الفصل 69 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل التاسع والستون 69 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
20
كلمة
6,284
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

حلّ الليل على البيت وغرقت البلدة في صمت ثقيل، كأن كل شيء توقف عن الحركة ليترك السكون يسود. في الطابق السفلي، عند نهاية الممر الطويل، وُجدت تلك الغرفة ذات الباب الرمادي، مغلقة كعادتها في مثل هذا الوقت، لا أحد يقترب منها، ولا أحد يسأل.

"فريدة" بخطوات هادئة لا تُحدث صوتًا، هبطت السلم وهي تحتضن بين يديها كتابًا. كانت تقرأه قبل قليل، لكنها لم تستطع التركيز. شيء ما منذ أيام يتحرك في عقلها ولا تستطيع الإمساك به. حدس خافت، شعور بأن ثمة ما يتسلل من بينها وبين "فارس".

حين اقتربت من الغرفة، توقفت. الباب موصد بإحكام. خرج من أعلاه نور خافت منبعث من زجاجه، وظلال تتحرك على الجدران كأنها أطياف. وقفت هناك، لا تنوي التجسس، لكنها لم تستطع التراجع. شيء ما في قلبها جذبها لتسمع. ولكن ماذا سمعت تلك الـ"فريدة"؟ صوت "فارس" منخفض، حنون، لا يشبه نبرة صوته المعتادة معها، وهو يردد: -فينك؟ بقالك كتير قوي مظهرتيش. أنا ببقى كويس لما بشوفك. ببقى حي، فاهماني؟

سكون، ثم صوت أنثوي خافت لا يمكن تمييز مصدره، ناعم، دافئ، يردد بنبرة متحمسة هائمة: -وأنا جنبك. دايمًا جنبك، بس إنت اللي بتبعد، "فارس". فريدة اتسعت عيناها وانكمش قلبها فجأة، وكأن الهواء من حولها تقلص. وسمعت صوته مجددًا: -أنا مش عارف أعيش من غيرك. فاكرة لما كنا بنقعد على السطح والليل فوقينا ساكن كده؟ وكنا بنضحك على أي كلام. أنا عايز اللحظة دي تفضل ما تخلصش. ضحكة خافتة غير مألوفة وهي ترد عليه: -إنت لسه بتحبني؟

ولا الحب ده مات من ساعة ما بعدنا عن بعض؟ أجابها بعينين يملؤهما الحنين وهو يؤكد لها: -أنا عمري ما حبيت حد قد ما حبيتك. حتى لما اتجوزت، كنت بضحك وعايش، بس قلبي كان هنا، كان معاك إنت. ولسه واقف مستنيك. ارتعشت يد "فريدة" والكتاب سقط منها على الأرض بصمت. لم تتحرك، لم تنطق. عيناها علقت عند الباب، كأن الزمن توقف هناك. وما زالت تستمع إليه، ويداها ترتعشان، وعيناها متسعتان بهول وفزع مما استمعت إليه أذنيها:

-الناس فاكرة إني اتغيرت، بس أنا كأني ماشي على حبل بين الحياة والموت. ولما رجعت لقيتك مستنياني، بس بعيدة عني. ومش عارف غير اني اكلمك بس. مش قادر اجي لحدك ولا احضنك ولا اشم ريحتك. انا وحشني ريحتك قوي فوق ما تتخيلي. فارس ضايع ومشتت وحزين من غيرك قوي. ثم ارتفع صوته قليلًا بنبرة عاشق حائر حينما لم يجد منها غير الصمت: -إنتي ليه بتسكتي كده؟ بتخوفيني. أنا تعبت من الصمت. قولي لي. إنتي شايفة إن وجودك جنبي خيانة ليها؟

ولا أنا اللي خانتني روحي؟ صمت آخر، ثم الهمس ذاته بدفء مؤلم: -أنا مش زعلانة، بس خايفة عليك. مفيش حد بيعيش بنص قلب. اقتربت "فريدة" من الباب أكثر، أنفاسها متقطعة، وجهها متجمد، وكل شيء داخلها يهوي في فجوة. من هي؟ من تلك التي يسمع صوتها؟ لماذا هذا الدفء في صوته لا يظهر معها؟ ولماذا شعرت فجأة أنها هي الغريبة؟ ثم سمعته يهمس مجددًا: -أنا محتاجك. الليل طويل وعيوني مش بتنام. وكل ما ألمس إيدي على المخدة بلاقيني بدور عليك.

لم تستطع أن تتحرك، كانت ساكنة في مكانها، كأن قدميها تجمدت. والدموع تأبى أن تنزل، لكنها تراكمت في العين حتى بللت رمشها. شفتيها ارتجفتا دون أن تنطق. القلب وحده كان ينهار في صمت. لحظة، لحظة، بدأت الأصوات تخفت. ظلت هناك واقفة، تنظر للباب كمن ينتظر الحقيقة أن تخرج وحدها. لكن الحقيقة لم تخرج، وهي لم تسأل. فكيف تسأل؟ وكيف تواجه ذاك المخادع؟ وبم تقول؟ وماذا تفعل؟

استدارت أخيرًا بهدوء العاصفة بعد الدمار، وعادت إلى غرفتها. سارت في الممر المظلم كأنها تتحسس الطريق داخل نفسها، لا بين الجدران. وحين أغلقت بابها خلفها، وضعت الكتاب على الطاولة وهمست لنفسها فقط: -هو أنا ولا واحدة تانية؟ طب ازاي يكلم غيري ويقول لها كلام زي اللي بيقوله لي واكتر؟ وابتسمت نصف ابتسامة لها ألف معنى، تنم عن معاني كثيرة، وأغلبها الخذلان. لااا، ورب السماء، الخذلان من!

فشعورها أصعب وأضل سبيل من الخذلان والدمار والقهر. ثم انطفأت الابتسامة ليحل مكانها إحساس لا يوصف بمعجم من الكلمات. فتح "فارس" الباب ببطء، بعد أن التقط أذنه ذلك الصوت الخافت في الخارج. ظل واقفًا لحظات يتأمل العتمة التي تحيط بالممر، كأن الظلام نفسه يهمس له بالحذر. أنصت جيدًا، ثم أغلق ما كان يعمل عليه سريعًا. انطفأ الضوء الأزرق من الجهاز، واختفت ملامح الوجه الذي كان يحدثه كأنها لم تكن.

