ابتسم بتسلية من ذهولها ثم هتف مشاغباً إياها: ــ هو انتِ مش مرتي وفرحنا كمان يومين فيها ايه لما اقول اللي يحلالي، دي اني أقول وأعمل كمان يارحمتي. ــ هااااااا تعمل ايه ياماهر؟ إيه الطريقة دي؟ انت شارب حاجة؟ قالتها رحمة وهي ما زالت مندهشة من كلامه الوقح وعبثه معها، ثم عقب هو: ــ رحمتي افتحي الفيديو حالا، عايز أكلم كلامنا صوت وصورة.
اندهشت من طلبه الذي لأول مرة يطلبه منها، فاليوم زاد تعجبها منه كثيراً من طريقة كلامه ومن طلباته العجيبة التي ظهرت فجأة دون أي مقدمات، ثم تمتمت وهي تتلفت حولها كي ترى ما إذا سمعه أحداً أم لا: ــ أفتحه كيف يعني؟ وليه؟ ثم أكملت حديثها بذهول تكاثر على ذهنها اليوم: ــ إنت سخن ولا فيك حاجة يامتر النهاردة؟ ضحك بشدة من كلماتها وذهولها ثم أجابها وهو على نفس طريقة تسليته معها:
ــ كانك انتِ اللي سخنة والله، على فكرة آني جوزك لو انتِ هتنسي وكمان يومين فرحنا ياهانم، وافتحي الفيديو خلينا نتعرف أكتر ويوبقى في بينا لغة حوار نحاول نفك بيها التوتر اللي انتِ فيه قبل ما تدخلي العش برجلك ياحبيبي. ــ عش دي إيه إن شاء الله؟ هو انت هتتجوز بطاية ولا إيه يامتر! كلمات استنكارية نطقتها رحمة، وعقب عليها وهو يمرر لسانه بتسلية على شفتيه من حديثهم المختلف كلياً والذي أحبه بشدة:
ــ بذمتك في بطاية توبقي صغنونة وعاملة كيف العصاية أكده! له ياحبيبي البط لازم يوبقي ملفوف وكيرفي يملى العين. رفعت حاجبها بغيظ وفهمت من كلماته أن جسدها النحيف لن يعجبه، وهتفت بنبرة حادة وهي تستنكر كلماته: ــ لااا يابابا، اني قوامي قوام عارضات الأزياء والفنانات بيصرفوا ملايين علشان يبقوا في رشاقتي، بس اني بقي طبيعي والطبيعي يكسب. ــ طب ماتفتحي الفيديو يارخمة علشان نعاين القوام الفتاك وندرس الأبعاد بطريقة الفور جي كمان.
كلمات عاشقة كناية عن الغزل نطقها ذاك الماهر، مما أخجلها وجعلها أطبقت على فمها، والى الآن استيعابها لطريقته تحت الصفر. لم يجد منها رداً على غزله لها، فهتف بعبث جعل القابع بين أضلعها يتخبط:
ــ لااا دي انتي عايزة دروس إعادة تأهيل وتدريب على حاجات كتير قووي يارحمتي، أولهم متاخديش وضع الصامت دي مهحبوش، عايز رد على كل حاجة والرد يكون فعل قبل القول، ثانياً عايزك تسيبي لي نفسك خالص علشان اعرف أتحكم براحتي لحد ما أتمكن، ووقتها هتاخدي على الموضوع خالص وهيوبقى حاجة رواق لقلبك وعقلك ياحبيبي. دق قلبها بوتيرة سريعة داخلها، ثم تمتمت بنبرة خافتة مغلفة بالاندهاش الذي ما زالت عليه:
ــ إنت كنت اكده أصلاً ولا إنت سخن النهاردة ولا ماسك قضية صعبة مأثرة عليك؟ رفع حاجبه الأيسر ووجهه مبتسماً بمكر ونطق مجيباً إياها بكلمات صريحة: ــ له اني اكده ياحبيبي من زمان، بس الحاجات داي ليها وقتها ومعادها وناسها، وانتِ دلوك بقيتي أساسها.
ثم على حين غرة أغلق الهاتف وأعاد رناته عليها مرة أخرى فيديو كول كي يضعها أمام الأمر الواقع، مما جعلها تتأفف من عناد ذاك الماهر وإصراره. ثم وضعت حجابها على رأسها ونظرت يميناً ويساراً كي ترى ما إذا كان أحدهم في الحديقة. ولم تجد، ففتحت المكالمة. وجدته مثبتاً الهاتف على الرينج لايت وسماعات الأذن في وجهه، ومستنداً على الشزلونج أمام حمام السباحة، وهو يرتدي بنطالاً باللون الأسود وتيشيرت قطني بنفس اللون، وأشعة الشمس منعكسة على وجهه مما زاده جمالاً أثارها. فابتلعت ريقها ما إن رأته.
أما هو، فما إن رآها أمامه بذاك التريننج المنزلي الذي ترتديه بلون اللافندر وأكمام بيضاء وحجابها الموضوع بإهمال على رأسها وبعض من خصلاتها الشاردة على جبينها، حتى غمز لها هاتفا بطريقة أخجلتها: ــ ايه الألوانات الجامدة دي يارحمتي؟ انتِ أكده معايزاش فور جي، عايزة ميكروسكوب خماسي الأبعاد يستكشف كل حاجة عيون تطولها. وأكمل عبثه بطريقة جعلت الخجل يرتسم كخريطة على وجهها:
ــ بصي ابقي كترى من اللافندر ده كتيير، وخاصة في لبس البيت. ها لبس البيت، فهماني؟ أدخلت خصلاتها الشاردة على وجهها بخجل من تصريحاته، ثم همست بخفوت وهي تنظر جانباً ولا تستطيع النظر داخل عينيه المتفحصتين لها: ــ على فكرة بقي انت رخم قووي وبتكسفني.
أنهت كلماتها وأعادت النظر إليه، فباغتها بقبلة بين يديه وأرسلها إليها وكأنه يقذفها بها، مما جعلها تبتسم خجلاً واستقبلت قبلته الشفافة وضمتها إلى قلبها، مما أثار غريزته. فغمز لها بكلتا عينيه مردداً على طريقتها التي جعلت تفاحة آدم المنتفخة في حلقه تتأرجح صعوداً وهبوطاً: ــ لااا دي إحنا طلعنا جامدين وأشقيا أهو، استمري على وضعك بقي يا بابا علشان عجبني النظام، نكمل عليه بقي ونحاول نتطور يارحمتي ولا إيه رأيك؟
عضت على شفتيها السفلى بخجل نال إعجابه، ثم أكمل: ــ هو احنا مخطوبين لبعض بقي لنا أكتر من سنة وكاتبين الكتاب زيادة عن أربع شهور، ليه مكناش بنتكلم فيديو صوت وصورة؟ دي طلع الموضوع حلو قووي ولذيذ وله متعة خاصة. إلا قولي لي انتِ هتحسي دلوك انك مستمتعة واحنا هنتحدت فيديو يارحمتي؟ ابتسمت ابتسامة عذبة أثلجت صدره، ثم أجابته برقة وقد راق لها تدلله وعبثه معها:
ــ أقول لك الحق؛ مبسوطة قووي إنك هتتعامل وياي اني حبيبتك وروحك واني بالنسبة لك الدنيا وما فيها. كلامك ومشاغبتك ليا دايماً شاغلني ومخليني عايزة أشوفك وأكلمك كل وقت، أنا بقيت بحس اني مقدرش أعمل حاجة ولا أتحرك خطوة بدون ماتكون انت فيها.
