الفصل 18 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
20
كلمة
10,238
وقت القراءة
52 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

في المشفى، حيث أصبحت الساعة الخامسة صباحاً، وهؤلاء القلقين يجلسون على جمر النار منتظرين ساعة الفرج من عند الله. كان ماهر، زوجها، هو الوحيد المتواجد معها بالغرفة، متمسكاً بيدها وهو يجلس على الكرسي بجانب السرير، وقد غلبه النوم برأسه بجانب قدمها. أما رحمة، فأخيراً تأوهت بشدة وبهمهمات خفيفة، جعلت ماهر ينتفض بسعادة غامرة على أثرها، واقترب منها وهو يقبلها من رأسها، لينطق لسانه فرحاً بتأوهاتها:

"يااااااه، أحمدك يارب، أخيراً يارحمة، أخيراً ربنا بعت لي رحمته." ثم قبلها من عينيها ووجنتيها وهو يطمئنها: "حبيبتي، متقلقيش، إنتي بخير وأني جارك ومش هسيبك، بس هروح للدكتور ييجي يشوفك ويطمن عليكي ويطمنا." ثم تركها وهرول بأقدام مسرعة. وكان في الخارج عمران وسلطان، اللذان صمما أن تذهب حريمهم إلى المنزل، فوجودهم ليلاً ليس له فائدة. شعر عمران بخروجه من الغرفة وهو يهرول، فهوى قلبه بين قدميه ظناً منه أن شقيقته أصابها مكروه،

وهو يهتف لماهر بفزع: "إيه اللي فيه يا ماهر؟ هتجري أكده ليه؟ رحمة جرى لها حاجة لا قدر الله؟ أجابه ماهر مبتسماً بسعادة: "الحمد لله، فاقت يا عمران، ادخلها خليك جارها وأني هنده على الدكتور." ارتاح قلب عمران بدقاته الثائرة بخوف شديد على شقيقته، ثم منعه: "لا، روح إنت خليك جار مراتك، وأني هجيب لها الدكتور، هي محتاجاك إنت أكتر من أي حد."

حرك أهدابه بامتنان لذاك عمران الذي هرول سريعاً للطبيب، أما هو فعاد إليها متلهفاً. وما إن دلف إليها حتى احتضن كفي يديها بين يديه، كي يبثها الدفء ويجعلها تشعر بالأمان في وجوده، وهو يردد لها بحمد: "حمد لله على سلامتك يا رحمتي، أكده تعملي في ماهر عملتك دي وتزلزلي قلبي عليكي! إنتي متعرفيش غلاوتك في قلبي كد إيه!

ظل يلقي على مسامعها عبارات الحب والاحتياج لوجودها بجانبه، كي يجعلها لا تتأوه وتنسى ما هي به واللحظات الصعبة التي مرت بها. ثم أتى عمران هو والطبيب، الذي بدأ بالفحص الكامل لها وحقنها، كي يجعلها تفيق ويستطيع التحدث معها، كي يعرف حالتها. وأول سؤال بدأ به: "اسمك إيه وتعرفي إيه عن نفسك؟ أجابته بوهن، بعدما بدأ المصل يجري مفعوله وفاقت من تيهتها رويداً رويداً: "اسمي رحمة سلطان المهدي، متزوجة ماهر الريان." سألها الطبيب

وهو يشير إلى كلاهما: "إنهي واحد في اللي واقفين دول يبقى جوزك، والتاني يبقى مين؟ كانوا مندهشين من أسئلة الطبيب، أما ماهر فنظر إليها وهو منتظر إجابتها كي يهدأ قلبه، وهو لم يصدق أنها لن تتذكره. أما هي، فأشارت إلى ماهر بعينين تلمعان بوميض من العشق، وهي تردد بدعابة اعتاد عليها لسانها حتى في أشد لحظات مرضها، مما جعلهم يبتسمون جميعاً على طريقتها: "وهل يخفى القمر؟ دي ميتنسيش، في حد يقدر ينسى هولاكو."

ضحكوا جميعاً على إجابتها، أما هو فنظر إليها بنصف عين بنفس دعابتها، وهو يداعب أسفل ذقنه بيديه ويتوعد لها بخفة. وأكملت وهي تشير بيدها تجاه عمران: "ودي عمران أخويا حبيب قلبي، ربنا ما يحرمني منه أبداً."

حرك الطبيب رأسها براحة وبدأ بعمل تمارين ليديها، وجدها تحركها بسلاسة دون أي إعاقة، ثم طلب منها أن ترتفع بجسدها قليلاً كي تتكئ على الوسادة دون أن يساعدها أحد، غير أن ماهر عدّل من وضعية الوسادة خلفها. فأسندت يديها على السرير ثم رفعت جسدها على الوسادة، مما جعل الطبيب يطمئن لهذا المؤشر.

ثم استأذن من ماهر أن يتناوب في عمل تمارين لقدميها، فرفع ماهر الغطاء قليلاً وعدل من هندامها كي لا تظهر قدماها، فهو يغار عليها بشدة. ثم بدأ بتحريك قدميها، ولكن رحمة لم تشعر بهم على الإطلاق، مما جعلها ترد بذهول: "إني مش حاسة برجلي خالص، هو في إيه؟ انصدم عمران وماهر من ما قالته للتو، مما جعل الطبيب يتنهد بأسى، مما شك فيه من البداية. فاستأذن من ماهر: "بعد إذنك، ممكن تبعد أشوف شغلي."

ابتعد ماهر وخطى إليها وأمسك كفي يديها واحتضنه بين يديه، وباليد الأخرى يربت على ظهرها بحنو كي تهدأ. أما الطبيب، فبدأ بعمل تمارين لقدمها وهو يسألها، وكل ما تجيبه أنها لن تشعر بشيء أبداً. فقام بشك قدمها بذلك الدبوس، ولكنها أيضاً لم تشعر ولم تتأوه، مما جعلهم جميعاً منصدمين من عدم شعورها بشكة الدبوس. حتى نطقت بصدمة: "معقولة؟ هو أنا أكده اتشليت يا دكتور؟

خطى عمران إليها هو الآخر، ثم شملها بنظرة حانية، وهو يربت على ظهرها كي يرزقها السكينة والهدوء. ثم تحدث الطبيب بنبرة حزينة، وهو يعلمهم حالتها: "الحمد لله، قضى أخف من قضى، ربنا نجاكي من الموت بمعجزة من عنده، لو كان جوزك اتأخر عنك دقيقة واحدة بس، كانت هتفرق في عمرك. فمش عايزين اللي حصل يأثر على نفسيتك، علشان في مشوار علاج لازم هتكمليه، وبإذن الله ربنا بيخلف في قضاه ألف رحمة."

انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وكأنها كانت تعلم كم ذاك الوجع الذي سيسكن قلب تلك رحمة. وشعرت أن الدنيا أظلمت من حولها. أيعقل بعد أن كانت تلهو وتلعب وتجري بشقاوة وتملأ الكون من حولها بهجة وسعادة، لاااا، بل هي صاحبة السعادة بنفسها، أن تقضي باقي عمرها على كرسي متحرك! أما ذاك ماهر هو وعمران، فانصدموا بشدة. وعمران نطق بلسان غير مصدق: "يعني إيه كلامك ده يا دكتور؟ هي أكده مش هتقدر تمشي تاني على رجليها؟ أجابهم الطبيب بعملية:

"مش أنا اللي هقدر أحدد دي، لسه هنعمل أشاعات وتحاليل، ودكتور عظام هو اللي هيتابع معاها ويعرف حالتها إيه بالظبط وهتمشي إزاي. بس إن شاء الله، ما تقلقوش، ممكن يبقى فترة مؤقتة وترجع لطبيعتها تاني، بس أهم حاجة الصبر والحالة النفسية، دول أهم من أي علاج. فإنا هبعت لكم دكتور عظام كويس جداً، هو اللي هيتابع الحالة بتاعتها."