صعد الدرج بخطوات مترددة، يحمل في داخله رغبة عارمة في الهرب من وحدته، أو ربما في النجاة من مرآته التي تفضح ما لم يجرؤ على الاعتراف به. كانت "فريدة" تجلس هناك، على الأريكة، في ظلال الأباجورة الصفراء. وجهها ساكن، عيناها لا تنظران لشيء محدد، لكن تفاصيل ملامحها كانت تحمل من الوجع ما لم يعرفه من قبل. اقترب منها بهدوء، جلس إلى جوارها كأنما يخشى أن يوقظ الصمت المتراكم بينهما. ثم قال بصوت خفيض يحمل من الشوق ما يذيب الجليد:

ـ تعرفي أنا كنت بفكر فينا، فيكِ، في اللحظات الحلوة اللي بتجمعنا وبالنسبة لي هي كل الحياة. كنت بفتش جوايا على أي حاجة تنادي لكِ، لأنكِ واحشاني. واحشاني بالصوت وبالملمس وبالروح. وأنا من غيرك ناقص، تعبان، تايه، مش لاقي أي باب يتفتح لي غير باب حضنك. أنا من غيرك بتوه يا "فريدة". من غيرك ما ليش مكان ولا عنوان. انتِ كل حاجة ليا، وحتى وانتِ في حضني بتوحشيني.

لم تجبه، لكن شيئًا في طريقة جلوسها أخبره أن قلبها ليس على ما يرام، وأن عينيها تحملان ما لا تقوله الشفاه. ساد صمت طويل، ثم مال بجسده نحوها قليلًا، محاولًا أن يتلمس بعضًا من قربها وهو يتابع بصوت متهدج، وهو يتذكر شجارهم وحالتهم المتوترة منذ يومين:

ـ "فريدة"، في حاجات الواحد بيكتشفها لما يحس إنه ممكن يخسرك. أنا طول عمري بهرب منك وقت الزعل، بس النهاردة أنا مش قادر. مش قادر أكمل يومي من غير ما ألمس إيدك، من غير ما أحكي لك وجع صدري. أنا بحبك، بحبك بكل اللحظات اللي قضيناها، وبكل اللي لسه ما جاش. لم تتحرك "فريدة"، ظلت عيناها شاخصتين في الفراغ أمامها. شفتاها تتحركان بصعوبة، ثم نطقت أخيرًا بصوت خافت بارد كالرماد وهي تتذكر ما سمعته للتو وعلم بقلبها:

ـ في حاجات لما بتتكسر ما بترجعش، حتى لو جمعناها تاني، بتفضل فيها علامة. أنا مش عارفة أقولك فيه إيه، ولا حتى أقول فيه إيه. بس اللي جوايا متلغبط، ومش عارفة أصدق أنا بعيش معاك ولا مع خيالك، ولا أنا مجرد تفصيلة بتفكر فيها لما تزهق من الباقي. نظر إليها بذهول، اقترب منها أكثر، مد يده نحو يدها، ثم أمسك بها كأنما يستنجد بها من الغرق، وهمس:

ـ ما تقوليش كده. انتِ الأصل، انتِ الحلم اللي ما اتحققش غير لما خدتك ليا. أنا مش بدور على بديلك، ولا عمري شفت في الدنيا ملامح تشبهك. انتي اللي بعرف أضحك وأنا جنبك، انتي اللي لما تزعلي بحس إني مات نصي. أنا يمكن أكون تايه، يمكن أكون وقعت في حتت سودا، بس لسه انتي مكانك في قلبي بيكبر ويزيد مع الايام. وشايل ليكي حب مش بيخلص بل بالعكس بيكبر كل يوم عن التاني.

رفعت "فريدة" عينيها ببطء، كان فيها نظرة لا يفهمها، ليست رفضًا تمامًا، وليست قبولًا، فقط دهشة حزينة، كأنما لا تزال ترى فيه وجهًا آخر يختبئ خلف وجهه. وجهًا كانت تسمعه قبل دقائق وهو يتنفس الحب لامرأة أخرى. لكنها لم تُظهِر شيئًا، فقط قالت بهدوء: ـ هو الحب بيبقى موجود لوحده؟ ولا محتاج يبقى فيه وضوح، صدق، وجود؟

أنا مش عارفة أحس بالحاجات دي دلوقتي. حتى لما تقرب لي، بحس المسافة أكبر. وكأن اللي بينا مش بس وقت، ده بينا حاجة أعمق بكتير. أنا مش قادرة أقولك إني لسه زي زمان، ومش قادرة أقولك إني خلاص. تنفّس "فارس" بعمق، كأن صدره يحاول ابتلاع خيبته. ثم اقترب منها أكثر، وضع راحته على خدها بحنان، ونظر إليها طويلًا. ثم قال بنبرة تكاد تبكي الحجر:

ـ طب إديني فرصة أرجعك لنفسك. رجعيني ليا. خليني ألمس وشك، أحس بيكي، أصدق إنك لسه هنا، لسه ليا. أنا قلبي وجعني من الشوق، من الوحدة، من البرد اللي مالي البيت. خليكِ حضني اللي كنت برجع له وأنا متبهدل من اللي حواليا. خليكِ بيتي.

همس بذلك وهو يقرب وجهه منها، وعيناه تتعلان بشفتيها. اقترب أكثر كأنه يريد أن يسرق من هذا الليل قبلة تعيده للحياة. لكن في اللحظة التي كاد فيها يلامسها، تراجعت "فريدة" بسرعة. رفعت يدها لتبعده برفق، وملامحها جامدة لا تنطق بشيء. تجمّد مكانه، عيناه اتسعتا بدهشة صادمة. صوته خرج متلعثمًا: ـ "فريدة" إنتي بتبعديني؟ أنا عملت حاجة؟

احنا متخانقين خناقة عادية شجار بسيط زي اي زوج وزوجة مش لدرجة اني اقرب منك ومشتاقك فتبعدي عني أنا مش فاهم... ليه بعدتي؟ ثم احتضن وجنتيها بين كفاي يديه بتملك وعاصفة اشتياق جارفة وعينيه تكاد تلتهم شفتيها وهو يمرر لسانه على شفتيه بوله وقد أسكره قربها ورائحتها التي يعشقها: ـ شفايفك وحشوني قووي. إنتي متتصوريش يومين بعد عنك بالنسبة لي كأنهم نار. أنا مشتاقك قووي يا فيري وحقك على راسي من فوق يا عمري.

نهضت بهدوء، وقفت أمامه بثبات لا يشبهها. ثم قالت بصوت ناعم لكن يحمل في داخله عاصفة: ـ أنا مش قادرة. مش دلوقتي. يمكن مش النهاردة. يمكن مش الأسبوع ده. أنا تعبانة من جوايا. تعبانة من أفكاري. تعبانة من كل حاجة. ومش عارفة أفتح لك قلبي وأنا قلبي مش ثابت في مكانه. سامحني. بس محتاجة وقت.

ثم استدارت ببطء، مشت نحو غرفتها كأن خطواتها تثقلها جراح لا يراها أحد. وحين بلغت الباب، التفتت للحظة بعينين غارقتين في الضباب. ثم أغلقت الباب خلفها بصمت يليق بانكسار امرأة ما زالت تحاول أن تفهم... من يكون هذا الرجل الذي يحبها باسم ليس اسمها؟ أما "فارس"، فبقي جالسًا مكانه، يحدق في الفراغ، والبرودة تمتد من يديه حتى قلبه. وصوت بداخله يتمتم: يمكن كانت سامعة مكالمتي. بس هي ما سألتش وده أصعب سؤال.

