الفصل 12 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
22
كلمة
10,192
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

ابتسم لها وعرَّف والديه، وصعد إلى سيارته وانطلق بها إلى مزرعتهم. بعد أن تحركت السيارة مسافة طويلة، إذا به يرى شيئاً غريباً من بعيد. سيارة أحدهم تعترض سيارة أخرى على الطريق الزراعي المظلم ذاك. ففتح درج سيارته وشد أجزاء سلاحه ليستعد لمساعدة السيارة الأخرى، ثم زاد من سرعة سيارته وهو يرى اقتحامهم لتلك السيارة وإخراج تلك الأنثى منها.

وما إن رأوه من بعيد حتى أسرعوا في جذبها، ولكنه لحقهم سريعاً. ولكن حدث ما لا يحمد عقباه، فقد تعامل هؤلاء الأشخاص بالسلاح فور رؤيتهم لسيارة عمران تقتحم سيارتهم. فقد صوبوا سلاحهم على عجلات القيادة لسيارة عمران كي تقف ولا تتحرك من مكانها.

فاضطر هو الآخر لاستعمال سلاحه، ولكن طلقته أصابت أحدهم في ذراعه. مما جعلهم جميعاً يرتعبون، فهم ليسوا قادمين إلى تلك البلدة من أجل سفك الدماء، ولكن الآن تعرض صاحبهم لإصابته بطلق ناري في ذراعه. فبدأوا بإطلاق النيران على عمران هو الآخر، ولكن أحدهم نهاهم وهو ينظر حوله برعب: "انتوا اتجننتوا؟ مش شايفين الكاميرات اللي مالية المكان والعواميد بتاعتهم؟ هاتو البت دي بسرعة يلا خلينا نتحرك."

كانوا ثلاثة أشخاص. أصيب أحدهم، والآخر يحاول التلاعب مع عمران، أما الثالث فيحاول جذب تلك الشمس وإدخالها عنوة إلى السيارة. ولكن جسدها الخفيف يجعلها تتحرك بسرعة من بين يده وهي تحاول الدفاع عن نفسها. وكل ذلك لم يهب عمران شيئاً، فأمامه رجال يقومون بخطف امرأة. فاضطر الرجل بضرب الرصاص على عمران، ولكنه لم يصيب الهدف. فهو تعامل معهم بذكاء نظراً لتمكنه من حفظ المكان.

ثم اختبئ بجانب شجرة أمامهم وعلى صوته وهو يتصنع التحدث في الهاتف كي يصيبهم بالرعب ويشتت شملهم: "انت فين يابني؟ أقل من دقيقة تكون قدامي انت وعشرة كمان وسلاحكم معاكم وحاوطوا الطريق الزراعي كله. عايزاه مقفول ميعديش منه دبة النملة." ثم على صوته إليهم وهو يحتمي بجذع الشجرة ويصوب عليهم طلقات النار بشجاعة دون أن يهابهم: "سيبوها يا عرة منك ليه ومش هتخرجوا من اهنه إلا على جثتي."

ارتعب أحدهم ورماها أرضاً وهرول سريعاً وتركهم وهو يردد بهلع حينما استمع إلى مجيء الرجال وإغلاقهم للطريق: "مع نفسكم ياروح ما بعدك روح." تركه عمران كي يستطيع التعامل مع هذا الواقف بمفرده، الذي ردد لعمران وهو مازال يتمسك بقبضة من حديد بذراع شمس التي تصرخ وهو يتحلى بشجاعة واهية:

"انت متعرفش احنا جايين تبع مين. سيبنا ناخدها ونمشي هنرجعها لأهلها الهربانة منهم وأهلها ناس تُقال قوي في البلد. مدخلش نفسك في حوارات انت لا غنى عنها." كان يتحدث وعمران يتحرك بخطوات أشبه بدبة النمل كي لا يشعر ذاك المتسلح الذي انشغل مع كلمات شمس ومحاولة إفلات نفسها من بين يده: "متصدقهوش يابشمهندس دول عايزين يخطفوني وأنا والله ما اعرفهم. انت راجل صعيدي متسبش الحرامية اللصوص دول ياخدوني. أبوس ايدك لو رحت معاهم هضيع."

كان المضروب رصاصة في كتفه يرى قدوم عمران من الخلف وهو قادم على زميله، فهدده عمران بالسلاح في صمت كي لا يتنفس وهو يتهادى بخطواته الهلامية حتى باغته بضربة على رأسه من الخلف جعلته يفقد توازنه.

فابتعدت هي فوراً واشتبك عمران مع ذاك الرجل الذي بدأ بالدفاع عن نفسه. أما ذاك الذي أصيب في ذراعه، فر هارباً هو الآخر. ولم يتبقى سوى الذي يتبارز مع عمران بحرفية. فالآخر قوي البنيان مثله، بل ومدرب على تلك الحركات القتالية. ولكن عمران يجابهه بشراهة وبكل ما يملك من قوة رجل صعيدي، وتلك المبارزة بالنسبة له تعد من التفاهات في بلدتهم. وهو يأمر شمس:

"روحي على عربيتك اقفلي على نفسك ومتتحركيش من مكانك لأن اللي هربوا ممكن يترصدوكي. استنيني." ارتعبت من كلامه، فجرت سريعاً إلى سيارتها والخوف ضرب بأوردتها ضرباً. ولكنها تعثرت بفستانها الطويل وكعبها العالي حتى سقطت أرضاً. وحدث ما لم تكن تتوقعه، فقد وقعت على تلك الحجارة الكبيرة الممتلئة بالحديد المدبب. ولم تراها فالليل وإنارة الشوارع غير كافية.

غير ذلك أنها كانت لا ترتكز في جريها، فخرت مغشياً عليها والدماء تسيل من جنبها. مما أصاب عمران بالقلق من ذاك المشهد. فأنهى أمر ذاك الرجل سريعاً بإطلاق رصاصة أخرى. كان لا يريد اللجوء إليها في مبارزته، في قدمه مما جعله يتهادى أرضاً.

ثم هاتف الشرطة وأبلغ عنهم على الفور، وذهب ليطمئن على تلك الملقاة ودماؤها تسيل. فرفعها بين ذراعيه ويده تحاول الكشف عن مكان جرحها حتى استقرت في جنبها. فخلع الجاكيت الخاص به ودثرها جيداً. ثم حملها وهي غائبة عن الوعي وأدخلها إلى سيارتها لأن عجلات القيادة لسيارته قد تعطلت بسبب هؤلاء الأوغاد.