كانت عيناه تنظر إلى فمها المتحدث بهيام، وهي تتجول على ملامحها تتشبع منها، فتارة ينظر إلى عينيها وتارة إلى شفتيها. وتارة أذناه تتعمق في معسول كلامها لذاته. لقد أهلكت قلبه وعقله وأيضاً جسده الذي يود أن يخترق ذاك الهاتف الفاصل بينهما ويجذبها من يدها ويسحقها بين أحضان الحب والغرام. فتلك الصغيرة سلبت لبه. ثم تحدث بنبرة صوت هائمة:
ــ يوه عليكي يابت سلطان، بدلتي الحجر الصوان لعاشق متلهف لضمتك. صغيرة انتي بس حقيقي مهلكة قووي. ثم أكمل وجال بخاطره استفساراً عن عرسهم: ــ جهزتي كل حاجة الفرح واتفقتي مع الميكب ارتيست والفستان والحاجات داي ولا لساتك دماغك معاندة؟ تبسمت عينيها لاهتمامه بها، ثم حركت رأسها للأمام: ــ أه حضرت كل حاجة، اختارت أصلاً الفستان أون لاين ورحت قيسته من يومين اني ومرت اخوي وكل حاجة تمام. سألها باهتمام:
ــ طب مش نفسك في حاجة معينة أو فقرة نعملها في الفرح تكوني حباها؟ حركت رأسها للأمام بابتسامة عريضة وأجابته: ــ أه حاجة مهمة قوووي هموت عليها. ــ وه! وتموتي ليه يارحمة؟ أي حاجة هتطلبيها قولي عليها من غير كسوف، داي ليلة العمر حقك. كلمات عاشقة نطقها ماهر، فعقبت عليها بعينين يملؤهما الشغف: ــ عايزة عصام صاصا يغني في الفرح بتاعي. رفع حاجبه الأيسر بذهول وردد باستنكار: ــ عصام مين ياختي!
مسمعتش عنه في طبق اليوم قبل أكده، داي اسمه بس بيقول أنه مش ولابد. حركت رأسها برفض وهتفت بإقناع وهي تتشبث برأيها: ــ مين دي اللي مسمعتش عنه؟ دي أشهر مطرب مهرجانات في الوطن العربي دلوك، ومليش صالح لازم تجيبه لي. جز على أسنانه بضيق من تشبثها ليقول باستنكار: ــ انتِ عايزة ماهر الريان يروح يجيب واحد اسمه صاصا في فرحي وأني كمان اللي أكلمه! دي إنتي دماغك هبت منك ياهانم وغاوية تعجزيني بطلباتك وتنكدي علينا.
ارتعب داخلها من ضيقه وغضبه، ثم تحمحمت وهي تبدي رأيها: ــ أمم متكلمهوش انت، أحاول أوصلهم اني علشان متتضايقش. نفخ بضيق أرعبها ثم هدر بها: ــ رحمة متخنقنيش ياهانم واظبطي كلامك، صاصا مين ده اللي عايزة تكلميه؟ مركب قرون اني علشان تتفقي مع رجالة على فرحك وكمان واحد زي دي! تأفأفت بضيق هي الأخرى من تحكماته في وجهة نظرها، ثم نطقت بغيظ:
ــ والله بقيت بحس اننا مقرور علينا والعين راشقة فينا كد أكده. هو أني بقول لك هروح أطلب يده ياماهر علشان تتعصب علي قووي أكده! ولا هخرج أفسح وياه، وبعدين ده أشهر نجم مهرجانات في الوطن العربي مش قاعد على الوايتر هو يتكلم مع اللي بيحجزوا. ما زال الضيق يسيطر على أعصابه، فبمجرد سماع اسمه الغريب انقلبت معالمه الفرحة إلى حزينة، ثم تحدث بنبرة متشبثة:
ــ لااا والله مايحصل الكائن دي ياجي فرحنا ويحيي ليلتنا. وبعدين هو مش النجم آدم المنسي يوبقى قريبكم؟ خليه ياجي راقي ومحترم وحاجة تليق بينا. ابتسمت بسخرية يصحبها الدعابة وهي تردد: ــ والله! إنت عارف آدم في فرح يعني إيه! دي فنان كبير والفيزيتا بتاعته فوق يامتر في العالي. واسترسلت حديثها بعينين تلتمع بشقاوة: ــ أما صاصا الفيزيتا بتاعته متاجيش نصه وكمان هيشعلل الفرح.
ــ والله انتِ اللي قاصدة تشعلليني وتموتيني ناقص عمر يامجنونة انتِ! حد طلب منك انك تتكلمي في الفلوس أصلاً! دي انتِ عيونك هتلمع وهتتنطط من الفرحة وانتي هتقولي اسمه…. جملة استنكارية نطقها ماهر وهو يكاد يصاب بالجنون من تلك الصغيرة، ثم أكمل بإنهاء المناقشة: ــ بصي متحاوليش لاني مش هجيبه نهائي، فبلاش نطول في الحوارات وترجعي تعيطي وتقولي بتعيطني وبتزعلني وانتِ اللي هتنكشي الزعل بالحوارات بتاعتك داي.
