارسة حقه الشرعي فيها، ولم يأبه لتوسلاتها في غصبها على تلك العلاقة التي لم تستعد لها نفسياً. ولكن كان حنوناً معها ولم يستخدم معها العنف في علاقتهم. كان في قربها مغيباً عن أي ظروف محيطة بهم، ومما ساعده على ذلك أنها استسلمت وأغمضت عيناها كي لا تضعها في عينيه. وحينئذ لم تستطع بعدها النظر فيها مرة أخرى.

ولكن لم يفق آدم وأكمل ما بدأه معها بحنان رجل عاشق لم يعد يقوى على عنادها وبعادها أكثر من ذلك. أما هي الآن امرأة أرغمت على الاقتراب. هو عاملها بحنان ولم يقس عليها، ولكن دون إرادتها ورغماً عنها. وحقاً كانت بين يديه حورية من الحور العين، قربها ممتع لأبعد الحدود. يريد المزيد والمزيد معها. كل خلية به تأمرها أن يتعمق أكثر وأكثر داخل أسرار جمالها، وهو رجل يعرف كيف يعامل أنثاه بين يديه. غاص ذاك آدم في أعماق هواها وهو يتنفس أنفاسها باشتهاء دون تردد أو ملل أو شعور بالإرهاق والتعب. ظل هكذا حتى سمع أصوات صراخها بين يديه تدل على براءة عذريتها. والآن أصبحت مكة زوجته قولاً وفعلاً.

رق قلبها لصراخها، فلم يتركها حينئذ عندما رأى دمع عينيها يهبط بغزارة على وجنتها. ولم يستطع الابتعاد عنها وجذبها إلى أحضانه يحنو عليها. ثم تحول بكائها الصامت إلى شهقات شديدة أشعرته الآن بندمه على تهوره في لحظة اقترابه الأول منها. لم يرتب يوماً أن تكون لحظة تعانقهم الأولى تأتي بذاك الشكل! كان معداً لها في خياله أنها ستكون لحظات متيمة عاشقة من كلتيهما ولم تكن غصباً. ردد داخله وهو مازال متشبثاً بأحضانها يخشى البعاد:

"آسف حبيبتي، لقد اقتحمت عالمك رغماً عنكِ، ولكن تأكدي أنني عاشق لكِ. عيناي وقلبي وكلي يرجوكي الصفح والغفران لمتيم أرهقه هواكِ." ظل على عناقه لها وظلت هي على بكائها حتى انقطع بكاؤها ولم يسمعه، فاندهش لصمتها وشعر بالقلق. أخرجها من أحضانه فارتمت من يديه وغابت عن الوعي، وكأن عقلها وجسدها هو الآخر رفض الاقتراب والتعمق في عينيه، مما جعله شعر بالهلع عليها. ثم حاول إفاقتها وهو يربت على وجنتيها بحنو:

"لااا يامكة، آسف ياحبيبتي، حقك عليا، والله العظيم ماهقرب منك تاني، فوقي يامكة." لم تجد محاولاته نفعاً، ثم قام من مكانه وجلب البرفيوم الخاص به ووضعه في كف يده، ثم بدأ بتمرير يديه على أنفها. فحركت رأسها ثم بدأت تفيق رويداً رويداً. وما إن أصبحت بكامل عقلها حتى نظرت لهيئتها العارية، فعادت إلى بكائها مرة أخرى وهي تلطخه بقبضتي يداها الصغيرتين على صدره ولسانها يهذي بعتاب من بين شهقاتها: "ليه تعمل فيا كده؟ حرام عليك!

ليه تخلي أجمل لحظة في حياة كل بنت مع جوزها اللي حبيته تبقى غصبانية." وأكملت بكائها وهي تضع وجهها بين يديها: "مش مسامحاك يا آدم، مش مسامحاك."

