الفصل 71 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
20
كلمة
6,191
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

لكن "سكون" لم تسمع سوى صوت وردة فاقت فاندفعت للداخل زحفها صار أسرع حتى وصلت إلى الباب وقفزت بجسدها المرتعش داخله. كانت "سكن" الصغيرة تجلس بصعوبة وجهها باهت وفمها فيه دم بينما "سليم" و"سيف" يقفان بجوارها بعيون دامعة. انحنى "عمران" بسرعة واحتضن ابنته بين ذراعيه وراح يقبل رأسها بشغف وخوف كأنها عادت من موت محقق. "يا قلب بابا انتي زينة يا روحي فيكي حاجة؟ حاسة بإيه واجعك؟

كانت الطفلة تنظر إليهم بلا فهم وتبكي كما أخويها يبكون ثم دون أن ينتظر حملها بسرعة واتجه بها للحمام يغسل وجهها بالماء يمسح دمها بعناية وهو يهمس بكلمات حب وطمأنينة. "خلاص يا حبيبتي متبكيش عاد بابا معاكي وانتي جامدة كيف بابا أهو غسلنا وشنا بصي بقيتي حلوه تاني ازاي أصلا سوسو قمر تعالي يا روح بابا تعالي." ثم حملها مجددًا بين ذراعيه وخرج وهو يطمئن إخوتها الباكيين وهو يحتضنهم برعاية.

"ما تبكوش عاد انتو رجالة و"سكن" هاتوبقى زينة هي وقعت بس انتوا كنتوا جامدين وصحيتوها وأخدتو بالكم منها." ثم قبلهم من رأسهم وهو ينظر إليهم بحنو. "أني مخلف رجالة زين هيراعو أختهم وهيخافوا عليها كيف عينيهم وعلشان اكده بابا هيكافئكم لما اروح اني وماما نطمن على أختكم عند الداكتور ونرجع خلو بالكم من حالكم ومتغلبوش تيته الحاجة عاد."

أومأ الأطفال بطاعة لأبيهم الحنون ثم وصل إلى "سكون" التي كانت ما تزال تزحف وكأن جسدها فقد كل قوته فاقترب منها وأعطاها الصغيرة قائلًا. "خديها خدي بتك اهي متخافيش عليها وجمدي قلبك عاد العيال ياما بيجرى فيهم يا سكوني." احتضنتها "سكون" كأنها وجدت روحها ضمنتها لصدرها بقوة قبلتها في رأسها في وجهها في كتفها وراحت تفتش في جسدها بلهفة وهلع تبحث عن أي خدش أو أي نقطة ألم. همس "عمران" وهو يضع يده على كتفها بلطف.

"بالراحة عليها يا "سكون" انتي هتخوفيها اكده أكتر هي محتاجة تطمن مش تشوف خوفك اللي هيرعبها دي." هزت رأسها وهي تبكي ثم وقفت تمسكت بـ"سكن" لا تريد أن تتركها لحظة واحدة بينما قال "عمران". "البسي بسرعة هنروح على المستشفى نطمن أكتر دراعها مورم ووشها كمان مش هناخد الموضوع ببساطة وبردو علشان قلبك يطمئن انها زينة."

في دقائق كانوا داخل سيارة تنهب الطريق و"سكن" بين أحضان والدتها متسمرة لا تتحرك وصلوا للطوارئ استقبلهم الطبيب وعلى الفور بدأ الفحص وحين رأى الورم في الجبهة والذراع طلب منهم إشاعات كاملة. وسألهم. "وقعت ازاي؟ من مكان عالي؟ ردت "سكون" وصوتها مخنوق بالبكاء. "من على السرير واحنا نايمين وقعت وإحنا مدارينينش." نظر لهم الطبيب باستغراب.

"طيب ما هو عادي الأطفال بيقعوا وبيتعوروا ودي عادي وطبيعي بس رد فعلكم ده يخض بصراحة إنتوا عملتولي حالة طوارئ من ولا حاجة أهم حاجة ما ننقلش رعبنا للطفل." تدخل "عمران" بصوت جاد. "دكتور إحنا لينا سنين مستنين الضنا دي والبنت دي هي قلب أمها وروحها يعني أي وجع ليها بنحسه عشر أضعاف ياريت تعمل كل اللي ممكن يطمئنا." هز الطبيب رأسه.

"حاضر هعملها إشاعات زي ما حضرتك عايز بس أطمنكم شكل الإصابة خارجي مش حاجة داخلية ولا مرعبة نهائي يعني طمنو حالكم من دلوك وبلاش الذعر دي عاد." بعد فترة من الانتظار ظهرت نتائج الأشعة وعاد الطبيب إليهم وهو يحمل الأوراق ويقول. "الحمد لله مفيش أي كسور ولا ارتجاج بس عندها كدمات بسيطة ووشها محتاج مرهم خفيف والذراع كذلك وهتكون زي الفل خلال سبوع واحد."