زمت شفتيها بامتعاض وتحدثت وهي تشعر بالغيظ الشديد منه: ــ طب خليك انت فاكر انك رفضت تنفذ لي طلب هتجنن عليه في ليلة العمر وانت اللي هتزعلني بردو. خلل أصابعه بين خصلات شعره، ثم جلب الهاتف وبحث عنه على جوجل وهو يسألها عن اسمه الذي نسيه في لحظة. وما إن جائت نتيجة البحث حتى تسمرت عيناه بذهول أدهشها من نظراته المتفحصة لصفحات جوجل، ثم وجه الهاتف في وجهها هاتفاً بنبرة ساخرة:
ــ بقي عايزة تجيبي واحد يشعلل لك الفرح وهو مسجون على ذمة قضية قتل! قسماً بالله انك هتجلطيني ياشيخة. واسترسل حديثه بنبرة ساخرة وهو يتذكر كلماتها: ــ قال أشهر مغني مهرجانات في الوطن العربي، تاتك خيبة يارحمة، سكي بقي على الحوار ومش هياجي الفرح غير آدم فقط لاغير. ثم أبدل نظراته الساخرة الغاضبة إلى أخرى عابثة وهو يرى تزمتها بعينين يملؤها الشغف: ــ بس مقلتليش إيه أخبار الروج الأحمر؟
أخدتيني في الكلام على اسمه إيه دي ونسيت أكمل استفسارات عن الكلام المفيد. قطعت كلماته مرددة بتعجب: ــ هو الكلام عن الروج الأحمر مهم ومفيد في وجهة نظرك! غمز لها بطريقة جعلت جسدها يتفتت خجلاً وهو يهتز بمشاعر الاحتياج: ــ وه أمال إيه! انتِ لساتك صغيرة على الحاجات داي، ويومين بالظبط وهبدأ أديكي دروس تقوية في العلاقات العاطفية، بس انتِ ركزي علشان توبقي تلميذة شاطرة علشان تاخدي تقدير امتياز في حب ودوبان ماهر الريان.
ــ يووووه ياماهر انت بتكسفني بجد، بطل بقى طريقتك داي وياي، هو انت موركش غير انك تتحدت معاي بالطريقة داي واصل من ساعة ماكلمتك. ــ الله مش عريس داخل على جواز وانتي العروسة، فلازمن يدرس الأبعاد ويستكشف يبدأ اللعب إزاي. ــ هااااااااا، انت على فكرة سافل بقي ومتحرش كمان. ــ وماله ياصغنن، هو أنا بتحرش بحد غريب؟ دي في حالتنا داي التحرش حلال قووي. ــ طب لو هتفضل تتكلم أكده هقفل والله.
ــ ويرضيكي تقفلي وتسيبي المتر هيشيط من غير ماتحني وتطبطبي وتدلعي. ــ والله أنا اللي محتاجة الدلع والطبطبة مش انت، هي الآية انقلبت. ــ وأنا جاهز قووي وفي الدلع مقولكيش، بس انتِ اظبطي الأداء وهتلاقي نفسك طايرة في السما يارحمتي. ــ والله انت كل يوم هتسحبني لحدك بكلامك دي ومعرفاش هوصل وياك لحد إنهي شط يابن الريان. ــ سبيلي نفسك يابت المهدي وملكيش صالح، واني سباح ماهر هيوصل لك لشط الغرام اللي هتدوبي فيه. ــ رحمتي.
ــ اممممم. ــ بحبك وهحبك ونفسي قلبي بقي يضم قلبك. ــ وأني كمان هحبك ياماهر ونفسي ربنا يجمعنا على بعض واليومين دول يعدوا على خير. ــ هيعدوا يابابا وهتوبقى اجمل عروسة في الدنيا بحالها. ***
في منزل حافظ الهنداوي، يجلس يستشيط من الغضب من أفعال ابنة أخيه. فبعد أن أعلن عن زواج ابنه منها وبدأ مراسم كتب الكتاب، هربت يوم كتابها وجعلته يقف عارياً أمام المدعوين ولم يعرف بما يجيبهم. جعلت سيرته على ألسنة الجميع بالعروس التي هربت ورفضت الزواج من ابن المحافظ. ثم هتفت زوجته والغيظ يرتسم على معالمها:
ــ البت دي كسفتنا وحرجتنا قدام الناس وخلتنا ما نسواش قدامهم تعريفة، لازم تجيبها وترميها تحت رجلي هنا وتعرف أن الله حق علشان الحركة اللي عملتها دي وكسرت بقلب ابني يوم كتب كتابهم، ومن يومها يا حبيبي وهو ما بيخرجش من أوضته بعد ما وعدناه أنه هيتجوزها وهيلاقي واحدة تعيش معاه. كان الآخر مغتاظاً وبشدة، ثم هتف بوعيد: ــ ومين قال لك أن أنا هسيبها؟
ده أنا هخليها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تعمل الحركة دي، بس المشكلة أنها مع محامي عقر ومش شوية في البلد اللي هو فيها، وكمان صعيدي يعني لو رحت لحد هناك برجلي هبقى بجيب لنفسي المشاكل لأنه راجل مش سهل خالص، بس فيه خطة في دماغي هحاول أعملها وأجيب البنت دي هنا تحت رجلي وأنسيها دلع أبوها وأعلمها الأدب اللي ما تعلمتهوش في عمرها كله. سألته باستكشاف وفضول: ــ خطة إيه يا حافظ؟
ما ترسيني على الدور علشان خاطر أبقى عارفة كل حاجة وما أبقاش زي الأطرش في الزفة؟ ضرب بقبضة يده على الأخرى، ثم أجابها: ــ الناس اللي أنا مكلفهم يراقبوا المحامي ده ويعرفوا عنه كل حاجة جابوا لي اخباره أن فرحه كمان يومين، فأنا هستغل اليوم ده وهجيب البت دي. هو هيكون مشغول في فرحه ومش فاضي يبص لها ولا هيعرف ياخدها من تحت ايدي، ونبقى نشوف بقى هيعمل إيه لما يعرف أنها جت هنا في منطقتي، يبقى يجي بقى ووقتها هو الجاني على نفسه.
ابتسمت لخطته ونالت استحسانها، ثم هتفت بتشجيع له: ــ برافو عليك يا حافظ، دماغك بتعجبني قوي، لسه زي ما هي شغالة في السليم. أقوم بقى أطمن ابني أن هي هترجع له تاني تحت رجله وأخليه يفرح. أمسكها من يدها ومنعها من التحرك قائلاً بنصح:
ــ اصبري ما تبقيش متسرعة وتزعلي الولد تاني بعد ما عشمناه المرة اللي فاتت، لما كل حاجة تتم في السليم وتيجي هنا قدامه ساعتها هيطمن بالفعل مش بالقول، خلينا نظبطها الأول وارتب مع الرجالة وفي الآخر يحلها الحلال. في التأني السلامة يا بيبي. حركت رأسها للأمام واقتنعت برأيه تماماً، ثم تحدثت بنبرة يملؤها الشماتة:
ــ حلو قوي، مش هتكلم ولا حد هيعرف أي حاجة، بس بليز يا حافظ خلي بالك وانت بتنفذ الحوار ده مش عايزين حاجة تبقى غلط في الموضوع. وظل كلاهما يتحدثان بنبرة يملؤها الشر في كيفية التعامل مع تلك الشمس حين رجوعها إلى منزلهم وإجبارها على الزواج من ابنهم المعوق، وهم يرون أنهم على حق ويتهمونها بالتسيب. ولكن هل يستطيع حافظ إخراج تلك الشمس من براثن ماهر الريان؟ فلنرى ماذا سيحدث؟ *****
في كافيه مشهور بمدينة قنا، يجلس جاسر ومعه ذاك الموكل في غداء عمل ويتحدثون في قضيته منذ ساعة. وكانت تحضر ذاك الغداء مها، فهي السكرتارية الخاصة به، ونوعاً ما لابد أن تحضر معه بعض المقابلات، أو بالأحرى هو من يجعلها تخرج معه كي يراها في كل وقته وكي يجعلها تخرج من دوامة الماضي برؤية أناسٍ كثيرين وتغيير الأماكن كنوع من الرفاهية.