نفخ هو الآخر بضيق من تهوره وما وصلا إليه كلتاهما. ولكن تدخل الشيطان بينهما وجعله فعل ما فعل بها. ولكنه لم يتركها وحدها الآن، سيداوي وجعها منه به. جذبها إلى أحضانه عنوة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية وجسدها بدأ يهتز بسبب رفضه الاقتراب منها. ولكنّه ظل متشبثاً بها مانعاً إياها من الخروج من أحضانه حتى تشبثت به هي الأخرى ودفنت رأسها في رقبته وهي مازالت تبكي.

لحظات من الضعف من الانهيار من القوة من التمسك في آن واحد شعرت بهم تلك مكة. وظلوا هكذا في أحضان بعضهم، هي تبكي وهو يعتذر، وكله تصميم على أن لا يتركها تحترق وحدها حتى هدأت عندما أفرغت شحنة غضبها منه بالبكاء. ثم احتضن وجنتيها بين يديه وردد بأسف للمرة التي لم يعرف عددها: "حقك على قلبي ياقلبي، والله العظيم ماهتتكرر تاني غير برضاكي، وعمري ماهغصبك على حاجة تاني."

ثم قام من مكانه وجذب قميصها الملقى أرضاً وألبسها إياه كي يستر جسدها العاري. ثم تحدثت أخيراً بصوت خرج من حلقها إجباراً: "ممكن تسيبني لحالي دلوقتي لو سمحت." ثم قامت بتسوية شعرها المبعثر من أثر هجومه عليها وعقدته برابطة الشعر الخاصة بها. وكررت كلامها مرة أخرى وهي تداري عيناها عن عينيه وتنظر جانباً: "لو سمحت عايزة أبقى لوحدي." حرك رأسه برفض قاطع:

"يامكة مش هقدر أسيبك لوحدك، غصب عني، ارجوكي خليني جنبك، خليني أفضل جنبك عشان قلبي يفضل مطمئن عليكي."

رأت التصميم في عينيه، فشعرت أن جسدها يرتعش برداً. ورآها في حالتها فدثرها جيداً بالغطاء. ولم تلبث بضع دقائق حتى ذهبت في سبات عميق، فقد أرهق جسدها من عاصفة اقترابه. وتلك المرة الأولى في اقترابه منها، وكما أن البكاء جعلها تشعر بالدوار. وجدها نامت فاستراح بجسده جانبها، ثم جذبها إلى أحضانه وهو ينظر لها بخوف خشية فقدانها. ثم ذهب في نومه هو الآخر وهو مازال متشبثاً بأحضانها. فما أجمل الفرار من الحبيب إلى الحبيب.

****************** في منزل سلطان تجلس زينب ومعها خبيرة التجميل التي أحضرتها رحمة لها منذ أكثر من ست ساعات. فقد قامت بصبغ شعرها إلى اللون الأحمر الكستنائي، فذاك اللون يليق على لون بشرتها. ثم جعلت الخبيرة تجري لها جلسة بروتين حتى تصبح كَنجمات الشاشة. وحقاً، فذاك اللوك أصغرها أعواماً وأعواماً. ثم قامت بتنظيف بشرتها بجميع مراحلها حتى نضر وجهها والتمع وظهر لون عينيها مع بريق وجهها، مما أعطاها مظهراً جذاباً للغاية.

وبعد أن انتهت الخبيرة تحدثت بانبهار: "ما شاء الله ياحاجة، كأنك صغرتي عشرين سنة. ده إنتِ اللي يشوفك ميصدقش إنك مامت رحمة خالص." كانت زينب تنظر لحالها في المرآة وهي غير مصدقة أن ذاك شكلها. ثم تحدثت بانبهار وهي تشكر تلك الخبيرة بامتنان: "تسلم يدك ياشرين، دي أنا معرفتنيش. هو كده أكده الستات مهملة في نفسها لدرجة إن نص يوم يظبطوا فيه حالهم يلمعوا أكده! دي إنتِ رجعتيني عشرين سنة لورا ياللي يدك تتلف في حرير."