أنهى الطبيب فحصه لها وإخبارهم بكل شيء يخص حالتها، وأجابهم على جميع أسئلتهم، ثم خرج. معه عمران وهو يسأله صريحاً بعيداً عنها: "يعني يا دكتور، ممكن تقعد قد إيه في حالتها دي من نظرتك؟ ولا هي أصلاً هتفضل أكده على طول قاعدة على كرسي متحرك؟ تنهد الطبيب بأسى وهو يصارحه:

"مش هقدر أجزم في حالتها وأريحك بحاجة، إني ما هعرفهاش ومش متأكد منها، لكن في حالات كانت زيها بالظبط، ومع العلاج والمداومة والمتابعة مع دكتور العظام، ربنا كرمهم رجعوا يمشوا على رجليهم تاني. وزي ما قلت وأكدت، الحالة النفسية هي العامل الأساسي لشفاء المريض. فأول حاجة هتشتغلوا عليها معاها هي إنكم تحسنوا من نفسيتها، وما حدش يزعلها وما حدش يحسسها إن هي فيها حاجة مختلفة. لازم تتعاملوا معاها بحذر جداً، لأن هي الفترة الجاية

هتتصرف تصرفات عدوانية جداً، لأنها هتحس بتقلها على كل اللي حواليها. مش هتحب تشوف نظرات العطف ولا الشفقة. إني هقول لك الكلام ده عشان تاخدوا بالكم منها كويس قوي، ولازم تحطوا قدام اعتباركم إنكم هتشوفوا إنسانة جديدة خالص غير اللي أنتم تعرفوها، لأن اللي حصل لها مش شوية. إن الإنسان يكون بيمشي ويجري ويلعب ويروح كل مكان ويعتمد على نفسه في كل حاجة، وفجأة يلاقي نفسه قاعد على كرسي متحرك، مش قادر حتى يخدم نفسه ولا قادر حتى يعمل

لنفسه أقل الأشياء البسيطة. فبالتالي الدنيا هتسود في عينيه. وعلشان أكده لازم الدعم النفسي أولاً وآخراً وكل شيء. وطالما الدعم النفسي موجود، إن شاء الله العلاج هيجيب نتيجة. أما المدة قد إيه، فلازم ما نعرفهاش للمريض عشان ما يبنيش أمل عليها، وبعد كده لما تخلص المدة وما يلاقيش نفسه استجاب للعلاج هينتكس. فنقول للمريض كل شيء بأمر الله، وإحنا نعمل اللي علينا. حبيت أعرفك كل حاجة عشان تكون على علم، ولازم تبلغ جوزها بالكلام اللي

إني قلته لك، وربنا يشفيها يا رب وترجع لكم بألف سلامة."

تركه الطبيب وذهب من أمامه، وهو يقف مستنداً على الحائط بحزن شديد على شقيقته الصغيرة التي كانت تملأ الكون حولهم بالحب والشقاوة، فحرمت من بهجة حياتها. يقف في حيرة، كيف يخبرها بما قاله الطبيب عن حالتها؟ كيف ستتعامل معهم بعد تحذيرات الطبيب تلك، وخاصة أن رحمة كانت تحب الحركة كثيراً والخروج، وليس من طبعها الكسل.

أما في الداخل عند رحمة وماهر، كانت تبكي بكاءً شديداً يقطع نياط القلوب في صدر زوجها، الذي التقطها إلى أحضانه الدافئة، وهو يحاول أن يهدئها ويطمئنها بأن الأمور ستسير على ما يرام. ولكن ما وصلت إليه الآن، وعلى حين غرة، لن يستطيع عقلها تحمله. ثم غفت في نوم عميق من أثر الأدوية التي دخلت جسدها ومن أثر البكاء التي بكته بشدة. ويجلس ماهر وعمران بجانبها، وعلى وجوههم حزن يكفي العالم بأكمله. وقد سرد عليه عمران ما قاله الطبيب، وهم ينظرون لهيئتها النائمة كالملاك، وقلوبهم تتألم بحسرة على ما حدث لها. ولم يعلموا كيف سيكون القادم، وكيف ستكون هي؟

هل ستتقبل الأمر برضا بقضاء الله، أم ستكون الصدمة شديدة ولم تتحملها؟ كل تلك الأسئلة التي دارت بمخيلتهم وهم ينظرون إليها، والصمت أصبح سيد الموقف من كليهما.

بعد مرور ثلاثة أشهر على الأحداث، حيث أن سكون لم تذهب للطبيب نظراً لظروف رحمة، وأجلت الموضوع قليلاً. العلاقة بين شمس وعامر تتطور بسرعة رهيبة، وهم يأتون كل يوم في نفس الموعد عند غروب الشمس، والكلام يأخذهم حتى اعتادوا على الحديث مع بعضهم بشدة. وهي تعلقت بالطفلين بطريقة لا توصف، فقد شعرت معهم بالإحساس بالعائلة التي تفتقده، حتى بات يومها يفقد طعم اللذة بدونهم إن اختفوا عنها. وكذلك فارس وفريدة، فقد أصبح فارس إنساناً جديداً بشخصية واحدة بعد محاولات فريدة الشرسة في الوقوف بجانبه، وصار متعلقاً بها بشدة ولم يستطع الإبعاد عنها، وهي الأخرى هكذا.

أما ذاك العاشقان جاسر ومها، حيث أنهم قد قرروا تأجيل كتب الكتاب حتى تستقر حالة رحمة، فقلوبهم لم تستطع الفرح ورحمة بتلك الحالة. ولكن اليوم، أتى عمران خصيصاً لجاسر، وبعد أن جلسا يتحدثون في أمور عامة، تحمحم عمران متسائلاً: "أمال هتتجوز ميتة إنت وأم الزين بزيادة تأجيل عاد يا بن عمي؟

أومأ جاسر عينيه للأسفل بخجل، فهو لم يستطع التحمل أكثر من ذاك، وكأن الظروف تعانده في راحته، ولكن لابد عليه أن يصبر. فرحمة ليست ابنة عمه فقط، ولكن هي من كانت صاحبة النبض الأول من الحب في قلبه، ومكث كثيراً كي يخرجها من قلبه ويعتبرها مثل أخته. وبالتأكيد هو حزين لأجلها. ثم أجابه بتأنٍ:

"مش وقته يا عمران، لما نطمئن على رحمة الأول، وبعدين نشوف الموضوع ده. أصلاً الواحد ملوش نفس يفرح بسبب اللي حصل، بس اهو قدر ربنا وتدابيره في خلقه." قوس عمران فمه بأسى، لينطق بامتنان لموقف جاسر النبيل في ذاك الموضوع:

"ده العشم بردو يا بن عمي، بس إن جيت للحق، ما ينفعش إننا نتأخر أكتر من أكده. إنت كان زمانك متجوز من أول شهر خطبت فيه، وكمان موضوع الفرح ده هيوبقى كويس لرحمة، هيخرجها من جو الاكتئاب اللي هي دخلت فيه من ساعة اللي حصل لها. علشان أكده هاخدك ونروح لأم مها ونخلص الموضوع ده وتتجوّزوا على خير وتتهنى إنت وأم الزين اللي الدنيا حلفة تعطّل فرحتها بالقوي."

كان جاسر من داخله يريد أن يقفز فرحاً من قرار عمران له، فهو ينتظر زواجه عاجلاً غير آجل، فقد زهق الصبر من صبره. فهو بات يحلم بها ليلاً ونهاراً، فقد شغفها حباً، حتى ظهرت معالم الفرحة على وجهه، مما جعل عمران ينطق مداعباً إياه: "إيه يا عم جاسر، إيه يا عم النحنوح؟ إش حال ما كنتش عمال تقول لا مش وقته، وإنت الفرحة هتطق من عينك؟ بالراحة على نفسك شوية يا عمنا، بكرة تتجوز وتبقوا في بيت واحد وتعمل ما بدالك."