انتهى جاسر من الحديث مع موكله، ثم استأذن كي يغادر ومد يده لجاسر وتبادل معه السلام، ثم مد يده كي يسلم على مها هي الأخرى وهو يردد بابتسامة جعلت ذاك جاسر يقف مغتاظاً: ــ سعيد جداً أني اتعرفت عليكي، وأتمنى نشوف بعض تاني. بادرت مها بمد يدها كي تبادله سلامه، ولكن سبقها جاسر وهو يسلم عنها بابتسامة سمجة لذاك البارد في وجهة نظره قائلاً بتبرير:
ــ الشرف لينا ياباشا، معلش أصل الأستاذة مش بتسلم وموكلاني من أول يوم اشتغلت معايا فيه أنها مهتسلمش على رجالة واصل. أعادت مها يدها سريعاً وتمسكت بحقيبتها حرجا، وأدارت وجهها للناحية الأخرى حتى يمشي ذاك الرجل الذي تحدث لجاسر مستأذناً بخجل وهو يشعر بانجذاب تجاه تلك المها بخجلها وأدبها: ــ أه تمام، على معادنا يامتر في المحكمة وخلي بالك مني. ابتسم جاسر بابتسامة باردة، ثم طمأنه:
ــ متقلقش ياباشا، كله هيوبقى زين، وبالنسبة للمواعيد مهتلاقيش أكتر مني التزام. كان ذاك الموكل عيناه تجول ناحية مها التي جلست تقلب في صفحات هاتفها كي تشغل حالها ولم تركز معهم، مما أثار حفيظة جاسر. فتحرك خطوتين حتى وقف أمامها ومنع رؤيتها عن ذاك الأبله الذي لم يبالي بحركة جاسر في حجب رؤيتها عنه، حتى استأذن وغادر المكان.
أما جاسر، فور تأكده من مغادرة موكله، استدار بجسده إليها وهو يشعر بنيران الغيرة تأكل في صدره، ثم ضرب على المنضدة بحدة أذهلتها وفي نفس الوقت أرعبتها وهو يهدر بها: ــ انتِ ازاي يا أستاذة كان عِندك نية تمدي يدك وتسلمي على السمج البارد دي؟ هو أنا طرطور ولا حاجة علشان تعملي اكده؟ تطلعت بمقلتيها بذهول لذاك المستشاط ولم تدرك سبب حدته تلك إلى الآن، ثم سألته بنبرة هادئة كعادتها دون أن تتعصب:
ــ ممكن تقعد ونتكلم وأعرف جرى إيه لعصبيتك داي وصوتك العالي وحدتك معاي في الكلام؟ حاصل إيه لدي كلاته؟ جلس مكانه وهو يعبث في جاكيت حلته بزهق، ثم أجابها صريحاً: ــ فيها أنك مينفعش تمدي يدك وتسلمي على راجل غريب عنك، وكمان واني واقف وياكي دي. أني معملتهاش لحد دلوك تقومي تمدي يدك للسمج دي؟ تحدثت بهدوء كي تفهمه مقصدها وما زالت تحتفظ برقيها في الحديث معه: ــ طب ماهو اللي مد يده هكسفه يعني!
من الذوق أني أسلم عليه بكل هدوء وخلاص. ــ أه دي عندها بقي يا أستاذة… جملة اعتراضية نطقها جاسر، وعقب عليها بتحذير قاطع: ــ الذوق ده تبليه وتشربي مايته، أو من الأحسن تروحي تدفنيه وتخلصي منه علشان ميمشيش معايا خالص، مليش في التحضر بتاع اليومين دول أصل أني راجل دقة قديمة قوووي. تهجمت ملامحها بامتعاض من كلماته وأوامره وكأنها زوجته أو أخته وليست مجرد عاملة معه، ثم سألته بنبرة جادة:
ــ طب معلش يامتر دي بمناسبة إيه يمشي معاك ولا ميمشيش علشان تستدعي دي كلاته؟ ممكن تفهمني لو سمحت؟ ابتلع غصته بروح منهكة من استفسارها، ثم اعترف لها صريحاً دون لف كي يريح قلبه ويعرف مشاعرها تجاهه قبل أن يجذبها أحدهم: ــ بمناسبة أني راجل بغير وبغير جداً كمان، ولازم تراعي نقطة زي دي، ولا تتكلمي مع راجل ولا يدك تلمس يد راجل حتى لو بالسلام من باب الذوق.