انفرجت أسارير "عمران" قليلًا أما "سكون" فانهارت دموعها مرة أخرى لكنها هذه المرة كانت دموع راحة ولكن يصحبهم ألم دفين وتأنيب ضمير. في السيارة كانت "سكن" نائمة بين ذراعيها و"عمران" يقود بهدوء لكنها رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت مليء بالندم.

"أني السبب والله العظيم أني السبب اني مش فاهمة كان فين عقلي لما هملتهم لحالهم لحد بتي ما فضلت تدور على حضني اللي مفتهاش ليلة واحدة من يوم ما اتولدت كل اللي حصل لها بسببي اني ام مهملة سيبت بتي تقع وياعالم كان ممكن يجرى لها ايه علشان اشوف متعتي سامحني يارب." هنا أحس كأن أحدهم جلده بسوط حامي حتى جرحه بشدة فكان وقع كلماتها وصداها الحزين على ليلتهم وحزنها على أنها أعطته قليلا من حقه بالنسبة لها ما هو الا هراء.

وحدث حاله بوجع وهو يخلل أصابعه بين خصلات شعره بصوت مكتوم. "اهدأ "عمران" اهدأ يا رجل ولا تأخذ حديثها وحزنها على بتها أنها ندمانه علي أنها باتت في أحضانك الحانية وتجرعت من شهد احتوائك لها في لحظاتكم الآمنة ونالت منك ونلت منها ساعاتكم الحالمة لا تفهمها أنها نادمة. ثم ركن حزنه منها ومن نظراتها اللائمة جانبا وكتم ما يشعر به داخله من خذلان منها ومد يده وربت على يدها وهو يحاول احتوائها وتهدئتها.

"سكون" انتي أم عظيمة بس بقي بزيادكي جلد ذات دي حاجة عادية هتحصل لكل العيال وربنا سترها خلينا نرجع للعيال واحنا وشوشنا هادية ومطمنة علشان ميترعبوش اكتر من اكده اهدي يا ام "سليم"." نظرت له ودموعها تتساقط. "مقدرش يا "عمران" مقدرش كل لما افتكر ان مر على بنتي لحظة خوف ووجع واني مكنتش جارها إحساس بشع." هز رأسه بتنهيدة طويلة وعاد للصمت لكنه في داخله كان يعلم تلك اللحظة غيرت فيهم شيء كبير وربما للأبد.

وعادو إلى المنزل وقام هو بمداواة ابنته بنفسه وهو يدللها ويضحك معها ويداعبها هي وأخواتها فهم يعشقون أبيهم بشدة لحنوه عليهم وخاصة "سكن" متعلقة بأبيها بشدة ولم يتركهم طيلة اليوم وفي نهايته احتضنت أبنائها بتملك شديد وهو احتضن وسادته الخالية يتقلب على تخته وحيدًا كمن يتقلب على جمر من النار.

في زاوية تلك الليلة المتأججة بالصمت كان "فارس" جالسًا في العتمة الممزوجة بضوء الشاشة تحدق عيناه في صورتها التي تظهر أمامه ونبرته تنزف شوقًا لم يفارقه منذ زمن بينما صوته المتعب يرتجف وهو يهمس بكلمات لا يراد لها أن تسمع خارج حدود تلك الغرفة. فقال بصوت ممتلئ بالقلق يحاول أن يخفي ارتباكه خلف الحنان الذي لا يجيده إلا حين يخاطبها. "عاملة ايه؟

شكل وشك بيقول انك تعبانة ومجهدة اكيد ما اخدتيش علاجك مع اني منبه عليكي كويس تاخدي بالك من نفسك وتاخدي علاجك كويس انا كده هزعل منك يا "بيري"." أجابته هي بنبرة تفيض بالدفء والاشتياق نبرتها تمس شيئًا ما في داخله شيئًا لا يعرف له اسمًا ولكنه يتورط فيه كلما سمع صوتها.

"ما تقلقش يا حبيبي انا كويسة شوية إجهاد وبعدين متضايقة علشان من ساعة ما سافرت وانت ما جيتش ولا مرة تطمن عليا انت وحشتني قوي يا "فارس" اتحجج بأي حاجة وتعالى نقضي اسبوع مع بعض حضنك وريحتك وحشوني." أخفض "فارس" رأسه قليلًا وتسللت ملامح التوتر إلى قسمات وجهه كأن كلماته القادمة ستدين قلبه قبل لسانه وهو ينطق بحنين ووحشة لها ولاحتضانها. "والله نفسي آجي لك جدًا بس غصب عني هقول لـ"فريدة" إيه؟

انا كنت لسه مسافر بشتري معدات جديدة للعيادة وانت عارفة وكمان ما ينفعش اخد أجازة من المستشفى لأني تقريبا مخلص كل أجازاتي." تعلّق صوته أكثر عندما سمع نبرتها المتغيرة نبرة تحمل بين طياتها عتابًا قاتلًا ومشاعر تستغيث. "لا أنا زعلانة جدا يعني انا ما وحشتكش علشان تفضلي نفسك اسبوع وتيجي تشوفني؟ انا بجد زعلانة منك يا "فارس" ومخاصماك ومش هكلمك تاني."