ابتسم جاسر وهتف بدعابة مماثلة اعتاد عليها مع عمران: "إيه يا عمنا؟ ما هو إنتوا السابقون وإحنا اللاحقون، ولا إنت عايز تدوق العسل لوحدك من غير ما تسيب لحد تاني حبة يحلي حياته." ضم عمران حاجبيه باقتضاب وهو ينظر للناحية الأخرى، مكبراً في وجهه بنفس الدعابة: "يا أعوذ بالله، هو الواحد هيرتاح يوم بسبب العيون اللي هتلاحقه كل شوية دي؟ مش عارف الواحد هيلاقيها منين ولا منين؟

والله مش كفاية اللي إني عايش فيه، له وكمان مستكترين علينا حبة عسل." ثم أكمل وهو يكبر في وجهه بأصابعه العشرة بطريقة مشاكسة له: "خف عنا يا أبو عمو، خليها ماشية أكده مستورة، حكم الواحد شاف بلاوي ما يعلم بها إلا ربنا، وادعي ما يوقعك فيها يا جدع."

وطال الحديث بينهم، وقد اتفقوا على كل شيء، ما بين مداعبتهم لبعضهم ومشاكستهم، وما بين الجد. واتفقوا على أن يبلغ مها بأنهم سيذهبون لها اليوم كي يتفقون على موعد زواجهم، وهو بدوره سيبلغ ماجدة، فلا داعي للتأجيل. مما جعل قلبه يكاد يقفز من السعادة بين ضلوعه. وبالفعل، أبلغ مها بما اتفق عليه هو وعمران. ورغم اعتراضها هي الأخرى، لأنها تحب رحمة حباً جماً، ولكن لم تستطع بسبب ملاحقة جاسر وراءها، فوافقت على مضض.

وبالفعل، مرت الساعات سريعة، ويجلس هؤلاء الجمع يتحدثون بسعادة لاتفاقهم على موعد الزفاف بعد أسبوعٍ من الآن. ولكن سألتهم ماجدة السؤال الذي حيرها كثيراً: "طب ما قلتوليش يا ولاد، هتعملوا فرح ولا هتمشوا دنيتكم كيف؟ أحست مها بأن موضوع الفرح ثقيل على قلبها، فهي ستخجل بشدة، فمجمل الأمر صعب بالنسبة لها، فهي كانت أماً. ولكن استمعت إلى جاسر يجيب بتأكيد، مما صدمها:

"طبعاً يا خالة ماجدة، هنعمل فرح وفي أحسن قاعة فيكي يا قنا، إيه اللي ما يخليناش نعمل فرح أصلاً؟ أنهى كلماته وهو ينظر إلى مها كي يستشف رد فعلها، فوجد أن وجهها متغير ويبدو عليها الانزعاج، فسألها مندهشاً: "مالك يا مها؟ هو إنت عندك اعتراض على الفرح؟ ممكن تقولي رأيك؟ هنا قام عمران وهو يشير إلى ماجدة وسكون آمراً إياهم: "طب نقوم إحنا بقى ونسيبهم يتكلموا على راحتهم ويتفقوا على كل حاجة، وأيًّا كان قرارهم هم حرين فيه."

أطاعوه وقاموا خارجين، وتركوا لهم المكان كي يتناقشوا بحرية. فاقترب منها جاسر قليلاً مع حفظ المسافات، وهو يسألها عن ذاك الأمر، وهو يرى التوتر بادياً على وجهها: "مالك يا أم الزين؟ من ساعة ما سيرة الفرح جت وإنتِ متغيرة، وشك قلب وحاسس بالتوتر اللي إنتِ فيه على الآخر. هو إنتِ مش عايزة الفرح؟

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وهي خائفة أن تخبره برفضها لذاك الحفل، فهي خجلة بشدة ولن تستطيع أن تقف بين حشد من الناس بمظهر العروس، لأن ظروفها مختلفة عن أي أنثى في حالتها تلك. ثم فهمته مقصدها بهدوء، وخاصة عندما رأت هدوء أعصابه معها وطريقة سؤاله بعيدة كل البعد عن الانفعال، وخاصة أنه استشف رفضها وتوترها. ولكن ذاك جاسر دائماً يفاجئها برجولته معها وعدم عصبيته وتلقيه منها جميع الأمور بسلاسة، مما جعلها تهدأ قليلاً وهي تخبره بما تريد دون خوف. وهكذا هي العلاقات المريحة لكلا الطرفين، علاقات خالية من التعقيد وخالية من الجبن، حيث أن الطرفين فيها يشعر دائماً بالأمان. والأمان هو سبب نجاح أي علاقة بين رجل وامرأة، فحينما وجد الأمان وُجد الحب ووُجدت

السعادة:

"إنت من حقك طبعاً تعمل فرح، لأن دي أول مرة ليك في الحياة الجديدة دي، بس مش عارفة، حاسة إني هبقى مكسوفة أو مش مستريحة أو مش هعرف أتعامل مع الجو، لأن إني ظروفي مختلفة. مش حابة أشوف في نظرات الناس لوم، مش حابة أشوف نفسي في عيونهم الست اللي جوزها مات، ولادها ماتوا، فراحت اتجوزت ونسيتهم. مش حابة أشوف في عينيهم إني ما عنديش دم، حاسة وقتها النظرات دي هتقتلني وهتخليني أنكد عليك فرحتك. بس الموضوع كله لما اتقال دلوقتي قلقني قوي، ما كنتش بفكر فيه قبل أكده. فيا ريت تتفهم موقفي من غير زعل، إني حبيت أوصل لك كل اللي في قلبي."

تنهد جاسر بأنفاس عميقة، وهو ينصت إلى تخوفها بانتباه، ثم نظر إليها نظراته المفعمة بالحب الشديد، وهو لم يحزن قط من تخوفها ذاك، ويطمئنها كالعادة ببلسم كلماته: "يعني كل خوفك من الناس وكلام الناس ونظرات الناس، يا أم الزين! طب ما تسيبك من نظراتهم ولومهم اللي هي أصلاً ما بتخلصش على أي حاجة مهما عملتي. يعني لو إنتِ مثلاً ما اتجوزتيش وعايشة لوحدك،

هيقولوا: شوفوا ماشية على حل شعرها وعايشة لوحدها وبتلبس وبتخرج، ولا هاممها أي حاجة. ولو الست اللي جوزها مات اتجوزت، هيقولوا: شفتي يا أختي، كأنه كلب وغار وراحت اتجوزت. ولا لو نزلت جابت حاجة لولادها وعاشوا حياتهم ولا فسحتهم، هيجلدوها وبرضه مش هيسيبوها في حالها. فإحنا ليه نشغل دماغنا بكلام الناس ونظرات الناس اللي هم أصلاً مؤذيين في جميع الحالات؟

المفروض كل إنسان يشغل باله في حاله، أصل ما حدش هيحس بالست الوحيدة قد إيه بتعاني من غير وجود سند جنبها، زي ما هي حاسة. ما حدش هيحس بوحدتها آخر اليوم وهي بتضم نفسها على نفسها زي الأطفال بالظبط، وهي خايفة من بكرة، خايفة على ولادها، خايفة على نفسها، عشان الناس عمرها ما هطبطب عليها." وأكمل كلماته المطمئنة لها بطريقته الرائعة تلك التي رطبت على قلبها:

"المفروض محدش يشغل دماغه بحد، كل واحد يسيب التاني في حاله بهمومه، بالشيلة التقيلة اللي هو شايلها. والله لو ده حصل، الدنيا حالها هيتعدل، لكن طبعاً عمره ما هيحصل، عشان كله عينه على كله، ومحدش مكتفي باللي عنده. فإيه لازم إحنا بقى؟ ليه نضيع لحظات السعادة اللي ربنا بيبعتها لنا تفرح على قلوبنا وتدخل لها السكينة، عشان خاطر كلام الناس!