تطلعت بمقلتيه لتتحدث بنبرة تائهة ودقات قلبها تنفض داخلها من تلك الكلمات التي لأول مرة تسمعها، مع تنهيدة حارة خرجت من صدرها: ــ بتغير عليا بردو كيف؟ مفهمش يامتر؟ لـوهـلـة غَـاص فـي عـيـنـيـهـا وفـي مـلامـحـهـا الـجـمـيـلـة، لـوهـلـة أخـذه فـؤاده لـشـعـور أن يغمرها بين يديه ويعترف لها بعشقه لها. ثم استجمع شتاته وانطلق الاعتراف صريحاً من على لسانه: ــ واللي هيغير يا أم الزين على حد قوووي توبقى معناها إيه الغيرة داي؟
يمكن علشان هحبك، وكل لما اجي المكتب محبش إن يومي ينتهي والدقيقة الأخيرة تطول من عمري وعمرك علشان متسبنيش وتمشي. واسترسل حديثه باستفسار وهو مازال يتعمق النظر ببحر عينيها العسليتين: ــ هو انتِ قلبك محسش بقلبي وبحبي لحد دلوك يا ام الزين؟
تعـلـقـت عـيـنـاهـا بـه بـنـظـرة ضـائـعـة أرجـفـت ذلـك الـقـابـع بـيـن أضـلـعـه، ثـم بـلـلـت حـلـقـهـا الـذي جـف مـن كـثـرة خـجـلـهـا وخـوفـهـا وعـدة مـن الـمـشـاعـر الـمـتـضـاربـة داخـلـهـا، ثـم هـتـفـت بـنـبـرة ضـائـعـة مـشـتـتـة:
ــ أنـي مـنـفـعـكـش يـا جـاسـر، انـت لـسـه الـدنـيـا قـدامـك تـاخـتـار مـنـهـا الـلـي تـنـاسـبـك وتـسـتـحـق تـوبـقـى مـعـاك، أمـا أنـي مـجـرد واحـدة عـايـشـة وخـلاص بـتـقـضـي أيـامـهـا ولـيـالـيـهـا بـقـلـب مـ.ـيـت. حـرك رأسه رافضاً بقطع مـاتـقـول، ثـم أعـلـمـهـا بـنـبـرة واثـقـة: ــ مـيـن قـال إنـك مـتـنـفـعـنـيـش! بـنـيـتـي احـسـاسـك وحـكـمـك دي عـلـى أي أسـاس؟
هـو الـقـلـب اخـتـارك انـتِ وأمـور الـقـلـوب مـلـنـاش يـد فـيـهـا، وبـعـد يـن لـيـه هـتـسـتـكـتـرنـي عـلـيـكـي؟ انـتـي مـيـنـقـصـكـيـش اي شـئ عـن أي سـت، وبـالـعـكـس أنـي حـاسـس أنـنـا شـبـه بـعـضـنـا قـوووي، نـفـس الـهـدوء نـفـس الـرزانـة فـي الأمـور، فـنـدي لـبـعـض فـرصـة نـتـعـرف أكـتـر وكـل طـرف فـيـنـا يـدرس الـتـانـي عـن قـرب مـن قـبـل مـا تـحـكـمـي. رفـعـت جـفـونـهـا بـبـطـء، ثـم قـالـت بـنـبـرة بـائـسـة:
ــ صـدقـنـي يـا جـاسـر، أنـا مـنـفـعـش أكـون مـعـاك ولا مـع غـيـرك، ولا انـفـع اربـط انـسـان بـيـا عـشـان أنـا جـوايا حـطـام وعـنـدي تـفـاصـيـل وجـع تـكـفـي الـدنـيـا بـحـالـهـا. واسترسلت حديثها وقد تعمقت عينيها بالنظر داخل عينيه كثيراً وهي تبتلع ريقها:
ــ مـنـكـرش أنـي حـسـيـت مـعـاك مـشـاعـر عـمـري كـسـت وكـأنـثـى عـشـتـهـا مـع غـيـرك، حـسـسـتـنـي انـي كـسـت مـتـشـافـة ومـهـمـة بـكـل الـمـواقف الـلـي هـتـعـمـلـهـا مـعـاي وبـكـل كـلامـك الـجـمـيـل الـلـي يـجـذب أي سـت، بـس صـدقـنـي أنـا وأنـت مـنـنـفـعـش مـع بـعـض. لازم تـاخـتـار واحـدة انـت اول راجل فـي حـيـاتـهـا مـحـدش داقـهـا غـيـرك ولا كـشـف تـفـاصـيـلـهـا الـحـلـوة غـيـرك، تـعـيـش مـعـاهـا تـفـاصـيـل الـبـدايـات الـحـلـوة الـلـي تـبـسـط اي راجل.
دق على المنضدة بأطراف أصابعه والتوتر أصبح سيد الموقف بينهم، ولكنه لم يقتنع بأي من كلماتها وما تفوهت به الآن هراء بالنسبة له، ثم رد على كلامها بنبرة متشبثة بها بوجودها بجانبه: ــ لـيـه مـصـمـمـة تـقـفـلـيـهـا يـامـه! لـحـظـات الـسـعـادة بـيـن أي راجـل وست مـلـهـاش عـلاقـة بـالـتـجـارب ولا الـزمـان ولا الـمـكـان. ثم أشار ناحية قلبه بقبضة يده مكملاً بإصرار لخوض التجربة وهو على ثقة في نجاحها:
ــ طـالـمـا الـقـلـب ده عـشـق يـوبـقـى كـل حـاجـة لـيـهـا حـل وحـكـايـة الأحـاسـيـس والـمـشـاعـر بـتـاعـت الـبـدايـات الـلـي هـتـقـولـي عـلـيـهـا دي مـتـفـرقـش مـعـايـا خـالـص، كـل الـلـي يـفـرق مـعـايـا انـك تـحـبـيـنـي زي مـا حـبـك، تـتـمـنـي قـربـي ووجـودي فـي حـضـنـك زي مـا هـتـمـنـي.
تـغـلـغـل الـشـعـور بـالـفـقـدان داخـلـهـا مـا إن ذكـرهـا بـكـلـمـة "الـحـضـن". فـطـالـمـا عـاشـت امـرأة مـتـزوجـة مـايـقـرب مـن عـشـرة سـنـوات لـم تـعـرف مـعـنـى الـحـضـن، مـعـنـى الـدفـئ، مـعـنـى الاحـتـواء. لـم تـعـرف فـي تـلـك الـسـنـيـن غـيـر الـجـفـاء، غـيـر الـشـعـور بـالـحـرمـان مـن اي احـسـاس ومـشـاعـر مـن حـقـهـا كـأنـثـى. ولـلـعـجـب أن لـحـظـات الـبـدايـات الـتـي قـالـت عـنـهـا لـجـاسـر سـتـجـعـلـه
يـحـيـاهـا مـعـهـا بـشـراهـة، فـلـم تـجـربـهـا مـن قـبـل. لـم تـجـرب شـعـور الاحـتـواء بـيـن أحـضـان رجـل بـالـرغـم مـن سـنـوات زواجـهـا. ولـكـنـهـا تـقـول لـه أيـة أسـبـاب كـي تـجـعـلـه يـبـتـعـد عـنـهـا لـمـا اقـتـرفـتـه فـي حـق ربـهـا. ولـكـن أيـهـا الـمـهـا الـى مـتـى سـتـعـاقـبـيـن حـالـك!
لـقـد حـرمـتـي مـن كـونـك انـثـى سـنـوات لأجـل الاحـسـاس بـجـريـمـتـك؟ الـى مـتـى سـتـقـحـمـيـن حـالـك داخـل دوامـة الـمـاضـي الالـيـم وتـعـاقـبـيـنـهـا عـلـى ان نـفـسـك مـا زالـت حـيـة تـتـنـفـس عـلـى قـيـد الـحـيـاة؟ لاحـظ شـرودها، تـخـبـطـهـا، وجـعـهـا، تـيـهـهـا، فـأكـد لـهـا أنـه يـفـهـم ذلـك بـل ويـعـيـه بـشـدة:
ــ طـبـيـعـي الـتـخـبـط والـتـيـهـة والـخـنـاقـات الـكـثـيـرة الـلـي جـواكـي دلـوك مـابـيـن الـحـاضـر والـمـاضـي والـمـسـتـقـبـل. طـبـيـعـي انـك تـخـافـي تـتـقـدمـي خـطـوة أو انـك تـدي قـلـبـك مـن جـديـد لـتـجـربـة جـديـدة وتـتـوجـعـي تـانـي. بـس مـيـن فـيـنـا بـيـعـيـش لـحـظـات الـسـعـادة كـامـلـة!