ثم عاد سريعاً إلى هذان الرجلان اللذان يحاولان الهرب، ولكنه أطلق رصاصة في الهواء جعلتهم يقفوا مكانهما. ولم يصبر كثيراً حتى حضرت الشرطة وقص عليهم ما حدث سريعاً. فهو معروف عند رجال الشرطة لأنه تحدث مع صديقه، فهتف له على الفور: "اني مضطر أمشي دلوك لأن البنت وقعت على الحجر وهي بتجري منهم وجنبها اتخبط في سنون الحديد. هروح بيها على المستشفى العام وانت ابقي تعالى حقق هناك. داي غرقانة في دمها وربنا يستر."

أشار إليه أن يتحرك بها بعد أن مشى بجانبه ورأى حالتها تلك، فصعد عمران سيارتها وذهب بها إلى المشفى وهو يقود سيارتها بسرعة كبيرة. وفي طريقه هاتف سكون وأبلغها ما حدث، فهلعت لأجله: "وانت جرى لك حاجة ياعمران؟ طمنني بسرعة؟ طمئنها على عجالة كي لا يستدعي قلقها: "متخافيش ياسكون اني بخير مفيش حاجة. عفشة اني قلت اعرفك بس علشان متقلقيش علي." همت واقفة واتجهت إلى خزانة ملابسها لتقول له والقلق نهش بها:

"اني هلبس وجاية لك المستشفى ومتعارضش علشان جاية يعني جاية." نهاها بقوة: "له ياسكون كيف هتخرجي من البيت في الساعة دي؟ اعقلي يابت الناس اني زين ومفيش حاجة حوصلت لي. خليكي في دارك وهطمنك علطول في التليفون." أصرت سكون على أن تأتي له: "مهما يكون الوقت ياعمران هاجي يعني هاجي. متحاولش معاي." نفخ بضيق من تصميمها، فيكفيه ما به الآن. ثم هتف بنفاذ صبر:

"ياسكون اقعدي بقي ومتتعبنيش وياكي عاد. اني اللي فيا ومعاي مكفيني مش ناقص اشغل بالي في الوقت بمجيك انتي كمان." شعرت بالقلق والتوتر أكثر من ذي قبل من كلماته: "له هو انت فيك حاجة ياعمران؟ والله لا هاجي يعني هاجي." ثم أغلقت الهاتف معه وارتدت ملابسها على عجالة، مما جعل عمران يختنق من تصرفها الأهوج ذاك. ثم هاتف أبيه وأبلغه ما حدث كي لا يترك سكون وحدها ويأتي معها. وسمعت زينب ما قاله عمران فرددت بعويل وهي تضرب على صدرها

بعد أن أغلق سلطان الهاتف: "وه ياولدي كان متخبي لك فين البلاوى دي." ثم قامت هي الأخرى وأصرت أن تذهب معه كي تطمئن على ولدها. وحاول سلطان منعها ولكنها كانت متشبسة هي الأخرى بتصميم. هبطت سكون الأدراج في هدوء كي لا تسبب الإزعاج لسلطان وزينب، ولكنها وجدت سلطان يجلس في الصالة. فتحمحمت بهدوء وهي تلقي السلام: "السلام عليكم ورحمة الله. بعد اذنك يابابا هروح المستشفى ضروري." قام من مكانه وهو يتعجل زينب مما جعل سكون تندهش:

"يلا ياحاجة، وعليكم السلام يابنتي. اني رايح معاكي عمران كلمني والحاجة زينب راسها والف سيف تروح هي كماني." خرجت زينب وهي تحكم خمارها على رأسها وتحركوا جميعاً ذاهبين إلى عمران. بعد وقت قليل وصلا إلى المشفى وزينب تركض في الطرقات ركضاً وتلتها سكون والقلق ينهش قلبهم. حتى عرفت سكون مكانه، فهي تحفظ المشفى عن ظهر قلب.

وما إن وصلتا إليه حتى اختطفته يد زينب إلى أحضانها قبل سكون التي تقف الآن لا تستطيع صبراً، وخاصة وهي ترى الكدمات في وجهه من أثر الاشتباك: "ياحبيبي ياولدي كان متخبي لك فين يانضري. احكي لي جرى لك ايه وايه اللي حوصل؟

تنهد عمران وهو ينظر لسكون بملامة، فهو كان لا يريد أن يصيب قلبي والديه بالهلع. أما هي نظرت إليه نظرات احتياج تريد أن تضمه إلى قلبها وتطمئن عليه، فهو اليوم قد تعارك بالسلاح وكان من المحتمل أن تصيبه طلقة نارية تؤدي بحياته. ثم شدد على احتضان والدته مطمئناً إياها: "متقلقيش ياحاجة اني زين قدامك اها ومفيش حاجة فيا. ولدك راجل من صلب راجل مش عيل صغير علشان تترعبي عليه اكده." أما سلطان سأله باستكانة:

"ايه اللي خلى العيال دي تتعرض لك ياعمران وتشتبك وياهم؟ هو اني مش منبه عليك لما تكون وحدك متدخلش أي عاركة؟ ليه ماتصلتش علي وواجهتهم لحالك؟ افرض كان حوصل لك حاجة لاسمح الله؟ قص عليه عمران ما حدث بالتفصيل. ثم سألته سكون: "طب والبنت دي حالتها كيف وفين شنطتها؟ نشوف أهلها علشان ياجو يستلموها." هنا تحدثت زينب بشفقة: "يا عيني يابتي ياترى عيملوا فيكي ايه وكشفوا سترك ولا له؟ هتف عمران نافياً ظنها:

"له يا حاجة ملحقوش يعملوا فيها حاجة عفشة لاسمح الله. اني شفتهم قبل ما يوقفوا عربيتها ومن وقتها الاشتباك بيناتنا ابتدى. بس هي الله اعلم حالتها عاملة كيف داي وقعت على حجر اسمنت مدبب بالحديد ونزفت دم كتير قوي." كانوا يتحدثون وقلوبهم تدق بعدم الراحة. ثم خرجت إليهم الممرضة وطلبت منهم: "الحالة اللي جاية معاكم ياجماعة محتاجة نقل دم ضروري جداً." هتفت سكون الى الممرضة وهي تسألها: "فين المسؤول عن القسم يا آنسة؟

ماتجيبوا من بنك الدم وانقذوا الحالة." أجابتها الممرضة وهي تعرفها جيدا: "إنتي عارفة يا داكتورة إن بنك الدم مفيهش رصيد كفاية." سألها عمران: "أنا هديها أنا فصيلتي O بتدي كل الفصايل." اعترضت زينب وهي تمنعه أن يتحرك: "له متديهاش حاجة هي كمان هتاخد دمك وانت كنت هتموت بسببها مش كفاية وشك ودراعك اللي هتحمله على يدك دي دم كماني؟ خلل عمران أصابعه بين خصلات شعره ثم نطق بنفاذ صبر: "وه ياحاجة هي ذنبها ايه في اللي هتقوليه دي؟

دي امر الله عاد وهو اللي بعتني في طريقها علشان أنقذها ودلوك في يدي حاجة بسيطة اعملها علشان انقذ حياتها. اسيبها عاد همليني بقي ياحاجة زينب الله يرضي عنيكي خلينا نخلص من الليلة دي." كانت سكون تقف صامتة بمشاعر مختلفة تستحوذ على عقلها وقلبها. والأغلب انها مشاعر مخيفة يشعر بها قلبها ولم تعرف ما سببها أو ما وراءها. ولكنها كانت في وضع غير مريح لها ولعمرانها وفضلت الصمت ومشاهدة ما يحدث حولها دون أن تتفوه ببنت شفة.