ابتسمت لها الخبيرة، ثم أعطتها زينب مبلغاً من المال يزيد عن طلبها لما فعلته معها الآن. ثم قالت رحمة لها: "يالعيني عليك يابوي، ده إنت جايك أيام مهببة من كيد زينب واللي هتشوفه على ايديها. وأنا أقول انتِ يابنت طالعة قوية وحربوقة لمين؟ اتاريييي." على حين غرة ألقت زينب نعلها في وجه تلك الرحمة وهي تهدر بها: "قـ.ـطع لسانك من لغلوغه يا أم لسانين ياقليلة الرباية. بقى أنا حربوقة يابنت الجزمة إنتِ."

ماتت الخبيرة ضحكاً على تلك الزينب وابنتها وهي تحاول الفكاك بينهم. فزينب تلاحقها بالغرفة ومصممة على ضربها، حتى استطاعت الفصل بينهم. ورحمة تردد لها بكيد: "بقى كده يا زينب، آخرة المعروف الضرب بالكفوف؟ ولا انتِ عشان بقيتي شبه الممثلات دلوقتي هتكبري على بتك ياقمرة انتِ ياوحشة." فحقاً، كان خناقهم مضحكاً للغاية. ثم قالت زينب لها بتهديد: "وأديكي بالجزمة كماني لو ماكسرتيش لسانك ده يابنت سلطان."

"دلوقتي بقيت بت سلطان يا زينب، ما صحيح خير إن تعمل ضرب وتهزيق وشتيمة تلقى ماشي. ابقي قابليني لو خليتك تلعلطي كده تاني ومعرفتِيش تغيظي أبو السلاطين ياناكرة الجميل." مازالت شرين تضحك عليهم وهي تقف مانعة زينب من الانقضاض عليها، ثم حذرتها شرين: "والله يارحمة إن مانكتمتي لأهسيبها عليكي، واني بصراحة هموت وأسيبها عليكي." شعرت رحمة بأن زينب فقدت أعصابها من كيدها لها، ثم اعتذرت لها وهي تضحك على حالهم:

"الله يازوبة، متكونيش أفوشة كده، بهزر معاكي يا وحش الكون انتِ." سعدت زينب من ذاك الوصف، ثم سألتها: "بجد يابنت رحمة، بقيت زي وحش الكون أكده؟ "أمال إيه عاد، دي إنتِ تفلقيها بجمالك اللي يدوب أج دعها شنبات، وخصوصي شنبات أبو السلاطين." ظلوا يبتسمون مع بعضهم بعضاً من الوقت. ثم قالت رحمة لوالدتها:

"خلاص يازوبة، ادخلي انتِ خدي لك شاور زين كده والبسي من الهدوم الجديدة اللي جبتها لك، واخرجي اقعدي بره كده وسيبي شعرك وحطي رجل على رجل وكيدي الأعادي."

بعد مرور ساعة، كانت زينب تجلس في بهو منزلها بذاك الجلباب الأبيض المزخرف بالنقوش السوداء وبه خطوط طويلة أظهرت تناسق جسدها الممتلئ قليلاً. ويزين أكمامه دانتيل باللون الأسود وتصل إلى نصف ذراعها، وكذلك صدره مزين بذاك الدانتيل ومفتوح بعض الشيء يبرز عضلات صدرها الأبيض اللامع. وتفرد شعرها على ظهرها من الخلف، ورائحتها الجميلة الساحرة عبأت المكان بأكمله.