شعر "فارس" بالذنب كالسياط تضرب قلبه فأسرع يرضيها بكلمات تستجدي الصفح ويستدعي دفء صوته لعله يطفئ اشتعال الحنين بينهما. "لا يا "بيري" انت عارفة ان انا ما اقدرش على زعلك ارجوكي ما تزعليش مني وبعدين انت طول عمرك بتقدريني وبصراحة بقى انا لما بشوفك ما بقدرش ابعد عنك وبفضل ماسك في حضنك جامد وما بقدرش اسيبك انت بتغريني أصلك حاجة كده واو ناقصك بس تصبغي شعرك وتخليه أحمر هتبقي خطر قوي."

ضحكتها الخافتة جاءت كدفء حارق تحمل في طياتها عتابًا آخر وتغريه بماض لا يجرؤ على الهروب منه. "اه انت هتاخدني في دوكة بقى قول ان انت مسفرني بره ومسيبني مصر واهلي وبلدي علشان ما اقرفكش هناك وكل شوية اقول لك تعالى بات معايا قضي معايا اليوم نتغدى مع بعض وانت عارف ان انا هنسيك الدنيا واللي فيها بس طلعت انت بتحبها أكتر ما بتحبني." أغلق "فارس" عينيه وصدره يعلو ويهبط كمن يلهث تحت عبء الذكرى ثم تحدث بصوت مبلل بندم عتيق.

"انت عارفة ان انا ما حبيتش حد قد ما حبيتك بس كان لازم أكمل حياتي هنا كان لازم أتجوز وأخلف وأعيش والعلاقة اللي ما بينا زي ما هي الجواز بتاعي ما يمسهاش بشيء." اختلطت عليه مشاعره وتاه عنه صوته الداخلي يتأمل الجدار وكأن فيه إجابة خفية لشيء لا يفهمه وفي قلبه شعور لم يعرف له اسمًا سوى التيه والتشظي وهو يتابع حيرته وألمه في ابتعاده عنها.

"انت ما تتصوريش بعدك عني عامل ازاي انت بالنسبة لي روحي اللي لما بتخرج مني بحس ان انا هموت وريحتك لما بتغيبي عني بحس ان انا مخنوق ومش عارف اعيش انت أكتر حد حبيته في الدنيا وأكتر حد اتعلقت بيه وأكتر حد مش شايف غيره ارجوك ما تزعليش يا "بيري" وانا في اقرب وقت هاجي لك هناك ومش هسيبك خالص وطول الوقت هنقضيه في حضن بعض." ساد الصمت لبرهة كان فيها يلتقط أنفاسه المتقطعة قبل أن يسمع صوتها المشحون بالخذلان.

"انت على فكرة بكاش وبتوعد وبتخلف كتير وانا خلاص ما عدتش اصدقك وزعلانة منك كتير علشان انت عارف لما بتبعد عني الفترة الطويلة دي انا ببقى تعبانة نفسيا وكمان ببقى مش مرتاحة وانت عارف ان انا ما ليش غيرك في الدنيا." رفع "فارس" عينيه فجأة نحو الباب حين سمع خشخشة خافتة كأن أحدهم يقترب منه فجف ريقه وازدرد توتره قبل أن يكمل بنبرة مضطربة.

"طب خلاص يا ستي هاجي لك كمان اسبوعين يكون فات على السفرية اللي فاتت شوية وكمان اقدر اقول سبب مقنع لـ"فريدة" وانت عارفة تعلقها بيا قد ايه ما ينفعش ان انا اكسرها بعد كل اللي عملته عشاني وانا عرفته لك كله من البداية للنهاية." وبينما يتحدث بتلك النبرة الهاربة من الشعور بالذنب اخترق السكون صوت مفاجئ خارج الباب صوت "فريده" وقد انفجر كالرعد يهز جدران روحه ويعري لحظته وهي تصيح به.

"افتح يا "فارس" "فريدة" كشفتك خلاص افتح وريني هتتحدت ويا مين يا خاين افتح الباب دي." رفع "فارس" يديه المرتعشتين عن الجهاز أمامه وقام بإغلاقه والذعر يسري في أوصاله كجمر مشتعل تحوّل صوته إلى رجاء هش حين رد بصوت مكسور غارق في محاولة الإنكار. "اييييه... يا "فيري" إيه الكلام اللي إنت بتقوليه ده وإزاي تشكي فيا؟ وتشكي في حبي ليكي؟ وتشكي إن أنا ممكن أعرف واحدة غيرك؟ أهدي يا حبيبي.