ها هو واقف أمام باب الغرفة يكاد القلق يلتهمه التهامًا، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا كمن ينتظر معجزة تنشق من خلف الباب. لم يكن هذا الانتظار عاديًا، بل كان مزيجًا من اللهفة والتوتر والفرح المشوب بالدهشة، كأنه لا يصدق بعد أنه صار عريسًا بالفعل، بعد أن انتظرها أربعة أعوام. يضحك فجأة مع نفسه، ثم يشرع في الغناء بصوت خفيض لا يخلو من الطرافة، مستعرضًا صوته المتهدج قائلًا: طلّي طلّي يا زهرة الحسن والدلال

زهقت من الانتظار وقلبي مولع نار يا بطبط يا جبار ثم يصفّق لنفسه ساخرًا، كأنّه جمهور لنفسه، ويقول: ـ أهو هو ده الجواز أخيرًا يا أشرف هتنول المراد والحلة هتتلم على غطاها. يغني ويهذي كطفل ينتظر حلوى العيد، ينظر إلى الباب نظرة من يترقب فتح أبواب الجنة، ويهمس: ـ إيه ده كله بتغيري هدومك؟ ما تنجزي بقى يا بطبوطي. يصمت للحظة ثم يضحك ضحكة خفيفة ويقول بعدما مكثت ما يقرب من ساعة وهو يقف على نيران أمام بابها منتظر طلتها:

ـ الله دي شكلها بتروق نفسها على الآخر علشان الليلة تبقى عسل يا واد يا "أشرف". في قلبه دعاء وعلى لسانه نكتة، وفي عينيه رجاء، لا يريد منها سوى أن تطل عليه، فقط تطل، فيهنأ قلبه أخيرًا.

أما هي، فوقفت خلف الباب تتردد يدها على المقبض وقلبها يرتجف كفراشة حُشرت بين جدران الضوء. كانت تسمع صوته من الخارج، يغني ويضحك بطريقته العفوية التي تعرفها، فتبتسم رغم توترها. ثم يعاود الكلام، فتخفق أنفاسها وترتجف ركبتاها من الخجل. تارة تهم بالخروج وتارة تعود خطوة إلى الوراء، تتفقد طرحتها مرة وتُصلح من ثوبها مرات. يعلو صوته بمزاح رقيق، فتضحك بخفة، ثم تضع يدها على فمها خشية أن يسمعها قلبها كطبل صغير يدق فوق أرض رخوة، وروحها حائرة بين اللهفة والحياء. لم تكن مستعدة رغم أنها تنتظره منذ العمر، لتستمع إليه يردد استعجالها بعد أن فقد

صبره من مكوثها بالداخل: ـ جري إيه يا "فاطمة" هانم؟ هنقضي طول الليلة أنتِ واقفة جوه وأنا برة مستنيكي؟ أنا حمضت من الوقفة يا عسل. لو مش عارفة تقلعي الفستان افتحي لي وأنا أقوم بالمهمة دي علشان هي مهمتي أصلًا. افتحي يا ماما بقى بلاش لعب عيال، مش هنبتديها من أولها. هربان أنا ناوي لك النهاردة مش هتفلتي من إيدي يا "بطوط" هتموتي يا سوسو.

خرجت من الغرفة بخطى مترددة، ترتدي بيجامة قطنية بأكمام طويلة، يغطيها حجاب بسيط، لا زينة فيها ولا ألوان، كأنها تخفي نفسها خلف الحياء. وقفت عند العتبة، عيناها إلى الأرض، ويديها مشبكتان أمامها تواريان ارتجافها ووجهها محتقن بالخجل. لم تجرؤ على رفع نظرها نحوه، لكنها شعرت بصدمته تخترق الصمت، كأن نظراته تقول ما لم تنطق به شفتاه. لم يكن هذا ما تخيّله، لم تكن تلك هي الصورة التي رسمها لعروسه. أما هي، فكانت تغرق في صمتها، تائهة بين خجل غامر وخوف من ألا يكون كفاها المرتجفتان قادرتين على حمل هذا اللقاء الأول.

كان يقف مشدوهًا، لا يفهم ما يرى، كأن اللحظة خانت توقعاته. لطالما تخيّل عروسه تخرج إليه بفستان أبيض تتلألأ فيه، أو على الأقل شيئًا يوحي بالفرح، بالأنوثة، بالاحتفال. لكنه وجدها أمامه ببيجامة طويلة وحجاب بسيط، كأنها تتهيأ للنوم لا لبداية حياة. لم يكن غاضبًا، بل مرتبكًا، عاجزًا عن فهم سبب هذا الحذر، هذا التكتّم في أول لحظاتهم سويًا. أحس كأن بينهما ستارًا لم يُرفع بعد، ليس من قماش، بل من رهبة وخجل وأسئلة لا يعرف لها إجابة. كانت الواقفة أمامه زوجته، نعم، لكنها بدت بعيدة تمامًا عن صورة "العروس" التي كان ينتظرها ليقترب منها بعينيه تفترس جسدها المغطى وهو يهتف بسخرية من هيئتها ويده تشد أعلى

كتفها وكأنها صبي ميكانيكي: ـ نعم يا روح أمك خارجة لي ببيجامة قدك مرتين ولابسالي حجاب على راسك؟ هو ده الجواز؟ هي دي الأنوثة في وجهة نظرك؟ هو ده لبس العروسة لعريسها؟ ده انتِ ليلتك مش فايتة النهاردة يا "فاطمة". طب إيه رأيك بقى أنا عايزك دلوقتي زي ما ولدتك أمك، يا أما الليلة مش هتعدي النهاردة يا شيخة "فاطمة". شهقت بصدمة وهي تبعد يدها عنه مرددة بذهول: ـ وإيه اتجننت إياك؟

بعد يدك دي عني واحترم نفسك. أني لا يمكن ألبس الحاجات دي، أني هتكسف وهخجل منها عاد ويستحيل ألبسها. اقترب منها وبحركة مفاجئة نزع عنها حجابها لينسدل على ظهرها كالأمواج وهو يمرر لسانه على شفتيه ساحبًا إياها أمامه لترتطم بعظام صدره مرددًا بوعيد: ـ يمين بعظيم يا "فاطمة" أما فتحت دماغك دي معايا وشيلتي عرق الصعيدي الناشف اللي في دماغك وتفكيرك ده، لهخلي أيامك شبه. كاد أن يكمل إلا أنها زمت شفتيها باعتراض ليكمل هو بابتسامة:

ـ شبه شعرك الحرير الناعم اللي أول مرة أشوفه ده يا "بطبط". قلبي أنا عايزك بقى تفكي وتروقي على نفسك كده، وبعدين إحنا مخطوبين بقى لنا أربع سنين يا ماما أنا حمضت جنبك. أنا هموت، أنا الهرمونات عندي في ذمة الله بسبب النشفان بتاعك طول الخطوبة عليا، ودلوقتي جاية تنشفيها أول يوم جواز لينا؟ ده أنا قتيل الليلة يا بطبط لو ما ريحتنيش. شهقت بصدمة مرة أخرى من تلميحاته الجريئة ونظراته التي تكاد أن تفتك بها وتمتمت بخجل:

ـ طب ممكن تسيبني لحالي وبلاش الليلة دي، على ما آخد على المكان. خجلانة يا "أشرف". ضرب كفًا بكف من كلامها لينطق لسانه بلفظ اعتراضي أذهلها ولم تتوقع سماعه منه وهو ينظر لها نظرات نارية تكاد تفتك بها: ـ لااا بقى! انتِ أكيد حد مسلطك عليا. انتِ اتجننتِ في دماغك ولا إيه يا "بطة". عيب عليكي ده انتِ حتى من الصعيد، يعني أهل الصعيد يقولوا عليا إيه؟ مش عارف أدخل على مراتي ولا ألين دماغها؟

والله العظيم إن ما ظبطتي الكلام لا هتبقى الليلة نار ودمار. أنا مش هحلك ولا هسيبك. فوقي يا "بطة" النهاردة دخلتنا يا ماما لو مش واخدة بالك.

انكمشت "فاطمة" في مكانها كطفلة باغتتها صافرة قطار، عيناها تهربان منه، وجسدها بأكمله يرتعش، وملامحها تشهق بالخجل والرعب من هذا الانفجار الذكوري الغاضب أمامها. كانت تقف كتمثال خشبي أصابه الذهول، لا تدري كيف ترد، ولا بم ترد، ولا هل الرد أصلًا في مثل هذه اللحظة مأذون به. الهواء بينهما صار ثقيلًا، مختلطًا بعطرها البسيط الذي خرج رغمًا عنها، وبأنفاسه المشتعلة الممزوجة بالغضب والرغبة والتوتر.

أما هو "أشرف"، فكان يتقدم بخطوات كمن يقترب من غنيمته التي طال انتظارها، وفي عينيه خليط من الحسرة والتهكّم، وكأنه يعاتب القدر على تلك المفاجأة الصادمة من هيئتها: ـ يعني بجد؟ بجد يا "فاطمة"؟ أربع سنين خطوبة وألف خناقة معاكي ونشفتيها على اللي جابوني على آخر الآخر وأنا أقول كله يهون عشان الليلة دي، وآخرتها تلبيس لي بيجامة مقاس خالك وتتحجبي لي؟ ده أنا لو عايز أتجوز "إحسان"، شغالة عمتي، ما كنتش هتورط في دا كله.

أطلقت "فاطمة" شهقة خافتة ودفنت وجهها بين كتفيها كأنها تود لو تبتلعها الأرض، ثم قالت بصوت متقطع: ـ أني أني مكسوفة يا "أشرف"، مستحية قوي، دي أني أول مرة، أول مرة أقف قدام راجل كده وأنت شوف شكلك عامل إزاي، عينيك بتاكلني كأنك نمر مش عريس يعني! ضحك "أشرف" ضحكة قصيرة، كأنها طلقة في ساحة معركة، ثم اقترب أكثر وهمس: ـ نمر؟

أنا نمر فعلًا، نمر جعان، جعان لك يا "فطومة"، جعان لليلة دي من أربع سنين، جعان أشوفك على طبيعتك، مش ملفوفة في خمسمية طبقة قماش. أنا مش عايز عروسة من كتالوج، أنا عايز مراتي بقى مراتي اللي قلبي داب عليها يوم ما شفتها. قهقه فجأة ضاحكًا وهو يضرب كفًا بكف وهو يراها تبتعد عنه والخجل مرسوم على معالمها ببراعة: ـ يا جدعان، أنا اتجوزت كائن نادر... دي مش عروسة دي بنت خالة الحياء نفسه!

يا "بطبط"، لو استنيتك لحد ما تاخدي على المكان، أنا هتكتب لي شهادة وفاة رسمية من جمعية ضحايا ليلة الدخلة! أدارت وجهها عنه، وارتجفت شفتيها وهي تحاول أن تخفي بسمة خجولة، ثم تمتمت: ـ أني هحاول والله العظيم هحاول، بس إنت مش مديني فرصة أتنفس، بتخضني بكلامك وحركاتك. رمقها بنظرة رقيقة فجأة، وتغيرت ملامحه كما يتبدل الطقس في لحظة، ثم قال وهو يقترب منها كأنما يحتضن الهواء بينهما:

ـ طيب بصي، نبدأ واحدة واحدة مش لازم كل حاجة دلوقتي، بس إنتي بس كفاية ترفعي عينيكي تبصي لي بس كده، وتسيبي لي نفسك خالص وأنا القائد اللي هيسحبك لمعركة عشقه من غير ما تحسي يا "بطبط". رفعت "فاطمة" عينيها إليه للحظة، فقط لحظة، لكن هذه اللحظة كانت كافية لأن تضيء وجهه بنور جديد، كأنه رأى فيها وعدًا صغيرًا بإنسانة ستكسر حواجز الخجل رويدًا رويدًا، وتمنحه قلبها كما منحها قلبه منذ زمن.

تنحنح "أشرف" فجأة، وعاد لنبرة دعابته وقال وهو يدندن ويعرض عليها محاولاته كما لو كانت طفلة صغيرة: ـ طب يلا يا عروسة نلعب استغماية؟ إنت تستخبي تحت البطانية وأنا أعد لحد عشرة بس أوعى تتأخري، لأن الليلة دي "أشرف" هيعلن فيها النصر أو الشهادة!

ضحكت "فاطمة" أخيرًا، ضحكة صغيرة خرجت رغمًا عنها، كأنها أول انتصار للحب على الخجل، وأول وعد حقيقي بليلة لن تُنسى. اقترب منها "أشرف" بخفة من يطارد عطراً لا يريد له أن يتبدد. كانت خطواته متأنية، كأنها تخشى أن تفسد سكون اللحظة، وعيناه لا تغادران ملامحها، تلك الملامح التي اختبأت خلف حياء كثيف لكنه لم يستطع أن يخفي فتنتها. لم تكن الزينة على وجهها، ولا فستان أبيض يتلألأ تحت الأضواء، بل كان فيها شيء آخر شيء حقيقي، ناعم، مثل نسيم فجر صيفي، يحمل وعدًا لا يقال، ولكن يُشعر.

لما اقترب منها أكثر، مال برأسه قليلًا إلى جانبها وهمس بصوت خفيض: ـ هو إنتي كنتي مخبية الجمال ده كله فين يا "فاطمة"؟ ده أنا لو كنت عارف إنك كده، كنت خلصت الخطوبة دي في أسبوع! احمر وجهها حتى كاد الحياء ينسكب منه، وخفضت بصرها بسرعة، كأن الأرض صارت أكثر أمانًا من عينيه. ثم تمتمت: ـ بعد يدك بقي، اني مش قادرة اتنفس.