كان سلطان في ذاك الوقت يهبط الأدراج وهو يدندن، فقد كان يقضي وقته مع تلك الوجد. ثم نظر إلى الأسفل ووجد امرأة غريبة تجلس بتلك الأريحية والانكشاف في بيته. نزل سريعاً كي يرى من تلك الجريئة التي تجلس بذاك الشكل. أما هي، سمعته وهو يدندن أعلى الأدراج فاغتاظت بشدة وتوعدت أن تسقيه الويلات. وصل إليها حتى وصل أمامها، ثم تحدث مندهشاً: "زينب! إيه اللي انتِ عملتيه في حالك دي؟ وضعت قدماً فوق أخرى وأجابته وهي تتصفح ذاك الهاتف

بين يديها ولم تنظر إليه: "عملت إيه يعني؟ أجابها باستنكار: "قولي معملتيش إيه! حطالي أحمر وأخضر وقاعدة لابسة قميص النوم ده ومش مختشية، لا ولدك يدخل عليكي دلوقتي. قومي يا ولية اتحشمي ولمي شعرك دي وامسحي وشك." انتصبت واقفة أمامه واقتربت منه وهي تردد برفض قاطع:

"والله عمران ابني لو شافني عريانة حتى مليكش صالح انت. واعمل حسابك إن دي شكلي ودي لبسي في بيتي بعد كده، مش عاجبك طلقني ياسلطان وهمل البيت ليا ولولادي وخد الحرباية اللي إنت اتجوزتها علي وسيبوني براحتي في بيتي ألبس كيف ما يعجبني وأعمل اللي على كيفي." "كسـ.ـر دماغك على دماغ اللي يتشدد لك يابنت نفيسة الدلالة." ثم جذبها من رسغها وأدخلها غرفتها عنوة عنها، وهي لم تستطع الإفلات من يده فكان متمسكاً بها بإحكام.

رأتهم من الأعلى تلك الوجد فغلت الدماء في عروقها حينما وجدت أنه أغلق الباب خلفهم. فدَلفت إلى غرفتها وهي تتمشى فيها بحقد يأكلها وهي تحدث نفسها: "ده إنتِ حتى يازينب ياشايبة منتيش سهلة، ولا الولية بتاعة الأعمال دي كمان، ولا عملت حاجة من وقت مارحت لها." ثم ضربت بقبضة يدها في الحائط وهي تكمل بغيظ: "هو في إيه بالظبط؟ أنا معدتش مستريحة."

ثم ارتدت الخمار التي تجلس به في شرفتها وأخذت هاتفها وخرجت إلى الشرفة واتصلت بتلك الدجالة التي ما إن رأت رقمها حتى هدرت بها: "إيه ياحضرة الشيخة هانم؟ مشفتلكيش كرامات ظهرت ولا حاجة، وبقالي أكتر من أسبوعين مستنية، هو إيه أصله ده؟ كانت تلك الخضرة قد نسيت أمرها والآن ذكرتها بما حدث لها بسبب جلبها لذاك القطر الملعون من وجهة نظرها وكما أسمته. ثم هدرت بها هي الأخرى:

"صوتك ميعلاش على الشيخة خضرة يابنت إنتِ. وبعدين عايزة حاجة تاجي لي حدّي، إنه ونتحادّث كلام التليفون ده مبحبوش. واعملي حسابك، عملات للبت دي معملش وأعلى ما في خيلك اركبيه ويالا من غير سلام." أغلقت الهاتف في وجهها، ثم جلست تلك الوجد تشاط غضباً، فقد ابتلعت نقودها في بطنها ولم تفعل لها شيئاً. وصارت تجلس بأقدام تدب أرضاً وهي ترى نفسها ملقاة خارج المنزل دون أن تثأر لقلبها من ذاك العمران ولكرامتها من تلك الرحمة.

ثم اتصلت بصديقتها أولاً، وبعد أن أجابتها طلبت منها: "شوفي بقي، أنا عايزة أربع نسوان شداد، نسوان مش أي كلام." سألتها صديقتها: "ودول عايزاهم لإيه دول؟ "عايزة آخد حق ضلعي اللي اتكسر وحق الضرب اللي انضربته والعين بالعين." "طب ودول عايزاهم امتى يا أم دماغ يابسة انتِ؟

"بكرة بالظبط، هقول لك تخليهم مستنينها على أول الزراعية على الساعة ٨ بالليل تكون اللي ماتتسمى اللي اسمها رحمة راجعة من شغلها. هبعت لك كذا صورة ليها تخليهم يحفظوا شكلها كويس، عايزاهم يكسروا لها ضلوع يديها الاتنين ورجليها كمان ويخزقوا لها عينيها ويخلوها تمشي عورة، وزي ما عملت فيا هي وأمها المرة الشايبة العايبة يتعمل فيهم ويزيد."