لكن صوت "فريده" كان كالسيف، حاد، دامع، مكلوم، لا يعرف سبيل للصفح أو التراجع وهي تقف أمامه بعدما فتح الجدار الفاصل بينهم وتقابلت الوجوه بمختلف مشاعرها ما بين الخوف منه من ردة فعلها وما بين الصدمة منها ومن موقفه الخائن المخزي له أمامها: ـ قد إيه إنت بجح وأنانى! هتكدب وداني اللي هتسمعك وإنت هتخوني وهتقول لها حضنك وحشني؟ وكمان ما هتخبيش عنيها حاجة وهتسافر لها وإن ريحتها وحشتك وإن إنت مش قادر تعيش من غيرها؟

ثم توقفت "لوهلة" وكأن الكلمات التي سمعتها لم تكن موجهة لها بل لطعنات داخلية تعرفها جيداً، تشعر وكأن جدار الأمان الذي كانت تتكئ عليه بدأ يهتز، كأن قلبها سُحب من بين ضلوعها دون إنذار وتابعت وهي تلكمه في صدره: ـ هتفكرني عاد ما سمعتش الحديث ده كله من الأول وإني لساتي مختومة على قفايا منك؟ بقى جالك قلب تخون "فريدة" يا "فارس" وهتعشق وتحب واحدة غيرها؟ والله ما مصدقة حالي ولا مصدقة اللي وداني سمعته منك.

واسترسلت حديثها والدموع أخيراً قد تحررت وهربت من مقلتيها وهي تتذكر كلامه المعسول معها: ـ هقول لها محبتش ولا عجب حد كدك؟ ارتبك "فارس" كمن تمزق قلبه أمام عينيه، هوت كل تبريراته أمام نظرتها الغاضبة، فأراد أن يلملم ما تبقى من كرامة الحب، فمد يديه نحوها بضعف، رجل على حافة الانهيار وهو يؤكد لها حينما رأى دموعها وانهيارها:

ـ يا "فريدة" أنا ما حبتش غيرك ولا عرفت أحب غيرك ولا في حياتي ست عشقتها قد ما عشقتك. اللي في دماغك غلط، أهدي يا "فريدة" ما تعيطيش، دموعك بتقطع فيا والله. تعالي في حضني يا حبيبي تعالي. لكن "فريده" دفعت ذراعه بحدة، وعيونها تتطاير منها شرارات الغضب، ونبرتها لا تزال تهز كيانه كله وداخلها ضجيج لا يُسمع.

وصمت أشد وقعاً من الصراخ وهي تنظر له بألم وتبحث عن "فارس" الذي أحبته فلم تجد أمامها سوى سرب طائر هرب من بين يديها وراح يرى غيرها في وجه آخر وهي تبعد يداه عنها بنظرة أهلكته خوفاً من القادم: ـ بعد يدك عني، عشق إيه اللي هتتحدت عنه وإني هسمعك بوداني هتخوني مع ست غيري؟ ثم حاولت أن تزحزح جسده كي تصل إلى 'اللابتوب' كي تعرف من هي التي سلبت زوجها منها: ـ بعد عن المخروب اللاب دي وريني لو عندك الشجاعة كنت هتتحدث ويا مين؟

وريني خرابة البيوت اللي هتكلم راجل متجوز وهتعرفه على مرته، خليها شجاعة وتقف قدامي وتواجهني وإني هشوفها كيف تخطف راجل من مرته وتتكلم وياه بالنعومة اللي سمعتها دي؟ كاد "فارس" أن يسقط من فرط الذهول، كل ما في عينيه كان يسألها أن تصدق قلبه لا أذنيها، لكنه لم ينطق، فقط قال بصوت راجف وهو يقف حاجزا بينها وبين الجهاز بهلع من اقترابها منه وبين أن تعرف مع من يتحدث:

ـ لا ما لكيش دعوة باللاب وعمري ما هديه لك، أرجوكي أهدي وما تهدميش اللي بينا في لحظة غضب، أنا باقي عليك وعلى الحب الكبير اللي بينا. لكنها كانت قد فقدت ما تبقى من ثقة، ما تبقى من حلم، فقالت بمرارة تحمل ماضياً يحرق الحاضر وهي تقف بين الشك والخذلان. تحاول أن تلتقط من كلامه ذرة صدق تنقذ بها ما تبقى من ثقتها ولكن كلماته كانت كالجدران يمنع تصديقها له: ـ وه! كيف قلبك قسي اكده علي؟

هتخوني وتطلب مني اني ابقى عليك وعلى الحب الكبير اللي بيناتنا فينه الحب دي؟ ثم تلتفت ببطء وفي عينيها ارتجافة ليست خوفًا بل انكسارًا كأنها واجهت للتو جزءًا من "فارس" لم تعرفه يومًا وهي تردد بخزي: ـ للأسف عرفتك كد ما عرفتك وطلعت ما اعرفكش، وحبيتك كد ما حبيتك وطلعت غبية ومبفهمش، ولآخر مرة هقول لك هات اللاب يا "فارس" وريني هتتحدت ويا مين؟