مد يده بلطف، لا بعنف، كما يفعل من يطلب الإذن قبل أن يقطف وردة، ورفع ذقنها برفق لينظر إلى عينيها مباشرة. كان قلبه ينبض بقوة، وعيناه تتأملان تفاصيلها كأنها لوحة رسمتها الأيام خصيصًا له. ابتسم بعذوبة، وقال: ـ أبعد مين ده انا ما صدقت، والله يا "بطبط" لو كانوا بيدوا شهادات تقدير على الجمال الطبيعي، كنتي خدت الماجستير بتفوق. ده أنتي كلك هندسة، بس هندسة مش كباري ولا كهرباء هندسة قلوب!

ضحكت بخجل وهي تحاول أن تُخفي ضحكتها براحة يدها، لكنه التقط اللحظة سريعًا، وكأن هذه الضحكة الصغيرة كانت بوابة الدخول إلى قلبها. جلس بجوارها بهدوء، لا اقتحام فيه، فقط حضور مطمئن. ثم قال بنبرة أكثر رقة: ـ عارفة كنت دايمًا بحلم باللحظة دي، بس والله ما حلمت إنها هتبقى بالحلاوة دي. أنا مستعجل بقي على قربك على فكرة.

كانت "فاطمة" لا تزال تائهة بين خجلها ودفء كلماته، تشعر بأن أنفاسها تختلط بدقات قلبها، وأن حائط الخوف بدأ يتشقق شيئًا فشيئًا. مدت يدها بخجل، فالتقطها "أشرف" كمن يحفظ كنزًا، وقبل أطراف أصابعها في هدوء، كأنما يعاهدها أن يكون لها السند، والعاشق، والصديق. ثم ابتسم بعينه وهو يغمز لها بشقاوة اعتاد عليها وقال وهو يتنهد:

ـ يلا بقى نعيش الليلة من غير بيجامة خالك دي، ولا خجل، ولا يحزنون. بس بحب كبير وزفة قلبين، مش بس عروسة وعريس. وانطلقت اللحظة، لا صخب فيها، فقط دفء، وهمس، وخطى خفيفة نحو بدايتهم الأولى، كأن الكون كله اختصر نفسه داخل تلك الغرفة، وترك لهم المساحة ليكونوا هم، فقط هما. ******** كان الصباح محملاً برهبة لا تشبه غيرها، إذ أن المحكمة الكبرى كانت على موعد مع امرأة لا يهابها الخصم، ولا تربكها نظرات المتفرجين.

"رحمة"، التي عرفت بلقب "ديفا المحاكم"، تقدمت صوب بوابة المحكمة بخطى واثقة تشبه وقع أقدام الجيوش قبل الالتحام. عباءتها السوداء ترفرف من حولها كما لو كانت راية النصر، وملامحها الواثقة تنبئ بمن يعرف طريقه ولا يحيد. وما إن اقتربت من المدخل، حتى وقف أمامها رجل ضخم الجثة، تتلبده ملامح الخطر، واعترض طريقها بصوت خافت، لكنه كان مشبعًا بالتهديد والوعيد:

ـ اسمعي يا أستاذة "رحمة" انتي لو دخلتي المحكمة النهاردة واترافعتي في القضية دي وطلعتي المتهم براءة، هتندمي وهتخسري كتير وإحنا مش هنرحمك. طلعي حالك من الحوار دي ملكيش صالح بيه عاد واظن اني بعت لجوزك وعميلت اللي علي ما هتلومونيش بعد اكده من اللي هيوحصل لو الواد دي خد براءة. توقفت "رحمة" لبرهة، نظرت إليه بعينين لا تعرفان الوجل، وكأنما نظراتها سهام مغروسة في صدره، وقالت بصوت يحمل بحة الجبال وثقل التجربة

وكأنها اعتادت المشهد: ـ انت جايلي تهددني في عرض المحكمة تبقى ما تعرفنيش كويس. اللي يخوفني لسه ما اتخلقش يعني تقف اكده عوج وتتكلم عدل ما اتخلقش اللي يهدد "رحمة سلطان المهدي" 'ديفا المحاكم' وأني هدخل المحكمة دي وهاترافع، واللي فيها فيها. واني اللي بحذرك اياك تقرب مني هتندم ندم عمرك اني مش سهلة واصل ولا سالكة وقرصتي كما الحيات.

تجاوزته دون أن تلتفت، كما تفعل الريح حين تمر على الأعشاب الذابلة، وخطواتها توقع على الأرض بإيقاع حازم لا يقبل المساومة، كأنها تكتب بخطوها بيان الحق القادم. دخلت القاعة، والأنفاس محبوسة، والعيون معلقة بها كأنها النبأ الذي سيقلب الموازين. القاعة كانت ممتلئة، المقاعد مكتظة بالحضور، والصمت يسود كما يسود الليل في الصحراء قبل أن يعصفه الرعد.

المتهم يجلس داخل القفص الزجاجي، عيناه ذابلتان، وفي نظراته شوق مستحيل للنجاة. كم من مرة جلس في المكان ذاته، يحاكم أمام الجميع، في حين أن قلبه يصرخ بالبراءة. جلس القاضي الجليل على منصته العالية، رجل مهيب، تعوّد الناس على عدله وصلابته، وكان يرقب "رحمة" من فوق نظارته التي يعبر من خلالها نحو باطن النفوس لا ظاهرها. حرك القلم بين أصابعه كما لو كان يختبر صبر القانون ذاته.

أما المحامون في الجهة الأخرى، فقد تبادلوا نظرات الاستخفاف، فهم على يقين أن هذه القضية كانت كالصخرة، قد اصطدمت بها خبراتهم من قبل وتهشمت. لكن "رحمة" لم تكن كغيرها، كانت تقف أمامهم كالطود، شامخة كأنها لا تعرف للانحناء سبيلا. رفعت وجهها وقالت بصوت قوي هز أركان القاعة: ـ يا سعادة القاضي، هيئة المحكمة الموقرة، حضرات المستشارين، النهاردة أني جاية أطلب من عدلكم مش بس براءة المتهم، لكن كمان إدانة للي لفقوله التهمة.

ارتجت القاعة، وترددت الهمهمات كالموج المتلاطم على شاطئ الحقيقة. القاضي، الذي لم يعتد الانفعال، رفع حاجبه بدهشة خافتة وقال بنبرة تمتحن المتحدث لا تهاجمها: ـ وما هي أدلتك يا أستاذة "رحمة"؟ مدت يدها إلى حقيبتها الجلدية السوداء، تلك التي باتت تعرف أسرار المرافعات كما تعرف راحتها. أخرجت ملفًا سميكًا وكأنها تستخرج سيفًا من غمده في لحظة فاصلة: ـ الأدلة يا سعادة القاضي متقسمة تلات أقسام...