أنهت كلامها وهي تنظر بحقد لذاك المنزل التي ما عادت تطيق الجلوس به، ولكن لها ثأراً ستأخذه منهم جميعاً. ثم جلست تفكر ماذا هي فاعلة بعد الآن. أما في غرفة سلطان وزينب، كان يهدر بها: "أني صبرت عليكِ كتير، والظاهر أكده إن دماغك ناشفة وانتِ اللي جبتيه لنفسك يازينب."

ارتعبت من طريقته، ثم قامت من مكانها وقصدت الباب كي تخرج وتهرب من أمامه. فعمران وسكون في عملهما ورحمة خرجت ولم تجد أياً منهم تستنجد به مهما صرخت. لاحظ نظراتها على الباب فسبقها وأغلق الباب. حاولت أن تأخذه منه، ولكنها لم تفلح. فرمى عصاه وعباءته أرضاً واقترب منها وهو يلف ذراعها خلفها مكملاً بغضب: "مش قلت لك يازينب قبل كده، اللي مياجيش طيبة ييجي غصيبة، واهه محدش هينجدك من يدي واصل يابنت نفيسة."

تحدثت وهي تحاول الفكاك من يده فلم تستطع، فلجأت إلى أسنانها وغرزتها في يديه، فتوجع من فجأتها وأفلتت يديه فابتعدت عنه. لحقها ولكنه لم يستطع جذبها، ثم قالت: "متبقاش عيل صغير ياسلطان وهملني لحالي، مرايدكش يا أخي، هي عافية ولا إيه؟ "مش بمزاجك يازينب، وحقي الشرعي هاخده منك غصب عنك." قررت اللجوء للحيلة الآن، فهو لن يتركها. فبكل هدوء تمددت على التخت وقالت له بنبرة جدية مصطنعة:

"آه ياني، فرهدتني على الفاضي. وريني هتاخدوا إزاي وأنا مش طاهرة ياسلطان." شعر بالخزي للمرة الثانية، ثم سألها: "مش طاهرة كيف يعني؟ أجابته بثقة وتأكيد جعلته لم يشك بها: "هو أنا مش كيف الحريم ولا إيه ياسلطان؟ مبياجيش علي أيام جوزي، مينفعش يقرب مني. لو عايز تتأكد، أخليك تتأكد." هي تعلم أن نفسه تتموع من ذكر تلك العادة أمامه. ثم تحمحم وهو يأخذ عباءته مردداً لها بتحذير والشر يتطاير من عينيه:

"طب يمين بعظيم يازينب، لو خرجتي من الأوضة بالمسخرة دي تاني، لأهيتكسر لك رجلك عشان متعرفيش تخرجي منها تاني." رأت غيرته النابعة من عينيه، ففرح قلبها بشدة وقررت السكوت الآن. إلى أن ارتدى جلبابه، ثم خرج من الغرفة. فوقفت على أعتابها، وعندما رأته اقترب من الباب نادت عليه بعلو صوتها مرددة بكيد جعله يركض إليها، لكنها أغلقت الباب بسرعة:

"نئبك طلع على شونة ياسلطان، إني لسه مصلي العصر دلوقتي عشان تعرف إنه بخطري وبرضه مهخليكش تلمس شعرة مني، وخليك بنـ.ـارك كده يابتاع وجد وزفت الطين." ظل يسبها بأبشع الألفاظ، فأشغلت الهاتف على صوت الموسيقى العالية كي لا تسمع سبه لها، وهي تنطق لنفسها داخلاً: "ولسه ياسلطان، إن ماخليتك تقول حقي برقبتي مبقاش إني زينب بنت نفيسة الدلالة."