مـيـن فـيـنـا مـش بـيـجـي لـه اوقـات بـيـحـس انـه مـحـطـم وانـه كـاره نـفـسـه و كـاره الـدنـيـا وان الـنـاس كـلـهـا وحـشـة وان الـدنـيـا اضـيـق مـن خـرم الابـرة فـي عـنـيـه. و بـعـد يـن لـمـا يـهـدي و يـفـكـر هـنـلاقـي نـفـحـات ربـنـا بـيـبـعـتـهـا لـنـا تـحـسـسـنـا ان زي مـا فـيـه نـاس حـوالـيـنـا وحـشـيـن فـيـه كـتـيـر قـوووي حـلـويـن. وزي مـا تـجـربـة فـشـلـت نـنـسـاهـا ونـعـيـش غـيـرهـا وربـنـا يـبـارك فـيـهـا.
واسـتـرسـل حـديـثـه بـنـبـرة راجـيـة: ــ هـا ايـه رأيـك فـي كـلامـي مـش نـنـسـي بـقـي الـلـي فـات مـن حـيـاتـك وحـيـاتـي ولا انـي عـايـز اعـرف عـنـيـهـا شـئ ولا انـتـي تـعـرفـي عـن حـيـاتـي الـقـديـمـة شـئ ونـدفـن الـمـاضـي تـحـت الـتـراب ونـعـيـش ولاد الـنـهـاردة بـمـشـاعـر اتـولـدت جـديـدة عـلـى يـدنـا احنا الاتـنـيـن بـشـخـصـيـة مـهـا الـجـديـدة؟ اقتنعت باقتراحه نوعاً ما، ثم نطقت بخوف:
ــ بـس حـاسـة بـخـوف ورهـبـة يـا جـاسـر مـن الـتـجـربـة. تـفـحـص شـفـاهـا الـتـي نـطـقـت اسـمـه بـذاك الـهـمـس الـررقـيـق، رغـم خـوفـهـا، فـأراد ان يـخـرجـهـا مـن دوامـة الـخـوف مـردداً بـدعـابـة اخـجـلـتـهـا وهـو يـسـبـل كـلـتـا عـيـنـيـه لـهـا:
ــ يـووه عـلـى جـاسـر وسـنـيـنـه يـا ام الـزيـن، كـمـان مـرة وهـشـدك مـن يـدك وعـلـى الـمـأذون طـوالـي تـكـتـب الـكـتـاب ونـعـلـي الـجـواب والامـيـرة تـسـكـن احـضـان الامـيـر بـتـاعـهـا واول مـاتـسـكـن احـضـانـهـا جـوة مـديـنـة عـشـقـه هـتـسـتـكـيـن والـقـلـب يـرتـاح. ثـم اكـمـل بـمـشـاكـسـة وهـو يـغـمـز لـهـا بـكـلـتـا عـيـنـيـه:
ــ بـس الـعـواصـف الـعـاطـفـيـة هـتـشـعـلـلل وووقـتـهـا هـيـاجـي دورك بـقـي عـشـان تـطـفـيـهـا و تـهـدي الـنـار يـا بـطـل. ابـتـسـمـت بـرقـة مـصـاحـبـة لـلـخـجـل مـن مـشـاكـسـتـهـا لـهـا، ثـم هـتـفـت وهـي تـنـظـر جـانـبـاً: ــ يـووه انـت يـادي بـطـل الـلـي كـل شـويـة هـتـنـادنـي بـيـهـا، والـلـه انـت واخـد فـيـا مـقـلـب. بـنـفـس طـريـقـتـه الـدعـابـيـة أكـد لـهـا:
ــ طـب مـا تـيـجـي ابـحـث واكـتـشـف بـنـفـسـي الـمـقـلـب الـجـامـد بـالـقـووي الـلـي هـتـقـولـي عـلـيـه، وووقـتـهـا هـطـلـب مـنـكـي مـقـالـب مـالـهـاش اخـر يـا أم الـزيـن. ضـحـكـت بـشـدة عـلـى طـريـقـتـه ومـلامـح وجـهـه فـي الـحـديـث مـعـهـا الـتـي تـشـعـرهـا بـعـدم الـمـلـل وأنـهـا تـريـد الـمـزيـد والـمـزيـد، ولـكـنـهـا شـعـرت أنـهـا تـأخـرت كـثـيـراً، فـنـظـرت فـي سـاعـتـهـا، ثـم وجـهـت انـظـارهـا الـيـه قـائـلـة:
ــ عـلـى فـكـرة الـوقـت سـرقـنـا و انـي اكـده اتـاخـرت ومـاجـدة هـتـخـلـيـنـي اقـعـد مـن الـشـغـل خـالـص. حـمـل مـفـاتـيـحـه وقـام عـلـى الـفـور آمـراً ايـاهـا: ــ لـه وعـلـى ايـه كـل الا زعـل جـدة الـعـيـال و تـقـعـدك مـن الـشـغـل و احـتـاس انـي، قـومـي يـالا اركـبـي عـربـيـتـك و نـتـحـرك حـالـا. هـتـفـت انـدهـاشـاً: ــ جـدة الـعـيـال مـيـن؟ انـت عـلـيـك كـلام… قـبـل ان تـكـمـل، غـمـز لـهـا:
ــ يـد'وخ صـح، ويـجـنـن ويـخـلـيـكـي مـش عـايـزة تـمـشـي وتـفـارقـيـنـي يـا أم الـزيـن؟ حـمـلـت حـقـيـبـتـهـا وهـاتـفـهـا، ثـم قـالـت: ــ لااا دي انـت لـو قـعـدت شـويـة كـمـان مـعـاك هـتـجـبـلـي تـروما مـن كـلامـك الـغـريـب دي يـامـتـر.
ضـحـكـا كـلاهـمـا بـشـغـف بـقـلـوب تـتـفـتـح مـن جـديـد لـحـيـاة يـتـمـنـوا ان تـكـون الا افـضـل عـلـى الاطـلاق كـي تـنـسـيـهـم ايـامـا مـريـرة عـاشـوهـا فـي تـجـاربـهـم الـفـائـتـة. ولـكـن مـاذا يـخـبـئ لـهـم الـزمـان؟ *****
ونـمـضـي بـخـيـالـنـا الـى ذاك الـثـنـائـي الـمـتـعـب "آدم الـمـنـسـي" وزوجـتـه "مـكـة الـجـنـدي". حـيـث مـرت لـيـلـتـهـمـا كـئـيـبـة عـلـيـهـمـا بـسـبـب عـنـاد كـلاهـمـا وتـيـبـس رأسـهـم. هـو يـرى انـهـا لـم تـحـتـويـه فـي اشـد لـحـظـات احـتـيـاجـه لـهـا، وهـي تـرى انـه تـركـهـا فـي عـز تـعـبـهـا وهـي فـي تـلـك الـبـلـدة وحـيـدة، لا ام مـعـهـا ولا اخـت كـي تـرمـي فـي احـضـانـهـم اوقـات تـعـبـهـا ولـيـس لـديـهـا غـيـره تـحـتـمـي مـن اوجـاعـهـا داخـلـه. ولـكـنـه لام نـفـسـه كـثـيـراً عـلـى تـركـهـا، ولـكـن وساوس الـشـيـطـان هـي مـن جـعـلـتـه يـتـركـهـا فـي لـحـظـة غـضـبـه.