هز "فارس" رأسه نافيًا والدمع يتجمع في عينيه لكنه أبى أن يسقط وشعر بحرارة تصعد في وجهه كأن كلمتها صفعة غير متوقعة. ومع ذلك ظل ساكنًا كمن يعرف أنه لا يملك مبررًا واحدًا: ـ يا "فريدة" والله ما حبيت ولا هحب في الدنيا غيرك، اللي في دماغك ده أوهام. ثم حاول أن يزعزع ثقتها قليلاً كي يجعلها تخف من مواجهته لما سمعته من بشاعة وهو يختلق أسبابًا واهية: ـ وبعدين انت ازاي تتصنتي عليا بالشكل اللي انت سمعت بيه المكالمة ده؟

اكيد انتي مركبة لي حاجة هنا في الأوضة؟ سكتت "فريدة" فجأة وهي تنظر له بسخرية كأنها تريد أن تصرخ ولكنها لا تجد صوتها. وكأن حبها له بات عبئًا يتزايد كلما حاولت أن تتشبث به ثم جاء الجواب كرصاص بارد: ـ هو دي كل اللي همك؟ هو دي كل اللي فارق لك؟

طب اه انا بقول لك اني مركبة لك ميكروفون هنا في الأوضة من ساعة ما سمعتك المرة اللي فاتت وانت هتتكلم في أنصاص الليالي وياها. قلت اشوف جوزي بيعمل ايه من وراي وفي الاخر انصدمت صدمة عمري. ثم هتفت بما جعله صدمة: ـ طلقني يا "فارس" انا لا يمكن اعيش معاك ساعة واحدة بعد النهاردة.

نظر "فارس" إلى الأرض كأنه يبحث بين ذراتها عن طريقة للهروب لكنه يعرف جيدًا أنه لن يستطيع الفرار من جرح سببه لمن أحبها. ثم رفع يديه كأنهما يتوسلان وصوته انفجر بنداء لا رجاء بعده: ـ اطلقك ايه انت اتجننتي في عقلك؟ انا بحبك يا "فريدة" انا ما أقدرش أعيش ولا يوم من غيرك انت وبنتنا وما حبتش في الدنيا قدك.

تتراجع "فريدة" خطوة للوراء وكأن كلمات "فارس" صفعتها وهي تتذكر كلمته لتلك الأخرى 'لم أحب أحدا غيرك'. نفس الكلمة يقولها لها الآن. كفاك عبثًا بعقلي الأبله يا رجل. ثم سقطت من عينها دمعة لا تريد أن تعترف بها لكن كرامتها كانت أضعف من قلبها. وكانت قد انتهت من داخله. فأدارت له ظهرها وهي تقول بكبرياء مكسور:

ـ يمكن زي ما انت ما بتقول ويمكن ما حبتش في الدنيا قدي لكن قلبك شكله هيساعي من الحبايب ألف. اني هروح بيت ابوي وتجيب لي ورقتي على هناك خلاص العيشة ما بينا بقت مستحيلة بعد الخيانة واني يستحيل أكمل وياك بعد اللي سمعته بوداني. والأغرب من اكده انك خايف عليها مني. خايف إني أجرحها لك بشوية كلام. هو في أكتر من اكده جرح منيك ليا؟ اقترب "فارس" خطوة واحدة فقط. خطوة لا تقطع المسافة بينهما لكنها تحاول.

وكان في عينيه شيء يشبه الاعتذار الذي لا يقال. ثم أغلق عينيه وهو يصرخ بيأس لا يسمع: ـ تروحي فين يا مجنونة انت؟ انت لا يمكن تسيبي البيت. والله بحبك وما حبيت غيرك. انت ازاي تفكري كده أصلا؟ شعرت "فريدة" بأن الكلمات بدأت تخونها. كأن كل تبرير سيفتح أبوابًا أغللته عمدًا. ولكنها تستحق الحقيقة ولو كانت جارحة. وجائه الجواب كالسيف الأخير في صدره:

ـ اوعاك تحاول تطلعني مجنونة أو بوهم نفسي أو تكدب وداني اللي سمعتك وسمعت نبرة صوتك وانت هتكلمها كانك بتتكلم معاي بالظبط. اني كشفتك على حقيقتك انت هتتلون ب 100 لون كيف الحرابى ولأول مرة اندم على اختياري ليك.