لا طبعاً ما نعملش أكده، يغوروا الناس المؤذية اللي هتحسي من نظراتهم عدم حب الخير للغير. إحنا نفرح ونفرح القريبين منا قوي، نفرح قلوبنا اللي الحزن عشش فيها كتير، والناس آخر حاجة نفكر فيها، طالما ما بنعملش حاجة تغضب ربنا، ودي أهم شيء لازم نحطه في اعتبارنا، ربنا وربنا ادانا الحق إننا نفرح، يبقى خلاص يا أم الزين، تنزلي تختاري فستان جميل ونختار كل حاجة مع بعض تخص تفاصيل الفرح، حاجات أكيد ما عشتيهاش قبل أكده زي اللي في بالي، وإني مصمم إنك تعيشيها معايا. مش حابب أي تفصيلة حلوة أخليها تفوتك، الحاجات دي هتفضل محفوظة قوي في الذاكرة بإنها ذكريات جميلة ما بتتنسيش، وإني حابب أحفر معاكي ذكريات حلوة قوي، لما تيجي على بالك تحبيني أكتر."

كانت تستمع إليه بأذنين ملهمة لكلماته الجميلة الراقية الناعمة. فلو حاول العالم كله أن يسعدك وأنت بداخلك منغلق على حزنك، فلن تكون سعيداً ولو بمقدار ذرة. فالسعادة تأتي من داخل الإنسان لا من الخارج. المستقبل لم يعدك أن يحقق لك السعادة ويعوضك عن تعاسة الماضي، عليك أن تفعل ذلك بنفسك. فقد يهاجر الناس بسبب تفاقم القلق، بسبب الإحساس المقيت بأنه مهما عملوا بجدية فلن يأتيهم بنتيجة، وأن ما يعمرونه في سنة قد يدمره الآخرون في يوم،

بسبب الإحساس بأن المستقبل مقفل، وأنهم إن دبّروا أمورهم فلن يتمكنوا من تدبير أمور أطفالهم، بسبب الإحساس بأن شيئاً لن يتغير، وأن السعادة والازدهار ممكنان فقط في مكان آخر. فقد أثبت لها ذاك الجاسر بكلماته أن الماضي ما هو إلا حلم، وما المستقبل إلا رؤية، وعيشك الحاضر بحب تام لله سبحانه وتعالى يجعل من الماضي حلماً من السعادة، ومن المستقبل رؤية من الأمل. فالسعادة شيء يدخل في حياتنا من أبواب لا نتذكر حتى أننا تركناها مفتوحة.

فالحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان، فاستثمر قوتك وانطلق، وتمتع بجماله ما دمت فيه، وتعاطف مع الأرواح القريبة من روحك، ولا تنس أن هذه الرحلة برمتها هي معبر لحياة خالدة، فالتمس السعادة في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة.

تلك الكلمات الذي قالها ذاك الجاسر عبرت في قلبها وأثرت بها بشدة وجعلتها تشعر بالسعادة المبالغ فيها، وهي تظن أنها في حلم وخافت أن تفيق منه في أي وقت. فهو الآن بعد أن طمأنها بهدوء ولم ينزعج من رفضها لفكرة زفافهم وتفهم الأمر جيداً، منتظراً ردها. وهي قرأت اللهفة في عينيه، فطمأنته بموافقتها هي الأخرى، ولكن لها وجهة نظر ثانية عرضتها عليه، وقد زال التوتر قليلاً:

"طيب نعمل الفرح بس في نطاق معين، يعني مش عايزين معازيم كتير، القريبين مننا قوي هما اللي نعزمهم وأصحابك برده المقربين، يعني بالمختصر حفلة على الضيق." تطلعت بمقلتيه برجاء بعد أن أنهت طلبها. أما هو، فتنهيدة حارة خرجت من صدره، وهو لم يعرف بما يجيبها. ففكر قليلاً ليقول بموافقة كي يجعلها تقضي ساعات الفرح بأمان دون قلق أو خوف من شيء ما: "خلاص يا أم الزين، ده إنتِ اللي تأمري بيه، لازم يتنفذ يا بطل." ثم غمز لها بدعابة:

"أهم حاجة إننا هنتجوز أخيراً، عشان في حاجة مهمة نفسي فيها قوي أول ما نتجوز، هموت عليها فوق ما تتخيلي." سألته ببراءة وقد راق له سؤالها أو بالأحرى انتظره: "حاجة إيه دي اللي هتموت عليها وإني معرفهاش؟ أجابها بشقاوة أخجلتها:

"أحضنك، نفسي قوي أحضنك حضن كبير، ووقتها هتحسي فيه بمعاني كتير قوي، وأني كمان هحس بنفس المعاني، بس صدقيني الحضن الأول ده عمرك ما هتنسيه أبداً، وعمر الليالي ما هتقدر تعوضه ولا تخلينا نحس بلذته زي أول مرة، لأن الحضن ده حضن الحرمان اللي استنّيناه كتير."

كانت تنصت إليه بقلب يخفق عشقاً، لا بل شغفها عشقاً هو الآخر، عشق لم يذكره الزمان ولا دونته أساطير الأولين للحب، عشق بمثابة النفس ونبض القلب، فهو قد أشبعها من كلمات المحبين وجعلها تشعر ملايين المرات أنها امرأة مرغوب بها، لاااا بل أنها غير كل نساء العالم. جعلها تشعر أنها الوحيدة المنفردة بساحة الغرام، المتيم عن جميع النساء. ثم سألته على استحياء: "هو الحضن أنواع وليه معاني كتير؟

هزته نبرة صوتها الهائمة ونظراتها التي تحمل شجناً وشوقاً لجميع معاني العشق وأسماها، وأجابها بعيني احتضنت عينيها الساحرتين:

"طبعاً أنواع، يعني في حضن تحسي فيه بالارتياح العادي، بس ولما تطلعي منه مبيأثرش فيكي ومش هتحسي بعد كده إنك مشتاقة له. وفي حضن بارد، تأدية واجب وخلاص، ودي بقى ملهوش لازمة. أما في حضن بتحسي فيه إنك ما بترتاحيش إلا جواه، ما يعوضهوش أي حضن تاني، وفي حضن أي كلام، اللي هو مجرد ما الشخصين يحضنوا بعض، الحضن ذات نفسه بيعبر عن معاني كتير قوي، فيها الصدق، فيها الاحتواء، فيها الأمان، فيها كل حاجة حلوة، ودي بقى بالذات بيبقى حضن إدمان، ما بنقدرش نتعافى منه بسهولة لو فقدنا صاحبه. وفي حضن أخير بقى بيبقى حضن المشاعر بتاع اللحظات الدافية اللي بين الراجل والست، وخلي بالك طالما سميته مشاعر، يبقى لازم الطرفين فيه هيحسوا بمشاعر محدش هيحسها غيرهم."

عيناها كانت مرتكزة نحو صدره، تفكر في كلماته وهي تتخيل كيف يكون طعم الحضن داخل صدره، وأي من المعاني التي قالها سوف تشعر بها معه؟

فهي لم تجرب حضن الاحتواء ولا حضن الأمان ولا حضن المشاعر ولا حضن الإدمان، لم تجرب الحضن من الأساس، فبالتالي لم يفصل القابع بين أضلعها عن الدقات وهي تسمعه وتشتاق التجربة داخل أحضانه. فكلماته ذاتها حانية وناعمة وراقية وتحمل كل معاني الهناء لقلب جفاه الحرمان وضناه الضياع، ولم يرى يوماً من الجبر، فماذا بالفعل عن أحضانه؟ ماذا عن طعمها، إحساسها، عن دفئها، عن جمالها؟

كل ذاك العراك يدور بخلدها ويتخبط داخل أضلعها، عن ماذا وراء ذاك العاشق الولهان بغرامها له وغرامه بها، أطاح بذرات الصبر داخل قلبها المسكين، وتود الآن أن ترمي بين أحضانه كي تنعم بضمة الأمان.