تركهم عمران ودلف إلى غرفة الفحص. وبعد عدة أسئلة عن صحته اكتشفوا أنه لن يعاني من شئ. فسحبوا منه ما سيحتاجونه من كمية الدم المطلوبة. ثم حوَّل أنظاره إلى تلك النائمة في ملكوت وجعها وهو يتحقق من ملامحها التي رآها بريئة. وبات داخله يسأل؛ ماذا كان لهؤلاء الرجال مع تلك الصغيرة التي يبدو على وجهها الآن أنها بوجه ملائكي حتى يفعلوا معها هكذا؟! أيعقل أن تكون هاربة من أهلها كما قال له الرجل؟!

ظلت تلك التساؤلات تجوب خيال عمران حتى انتهى من إعطائها الدم المطلوب وقام من مكانه بسكون لشعوره بالدوار قليلاً. خرج من الغرفة وجد سكون تنتظره أمامها وبيدها زجاجة من العصير الفريش أتت بها له من كافتيريا المشفى. تناولها منها سريعاً فهو كان يشعر بالاحتياج إليه كثيراً نظراً لعطشه أولاً وشعوره بالدوار ثانياً. وبعد أن روى ظمئه نظر إليها وجد ملامحها باهتة حزينة فأراد إدخال السرور على قلبها وهو يرى تغيرها:

"شفتي أهي الليلة انضربت يادوك ولا غمزة ولا همزة ولا شقاوة ولا حتى حكمدار وعين ماهر رشقت فيا وزمانه هو اللي دايب في الغمزات والحوارات وأنا لبست في حوار مهبب وواحدة مرمية جوه بين الحيا والموت." ضحكت من كلماته بل وخرجت الضحكات من قلبها على دعابته معها في تلك الظروف. ثم رددت بأسف على آخر كلامه: "معلش غصب عني ضحكت والله. بس مين قال إنها عين ماهر بس دي الراجل زين والعيبة مبتطلعش منه؟ حرك رأسه رافضاً بقطع:

"لااا اسكتي اصلك متعرفيش حاجة دي عينه كانت هتاكلني واني مودي له رحمة وخصوصي لما بوستها من راسها دماغه تعبانة. قريت في عينيه أنه عايز يديني بوكس في وشي اللي زمانه بردو دلوك هيدوق العسل وأني اهنه هدوق الدم والمحاليل ولسه حوار التحقيقات اللي هيفضل للصبح." لكزته سكون بغيظ من كلامه: "الله هو الجدع مولود فوق راسك انت اللي هتنق عليهم اهه ربنا يستر عليهم بقي. وبعدين هي مش مرته توبقى اختك اتمنى لهم السعادة وراحة البال."

"سعادة وراحة بال في جملة واحدة مع رحمة أختي دي في الأحلام... " جملة استنكارية نطقها عمران بدعابة. ثم أكمل بنفس دعابته: "داي رحمة هتنسيه اسمه من جنانها ودماغها المفوتة." ثم داعب وجنتيها بأصابع يديه هاتفاً بمشاكسة: "يسلم لي العاقل الرزين اللي كان في ليلة فرحنا ملاك وقمر قوي." ثم غمز لها مكملاً: "ماتيجي نعيد الأمجاد ونروح كده أي بلد نقضي أسبوع أكده اصل الجو اهنه اليومين دول بقي ملبش ومش عاجبني كاتم على انفاسي."

اتسعت مقلتيها بذهول: "بجد ياعمران! نسافر بالله عليك اصل اني مخنوقة قوي وعايزة أهج من اهنه وأغير جو شوية." رفع حاجبه الأيسر هاتفاً باستمتاع: "آه قولي بقي انك وحشك الدلع وعايزانا نرجع ايام الشقاوة واحنا في مكان محدش يعرفنا فيه." ابتسمت بخجل ثم حركت رأسها للأمام بموافقة وهي تحاول أن تتناسى الزمان والمكان والموقف ككل وانشغلت بعمرانها: "اها وحشني وعايزة أستفرد بيك عنديك مانع." غمز لها مرددا بعبث:

"ياباشا اني اصلا راجل صاحب مزاج وكيف عالي وبعشق الاستفراد والحوارات دي اصلا سكتي بس محتاج فرصة عدم الإزعاج علشان كله يستريح." سألته ببراءة: "كله مين ياعمران اللي يستريح؟ حرك إبهامه على وجنتها قائلاً بمكر: "لما نروح هناك هبقى أشاور لك على كله حاجة حاجة بس انتي كترى الدعوات نخلص من الحوار دي وبعدين كله يستريح." لكزته بخفة في كتفه: "انت رخم قوي على فكرة." "هو في احلى من الرخامة بتعمل شغل عالي ياسكوني."

"لااا دي انت باين انك كنت واخد جرعة وقاحة من شوية مش بوكسين معلمين في وشك." "و مالها الوقاحة مش أحسن من النكد بذمتك وياريت الواحد عارف يطولها بمزاج داي شكل ما يكون كل حاجة متفقة عليا النهاردة تضيع الليلة والترتيبات اللي كانت في دماغي بس يالا الحمد لله خيرها في غيرها."

كانوا يقفون مندمجين مع بعضهم في مشهد أليف جميل يمسح على حزنها كالقط الوديع وهي تبتسم له وتبادله خفته معه بلطف اعتادت عليه إلى ان استمعا إلى صوت زينب التي ذهبت تصلي الفجر وعادت إليهم تردد: "كيفك ياولدي حاسس بدوخة من نقل الدم؟ طمئنها عمران وهو يربت على ظهرها بحنو: "زين ياحاجة متقلقيش، مش تروحي ترتاحي عاد واني هفضل بس لحد ما الظابط ياجي هو كان قايل لي هكون عندك ٨ الصبح. خدي ابوي وروحو ارتاحوا في فرشتكم."