ثم غادرت من أمامه وصعدت غرفتها تجمع أشيائها في حقيبتها لتغادر. تجمد في مكانه. كأن جسده رفض تصديق ما سمعته أذناه وما رأته عيناه. لحظات مرت كأنها دهر. وعقله يرفض استيعاب أنها حقًا ستغادر. تتركه خلفها كأنه لم يكن. هرول نحوها. ونبرة صوته ممزقة ما بين التوسل والذعر. كأنها تحمل بين يديها حياته كلها. وهي تهم برميها أرضًا:

ـ إوعي تعملي كده يا "فريدة". بالله عليكي متخرجيش. إنتي مش فاهمة أنا بحبك قد إيه. أنا قلبي بيتقطع دلوقتي. ما اقدرش أعيش من غيرك. ما اقدرش. انت بالنسبة لي روحي اللي عايش بيها. أنا أضيع من غيرك. اقترب منها بجنون. عيناه تائهتان في وجهها الذي صار كتلة من الصمت الصلد. وقلبه يضرب جدران صدره كأنه سجين يستنجد بالحرية. مد يده نحو ذراعها. ولما أحس بارتجافها. أيقن أن شيئًا ما انكسر. ولكن أصر على محايلتها:

ـ بصي لي. والله العظيم بحبك. بحبك لدرجة ما بتتوصفش. إنتي حياتي. نفسي. دمي اللي ماشي في عروقي. مينفعش تسيبيني كده وتمشي. دي تبقى نهايتي. تراجعت للخلف خطوة. كأنها تحاول انتشال نفسها من الطين الذي غاصت فيه حتى العنق. ولم تعد تدري أهذا الحب أم مرض؟ أهو عشق أم استحواذ؟ نظراته كانت تطعنها. ليست قسوة. بل استماتة:

ـ دي مش حب نهائي. دي هوس باعتقاد غريب منك. واني عمري ما كنت لعبة في يدك ولا هكون. حبك المتلون اللي مش مفهوم دي هيخنقي يا فارس. هيقتلني بعد ما سمعتك وانت هتخوني ومرايدش تديني تفسير واحد للي وداني سمعته. صرخ بها كأنها ألقت بسهم في صدره. واندفع نحو الباب ليقفله بعنف. ثم التفت إليها وعيناه كجمرتين: ـ مش هتمشي. مش هسمح لك تروحي مني. فاهمة؟

إنتي بتاعتي أنا. بتاعت "فارس" وأنا مش هسيبك. ولا يوم. ولا ثانية. كل حتة فيكي ملكي. قلبك وروحك ونفسك وجسمك كله بتاعي وملكي. ثم اقترب منها وجذبها بعنف حتى ارتطمت بعظام صدره وهو يطلق سبابته على شفتيها معلنًا ملكيتها له: ـ حتى شفايفك دول بتوعي. كلك على بعضك ملك الـ"فارس" يا "فريدة".

شعرت بالأرض تميد من تحتها. ما عاد أمامها مفر. ولا خلفها مأوى. وقفت تتنفس بصعوبة. تراقب بعينين متسعتين تفاصيل وجهه وهو يقترب. كأنها تراه لأول مرة. تراه لا كما أحبته بل كما أخفته الأيام خلف قناع زائف: ـ إنت مين؟ فين "فارس" اللي كنت هحبه؟ فين الإنسان اللي حلف لي إنه عمره ما يأذيني؟ ودي مش أذية دي خيانة فاهم يعني ايه خيانة؟

مد ذراعيه ليحتضنها. أراد أن يدفنها داخله. كأنه يخبئها من العالم. لكنها دفعته بذعر. صرخة خرجت من صدرها لا تشبهها. كأنها تودع ثقتها كلها: ـ بعد عني متلمسنيش. أني هخاف منيك. أيوه بقيت بخاف منيك. ومقدراش أصدق إن دي إنت اللي حبيته وراهنت قلبي عليك!

أصر بشدة وكأن الحب عنده لا يرد. لا يناقش. لا يفلت. شدها إليه بيدين مرتجفتين. يقبل وجنتيها بشراسة الحب المجنون. ويهمس بعبارات خافتة. كأنها تعاويذ لاستحضارها من بعد آخر. وكل ما في مخيلته أنها ستبتعد وتتركه وحيدًا. كما تركه "عبير" وحيدًا. حقا أصابه الجنون وأصبحت حالته يرثى لها: ـ "فريدة". إنت بتقولي ايه ده أنا "فارس" اللي كنت بتضحكي معاه وبتهربي له من الدنيا. أمنك وأمانك إزاي بتخافي مني؟ إزاي؟

أنا اللي كنت عايش بيكي وما صدقت إنك تبقي ليا. إزاي دلوقتي بتبعدي وتصدّي وتحاولي تهربي وعايزة تسيبني زي كل مرة! ثم خلل أصابعه بين خصلات شعره بحزن شديد وهو ينعي نفسه بألم: ـ آااه يا الفارس كل اللي بتحبهم بيبعدوا عنك، بيمشوا ويسبوك. ليه يارب ليه!

ثم على حين غرة جذبها بعنف وكل خلية بجسده تدق كالطبول وأمال وجهه نحوها ليقبّل شفتيها بعنف وكأن بتلك الحركة يضمن وجودها معه، يثبت لها بتملكه الخانق لها أنها ملكه. لكنها أمالت رأسها بسرعة، فتلامست وجنتها بشفتيه، واهتز جسدها كله من الرعب، كأنها كانت على وشك السقوط في بئر بلا قرار. سحبت جسدها بقوة من يديه المتشبستين بها بعنف ودموعها تتزاحم في عينيها، لكنها تأبى أن تخرج.