أما هو، فقرأ في عينيها الاشتياق واللهفة والعشق، الذي لأول مرة يراهم في جنس حواء له، مما راق له وجعله يشعر بالانتصار ويفخر بحاله بأنه فاز بعشق المها بعيونها المها وقلبها الصبي الذي ولد على يده وعقلها الرزين، الذي جعله يشعر شعور الملوك بأنه امتلك الانتصار الأعظم في بلاد حواء، إنه عشق "أم الزين". ثم شاغبها كعادته:

"عارفة إني حاسس دلوقتي إنك نفسك في حضن الإدمان دلوقتي، وبصراحة إني هشتاق قوي زيك بالظبط. فعلشان أكده هقول لك تصبحي على خير يا أم الزين، ونتقابل بكرة إن شاء الله نرتب أمورنا للفرح، بدل ما أتهور وأشدك لحضني، ووقتها هروح أجيب المأذون، ولا فرح ولا يحزنون، وتضيع التفاصيل، وإني راجل بيعشق التفاصيل اللي فيها قلة أدب قوي، هيموت فيها."

خجلت من نظراته وهمساته، وكالعادة أول مرة تُلقى على مسامعها تلك الأنشودات العذبة، فابتسمت له وأودعته السلامة وذهبت إلى غرفتها، واحتضنت وسادتها بحس مرهف، وهي ترمي على تختها بحالمية كالفتيات المراهقات، وهي لن تصدق أن ذاك المشهد الذي تقوم بفعله الآن مر عليها أخيراً، بعد أن ظنت أنها لن تعيش تلك التفاصيل. فحقا عشقك أيها الجاسر، كأنهار من العسل المصفى الذي لم يتغير طعمه، عشقك من الجنة يا من بغرامك صرت متيمة. أن تعشق إنساناً

ذلك يعني أن ترى كل ما فيه جميل، فلا تضعه في حيز مقارنة، ولا ترهقه في أطر الكمال. في العشق تحلق الأرواح بلهفة كعصافير حب عرفت لتوها معنى الطيران. العشق داء ودواء، وزاد وماء، هو سكينة وهو الاحتواء. في فضاء العشق يسبح العاشقان حيث لا أحد فيه غيرهما، وغير حلمهما السرمدي باللقاء. وها نحن على موعد لقاء الجاسر والمها أخيراً، بعد رحلة عناء لكليهما.

في منزل عمران وسكون، حيث خرج من حمامه وبحث عن سكون ولم يجدها، فارتدى ملابسه وهي عبارة عن تي شيرت بحمالات من النوع القطني ذو اللون الرصاصي، ومن الأسفل شورت قصير من اللون الأسود، ثم خرج من الغرفة يبحث عنها بأقدام هلامية كي لا تشعر بقدومه. وجدها أخيراً تقف في المطبخ تطهو طعام الفطور، فاليوم يوم الجمعة، اليوم الوحيد الذي يتناول كلاهما وجبة الفطور مع بعضهما. فكانت تعد لذاك اليوم طعاماً شهياً غير جميع الأيام، لأنه اليوم الوحيد المختلف في الأسبوع. وجدها تصنع الفطائر التي يعشقها ورائحتها الذكية تعبئ المكان. فاقترب منها واحتضنها من ظهرها على حين غرة، وهو يقبلها بجانب أذنها هامساً لها بصوت

أجش من أثر اقترابه بها: "صباح الجمال على عيون الحلوين اللي قاموا ونزلوا من جنب حبيبهم وسابوه لوحده من غير ما يصبح عليهم، عشان يعمل الروائح اللي تفتح النفس دي."

دقات قلبها أعلنت الطبول من حركته تلك التي أثرتها. فهي حلمت يوماً من الأيام ببيت هادئ ورائحة الخبز تفوح في المنزل في كل مكان، وحوله حديقة صغيرة تجلس بها مع من تحب وحولها أطفالها، وأن يكون لديها عائلة صغيرة تحتضنها بكل حب. ثم استدارت بجسدها إليه بعد أن وضعت الفطائر في الفرن، وهي تحتضنه من وجنته وترد على صباحه بنبرتها الرقيقة:

"صباح الخير على حبيبي. قلت بقى أنزل أعمل لك الفطير اللي إنت بتحبه، إنت عارف بحب يوم الجمعة يبقى مميز، عشان دي اليوم الوحيد اللي بنفطر فيه مع بعض." واسترسلت حديثها وهي تنظر له نظرة هائمة، وقد راق لها احتضانه لها وبثه الحب دائماً في قلبها:

"تعرف يا عمران، إني كنت دايماً بحلم ببيت صغير زي اللي إحنا عايشين فيه، وله جنينة زي اللي إنت عاملها لي بالظبط. وكمان زي ما إنت ما عملت دلوقتي، تصحى الصبح تحضني وأنا واقفة في المطبخ بعمل لك الأكل، زي ما بشوف في المسلسلات، كنت بحلم ببيت دافي وجميل زي ده." ثم انقلبت معالم السعادة البادية على وجهها إلى معالم الحزن، وهي تكمل ما كانت تحلم به، مما جعله يتنهد بأنفاس عميقة من هول زفيرها، استنشقتها وعبأت صدرها بالكامل:

"ولادي بيدوروا حواليا في المكان، وإني وجوزي قاعدين نتفرج عليهم وإحنا البسمة مزينة وشنا، ونقوم نشاركهم اللعب ونقضي يوم الإجازة كله إني وإنت وولادنا في هنا ومرح، واستنى لما ييجي تاني في آخر الأسبوع من جماله. ونقعد نتخانق إني وإنت وأقول لك ابني شبهي مش شبهك، وإنت تقول لي بنوتي شبهي إني مش شبهك إنتِ. بس مش كل حاجة بيتمناها الإنسان بتحصل، الحمد لله على السراء والضراء."

لقد تمزق داخله من إحساسها بالحرمان الشديد، وحالتها تلك جعلته يحزن بشدة، فهو لم يرد أن يراها حزينة يوماً من الأيام. ولكن مثلما قالت، ليت كل ما يتمناه المرء يدركه، ولو كان بوسعه أن يحقق لها جميع ما تحلم به فورب السماء لفعلها دون أن تنطق. فبمجرد أن يرى في عينيها لهفتها على شيء ما، لجلبته تحت قدميها في رمشة عين. ولكن ريثما أشياء لا يستطيع المرء أن يفعلها، لأنها لم تتحقق إلا بيد الله سبحانه وتعالى. لم يرد أن يبين لها أنه انزعج من كلامها، ولكن هكذا عمران دوماً يفاجئها. فالتقطها بين أحضانه ودخل معها عالم الأحلام، وهو

يربت على ظهرها بين يديه:

"أنا كمان زيك بالظبط بحلم، وأنا راجع من الشغل ولادي يحضنوني ويجروا عليا ويقولوا لي جبت لنا معاك إيه يا بابا، ويتخانقوا مين يحضني الأول، وأقعد معاهم عقبال ما إنت تعملي لنا الأكل عشان نتجمع كلنا على سفرة واحدة، وهم يقعدوا يحكوا لي يومهم عامل إزاي. بس أنا بقى يا سكوني، عندي أمل وثقة في ربنا كبيرة قوي إنه مش هيحرمنا، وإنه هيدينا على قد صبرنا خير كبير قوي، صدقيني من حلاوته هنشكره عليه العمر كله. زي ما إني واثق برده إننا