اعترضت تماماً على اقتراحه ثم قالت بتصميم: "مش هتحرك من اهنه ولا اني ولا بوك غير يدك في يدي متتعبش حالك." ثم ناولت سكون الحقيبة الخاصة بتلك الفتاة: "خدي يابتي شنطة البونية اللي جوة أهي شوفي فيها ايه خلينا نعرف عنها اي حاجة."

أخذت منها سكون الحقيبة ثم فتحتها واخرجت منها البطاقة الشخصية الموجودة فيها وقرأتها وعرفت هويتها وأنها من القاهرة. ولكن بالطبع لن يعرفون عنها شيء. ثم بحثت في الحقيبة ووجدت ورقتان أخرتان فناولتهم لعمران فقرأهم، وإذا به يشعر بالشفقة تجاهها. إنها شهادة وفاة أبيها وأمها. فردد عليهم بذهول وهو يتحقق من اسم والدها في البطاقة ووجده مطابقاً لشهادة الوفاة: "ياحول الله داي امها وابوها ميتين وهي يتيمة ودول شهايد وفاتهم."

هنا ضربت زينب على صدرها وهي تشعر بالشفقة والعطف تجاه تلك المسكينة: "يا عيني عليكي يا بتي يعني زي ما قالت انهم كانوا جايين يخطفوها وهي فعلا يتيمة الأب والأم وربنا بعتك ليها في وقت الضيقة. الله اعلم كان هيعملوا فيها ايه اللي ينشلوا في ايديهم دول." أتى سلطان واقفاً بجانبهم وقصوا عليه ما حدث فشعر بالعطف تجاهها هو الآخر ثم قال:

"خلاص يا ولدي لما تفوق هاتها عندينا على البيت لحد ما تتعافي خالص وبعدين نشوف امرها ايه او هي موجودة اهنه ليه ما ينفعش ان احنا نتخلى عنيها واصل. احنا عندينا ولايا عشان ربنا يبعت لهم اللي يقف جنبيهم وقت الضيق." وجدت سكون هاتفها فأخرجته هو الآخر ثم ضغطت على الزر الخاص به وإذا بها تنصدم من الصورة التي رأتها. فكان ماهر زوج رحمة وهو يحملها بين يديه ويبدو أنها كانت طفلة صغيرة. ثم هتفت وهي تعرض عليهم شاشة الهاتف: "ايه دي!

داي باينها طلعت عارفة ماهر ومتصورة معاه كمان وهي طفلة صغيرة. معقولة تكون قريبة ماهر وكانت بتحضر الفرح والناس دي اتعرضت لها؟ تفحصت أعينهم جميعاً الصورة والاندهاش ملأ ملامحهم. ثم أخرج عمران هاتفه كي يتحدث مع ماهر ويعرف أمرها. ولكن والدته جذبت منه الهاتف وقد فهمت ما ينتوي فعله، ناهية إياه:

"هتعمل ايه يا ولدي بلاش ترن على جوز اختك في الوقت ده عشان ما يقلقوش وكمان دول عرسان وداي ليلة دخلتهم الصباح رباح. وهي اكده اكده ما داريناش بحاجة لما تفوق وناخدها عندينا البيت نوبقى نكلمه ونشوف حوار البونية دي ايه؟

استجابت لرأي أمه ووقفوا جميعاً يتحدثون وكل منهم يلقي ظنونه برأيه في ذاك الحادث مما جعلهم حائرون للغاية. بعد مرور ساعتين من التعب والإرهاق لجميعهم، دلفت سكون اليها لتطمئن على حالتها وفعلت معها بعض الأشياء إلى ان فاقت. فخرجت إليهم وأعلمتهم بإفاقتها فدخلوا إليها جميعاً. وما إن رأت زينب هيئتها الغاية في الجمال حتى رددت بتكبير:

"الله أكبر تبارك الله البنتة جميلة جمال غير عادي. بس يتيمة يا حبة عيني والزمن بيودي ويجيب فيها كبدي عليكي يابتي." في ذاك الوقت بالتحديد شعرت سكون بأن شيئاً ما يهدد أمانها بعدما سمعت تلك الكلمات من زينب وضـ.ـرب الخوف بأوردتها مجرى الدم في العروق. وخاصة كلمة "يتيمة" التي رددتها زينب وزادتها "بجميلة". ثم استمعت إلى باقي حديثها الذي زادها هلعاً من التركيز مع تلك البنت بشدة:

"هو انت ملبسها الجاكيت بتاعك يا ولدي ولا انا بتهيأ لي؟ أجابها عمران بتدقيق وهو يرى الخوف والغيرة يدوران في مقلتي سكون، فهو يفهمها من نظرة عن ظهر قلب: "شكل ما انتِ شايفة يا امي هي مش محجبة ولبسها ما كانش متداري وكمان كانت بتنزف فاضطريت اني ألبسها الجاكيت بتاعي عشان أسترها."

ظلت زينب تتحدث عنها وهي تنظر إليها بعين معجبة بها ومتلهفة لقدومها معهم إلى المنزل بتشجيع هائل، مما جعل سكون لا تشعر بالراحة في كل كلمة تخرجها زينب من فمها. وسألت سكون بحكم أنها طبيبة بعد ان عرفت حالتها بالكامل: "هي دلوك فيها حاجة انها تفضل في المستشفى ولا ناخدها ونروح يا بتي؟ أجابتها سكون بفتور:

"لا هي الجروح اللي فيها طلعت سطحية الحمد لله. لكن مضطرين نستنى التحقيقات ما ينفعش تخرج من المستشفى الا لما الظابط يجي ويحقق معاها." بعد قليل فاقت شمس وهي تشعر بالدوار الشديد في رأسها وتتأوه بصوت رقيق أدهش زينب ويبدو أنها تهذي من أثر المخدر: "آه آه دماغي آه متسبنيش ليهم أرجوك دول عايزين يرجعوني لعمي الظالم متسبنيش." ربتت زينب على ذراعها بحنو ثم طمئنتها وهي تحاول إفاقتها:

"ما تقلقيش يا بتي انتي زينة وبخير وكلنا جارك إنتي بقيتي في أمان دلوك." بدأت شمس بفتح عينيها رويداً رويداً وهي تشعر بالدوار الشديد وغمامة أمام عينيها وهي تنظر للاشخاص المحاطين بها ولسانها يردد: "انا عطشانة، عايزة اشرب."