ـ أنا مش هفضل محبوسة هنا. افتح الباب. إنت مش طبيعي. إنت هتقـ.ـتلني بإسم الحب الموهوم اللي مليان خيانة والحب عمره ما كان سجن، ولا كان خوف! ظل واقفًا في مكانه، كأن قدميه التصقتا بالأرض، وأنفاسه تتقطع وهو يراها ترتجف أمامه. لم يقصد إخافتها، لم يكن يريد إلا أن يحتفظ بها بجانبه لكنها الآن تخافه، تنظر إليه كأنه كابوسها. ـ طيب أعمل إيه! قولي لي أعمل إيه علشان تصدقي إني بحبك! أقـ.ـتل نفسي! أخرجك من حياتك وانهار!

إنتي مش شايفة إن قلبي بيتفتت قدامك! انكمشت على نفسها، كأن الكلمات تلسعها، كأنها تتلقى طعنات لا دم فيها. مدت يدها نحو المقبض تحاول فتح الباب، لكنه أغلقه ثانية وأدار المفتاح. ثم أسنده خلف ظهره كأنه يتحداها: "والله ما هتخرجي من هنا، مش علشان أذيك بس علشان أفهّمك إني بحبك، وإنك ليا، ومش هقبل تبقي لحد تاني، ولا حتى تسيبيني وتروحي، فاهمة!

نظرت إليه بدهشة مخلوطة برعب، وكأنها أخيراً فهمت أنها لم تكن تعرفه يوماً، وأن الرجل الذي أحبته ربما لم يكن موجوداً أصلاً، بل كان ظلاً صنعته أحلامها: "انت مجنون، وأني اللي صدقت إنك "فارس" الأحلام، وأهه طلعت "فارس" السجان والخوف والانكسار."

-بلهجة متوترة وبوجه يعلوه التعب، دخلت "رحمة" المطبخ وهي تخبر "أم محمد" صوت خطواتها يشي بإرهاق دفين. ومع ذلك وجهها لا يزال متماسكاً حتى في غمرة الإنهاك. التفتت بنظرة مستعجلة إلى "أم محمد" وهي تمسح جبينها بتنهيدة مثقلة: "يا أم محمد حضري الغدا للمتر على ما ياخد شاور وينزل." أومأت "أم محمد" بسرعة، وابتسامة محبة على ملامحها المتعبة. تحمل في قلبها ولاء لهذه الأسرة التي تخدمها بإخلاص منذ سنين، وهي تشعر بثقل التعب

على ظهرها لكنها لا تتردد: "حاضر يا أستاذة من عينيا." صوت "فيروز" كان يعكر لحظة السكون. قفزت الصغيرة بحيوية طفولية في أحضان "أم محمد". وبين لهوها وضحكها كانت تشد أطراف "أم محمد" التي بالكاد تستقيم من آثار العمل، لتشكو وهي تداري ضيقها بابتسامة محبة: "بس يا "فيروز" يا بتي هديتي حيلي وإني ست كبيرة وعايزة أخلص الغدا للأستاذ "ماهر". اقعدي زينة عاد ولا روحي لماما."

استدارت "فيروز" بعينيها اللامعتين بشقاوة، وكأنها لا تسمع إلا صوت قلبها النقي. قلب يريد الحب والحنان. وكلماتها خرجت وهي تلوح بذراعيها وتبتسم بكل ما تملكه من براءة: "تؤ تؤ أنا أحبك يا "تيتا" انتِ حلوة تجيبي "لفيروز" عصير مانجا وتجيبي لها شوكليت وآيس كريم ومامي تقول لي لما أخلص شغل أجيب لـ"فيروز" اللي هي رايداه."

اقترب "ماهر" من المشهد بصلابة رجل يحمل هم البيت على كتفيه. عيناه تتنقلان بين الصغيرة و"رحمة" بشيء من الحنان المشوب بصرامة يعتاد أن يخفيها خلف نبرة صوته الغليظة. انحنى قليلاً وهو يتحدث إلى ابنته التي لا يقوى أن يراها جائعة: "حبيبة "بابي" لما تكوني رايدة شئ كلمي "بابا" وهو هيجيب لك اللي انتي رايداه. يلا تعالي اتغدي مع "بابي" علشان ما بيعرفش ياكل لوحده واصل."

استدار بنظره الحاد نحو "رحمة"، حواسه تشتعل بغضب خفي وغيرة مستترة خلف سؤال يبدو عابر. لكنه يحمل ما هو أكثر من مجرد دعوة للطعام: "وانتِ يا أستاذة "رحمة" مش هتاجي تتغدي وياي ولا هتفضلي ماسكة اللابتوب المخروب دي ليل ونهار."