الأول، تقرير الطب الشرعي اللي محدش قرأه بعين قانونية قبل كده. التقرير بيقول إن أداة الجريمة سكـ.ـين عادي، لكن جرح القـ.ــتيل كان أعمق من الحد الطبيعي لسـ.ــكين المطبخ وده يخلينا نفهم إن أداة الجريمة مش اللي الشرطة قالتها كما هو موضح أمامكم في محضر الواقعة. هنا انعقد حاجبا القاضي، ولمعت عيناه، وكأنه اكتشف شيئًا لم يره في أوراق مرت عليه عدة مرات. كان صمته تلك اللحظة أبلغ من الكلام، إذ أدرك أن شيئًا غير مألوف يحدث أمامه

وهو يشير إليها أن تكمل: ـ كملي يا أستاذة. قالها القاضي بعد لحظة طويلة، بدت كأنها دهر، كأنه يحثها على المضي قدمًا في طريق الحسم: ـ ثاني دليل... تسجيل من كاميرا مراقبة كانت موجودة في محل أدوات كهربائية قريب من مكان الجريمة. التسجيل بيظهر المتهم في توقيت الجريمة وهو داخل المحل. والمحل ده بيدخل بالأمانة، يعني سجل التوقيت مظبوط. المتهم كان هناك ساعة وقوع الجريمة.

تبدلت ملامح المدعي العام وانكمش في مقعده كمن يوشك على السقوط. أما القاضي فقد شبك أصابعه أمام فمه وأسند ذقنه إليها، كأنه يبحث عن الصدق في نبرة صوتها ويبحث عن مصداقيتها في ملامحها. ـ ثالث دليل... وده الأهم شهادة شاهد كان ساكت طول الوقت لإنه خايف على أخوه. الشاهد ده قاللي بنفسه إن القاتل الحقيقي هو أخوه وفعلا سجلت اعترافه صوت وصورة. ودي طبعا بعد ما اخدت إذن النيابة وهأقدمه للمحكمة الآن.

أخرجت جهاز تسجيل صغير من حقيبتها. شغّلته أمام القاضي فصدح الصوت في القاعة كأنه صوت عدالة اختفت طويلاً. ـ أنا اللي قتلت الراجل مش أخوي، بس انت ما تقدريش تثبتي دي وهو وافق يتحمل علشاني. ملكيش صالح بينا. ساد القاعة صمت يشبه صمت القبور بعد العاصفة. ثم بدأ الهمس يتسلل كالريح بين المتفرجين. أما القاضي فقد أغلق عينيه لبرهة، ثم ضرب بمطرقته ثلاث مرات وقال بصوت مرتفع يتماشى مع وقار اللحظة.

ـ سنعقد جلسة تشاور بعد عرض هذه الأدلة. رفعت المحكمة. بعد مضي نصف ساعة، عاد الجميع إلى أماكنهم. وكانت العيون شاخصة نحو القاضي الذي بدا عليه أثر التأمل العميق والتفكير الذي يحفر في أدق التفاصيل. جلس القاضي ونظر إلى "رحمة" نظرة طويلة فيها تقدير وفيها انبهار كاد يخفيه. وقال بصوت رسمي مهيب.

ـ بعد دراسة الأدلة واستماع المحكمة للتسجيل وثبوت وجود المتهم في مكان آخر ساعة الجريمة وثبوت اعتراف القاتل تقرر المحكمة براءة المتهم مما نُسب إليه. انفجر صوت البكاء من داخل القفص. وانهار المتهم على ركبتيه كمن استعاد الحياة بعد موت. معلقاً، تصفيق عفوي انطلق من الجمهور. لم يمنعه القاضي هذه المرة، وكأن قاعته كانت بحاجة لهذا التنفيس. خرجت "رحمة" من القاعة والجماهير تتجمهر عند المدخل. الصحافة، الكاميرات، الأصوات، الفلاشات.

ـ إزاي قدرتي تحصلي على الأدلة دي يا أستاذة "رحمة"؟ إيه تعليقك على إنك لقبت بديفا المحاكم فعلًا بعد المرافعة دي؟ أجابتهم بثقة وثبات وعينيها القويتين تنظر إلى الكاميرات باعتياد دون انبهار. ـ الدليل الحقيقي مش في الورق. الدليل في التفكير. لازم نعرف نقرأ ما بين السطور. وأني ما دخلتش المهنة دي علشان أعدي قضايا والسلام. أني دخلت القضية علشان أطلع الحق من وسط ركام الكدب.

سؤالا آخر توجه إليها من أحد المذيعين المتكدسين أمامها. ـ يعني فعلا تلات محامين قبلك ما عرفوش يثبتوا براءته؟ برهنت برد قوي. ـ أني مش جاية أنافسهم. بس جاية أعمل اللي محدش حاول يعمله بضمير. واللي ربنا بيريد له ينكشف هينكشف والمظالم لازم تترد. وبينما تغادر محاطة بعدسات الكاميرا والصوت، انفتح الطريق فجأة. وظهر أمامها الرجل الذي هددها في الصباح. عيناه تتوقدان غضبًا وملامحه مشتعلة بالوعيد. ـ فاكرة إنك كسبتي؟

إنتي فتحتي على نفسك نار ما هتنطفيش. وأني وراكي وهتشوفي. نظرت إليه "رحمة" بهدوء وقالت بصوت منخفض فيه نبرة العاصفة المستترة. ـ أني ماشيه في طريق الحق. واللي يوقف قدامي يا إما يزيحني ودي صعب جداً عليه، يا إما أزيحه. ودي بركة ربنا اللي هتصاحبني وين ما كنت عشان بدافع عن المظلوم وبجيب حقه من الظالم مهما كان مين وسلطته إيه.

وتابعت سيرها بخطوات ثابتة. وتركت خلفها رجلاً مهددًا بالانطفاء أمام امرأة قررت أن تضيء الطريق بعد طول عتمة. *** كان يجلس على تخته وبيده سيجاره الذي ينفث به بشراهة وكأنه ينفث به وحدته ويلعنها. منذ شهرين لم يلتقي بسكونه كزوج وزوجة. وهذا حالهم من وقت وضعها لأولاده. المسافة بينهما تبتعد رويدًا رويدًا.

أربع سنوات وهو يلتقي بها كل عدة شهور مرة. في العامين الأولين لأطفالهم كان يساعدها ولم يتركها وحدها تعاني معهم. يسهر معها الليالي، يداعب الأطفال ويخفف عنها حملهم كثيراً بمحبة وقلب صادق دون أن يلزمها بأي شيء تجاهه وأي واجبات وحقوق له عليها. فـتلك الفترة كانت صعبة للغاية لكليهما. ولكن بعد مرور العامين والأطفال قد كبروا قليلاً، بدأ يشعر بالحنين إليها وبأن مسؤولية الأطفال هدأت عن ذي قبل ولو بنسبة قليلة. ولكن ما زالت "سكونه" تنغمر مع أطفالها متغافلة عن أن لديها ابن أكبر يعشقها حتى النخاع. يتنفس بعطرها يعيش على أمل أحضانها.