كـانـت حـبـيـسـة الـغـرفـة عـلـى حـالـهـا ولـم تـره وجـهـهـا مـنـذ لـيـلـة امـس، فـقـد شـعـرت بـالـحـزن مـنـه. وقـف امـام بـاب الـغـرفـة الـتـي تـحـبـس حـالـهـا داخـلـهـا، يـقـدم قـدمـاً ويـؤخـر ا خـرى وهـو فـي شـتـات بـيـن كـرامـتـه و اوامـر قـلـبـه. وفـي الاخـر اسـتـجـاب لـنـداء قـلـبـه، ثـم دق عـلـى الـبـاب مـنـاديـاً ايـاهـا: ــ مـكـة انـا جـهـزت الـفـطـار وعـايـز نـفـطـر مـع بـعـض. مـمـكـن تـفـتـحـي الـبـاب؟
لـم يـجـد مـنـهـا رد غـيـر الـبـكـاء، مـمـا جـعـلـه يـمـسـح عـلـى شـعـره بـضـيـق مـن تـركـهـا لـهـا. فـمـهـمـا كـان لـيـس لـهـا غـيـره. ثـم دق عـلـى الـبـاب بـرفـق مـسـتـجـدياً ايـاهـا بـاسـتـعـطـاف:
ــ طـب مـمـكـن تـفـتـحـي الـبـاب عـشـان تـفـطـري الـلـي فـي بـطـنـك. عـلـى فـكـرة مـالـوش ذنـب فـي انـك تـذنبـيـه مـن غـيـر اكـل. والـدكـتـور مـأكـد عـلـيـكـي الـغـذا ووجـبـة الـفـطـار بـالـذات عـشـان الانـيـمـيـا الـلـي عـنـدك وجـسـمـك الـضـعـيـف. و بـعـد يـن الا كـل والـشـرب مـالـهـمـش عـلاقـة بـأي زعـل بـيـنـا.
كـانـت فـي الـداخـل تـبـكـي بـدمـوع صـامـتـة، فـهـي تـشـعـر بـالـضـيـق مـنـه كـثـيـراً، ولـكـن كـلامـه صـحـيـح. طـفـلـهـا امـانـة داخـل احـشـائـهـا ووجـب عـلـيـهـا الـحـفـاظ عـلـيـه. ثـم قـامـت بـاقـدام بـطـيـئـة نـاحـيـة الـبـاب و فـتـحـتـه، مـمـا جـعـلـه ابـتـسـم وهـو يـشـعـر بـالـانـتـصـار لـنـجـاح مـحـاولـتـه مـعـهـا فـي جـعـلـهـا تـفـتـح الـبـاب و تـنـيـر الـكـون بـطـلـتـهـا امـامـه. مـا ان رآهـا حـتـى جـذبـهـا الـى احـضـانـه حـتـى وهـو يـرى تـمـلـصـهـا مـن بـيـن يـديـه، ولـكـنـه كـان يـشـعـر بـالارتـيـاح. ثـم تـاسـف لـهـا بـجـانـب اذانـهـا:
ــ مـعـلـش حـقـك عـلـيـا انـي سـيـبـتـك وانـتـي تـعـبـانـة امـبـارح.
ثـم اخـرجـهـا مـن احـضـانـه وقـبـلـهـا مـن جـبـيـنـهـا وكـلـتـا عـيـنـيـهـا، وهـو مـا زال يـعـتـذر لـهـا فـي كـل قـبـلـة. ولـكـنـهـا ابـعـدتـه بـيـديـهـا وهـي تـشـعـر بـان رائـحـة الـبـريـفـيـوم الـخـاص بـه تـشـعـرهـا بـالـغـثـيـان وتـلـك حـالـتـهـا مـنـذ ان حـمـلـت. ثـم دفـعـتـه وجـرت مـسـرعـة الـى الـحـمـام وافـرغـت مـا فـي مـعـدهـا، مـمـا جـعـلـه انـدهـش مـن حـركـتـهـا ود فـعـهـا لـه، و فـسـر حـالـتـهـا عـلـى
انـهـا مـشـمـئـزة مـنـه او لـم تـريـد الاقـتـراب مـنـه. ثـم نـفـخ بـضـيـق مـن حـالـتـهـم تـلـك، و ذهـب و اقـتـرب مـنـهـا كـي يـطمـئـن عـلـيـهـا. ولـكـنـهـا مـا ان اقـتـرب مـنـهـا واشـمـت رائـحـتـه مـرة اخـرى حـتـى ازداد غـثـيـانـهـا، فـابـتـعـد عـنـهـا بـعـض الـسـنـتـيـمـتـرات وهـو يـسـألـهـا بـعـتـاب:
ــ قـد كـدة كـارهـة قـربـي ومـش طـايـقـة لـمـسـتـي ولا وجـودي جـمـبـك يـامـكـة؟ لـيـه كـل ده يـعـنـي! الـلـي حـصـل بـيـنـا مـوقـف عـادي جـدا و زعـل بـسـيـط اقل مـا بـيـحـصـل بـيـن اي زوجـيـن.