أما في الأعلى عند وجد، قررت أن ترسل تلك الفيديوهات التي دمجتها مع بعضها والتي صورتها لعمران وهو نائم، وهي كانت تتدلل في أحضانه بأوضاع غير مريحة. من يرى عمران يظن أنه مغمض العينين ويتنعم في قربها من تقلبه بين يديها. أرسلت الفيديو لسكون ودونت أسفله:

"قلت لك كتير وحذرتك قبل ما تدخلي البيت ده، قلت إنه عشقان مرت أبوه وهي كمان عشقاه وانت مصدقتنيش. إني بقول لك انفدي بجلدك دلوقتي منه وخلي بالك، لو ورّيتي حد الفيديو دي هو وأبوه هيتعاركوا واحتمال يموتوه." وصل ذاك الفيديو لسكون ورأته مراراً وتكراراً، وحقاً انصعقت مما رأته وهبطت دموع عينيها كالشلالات وأصبح حالها يرثى له.

في اليوم التالي وبالتحديد في غرفة عمران وسكون، على صوتهما بعض الشيء ومن الواضح أنهما واقفان من عدة ساعات على حالتهما تلك والنقاش احتدم بينهم، مما اكتشفه عمران من تلك السكون وجعله ينصدم. تشنجت عضلاته وهو ينظر إليها بغضب ساحق مغلف بالاندهاش، ثم أمسكها من كتفيها مردداً بغضب وهو يهزها بعنف: "من متى وإنتي اتحولتي كده؟ من متى وإنتي حالك اتعوج ومحدش بقي يعرف يكلمك وبقيتي كيف الأسد لما يعيش دور ملك الغابة؟

ثم استرسل حديثه بنبرة زادتها الدهشة وهو يدور بها في الغرفة وعيناه مثبتة داخل عينيها: "ولا إنتِ كنتِ كده أصلاً ومكنتش شايفك على أصلك اللي بان وبالجامد أووي! نفضت يديها بغضب مماثل، ثم هدرت به بحدة: "سيبك بقى من جمودك اللي زهقت منه ده وتعاملِك الناشف وياي. واعمل حسابك أني خلاص مش هتحمل أعيش في البيت ده تاني بعد اللي شفته بعيني. المستور انكشف وياعيني على المغدور به لما يعرف اللي بتعمله."

وأكملت وجعها وعلامات وجهها تحكي آلاف الحكاوى المريرة وهي تضم حاجبيها بحزن: "مع إن ربنا بعت لي تحذيره مرة واتنين، بس عاندت وكبرت دماغي ومشيت ورا قلبي وقلت لاااا، يستحيل يطلع منه كده! متمشيش يابنت ورا هواجس شيطانك وعيشي حياتك وافرحي بحبك ده السند اللي ربنا عوضك بيه." صفق بيديه وفكه يهتز بسخرية من حالة ظلم النفس التي تظنها. وردد باستنكار: "ياريت متعشيش الدور وتمثلي دور المظلومة وإنك الملاك وإنك المجني عليها في الرواية."

ثم اقترب منها وحضن وجهها بين كفّي يديه وأكمل بتهديد وعيناه قاتمتين من شدة غضبه: "بس ورب الكون لاهندمك على كل لحظة وجع عيشتها لي، على كل لحظة حب اديتهالك ملقتش قصادها غير غدر، على كل لحظة ائتمنتك فيها على قلبي وخنتِ الأمانة. وافتكري إنك اللي بديتي والبادي أظلم." وضعت كفّي يديها على كفّي يديه وبنفس طريقته ونظراته نطقت:

"كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوقتي لك زيه وأكتر وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منه." صار كلاهما يدوران في نفس المكان ونظراتهما تحوي آلافاً من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه. وكل منهم يردد داخله نفس المقولة: "على الباغي تدور الدوائر."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...