أتت لها سكون بكوب من الماء وناولته إياها وقامت بمساعدتها على تناوله برفق. وبعد ان تجرعته بدأت بفتح عينيها على وسعيهما ثم استوعبت اخيراً الرؤية الواضحة حتى استقرت عينيها على عمران الذي انقذها بشجاعة باسلة من يد هؤلاء الغادرين. وقد تسهمت نظراتها عليه بامتنان مصاحب للانبهار بأن ذاك الرجل أنقذها من موت كانت ستعيشه بالحياة دون أن يهابهم. ثم شكرته بنبرة رقيقة:

"انت اللي انقذتني منهم وما خفتش يجرى لك حاجة رغم السلاح اللي كان معاهم. انا مش عارفة اشكرك ازاي انت انقذت حياتي كلها من الدمار اللي كنت هعيشه. انا مديونة لك بعمري كله عشان خرجتني من ورطة كبيرة قوي مش عارفه اشكرك ازاي يا... نطقت زينب متلهفة لكي تعلمها اسم ابنها الشجاع الذي انقذها: "اسمه عمران يابتي، ابني اللي مشرفني ورافع راسي في كل حتة." نطقت "شمس" اسمه من شفتيها برقة مصاحبة لبحة فى صوتها نظراً لمرضها:

"عمران. اسمك يليق للفرسان اللي انت عملته معايا أشبه بالفارس النبيل الشهم. انا لو فضلت أشكرك عمري كله على وقفتك جمبي مش هوفيك حقك." واسترسلت حديثها وقد تبدلت كلماتها الرقيقة إلى أخرى حزينة وقد بدأت في البكاء فهي تشعر بالذل:

"أصلكم متعرفوش عمي الظالم ده باعت ياخدني إجباري علشان يجوزني ابنه المعوق اللي جوازي منه أصلاً ولا يرضي الشرع ولا القانون. بس علشان انا يتيمة ولا ليا أب ولا أم ولا أخ وهو الوحيد اللي ليا بيذلني وحتى مرضيش يديني حقي في بيت بابا إلا لما اتجوز ابنه. وأنا الموت عندي أهون من اني اتجوز البني أدم ده." شعر "عمران" بالشفقة لأجلها والجميع أيضاً، وحتى "سكون" شعرت بالشفقة عليها هي الأخرى. ثم رددت زينب بحنو وهي تمسح بيدها

على خصلات شعرها الناعم: "ياحبيبتي منه لله عمك ده هي الناس خلاص كلت بعضها وهيفتروا وياكلوا حق اليتيم اللي ملهوش ضهر. اشتكيه لربنا وهو هياخد لك حقك منه الضلالي ده." أحست "شمس" بأنها تود أن ترتمي داخل أحضان زينب كي تشعر بحنان الأم التي حرمت منه. فطلبت منها وهي تنظر لها بعين ممتلئة بالدموع: "انتي جميلة قوي ياطنط هو إنتِ ممكن تاخديني في حضنك بقالي كتير نفسي حد يحضني ويطبطب عليا."

أسرعت زينب بأخذها بين أحضانها وهي تربت على ظهرها وتمسح على شعرها بحنان بالغ. والأخرى تمسكت بأحضانها باحتياج. فاليتم والقهر شعوران يؤديان بالإنسان إلى أعلى مراتب الفقدان بكل ما هو جميل. أما سلطان تحمحم متسائلاً إياها: "هو انتي تعرفي المتر ماهر الريان منين؟ اصل احنا لقينا صورتك وياه على تليفونك اصل إحنا فتحناه علشان نعرف انتي مين؟ خرجت "شمس" من أحضان زينب ثم جففت عبراتها بالمنديل الورقي الذي ناولته لها سكون وأجابته:

"ماهر كان جوز أختي اللي ماتت من عشر سنين وهو اللي مربيني وبعتبره أخويا الكبير. جت له واحتميت فيه وهو مقصرش معايا رغم تهديدات عمي ليه وجاب لي مكان اعيش فيه. وعمي تقريبا عرف إن فرحه النهاردة واني أكيد هروح فدبر لي حكاية الخطف دي. لان الكومباوند صعب إن حد يدخل ويخرج منه أو حد يخطف حد فيه. لأن ماهر مشدد على الأمن إنهم ياخدوا بالهم مني. فـ عشان كده استغل فرصة الفرح." هنا هتفت "زينب" بما جعل "شمس" تندهش:

"ولا برواة عليك ياماهر ياجوز بتي طلعت راجل وأصيل وشهم." "هي "رحمة" توبقى بنتك ياطنط؟ " جملة استفهامية نطقتها شمس بذهول وحدسها لم يستوعب أن تلك السيدة الطيبة الحنون التي احتضنتها تكن والدة تلك "الرحمة" الشرسة التي تجبرت عليها كثيراً. فعقبت زينب عليها بتأكيد: "أه رحمة توبقى بتي وماهر جوز بتي."

قطع حديثهم دخول الظابط أخيراً كي يأخذ أقوالهم. وبدأ بالفعل أسئلته لشمس وعمران وأجابوه بما حدث بالتفصيل. استمرت أسئلته ما يقرب من نصف ساعة حتى حصل على استجوابهم بالكامل. وقد اعترفت على عمها وأنه هو الوحيد الذي سيفعل بها هكذا. وكما أن عمران عرفه ما قاله له أحد الرجال أثناء العراك عن أهلها. وانتهى التحقيق وخرج الظابط من الغرفة. ثم قالت زينب لها:

"طب يابتي إنتي مش هتعرفي تروحي على شقتك لانك تعبانة ومتقدريش تخدمي حالك وكمان مش عايزين ماهر ياخد خبر دي عريس. إحنا هنقوم بالواجب معاكي بداله انت هتاجي معانا على دارنا واخدمك بعيني لحد ما ربنا يتم شفاكِ على خير وتوبقي زينة يا بتي." انتابها شعور بالإحراج الشديد من عرض زينب. ثم هتفت برفض لحفظ ماء الوجه:

"معلش ياطنط مش هينفع. انا هعتمد على نفسي واللي هقدر عليه هعمله. مينفعش أتقل عليكم ومتقلقيش مش هكلم ماهر ولا هزعجهم معايا." حركت زينب رأسها برفض لما قالته وأخبرها سلطان: "مينفعش الكلام اللي هتقوليه ده يابتي. إحنا اهنه صعايدة والصعايدة أهل واجب وكرم وعمرهم مايشوفوا حد في ضيقة ويسيبوه واصل. فانتي هتاجي ويانا معززة مكرمة لحد ما ربنا يشفيكي وياخد بيدك وبعدها اعملي اللي على كيفك واللي يريحك."