كان ممسكًا بالهاتف بإحدى يديه واليد الأخرى ينفث بها سيجاره. وقد أتى أمامه مقطعًا رومانسيًا من إحدى المسلسلات. فألقى الهاتف جانبًا وأسند برأسه على التخت يتذكر كم قضى من السنوات والليالي هو وسكونه يبث كل منهما الآخر عشقه بطريقة لا توصف. ولم تكن موجودة. ومن رآهم ورأى عشقهم قبل ذاك يقسم أنه لم يرى عاشقين كمثلهم.

وحين التقاها صدفة في الممر وقد خرجت من غرفة الأولاد متجهة إلى الحمام، شعر أن نبض قلبه قد عاد فجأة إلى الحياة. لم يتردد لحظة واحدة. بل تحرك كمن وجد ماء الحياة بعد عطش مرير. اقترب منها بخطوات سريعة. التقط ذراعها بيده المرتعشة. وسحبها برفق ممزوج بالإصرار نحو الغرفة. لم يترك لها مجالاً للفهم أو الرفض. وما إن أدخلها حتى أوصد الباب خلفه وألقى المفتاح بعيدًا. وكأن هذا اللقاء بالنسبة له حياة أو موت. ثم حاصرها بين الباب وصدره. بين الجدار وحنينه العاصف. عينيه تغوصان في تفاصيل وجهها. يده تتشبث بكتفيها كمن يخشى أن تستحيل سرابًا. فهتف بلهفة ولوعة.

ـ متوحشتكيش يا "سكون" حضن "عمرانك" اللي انتي بعيدة عنيه من شهرين وزيادة. ماشتقتيش ليه؟ اني محتاجك يا سكون. جاري اني خلاص تعبت من حياتنا دي. وعاتبتك كتير ومفيش مرة عتابي أثر فيكي. ولا رجلك جابتك حداي وقالت لك اجري لحضن "عمران". ولا هتحسسيني اني وجودي وحضني فارق وياكي.

اشتعلت أنفاسه وهو يهمس بتلك الكلمات. وكل كلمة تنبع من عمق جرح. من ألم رجل عاشق تمزقه الحياة برفق. يشعر أنه لم يعد يرى في عيني زوجته. لم يعد يحس بها رغم قربها الجسدي. صوته كان متكسرًا. يحمل انكسارًا لم يعتده منها ولا في ذاته. عينيه تغرقان في عتاب صامت قبل أن تنطق شفتاه بما عاتبها به. ولكن هي بررت موقفها وهي تشعر بالخزي من حالها.

ـ معلش يا "عمران" اني عارفة ان اني مقصرة وياك قوي. وعارفة كمان ان المفروض تزعل مني. بس الولاد تلاتة مسؤوليتهم جامدة قوي علي. واني مش عايزة اقصر معاهم. مش عايزة أكون أم وحشة وما تاخدش بالها من عيالها. وأكيد انت فاهم قصدي وفاهم تعبي ومقدر.

انخفضت نبرتها. وكأن قلبها أدرك فجأة وجعه. عينيها امتلأتا بنظرات رجاء. تعلم أن كلماتها لن تكون شافية. لكنها تحاول أن تبرر. أن تقول له بأنها ما زالت تحبه. ولكن الأمومة اجتاحتها كما يجتاح الطوفان كل شيء جميل. يديها متشابكتان أمام صدرها كمن يقف في محكمة الحب ينتظر حكم الغفران. ولكنه حزن من أجل ردها ذلك وأكمل عتابه معها. وبالتحديد حينما رأى نظرتها المتعلقة بينه وبين الباب الذي أغلقه.

ـ يعني حتى وانتي معاي نظرتك متعلقة بباب العيال. حتى واني هقول لك اني توحشتك كتير يكون كلامك عن العيال. اني تعبت يا "سكون". طب اعتبريني من وقتك زي ما هتوقفي في المطبخ تطبخي ليهم. أو اعتبريني عيل رابع هتعتني بيه من ولادك وياخد من وقتك. مش عايز أحس ان اني بقيت وحيد ومراتي جنبي. مش عايز احس ان اني مش من حقي حتى اشتاقك.

ارتجف صوته بين أحضانهما المتقاربة. كان كلامه كالمطر حين يسقط فوق أرض عطشى. رجفة الاشتياق التي تسكن كل حرف تخرج من بين شفتيه. جسده يفيض رغبة وحنينًا إلى تلك المرأة التي كانت يومًا لا تفارقه لحظة. كيف له أن يتحمل هذا الجفاء وقد كان يومًا أنفاسها وهواؤها. وهي شعرت بذلك فوضعت يدها على شفتيه وهي تؤكد له بعشق جارف لا يقل عن عشقه لها. ـ وه!

انت عارف زين إن كيف "سكون" هتعشق "عمرانها" وكيف هتنفسه وكيف هتتمني رضاه. بس أنا كنت محرومة من إحساس الأمومة سنين وسنين وربنا وضع في قلبي محبتهم وعلقني بيهم وخلاني مقدراش أفوتهم لوحدي. إحساس الأمومة غالب على قلبي وعقلي ومخليني عايزة أشوفهم قدامي علطول ولو غابوا عن عيني هبقى حاسة إني هموت على شوفتهم. الإحساس ده والله غصب عني يا "عمران"، مليش يد فيه، دي ربنا اللي هيوضع في قلبي الحاجات دي ناحيتهم.

امتلأت كلماتها بشجن عميق وندم خفي، لم تكن تتهرب منه، بل كانت تشرح ألمًا آخر يسكنها. ألم لا يُرى في عين امرأة أحبت ولم تعد تملك وقتًا للحب. أرادت أن تطمئنه، أن تخبره أنها ما زالت له، لكن قلب الأم الذي وُهب لها بعد حرمان، كان أقوى مما تظن. كانت تراه لكنها لم تعرف كيف ترتمي بين ذراعيه من جديد. ولكنه شعر بوخزة في قلبه من أعذارها، فعذرها بالنسبة له أقبح من ذنبها. ويبدو أن تلك الليلة هي ليلة ملامات العمران لسكونه.

ـ يعني أفهم من كلامك ده إنك استغنيتي عن حضني ولمستي ليكي، وإنك تكوني ليا زوجة وسكن، وإني معادش من حقي أطلب حضنك ولا أطلب إنك تكوني معايا بولادك يا أم "سليم".

أراد أن يصرخ بوجه الحياة التي خطفت زوجته منه، لكنه لم يفعل. صوته خرج هادئًا لكنه دام، كأن كل خيبة بداخله تحولت إلى نصل يغرسه في صدره ببطء. ناداها بأم "سليم" لأول مرة، وهو يعلم أن ذلك الاسم الذي كان يفترض أن يكون شرفًا لها هو الآن سياج يفصلها عنه. عينيه لا تفارقان ملامحها، يبحث فيهما عن العاشقة التي كانت تهيم به كما يهيم القمر بوجه الحبيبة.