كـانـت تـلـتـقـط انـفـاسـهـا بـصـعـوبـة، فـهـي فـي الاسـبـوعـيـن الاخـيـريـن مـن ذاك الـوقـت وهـي مـتـعـبـة بـشـدة، و حـتـى انـفـاسـهـا لا تـطـيـقـهـا. ثـم جـفـفـت وجـهـهـا الـمـبـتـل. لاحـظ شـحـوب وجـهـهـا وان الـمـوضـوع اكـثـر مـمـا يـتـصـور او يـتـخـيـل. فـمـد يـده لـهـا كـي تـسـتـنـد عـلـيـه و خـرجـا مـن الـحـمـام. ثـم عـلـلـت لـه وهـي تـداري عـيـنـهـا عـنـه لانـهـا مـا زالـت تـشـعـر بـالـضـيـق مـنـه:
ــ مـعـلـش انـي زقـيـتـك اكـده بـس غـصـب عـنـي ريـحـة الـبـرفـان بـتـاعـك مـش طـايـقـاهـا بـسـبـب الـحـمـل. مـش عـارفـة ايـه الاحـسـاس الـغـريـب دي. جـذب وجـهـهـا الـيـه بـرفـق، ثـم ابـعـد يـده الـمـمـتـلـئـة بـرائـحـة الـبـرفـيـوم كـي لا يـتـعـبـهـا اكـثـر. ثـم عـاتـبـهـا عـلـى تـخـبـيـة وجـهـهـا عـنـه:
ــ طـب هـغـيـره لـنـوع تـانـي انـتـي الـلـي هـتـخـتـار يـه بـنـفـسـك و تـكـونـي مـتـقـبـلاه. بـس لـيـه بـقـي بـتـداري عـيـونـك عـنـي؟ انـتـي لـسـه زعلانة؟ تـلـمـعـت عـيـنـاهـا بـالـدمـوع وهـي تـتـذكـر تـركـه لـهـا، ثـم تـمـتـمـت بـنـبـرة خـافـتـة لائـمـة:
ــ آه طـبـعـاً لـسـه زعلانة مـنـك قـووي. انـت سـبـتـنـي فـي عـز ضـعـفـي و احـتـيـاجـي لـيـك امـبـارح عـشـان حـصـل بـيـنـا مـشـكـلـة صـغـيـرة و شـد فـي الـكـلام مـنـي لـيـك. انـي اعـتـرف انـي غـلـطـت مـعـاك فـي اسـلـوبـي و فـي طـريـقـة الـحـوار بـس دي مـيـخـلـيـكـش تـسـبـنـي و انـا بـتـوجـع و تـهـرب و تـمـشـي. و انـت عـارف انـي اهـنـة ووحـيـدة و بـعـيـدة عـن اهـلـي و مـالـيـش غـيـرك. و كـمـان ان مـكـنـتـش انـت تـتـحـمـلـنـي لـو ضـايـقـتـك بـكـلامـي عـشـان شـهـور الـحـمـل الاولـى الـسـت بـتـوبـقـي نـفـسـيـتـهـا صـعـبـة جـدا. مـيـن هـيـتـحـمـلـنـي؟
أنـهـت كـلـمـاتـهـا و دخـلـت فـي بـكـاء مـريـر. وكـاد ان يـقـتـرب مـنـهـا كـي يـجـذبـهـا الـى احـضـانـه، ولـكـنـه تـذكـر رائـحـتـه. ثـم ربـت عـلـى ظـهـرهـا بـحـنـو مـعـتـذراً لـهـا بـنـدم: ــ طـب مـعـلـش حـقـك عـلـيـا انـي المـفـروض مـكـنـتـش اخـلـط بـيـن خـنـاقـتـنـا و اخـتـلافـنـا و تـعـبـك. و عـمـومـا يـا حـبـيـبـتـي بـوعـدك انـي عـمـري مـا هـسـيـبـك تـانـي.
ثـم بـدّل طـريـقـتـه الـمـعـتـذرة الـى اخـرى عـابـثـة مـردداً بـشـقـاوة: ــ انـتـي لازم تـشـوفـي لـك حـل فـي حـكـايـة الـبـرفـيـوم دي كـدة مـيـنـفـعـش يـامـوكـتـي. انـتـي عـارفـة الـنـجـم مـيـقـدرش يـبـعـد عـن احـضـان حـبـيـبـه. ابـتـسـمـت بـرضـا وقـبـلـت اعـتـذاره و نـدمـه، ثـم اعـتـذرت لـه هـي الاخـرى:
ــ و انـي كـمـان اسـفـة انـي شـديـت مـعـاك فـي الـكـلام. الـمـفـروض كـنـت اتـعـامـل مـع الـمـوقـف بـهـدوء اكـتـر مـن اكـده. بـس هـي سـاعـة شـيـطـان بـقـي. ربـت عـلـى بـطـنـهـا الـتـي تـحـمـل جـنـيـنـهـمـا بـحـنـو، ثـم ارضـاهـا بـكـلـمـاتـه الـراقـيـة الـتـي تـلـيـق بـمـثـلـه: ــ ربـنـا يـخـلـيـكـي لـيـنـا و مـيـحـرمـنـاش مـن وجـودك جـنـبـنـا يـا قـلـبـي. و ان شـاء الـلـه مـافـيـش زعـل تـانـي.
فـالاحـتـرام بـيـن الـزوجـيـن فـي الإسـلام قـال تـعـالـى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
. فـلـقـد حـثّ الإسـلام كـلا الـزوجـيـن عـلـى مـراعـاة كـل مـنـهـمـا الآخـر، بـإظـهـار مـشـاعـر الـحـب والاحـتـرام أمـام الـجـمـيـع، وأن يـجـعـل كـل مـنـهـمـا الآخـر فـي الـمـقـدمـة مـن حـيـث الاهـتـمـام بـعـد الـوالـديـن وأن يـكـون أهـم شـخـصـيـة فـي الـحـاضـريـن. وإظـهـار هـذا الاحـتـرام أمـام الآخـريـن يـديـم الـحـيـاة الـهـانـئـة الـسـعـيـدة بـيـن الـزوجـيـن. فـقـد كـان رسـول الـلـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم يـقـول عـن خـديـجـة رضـي الـلـه عـنـهـا:
(إنِّـي قـدْ رُزِقْـتُ حُـبَّـهـا) . وعـنـدمـا سـئـل: (أيُّ الـنَّـاسِ أحَـبُّ إلَـيْـكَ؟ قـالَ: عَـائِـشَـةُ)
وإن مـن آكـد الـحـقـوق بـيـن الـزوجـيـن حـق الاحـتـرام والـمـعـاشـرة بـالـمـعـروف. فـمـن مـظـاهـر احـتـرام الـمـرأة لـزوجـهـا طـاعـتـهـا لـه، وتـزيـنـهـا لـه، وتـبـسـمـهـا فـي وجـهـه، وحـفـظـه لـه. أمـا عـن مـظـاهـر احـتـرام الـزوج لـزوجـتـه، فـتـتـجـلـى فـي إحـسـانـه إلـيـهـا، وتـجـاوزة عـن هـفـواتـهـا. والاحـتـرام بـيـن الـزوجـيـن مـن أصـل الـديـن، ويـعـتـبـر مـن الـقـربـات الـتـي يـتـقـرب بـهـا الـزوجـيـن إلـى الـلـه عـز وجـل، حـيـث يـسـاهـم فـي حـسـن سـيـر الـحـيـاة الـزوجـيـة الـمـسـتـقـرة لـلأسـرة الـمـسـلـمـة. فـالـزواج مـؤسـسـة اجـتـمـاعـيـة بـالـغـة الأهـمـيـة فـي حـيـاة كـل رجـل و امـرأة.
******* فـي مـنـزل سـلـط
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!