كانت أنظارها تلتفت إليهم جميعاً بخجل إلى أن ارتكزت على عمران. فابتسم وجهها تلقائياً بحالمية لذاك الرجل منقذها في اللحظة الحاسمة والفارقة في مستقبلها بل وكل عمرها الذي كان سيندثر تحت أرجل معدومي الرحمة. رأت زينب نظراتها تلك فدق قلبها فرحاً ويبدوا أن عقلها سيبدأ الآن بنسج خيوط الحكاية الأولى والأخيرة التي تعيش وتفكر بها وتستحوذ على جُلِّ كيانها. ويبدو أيضاً أن القادم عاصف لامحالة.

وأخيراً وافقت "شمس" على الذهاب معهم إلى منزلهم وستبدأ رحلة "شمس" و "زينب" و "سكون" مثلث الرعب لعمران. *** قبل عدة ساعات من الآن، وبالتحديد بعد منتصف الليل في منزل العروسين. "ماهر" و "رحمة" بعد دخولهما إلى منزلهما يقف ماهر أمام باب غرفتهم التي ستجمعهم سوياً في أول يوم لهما معاً واليوم الذي حلما به كثيراً كلتاهما.

حيث يقف أمام باب الغرفة ويدق عليه بشدة هادراً بها فقد نفذ الصبر من صبره وهو يقف يحايلها منذ ما يقرب من نصف ساعة فقد خدعته صغيرته الشقية وأغلقت الباب على حالها فور دخولهما: "قسماً عظماً أني جبت أخري منك والصبر زهق من صبري عليكي يا مجنونة انتِ افتحي الباب يا بت يا اما هكسره على دماغك دلوك؟ انصعقت رحمة داخل الغرفة من نعتها لها بكلمة "بت" وهدرت به هي الأخرى:

"بت لما تبتك يابتاع شمس أني اسمي الباش محامية رحمة سلطان المهدي." هدر بها مرة أخرى ليرد عليها الكلمة بكلمتها: "وبتردي عليا كمان وبتقلي أدبك على جوزك واحنا لسه في أول ساعة جواز يابت سلطان اللي رباكي تردي علي جوزك الكلمة بكلمتها داي ليلة هتوبقى غامقة على دماغك بإذن الله." ثم كرر دقاته على الباب مرة أخرى بعنف وهو مازال متعصباً منها بشدة:

"الله الوكيل لهندمك النهاردة على وقفتي دي ودماغك الناشفة العنيدة داي معايا واحنا في أولها ولسة بنقول يا هادي سمعتي العالم بينا ياعيلة." امتلأ الخوف جسدها من تهديده لها ودقات الرعب صارت تدق كالطبول بين أضلعها وتخفق بشدة. ولكنها ما زالت تتحلى ببعض الشجاعة فهتفت بعند كاد أن يقتله: "حتة العيلة دي جننتك وخليتك واقف دلوك هتموت بس علشان تطولها ياكبير ياعاقل يابتاع شمس."

أنهت كلامها وخرجت لسانها له من الداخل. فسمع حركتها تلك ولكنه ضحك لتلك الحركة. ففي بضع ثواني أبدلت تلك الصغيرة ضيقه الشاسع منها إلى ضحكات. فكيف لها أن تفعل به هكذا. ثم حاول استخدام اللين معها كي يستعطفها: "طب افتحي يارحمتي عايز أغير هدومي علشان حاسس بالاختناق من البدلة دي يرضيكي موري حبيبك يتبهدل اكده ويوبقى مخنوق ياقمري." شعرت بالشفقة تجاهه وأعجبها بشدة تحايله عليها وشعرت بالانتصار عليه. ثم ابتسم سنها وقالت وهي

تلعب بأظافرها باستمتاع: "دلوك موري عاجباك مش كنت بتقفل منها، طب اتحايل علي شوية كمان علشان قلبي يهدي من اعتذارك لشمس حريقة." ضحك مرة أخرى لذاك اللقب الذي لقبته لتلك الشمس. فحقا لقد شعر بالمتعة واللذة معها رغم عنادها معه وتذنيبها له. ويبدو أن لقاهم سيكون عاصف تلك الليلة، فهو يعشق اللقاء الصعب والتمرد والشراسة في التعامل، تكسبه إحساس بالانتشاء والاستمتاع مع تلك الصغيرة على الحب بأفعالها الجنونية تلك.

ثم ربع ساعديه أمام صدره واستند على الحائط بجانب الباب محاولاً التأثير عليها بكل بساطة بما استفزها وجعلها استشاطت بالداخل: "طب تمام طالما مش عايزة تفتحي بقي أخد بعضي وأروح لشمس حريقة هي اللي تحتويني وتطبطب عليا طالما مرتي مش عايزة تحن علي."

انصعقت كمن أصابها ماس كهربائي جعلها هرولت إلى الباب وبيدها الوسادة وفتحت الباب سريعاً وهي تجز على أسنانها بغضب عارم. وجدته يقف يستند على الباب وعلامات الشماتة بها والبسمة تعتلى وجهه وهو يمرر لسانه على شفتيه. فضـ.ـربته بالوسادة التي بيدها عدة ضـ.ـربات مفاجئة مما جعله أمسكها بأصابعه الغليظة فانقطعت الوسادة وخرج الفايبر الكثيف منها في مشهد يجعل من يراه يشاهده باستمتاع ولذة دون أن يشعر بالملل قط ولو للحظة.

ألقى الوسادة في وجهها فتناثر الفايبر على وجهها وفستانها وتمسك بعضه فيها نظراً للتطريز وحبيبات الخرز التي تملأ فستان زفافها. ثم قبض على معصمها بقوة وهو يردد بانتشاء لحصوله عليها الآن أخيراً بين يده يفعل بها ما يحلو له:

"أخيراً وقعتي ولا حدش سمى عليكي يابت سلطان دي انتي هتتدغدي وعضمك هيتدشدش النهاردة من اللي هعمله فيكي وليلتك الحنينة اللي كنتي مستنياها هتقلب عواصف ورعد وبرق على راسك ومهما تعيطي بدل الدموع دم مش هرحمك النهاردة." ارتعب داخلها من هيئته وتهديداته لها ووعيده الصارم. فعلى حين غرة ابتسمت له بانتصار ورددت وهي تغرس أسنانها في معصم يده المتمسك بها بشدة: "دي بعدك تقدر تمسني ولا توجعني يابتاع شمس."

لم يتحمل قضمها ليده فنزع يده على الفور فطارت من أمامه وهو يتوعد لها: "يابنت المجنونة والله لا أعيد تربيتك من أول وجديد يارحمة وأخليكي تقولي ياريت اللي جرى ماكان."