ـ لااااه يا "عمران" لااااه، حضنك بالنسبة لي كل حاجة في الدنيا. حضنك حضن الأمان والراحة والحب والسكينة لـ"سكون". وبعدين أول مرة تناديني بأم "سليم"، عمرك ما كنت هتناديني غير بسكوني. هو أنت مبتحبنيش زي الأول يا "عمران"؟

كانت تتوسل إليه بعينيها قبل لسانها. يداها امتدت إليه بخجل، كلماتها خرجت كأنها نغمة ناعمة وسط صخب العتاب. هي لا تنكر شوقها، لا تنكر اشتياقها، لكنها تُغالب قلبًا تمزقه المسؤوليات. وكلما حاول أن يتقرب منها شدّتها واقع الأمومة بعيدًا عنه. لكنها الآن أمامه، ضعيفة ومشتاقة، ترجو منه أن لا يبتعد عنها وهي على وشك أن تعود.

ـ ناديتك بأم "سليم" عشان حسيت إنهم بقوا كل حاجة ليكي، وأهم حاجة عندك دلوقتي. حسيت إني بشحتك يا "سكون" لحضني. في حاجة أكتر من كده؟ كان كمن يعترف لأول مرة، كمن يقف عاري القلب أمامها. كل رجولته، كل كبرياؤه، تبخروا أمام حبيبته. كلماته خرجت بانكسار شديد، نبرة صوته تراجعت تحت وطأة العتاب المكلوم، وأطرافه تتوسل نظرة دفء تعيده إلى حياة كانت يومًا مأواه، وهي ما زالت تؤكد له مرارًا وتكرارًا:

ـ لااااه يا "عمران" أنت حبيبي وروحي وعيني. قلبي اللي بينبض بدقاته ليك. عمري كله وسكون هتعشق عمرانها. أنت دليل وعنوان السكون يا عمران ولو تاه دليلي أو بعد عني هموت.

خطت خطوة نحوه، وعيناها تغوص في بحره الممتلئ وجعًا. يداها امتدتا إليه بلا تردد هذه المرة، وضعت أناملها المرتجفة فوق شفتيه المرتعشتين. وابتسامة ممزوجة بالشوق والندم انسكبت من عينيها، تقرأ في قسمات وجهه اشتياقًا ما عادت تقوى على صده. وتهمس له بأن "سكون" عادت إلى حضن "عمران" الذي لم يبرح قلبها يومًا. ونطق هو متلهفًا:

ـ لاااه بعد الشر عنيكي يا نبض القلب وسكنه. إني مقدرش أعيش من غيرك. تصدقي لمسة يدك لشفايف عمران كانت وحشاني. ودلوقتي أنا عايزك وحضني مشتاقك وروحي وقلبي ملهوفين عليكي.

وحين أنهى كلماته الأخيرة، كانت "سكون" قد ذابت تمامًا بين ذراعيه، تتوسل من عينيه الصفح، ومن قلبه البقاء. وكل خلية في جسدها ترتعش بالشوق إليه، كأنها وجدت نفسها بعد طول ضياع في المكان الوحيد الذي يليق بها، في حضن "عمران". كان يبثها اشتياقه بعاصفة اقتراب كما لم تكن من قبل، وهي كذلك. أعطته أحضانها وسكنته عشقًا وأمنًا وسلامًا حتى أبردت نيران عشقه. حتى نال جسده من الاشتياق لها ما جعله هدأ تجاهها من ابتعادها. كانت عدة ساعات معدودة بينهم قضوها مابين العتاب والاقتراب والحنين والاشتياق. وبعدها غادرت "سكون" الغرفة كالمعتاد وذهبت تنام في أحضان أبنائها.

لم يكن "عمران" بحاجة إلى أن يلتفت. فحين غابت عن فراشه بعد أن كانت بين ذراعيه منذ لحظات، عرف أنها عادت إلى حيث اعتادت الرحيل. تركت سكينته معلقة في الهواء وانسلت بهدوء إلى غرفة الأطفال، وكأن دفء صدره لا يسعها، أو كأنها تحن إلى هدوء آخر لا يكون معه. لكنه لم يتحرك. ظل في مكانه ساكن الجسد مضطرب الروح، يتقلب بين غطاء الوحدة وشراشف اللهفة التي ما برحت تحت جلده.

في عينيه نظرة فارغة كأنها تحمل كل شيء. وفي صدره صوت مكتوم يناديها ولا ينطق. تمدد على الفراش كجسد نُسي في عاصفة. وكل جزء فيه يفتقدها حتى أطراف أصابعه. كان معتادًا على هذا الغياب رغم قربها. معتادًا أن يظل وحده في الليالي التي يفترض أن تكون دفئًا وسكنًا. لكنها تغيب كعادتها وتمنحه نصف اللقاء ثم ترحل كأنما لا يعنيها الاحتياج.

تحسس مكانها الخالي في السرير. لم يكن باردًا بعد. لا زال يحمل رائحتها الدافئة التي تدغدغ وجدانه كلما اقترب منها ثم ابتعدت. همس لنفسه بكلمات لم يسمعها أحد، كأنما يتوسل لظلها أن يعود، أو ربما يتحدث إلى وهمها المتبقي على الوسادة. كان يعشق فيها كل شيء حتى غيابها. لكنه سئم أن يكون الوطن الذي لا تسكنه.

حرك يده في الهواء كأنه يطارد خيطًا من دفء قد تسلل قبل قليل. ثم أغمض عينيه بقهر صامت، يتنفس شوقًا لا ينتهي. كم تمنى لو التفتت إليه قبل أن تنهض. كم تمنى أن تسأله عما به، أن تقرأ عينيه قبل أن تقرأ وجوه أولادهم النائمين. لكنه يعلم أنها ستعود. في الغد أو بعد أسبوع أو حين يدفعه الاشتياق ليلمس روحها بالكلام.

تقلب على جنبه الآخر، كأنما يهرب من واقعه داخل السرير إلى واقع أشد قسوة في اللا شيء. كأنه يود لو تباغته وتعود. أن تدخل عليه دون صوت وتضع يدها فوق قلبه لا فوق وسادتها. لكنه يعرف أنها لن تفعل. ليست الليلة، وربما ليست قريبًا. فحياتها معه صارت مشوارًا متقطع الأنفاس، يصلان فيه ويتباعدان، ثم يلتقيان عند الحافة ويبتعدان من جديد.

أغمض عينيه ولم ينم، ولم يحاول. بل ترك لعقله باب السهر مفتوحًا، يستعيد صوتها ولمساتها وارتجافة كتفيها حين كانت بين يديه منذ قليل، كأن اللحظة لم تكن إلا سرابًا جميلًا ثم اندثر. لم يكن في قلبه لوم لها، كان فقط يشتاقها. يشتاقها بكامل صمته وضعفه وحنينه ووجعه الذي لا يسمع له أحد سوى الليل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...