لازم نصبر ونتعب، وعلشان أكده هقول لك إن إني تواصلت مع فريدة من بقى لي يومين، وحجزت عند الدكتور النهاردة، إن شاء الله هنصلي الجمعة ونلبس ونتكل على الله عشان نبدأ رحلة العلاج، وإني واثق في ربنا إن شاء الله إنه هيجبر بخاطرنا، بس أهم حاجة الأمل لازم يكون في قلبك والتفاؤل كمان، ونمشي على سنة رسول الله

عليه الصلاة وأفضل السلام: تفائلوا بالخير تجدوه، وربنا هيرزقنا ونحقق كل أحلامنا، وبكرة تقولي عمران صدق." كانت تتمسح بأحضانه، وهي تشعر أنها بين أحضان الأمان حقاً. فقد كان عمران ونعم السند ونعم الرجل لها. كان يقوم معها بدور عظيم كالجيش الذي يحمي مدينته ويخاطر بحاله لأجل أن يحميها من مخاطر نفسها ومخاطر من حولها. ما زالت تحتضن وجنته بين كفي يديها، ودقات قلبها ما زالت تدق الطبول في اقتراب عمرانها، وهي تشكره من أعماق قلبها:

"شكراً إنك موجود في حياتي يا عمران. لااا، شكراً إنك إنت بالتحديد رجلي وسندي وبقيت كل عزوتي. شكراً إنك متحملني وضاممني بروحك وقلبك، وعلشان أكده من كل قلبي هقول لك إني رغم ابتلاء ربنا الكبير والصعب ليا، إلا إنه رزقني بيك يا مكفيني وساند قلبي ومحتوي وجعي. شكراً لربنا إنه خلقني من ضلعك إنت، لأن ضلعك شملني قوي." ثم أكملت ببسمة مختلطة بلمعة الدمع:

"بص، هي حاجات كتير قوي ممتنة بيها لربنا إنك موجود في حياتي، وممتنة ليك إنك رفعت راسي وعليتها، وحسستني إنك مكتفي بيا قوي، وإن مهما تعدي علينا أزمات، هقعد وهحط رجل على رجل وأنا عارفة إني مسنودة على أماني، مسنودة على راجل بمعنى الكلمة." أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء، وقلبه هو الآخر يدق رغبة بها بين أضلعه. ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها، مردداً بغرام متيم:

"المفروض ما تشكرنيش، عشان اللي أنا بعمله ده اللي واجب كل راجل يعمله مع مراته. لكن إني اللي لازم أشكرك على وجودك إنتِ في حياتي يا سكوني. أصلك ما تعرفيش إني عانيت من إيه، ولا عمر هييجي في بالك ولا في خيالك إني كنت إيه وكنت إزاي؟

إني اتولدت على إيدك يا سكون، قلبي وإحساسي الراجل بالست اتولد على إيدك إنتِ، وما حدش قدر يخرجني من إحساس الفتور اللي كنت عايش فيه وخلاني أتحرك غير حبك، لما وقعتي بين إيديا يا أجمل صدفة ربنا بعتها لي في الوقت ده. وعلشان أكده مش فارق معايا السن، أصل إني عشت سنين ضاعت من عمري وإني تايه مش عارف إني بعمل إيه ولا فين، وإني واقف مكاني ما بتحركش ليه!

فهزعل على حاجة بإيد ربنا وإني كنت شارد ومش لاقي نفسي أصلاً، كنت تايه ومش عارفني." ثم قبلها قبلة رقيقة من عينيها وأكمل همسه وهو يداعب أرنبة أنفها: "يعني حياتي الحلوة اتولدت على إيدك يا سكوني. لما اتقابلنا إحنا الاتنين، لقيتني بصيت للسما وأني هقف في شباك المستشفى عند محمد وهبص عليكي في اليوم اللي وقعتي فيه بين إيديا، لقيتني بقول: يارب تكون دي اللي من حظي ونصيبي، واللي على إيديها يفوق عمران من نبض وجعه."

تعمقت النظر في مقلتيه وهي تسأله بتعجب لكلماته التي فهمتها للتو: "إنت كنت هتشتكي من حاجة تعباك أو مريت بتجربة قبل أكده خليتك تعاني قوي أكده؟ أغمض عينيه لوهلة، وهو يتذكر تلك السنوات الشنيعة التي مرت بعمره وجعلته كارهاً لحاله، ثم فتح عينيه حتى استقرت مرة أخرى في عينيها الساحرتين، ثم أجابها وهو ينفض عن باله:

"أكيد هحكي لك كل حاجة في يوم من الأيام، بس مش دلوقتي. الكلام في الموضوع ده عشان خاطر هنفطر وهروح أصلي، وبعدين ورانا مشوار سفر طويل، يلا يا حبيبي." كعادتها المريحة، ابتسمت له ولم تلح عليه، ثم بدأت بتكملة طهي الفطور، ثم تناولوه في سعادة تليق بقلوبهما الرائعة في جو من الألفة والأمل الذي لم ينتهي عمران عن إلقائه على مسامعها مع كل نظرة وابتسامة وهمسة.

كانت تجلس أمام حمام السباحة على كرسيها المتحرك، وهي تنظر إلى مياهه التي سلبت أغلى ما بها. فقد أصبحت فاقدة الشغف بكل شيء في الحياة بعد ما أصابتها تلك الوعكة، بعدما فقدت إشراقها في الحياة، بل فقدت كل الجميل التي كانت تعيشه. فقدت المرح. كان ماهر رافضاً أن تخرج للحديقة حتى لا تتذكر ما حدث لها، ولكنها كل يوم تصر على أن تجلس في الحديقة، وبالتحديد أمام هادم ملاذها. وبجانبها مشغل الموسيقى على تلك الأغنية التي تعشقها وتتفاعل معها، وبالتحديد كانت عندما تستمع إليها قبل ذاك، كانت تطير كالفراشة التي ترفرف في الفضاء، تهرب من مكائد الحياة، ولكنها الآن جليسة على كرسي متحرك، لن تستطيع أن تحلق في سماء الحرية كما كانت تفعل تلك الفراشة الرقيقة.

وكانت تلك الغنوة: لولا الملامة يا هوى لولا الملامة لأفرد جناحي عالهوى زي اليمامة وأطير وأرفرف في الفضا وأهرب من الدنيا الفضا كفاية عمري اللي انقضى وأنا بخاف الملامة وآه من الملامة سألوني كتير سألوني سألوني عليه بتحبيه أيوا أيوا وهنكر ليه بصولي ملام وقالولي كلام جراح فرشولي الأرض آه فرشولي الأرض دموع والشمس جراح كل ده كله عشان حبيت ولا عشان قلت أنا حبيت لولا الملامة يا هوى لولا الملامة لأفرد جناحي عالهوى زي اليمامة

وأطير وأرفرف في الفضا وأهرب من الأرض الفضا كفاية عمري اللي انقضى وأنا بخاف الملامة وأنا بخاف الملامة وآه من الملامة يا عيون عطشانة عطشانة سهر يا قلوب تعبانة تعبانة سفر يا عيون عطشانة عطشانة سهر يا قلوب تعبانة تعبانة سفر كتروا من الحب تلاقوا تلاقوا تلاقوا في الظلمة ألف قمر بنحب يا ناس نكذب لو قلنا ما بنحب بنحب يا ناس ولا حدش في الدنيا ما حبش وبنحب يا ناس من غير الحب ما تنحبش من غير الحب ما تنحبش