هرول ورائها ولخفة جسدها جرت سريعاً وهي تحمل فستانها بحرفية وهو يهبط الأدراج ورائها. وبدأ عراك القط والفأر. ثم قذفته على حين غرة برموت التلفاز كي تشتت انتباهه ولكنه لم يبالي وظل يلاحقها من كل صوب وحدب حتى تعثرت بفستانها وسقطت على الأريكة. فانقض عليها علي الفور وهو يقبض على معصمي يدها بشدة. لم تستطيع افلاتها منه ولا حتى أن تصل بوجهها إليه. فهتفت بهدوء وهي تستخدم سلاح الهدنة:

"انت هتستقوى على واحدة ست كائن ضعيف وفي ليلة فرحي كمان اوعى تعمل حاجة ولا تمد يدك الراجل الشهم ميمدش يده على مرته أخلاق الفرسان متقلش اكده ياموري." قرصها من وجنتها قرصة خفيفة لكن آلامتها هاتفاً باستمتاع ولذة الانتصار عليها وهي بين يده محاولاً استفزازها: "وفي واحدة عاقلة تعمل في عريسها اكده ليلة دخلتهم يا أستاذة!

دي أني هعيد تأهيلك وتربيتك من أول وجديد مش هخليكي تشوفي النوم بعنيكي يارحمة على اللي عملتيه دي تخليني ساعة كاملة واقف على باب الأوضة متذنب علشان أوهام في دماغك وتخيلات في عقلك المريض ياأم عقل صغير له دي انتي محداكيش عقل واصل شايلة دماغك ومركبة مكانها صرمة وقديمة كمان." زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة وهي تحاول التأثير عليه كي تكتسب عطفه:

"آه ايدي وجعتني حرام عليك متستقواش على ست رقيقة وضعيفة وانت قدي مرتين وتستغل ضعفي." صمت لثوان ثم حدق في عينيها وأردف باستنكار أزعجها كثيراً: "هو انتِ كائن ضعيف وست زي الستات الرقيقة اللي في يوم جوازهم بيبقوا هيجيبوا نجمة من السما لأجوازتهم ياروحي، دي انتي عضاضة وعشر ألسن في بوقك اللي عايز يتخيط ده." رمقته بغضب مستطير من رماديتها المشتعلة:

"لاحظ انك عمال تغلط كتير واني ساكتة أها ومحترماك علشان تعرف إني مش ناشز ومطيعة وقلبي طيب." إتسعت عيناه ذهولاً من نبرتها المستكينة فأشار إليها بكفيه وقال: "بس ياحنينة بس دلوك قلبتي قطة ياجبانة لما بقيتي تحت يدي! ثم أدلى عليها أوامره بنبرة لاتقبل النقاش كي يستفزها ويرى من شراستها التي نالت إعجابه المزيد والمزيد. وهو يترك يدها وما زال محتجزها بجسده حتى إن دخل عليهم أحداً لم يراها:

"هتقومي دلوك تقلعيني الجاكيت والجرافتة وتسخني ماية وتحطي لي رجلي في ماية وملح وتروقي عليا، وتجهزي لي عشا رايق اكده اني عريس وداخل على معركة مع واحدة بتهبش فلازم يكون عندي صحة ليها يالا ياروحي ومتفكريش تطلعي وتهربي وتقفلي على حالك علشان لو عميلتيها الله الوكيل هتلاقيني سابقك وشوفي وقتها هسويكي الجنبين ومش هخلي عينك تشوف النوم تلت ليالي من اللي هعمله فيكي يابت سلطان."

خشيت أن تضعف أمامه فيستغل شعورها بالخوف فصاحت به بقوة مصتنعة وهي تلومه بشدة: "دي ظلم وافترا ماية سخنة مين ياعنيا دي في أحلامك عصر سيدنا السيد خلص من زمان ياعم الخط، انسى دي بعدك، قال ماية سخنة قال وكمان أدخل أطبخ في ليلة فرحي بدل ما اتعامل معاملة الهوانم! لكزها بيده على كتفها وهو ينهيها:

"متعليش صوتك يابت سلطان اهنه الكلام ده ممنوع، وبعدين انتي اللي بديتي ولعبتي في عداد عمرك لما فكرتي تعملي عملتك دي، وبعدين هو إنتِ ادتيني فرصة أتعامل معاكي المعاملة اللي تستاهلها البنات الرقيقة يوم فرحك دي انتي ياقادرة وقفتيني ساعة أتحايل عليكي وأراضيكي واعتذرلك على موقف تافه وكلمتين قلتهم للبنت علشان ألم الحوار ومنفرجش علينا الناس في فرحك اللي كنتي هتبوظيه بدماغك الصغيرة."

نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت عبراتها ظناً أنه بالفعل سيجعلها تفعل ما قاله لها ولم يريد استفزازها فقط، لكنها استعادت قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها كلماته بكل قوة: "امال كنت عايزني أسيب الزفتة الباردة دي تتصور معاك دي في أحلامك انت وهي يامتر؟

أقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه كي يستطيع تهدئتها، فهو قد أثار غضبها وانتقم منها كما فعلت معه وانتهى الأمر هاتفاً بعينين يملؤها الاشتياق لصغيرته: "ما هو انتي اللي هبلة ودماغك صغيرة أني كنت هرفض بذوق ياحبيبي، أصل مفيش حد يزعل حبيبه ليلة دخلتنا لازم العريس يتمني العريس لمرته الرضى ترضى."

نظرت له بعيون تخفي ضعف يستكين بداخلها وقلب يخفق عشقاً، ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترتمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها لتقول وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة وهو مازالت يداه تعبث بها كي يثيرها: "طب اوعي بقى علشان نومة الكنبة وحصارك دي وجعلي ضهري يارخم." بدأ شبح ابتسامة خفيفة على ثغره ولكنها سرعان ما اختفت في بحر لهفته لها وهو يغمز لها:

"أحلى رخم دي ولا إيه، اتدللي براحتك واتدلعي ما الليلة ليلتك ياصغنن وهتشوفي وتحسي بالدلع اللي هينسيكي الدنيا باللي فيها يارحمتي." تدلت بأنظارها إلى قميصه وهي منغمسة في فتحه وهمست بدلال أثاره: "فين دي هو اني شايفة غير هولاكو جاي لي بزعابيب أمشير ويقولي ماية وملح وعايز ي لي ريحتي بصل وزفارة يوم فرحي."

استطاعت بلمستها البسيطة وفعلتها تلك إثارته فأمسك يدها وقبلها قبلة عاشقة متيمة مغرمة بها وبأنوثتها ودلالها المفرط أن تجعل ذرات الصبر داخل جسده تتفتت في قربها وهمسها مردداً مع كل قبلة ليدها تارة ولوجنتها تارة وجانب شفتيها تارة أخرى: "مطلعتيش سهلة يابت سلطان وخليتي الجبل اللي مايهزه ريح يتحرك من مكانه والسفينة لقت مرساها خلاص بعد ضياع."