حتى اللايمين زينا عاشقين لكن خايفين لايمين تانيين

انهمرت الدموع من مقلتيها بغزارة كعادتها كل يوم، فقد تزورها الدموع في اليوم والليلة كثيراً، بعدما كانت ضيفاً أصبحت صاحبة مكان داخل عينيها. في ذاك الوقت، كان ماهر قد خرج للتو من المنزل وبيده كوبان من القهوة الفرنسية التي تعشقها. وعندما وصل عندها، تبدلت البسمة التي زينت محياه إلى حزن عميق عندما رأى عينيها المغمضتين تنسدل منهما الدموع الغزيرة، وتستند برأسها على ذاك الكرسي. فاقترب منها وهو يتنهد بأنفاس عميقة كي يدخل

لرئتيه قدراً كبيراً من الطاقة الإيجابية ليقوم بإلقائها داخل صدر رحمة. ثم اقترب بمقعده منها ودنى منها كثيراً، حتى أصبح وجهه مقابلاً لوجهها، ووصل إليها دفء أنفاسه الحانية، وهو يمد يده يمسح لها دموعها بحنو بالغ، وقلبه ينفطر وجعاً لأجلها. ثم جذبها إلى أحضانه، فتحول البكاء الصامت إلى بكاء بصوت عالٍ وصل إلى قلبه فمزقه، وهو يقف ضعيف مكتوف الأيدي أمام حالتها تلك. ثم ظل يهدهدها

وهو يربت على ظهرها: "بس يارحمتي، حرام والله اللي هتعمليه في حالك دي. مش قادر أشوفك أكده ومقدرش أعمل حاجة. ارحمي نفسك وارحمييني بالطريقة دي العلاج مش هيجيب نتيجة، وكل مرة الدكتورة تيجي فيها تمشي ومتوصلش لنتيجة بسبب حالتك النفسية اللي هتدمرى نفسك بيها. أرجوكي يارحمة، إني عايز رحمة الفرفوشة ترجع لي تاني تملي عليا الكون بهجة. تجدد حياتي بجنونها زي ما كنتي هتعملي معايا. إني ضايع من غير ضحكك ومن غير شقاوتك يارحمة."

هدأت من بكائها رويداً رويداً، ثم خرجت من أحضانه واحتضنت وجنتيه بكفي يديها، وخرجت كلماتها المحملة بنبض الوجع من أعماق قلبها لتقول بشجن: "مبقاش قادرة، فقدت طاقة الحرية اللي كانت هتخليني أطير زي الفراشة وأملى دنيتي ودنيتك مرح. رحمتك هزمها الابتلاء ومبقتش تتحمل وبقيت ضعيفة." ثم أكملت وهي تهدئ من شهقاتها، وهي تتعمق النظر داخل عينيه، ولأول مرة منذ حادثتها، يخرج ذاك الكلام من قلبها:

"كان نفسي أعيش معاك تفاصيل ملحقتش أعيشها وأجربها. كان نفسي أجرب معاك اللعب والجري والمرح في كل مكان في بيتنا. كنت محضرة لك تفاصيل في قلبي وعقلي كل يوم أفاجئك بيها وبتجددها عشان أسعدك. كان نفسي ألعب معاك استغماية وتجري ورايا متلحقنيش. كان نفسي أقف أعمل لك أكل في مطبخي وتاجي تحضني من ضهري وتحتويني وتحسسني بدفاك وانت هتقول لي شكلك قمر وانتِ ست بيت تحبي أساعدك في إيه. كان نفسي ييجي عليا وقت أقومك من عز النوم وأقول لك

خرجني وأكلني درة مشوي واحنا في عز الليل وأتشاقى عليك زي ما أكون بنوتك وتتحمل شقاوتي. كان نفسي في تفاصيل كتير قوي يا ماهر أعيشها معاك وملحقتش، ودلوقتي أبسط الأمور مبعرفش أعملها لحالي، لازم مساعدة من أي حد حواليا، إنت وماما وسكون وإخواتي وهانم، بعد ما كنت مفكرة نفسي سوبر هيرو ومكنتش بشيل حد همي خالص ولا كنت بشتكي لحد خالص، دلوقتي بقيت أضعف إنسانة على وجه الأرض."

كان يستمع إليها بقلب يخفق ألماً، وقد تراشقت عباراتها بألم كنصل سكين حاد غرز في صدره للتو، وتماسك الدمع في عينيه إجباراً عنه كي لا تظنها شفقة فتشعر بالحزن أكثر. ثم قبلها من عينيها الدامعتين، وقد تذوق بفمه طعم دمعها المرير، ثم تحدث وهو يحتضن كفي يديها كي يرزقها السكينة والطمأنينة: "طب مين قال إنك الحاجات دي كلها مش هنعملها؟

يعني إنتِ ممكن تصحيني من عز النوم في نص الليل ولو حتى الفجر وتقولي لي خرجني، والله لا أشيلك جوه قلبي وأضمك بضلوعي وأخدك ونخرج وأبسطك وأدلعك يارحمتي. دي إنتِ الصغننة بتاعتي وبنت قلبي وكل اللي نفسك فيه أعمله لك لو هعطل كل حاجة وأقعد تحت رجلك عشان أعمل أي حاجة تسعدك وأشوف بس بسمتك، والله لهعملها ومش هتأخر أبداً." أكمل وهو ينظر لها برجاء:

"بس أرجوكي يارحمة، مش عايز أشوف دموعك ولا عايز أحس انكسارك، ولا حابب لحظات الضعف اللي هتتملك من قلبك دي. إنتِ هتخفي وهترجعي تمشي على رجلك تاني وهتملي البيت فرح وهتجري وهتتنطي، بس مش محتاجة حاجة منك غير حبة أمل وتفاؤل على حبة صبر على حبة قوة على حبة ثقة على حبة طاقة إيجابية إنك هتقدري وهتكملي. دي إنتِ الباش محامية رحمة المهدي، اللي كانت تدخل المحكمة تهزها بمرافعة محبوكة محدش عرف يعملها زيك في السن الصغير دي."

ضيقت نظرة عينيها، ثم رمقته بنبرة هادئة مستكينة ومستسلمة لمرضها اللعين الذي سيطر على عقلها وقلبها: "متهيأ لي إن كل حاجة هتنفع، إني مبحبش أشوف نظرات العطف والشفقة في عيون الناس. مش هقدر أتحمل إني أمشي جنبك على كرسي متحرك وأتصعبن على الناس، إني خلاص حياتي هقضيها بين حيطان البيت ومرايدة أشوف الشارع ولا الناس تاني." ضمها أكثر تلك المستكينة وقربها لصدره، وتحدث بنبرة مشجعة كي يخرجها من حالة الضيق:

"طب شوفي بقى كلامك ده تنسيه خالص، لأنه مش هيحصل وهتتابعي يا رحمة مع الدكتورة وهتفيقي لنفسك وهتنسي الوهم اللي إنتِ عايشة فيه، وهو إنك هتفضلي على الكرسي دي. كل الدكاترة والآشعة والتحاليل أكدوا إن إنتِ في حالة مؤقتة، فأكيد مش هنفهم أكتر منهم. وبرضه كلاتهم أكدوا إنك لازم تفوقي من حالة الصدمة وتتشجعي وتتعاملي مع المرض بكل قوة عشان تهزميه، مش هو اللي يهزمك. وإني مش هسيبك يا رحمة تستسلمي لوجعك وألمك، يستحيل ده يحصل طول ما إني جنبك. لازم تثقي إنك هتتسندي على درع حامي هيواجه وياكي كل المراحل. لازم تبقي أقوى من الظروف وتعانديها، وإنتِ أصلاً رحمة المهدي الشرسة العندية، اللي محدش يقدر عليها ولا يقدر يهزمها."