أنهى كلماته بقبلة عاصفة لشفتيها تاهت بها في اقترابه العاصف بها، لأول مرة تشعر بلذتها تلك في اقترابه واندماجت معه بخجل أثار غريزته وجعله يلهث بالمزيد منها واستطاع سحبها لعالمه المشتاق المتلهف لقربها بفعل أشياء لم تكن تتوقعها من ذاك الماهر. فكان معها كالعطشان لقرب أنثاه التى أهلكته في عشقها فأوجعها قليلا بهوجاء اقترابه ولم يراعي أنها أول مرة لها بين يديه ولم يراعي جسدها الضئيل. ولكنها صبرت وتحملت فهي الأخرى عشقت شراسته تلك وأخيراً سكنت السندريلا قلب أميرها الذي سقاها من شهد اقترابه أنهارا من العسل المصفى الذي راق لها وأصبح هناك هناك لمسة يد وضربة جزاء واضحة وضوح العاشق على المتلهف لأن الكورتين تعدوا الخط الأبيض باجتياز ومهارة.

*** في الساعة الحادية عشر صباحاً استيقظ جاسر من نومه بعدما قضى ليلته طوال الليل يحلم بطيفها وهي بين يديه ويسقيها من شهد عشقه لها. مما جعله أمسك هاتفه على الفور وأتى بصورها التي التقطها ليلة أمس وهم في حفل الزفاف. وهو يتعمق بالنظر فيهم بقلب يخفق عشقا لتلك التي أسرته. ثم وجد حاله يفتح الواتساب ويرسل لها تلك الكلمات من أعماق قلبه المتلهف لوجودها بجانبه:

"يا نسيم الحب، ويا أمواج الشوق احملي قلبي لمحبوبي لأقول له صباح العشق، ليتني كعصفور الصباح يزقزق تحت النوافذ دون أن يحاسبه أحد، ويطير بخفة دون أن يشعر به أحد، بوسع السماء أحبك، وبجمال الصباح أشتاق لكِ، صباح الحب والشوق لمن سكن قلبي، صباح التفاؤل والورد لكِ، صباح الحب والشوق، صباحي فنجان قهوة أنتِ فيها قطعة السكر، صباحي ورد وياسمين وأنتِ البستان الأخضر، صباحي قلب يشتاق لكِ." ثم أكمل له رسالتها بإيموشن غامز:

"صباح الخير على بطل الأبطال وبطل قلبي اللي بحلم بيه طول الليل ومسابنيش لحظة."

كانت تجلس على تختها تتمطأ فهي الأخرى استيقظت للتو وكادت أن تقوم كي تتوضأ وتصلي صلاة الضحى. استمعت إلى هاتفها يعلن عن وصول رسالة فجذبته كي ترى من المرسل فوجدت ذاك الجاسر هو من أرسل رسالته إليها. فدق قلبها على الفور من رؤيتها لنقش اسمه فقط. ثم فتحت رسالته على عجالة وقرأتها بقلب ينبض بدقات سريعة لكلماته الرقيقة التي أرسلها إليها. شعرت بأنها أنثى في عمر العشرين وحبيبها يملأ قلبها الممتلئ احتياجاً لتلك الكلمات نظراً لسنوات العجاف التي عاشتها وهي لم تشعر بأنوثتها يوماً ما.

قرأت رسالته مراراً وتكراراً وهي لم تصدق أن كل كلمات الغزل الرقيق تلك لها وحدها. فكم كان بارعاً ذاك الجاسر في سرقة لبها وقلبها بل وكل كيانها بتلك الدرجة السريعة. ثم وجدت من الذوق أن ترد عليه ولكنها شعرت بيدها تنملت ولم تستطيع الكتابة فسجلت ذاك الفويس بصوتها الناعس الذي ما إن سمعه حتى قضى على ذرات الصبر داخله وهاتفها على الفور بعد ان استمع الى كلماتها الرقيقة وصباحها الأشبه بنسمات رقيقة نزلت على قلبه رطبته:

"صباح الخير يامتر، ايه الصباح الرايق ده وكلماتك الرقيقة دي كلها ليا وحدي." فور سماعه لرسالتها الصوتية التي دغدغت مشاعره هاتفها وما إن أتاه ردها حتى هتف لها بقلب ملتاع: "ياخراشي على المتر وسنينه ارحمي قلب اليتيم الغلبان الوحداني من كتلة الرقة والجمال والنعومة دي ياشيخة، هو انا مبصعبش عليكي يا أم الزين علشان تحني بقي وتقولي لي تعالى ياجاسر اتقدم بقي بدل مانتِ مش رحماني حتى في أحلامي يابطل."

ارتفعت ضحكاتها الرنانة ودقت في أرجاء الغرفة وأردفت بمشاكسة له: "هو انت مستعد علطول اكده بكلمات المعاكسة دي يامتر من غير ما تفكر شكلك حافظهم ومجودهم كتيير." نظر إلى السقف وقال بتلهف وهو يقسم لها أن تلك الكلمات خارجة من قلبه وأنها المرأة الأولى التي سمعت كلامه ذاك: "له يا أم الزين دماغك متروحش لبعيد طب يمين بعظيم انتِ أول ست كلامي ده يتقال لها. هو انت شوية يابطل علشان تحرك الجبل اللي ساكن جوايا." أرجعت خصلاتها الشاردة

على عينيها بخجل من كلماته: "طب بس بقى بطل كلامك دي هتكسفني عاد ياجاسر." تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بملامح جادة لملامح وجه متلهفة ارتسمت على وجهه ببراعة مكملاً مشاكستها: "طب مش هتحني انتِ بقي والشامي يتلم على المغربي والأميرة تسكن قلب الأمير علشان تبدأ المعارك العاطفية بقي." شهقت بخجل من تلميحاته لها ثم هتف لسانها تلقائياً بسبابه دون أن تلقي بالاً لما تفوهت به: "هاااا، إنت قليل الأدب على فكرة."

رفع حاجبه الأيسر باستمتاع لسبابها وكأنها نعتته بصفة عظيمة: "هو انتي لسه شفتي قلة أدب يابطل وبعدين بلاش اندهاش علشان لسه التقيل مجاش. يعني بالمختصر يا عزيزي تيكت إيزي." ضحكت عالياً على كلامه ثم قالت بنهي له ولكلامه: "والله إن ما بطلت كلامك دي هقفل في وشك." "يخريبت جمال ضحكتك يابطل، ومالها قلة الأدب بتعمل النفسية وبتخرجها من مود الكئابة،" ثم أكمل وهو يعلق على ضحكتها الرقيقة: "لااا قلبي الضعيف لاي

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...