زمت شفتاها بفقدان صبر وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بقهر، وتحدثت بنبرة مضحية منهزمة: "إنت لازم تطلقني وتعيش حياتك مع واحدة تستاهلك. إنت تعبت في حياتك يا ماهر وعانيت قوي. أما إني سيبني لمصيري بزيادة وجعك اللي عانيته في... لم يتحمل حدسه كلامه عن فراقهم، ثم كتم شفاها مانعاً إياها أن تكمل هرائها ذاك، وهو ينهرها بحدة بالغة: "إياكي أسمعك تقولي الكلمة دي تاني يارحمة، هو إنتِ إزاي استسهلتيها قوي أكده!

إزاي أصلاً عقلك أدرك إن إني ممكن أسيبك وأبعد عنك! هو إنتِ فيكي حاجة أصلاً تستدعي إني أبعد عنيكي، ولا مفكرة أزمتك دي هتخليني أسيبك وأفرط في كنزي الآمن؟

إنتِ انتشلتيني من الضياع، خرجتيني من صومعتي المقفولة اللي كنت عايش فيها بلا روح ولا إحساس. إنتِ اتحديتي معايا وجعي وقهري ومر عيشتي بكل قوتك اللي إنتِ هتستنكريها على حالك دلوقتي ومصعباها على نفسك. وإني جه دوري معاكي يارحمة، هتحدي الصعاب وياكي بكل قوتي، ولا يمكن أسيبك إلا بموتي. باختصار بسيط، إنتي الحلم اللي ملهوش مدى والحقيقة اللي ملهاش نكران في قلبي. باختصار أكتر يارحمتي، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان."

وأكمل وهو يناولها كوب القهوة الذي أصبح بارداً، وهو يشاكسها: "أكده حرام القهوة اللي عملتها ليا وليكي بردت، ودي ميرضيش ربنا وعقابك هتشربيها باردة عشان بعد أكده متنكديش علينا وقت القهوة بالذات يا غشيمة إنتِ." اتسعت مقلتاها بذهول، وهو ينعتها بالغشيمة، هادرة به: "وه مين دي اللي غشيمة؟ ما تظبط لسانك دي يا ماهر، وإنت هتتحدث وياي." تبسم ضاحكاً بعدما استطاع إخراج رحمة الشرسة الآن، وهو يباغتها بقبلة سريعة بجانب شفتيها:

"ياه، أخيراً يا عمنا سمعنا صوتك الشرس يا بتاع الكنتالوب والتوب إنت." ابتسمت لتذكره تلك الكلمة، ثم قالت: "ياه، إنت لسه فاكر يابتاع الأسد، اللهم لا حسد." ضحك بشدة، ثم حرك رأسه للأمام وتحدث بنبرة مشاكسة: "يعني إنتِ نسيتي عشان إني أنسى يا صغننة، وبعدين هي دي لحظات تتنسي عاد! ثم غمز لها بطريقة أذابتها: "طب بقول لك إيه؟

ماتيجي بقى نطلع فوق أوضتنا ونشهص شوية ونروق الجو ونظبط الديكور، وأنعنشك أكده، أصلك مش عاجباني خالص وكمان إني مشتاق بالجامد." أومأت له وهي تربت على وجنته، وقد ارتفعت دقات قلبها الرنانة ودقت في أرجاء قلبه، وأردفت بدلال: "هو إنت مبتزهقش والاشتياق عندك مبيبططلش؟ أووو، تصدق نسيت إنك الأسد، اللهم لا حسد." اقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها، يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها، ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه،

وهو ينظر لها باشتياق جارف: "ماهو إنتِ السبب يارحمتي، كل يوم هتزيدي حلاوة وجمال وهتجنيني أكتر من اليوم اللي قلبه، وأني بضعف قدامك قوي." ثم حملها وصعد بها إلى غرفتهم، ووضعها على السرير برفق، وقبلها من جبينها وتركها وذهب إلى الحمام كي ينعم بحمام دافئ، يستعيد به نضارة جسده وحيويته، وكي يترك لها وقت لكي تستعد نفسياً للقائه، فقد قالت له الطبيبة أنهم يستطيعون أن يعيشوا حياتهم الزوجية الطبيعية دون أي عائق.

بعد مدة مضت، قضاها هؤلاء الكابل الشرس يتنعمون في أحضان بعضهم، كانوا يجلسون على السرير، وهو يحتضنها برعاية ويخبرها:

"في خبر حلو قوي هقول لك عليه، جاسر كلمني وقال لي إن فرحه كمان أسبوع. عمران أصر إن هو يعمل الفرح عشان خاطر كفاية تأجيل، وكمان فرصة حلوة إن إنتِ تخرجي من الجو الكاتم اللي حبسه حالك فيه وتحضري الفرح مع حبايبك. فإيه رأيك نبدأ من دلوقتي نشوف هتلبسي إيه أو هتجيبي اللوك منين، أو أجيب لك ديزاينر هي اللي تعمل لك اللي إنتِ عايزاه أهنه، فقولي لي رأيك نعمل إيه يا حبيبي؟

انقبض قلبها من فكرة تواجدها بين جمع من الناس وهي بحالتها تلك، من ناحية، ومن ناحية أخرى سعدت لأجل إتمام زفاف جاسر ومها أخيراً، فهما يستحقون السعادة بحق. لاحظ تشتتها ذاك، فسألها: "مالك؟ إيه اللي خلاكي سرحتي أكده وريأكشناتك قلبت مرة لمحة حزن ومرة بسمة؟ ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار، وتركت لسانها يتفوه:

"مش عارفة، مش متقبلة فكرة إن إني أكون في تجمع مع الناس دلوقتي، ما عنديش استعداد نفسي لحاجة زي دي. وفي نفس الوقت عايزة أفرح مع مها وأفرحها، ومش عايزة أحسسها إن هي عملت حاجة تزعلني في وقت زي ده، لأني بجد فرحت لهم قوي، فمتلخبطة ومش عارفة أفكر." ابتسم بهدوء، وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوانٍ، ثم نظر إليها وأخبرها بما عرفه له جاسر، مما جعلها تبتسم وتطمئن:

"له ما تقلقيش من النقطة دي، جاسر قال لي إن الفرح هيوبقى في نطاق ضيق، أهل يعني في بعض، لأن خطيبته هي اللي طلبت دي عشان ظروفها اللي إنتِ عارفاها، فبالتالي مش هيوبقى في قلق، كل اللي هيبقوا موجودين في الفرح حبايبك، وفرصة حلوة تتجمعي معاهم. وبعدين يا رحمة، عايزك تنسي وتتعايشي على الوضع وتعيشي حياتك وما تضيعيش الفرص السعيدة اللي هتخرجك من الجو المقفول ده وتديكي تفاؤل إنك تكملي مشوار علاجك، وإنتِ عندك طاقة إيجابية، والحاجات اللي زي دي بتفرح قلوبنا وبتخلينا ننسى شوية اللي إحنا فيه."

وضعت كفي يديها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتي ذاك الرائع، وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عينيها وهي: "ربنا يخليك لقلبي وتوبقى طول العمر جنبي. وكل حاجة حلوة ليا منك بتأكد لي إني اخترت صح. إنت اللي جنبك ببقى حاسة بالأمان. إنت جيت حياتي تملى كل سنيني. فرحمة حسن حظي إني قابلتك." احتضنها بحب جارف، وتحدثت عيناهما بحب، وهم يدعون الله أن يجعلهما يشعرون دوماً بالسعادة، وأن لا تفرقهم الأقدار.

وهكذا، لا يستغني الناس في هذه الحياة عن بعضهم، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش وحده في فضاء الحياة، فلا بد من مشاركة الغير في أمور الزمان، ورد الجميل واجب علينا، ومن حسن أخلاق المسلم حفظ المعروف ورد الجميل ومقابلة الإحسان بالإحسان، وقد نهى الإسلام والرسول محمد عليه الصلاة والسلام عن نكران الجميل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...