رفعت "رحمة" عينيها عن الشاشة دون أن تخلع منها أثر الإجهاد. بدا صوتها محايداً لكن ملامحها كانت تحمل تذمراً داخلياً يكاد يصرخ من تحكمه الزائد عن الحد خلال الأيام الماضية. شفتاها تحركتا بخفة لكنها كانت تخفي شيئاً أكبر خلف هذا الرد القصير: "معلش يا "ماهر" اني أكلت ساندوتش وأني قاعدة من شوي ومقادراش آكل حاجة تانية وكمان شغالة على قضية مهمة من بقالي يومين صعبة جدا ومحيراني."

اتسعت عينا "ماهر" بانزعاج مكتوم. تراجع خطوة وكأن صدره امتلأ بما لا يقال. غضبه كان يتسلل بهدوء إلى نبرة صوته دون أن يصرخ. لكنه كان كفيلاً بإشعال أي هدوء: "سبحان الله حياتك كلها بقت قضايا ولابتوب وموبايل! الحالة دي ما تنفعش وياي واصل لازمن تفصلي ما بين شغل المكتب وما بين بيتك وجوزك وبنتك يا هانم ولا انتي شايفة ايه يا حضرة الديفا!

رفعت "رحمة" رأسها بتحدٍ. صوتها لم يعل لكن عيناها كانتا كفيلتين بإعلان الحرب. وكأنها لا تخشى هذا الطبع الناري الذي يملكه، بل تواجهه بندية تشبه النار التي تحترق بها هي الأخرى من الداخل: "يعني أعمل إيه أسيب شغلي واللي وراي والقضايا اللي مسؤولة مني ينفلقوا علشان حضرتك زعلان إنك هتاكل وحدك! زفر "ماهر" بحدة. حدق بها نظرة طويلة كأنها تحمل كل اللوم الذي كبته منذ زمن. جسده ثابت لكن صوته كان مليئاً بالقهر والغيرة المختلطة

بالإحساس بالإهمال: "آه تسيبي كل حاجة. أني برده ببقى سايب القضايا في المكتب وما بجيبهاش اهنه البيت. ولو كانت قضية مهمة زي اللي هتمسكيها في يدك بركنها على جنب وأقعد عليها ساعة بالليل قبل ما أنام والموبايل بيترمي زي ما انت شايفه اكده طالما رجعت البيت." ابتلعت "رحمة" ريقها بصعوبة، وكأن الكلام صار سكيناً تجرحه وتؤلمها رغم تمسكها بموقفها. صوتها كان أقرب لصفعة تحاول أن تعيد التوازن لنفسها:

"هو انت عايز تتخانق وخلاص وتطلع أي أسباب تطلعني فيها مقصرة. انت راجع من شغلك لقيت واكلك جاهز وبيتك نضيف وبتك زي الفل ومخلصة الواجب بتاعها وكل حاجة تمام والدنيا هادية." اقترب منها "ماهر" خطوة وهو يشير بيديه مستنكراً. وطبعه الناري انفجر في عينيه قبل صوته. لم يعد يخفي غيرته ولا نقمته على غيابها عنه. كل كلمة خرجت منه كانت تعبر عن رجل يرى نفسه مستبعداً من حياة من يحب: "طب انتِ عميلتي إيه في اللي انت هتقولي عليهم دول كلهم؟

بنتك المسؤولة عنها "أم محمد". هتوكلها وهتشربها وهتاخد بالها منيها ليل ونهار والست كبيرة وما تقدرش على دلع "فيروز". والبيت مش انتِ اللي هتنضفيه ولا مسؤولة عن تنضيفه، ولا حتى الوكل. ما عدناش ناكل من يدك حاجة خالص يا إما هتجيبيه جاهز يا إما هتخلي "أم محمد" هي اللي تعمله. وبالنسبة للواجبات هتجيبي لها مدرسين البيت وهتدفعي لهم أضعاف علشان حتى الواجب يحلوه معاها. فين دورك كأم مع بنتك!

نظرت إليه "رحمة" بعيون مشتعلة. لا خوف فيها بل رفض صريح للمواجهة. كان الغضب في صدرها يوازي نيران صوته. وقررت أن تنهي الحوار دون أن تفقد أعصابها: "لاه أنا ما فايقاش للحوارات دي خالص النهاردة. ممكن نأجل الخناق لما نطلع أوضتنا بالليل وقول اللي نفسك فيه كله." ضحك "ماهر" ضحكة ساخرة لكنها كانت تحمل انكساراً داخلياً. صوته ازداد غلظة وكأن الجرح قد تعمق أكثر. نظراته كانت كالسكين الذي يشق روحها إلى نصفين:

"بالليل أيوة لما الهانم تخلص اللابتوب بتاعها والموبايل يكونوا خلاص أصلاً قربوا يفصلوا منيكي هتطلعي على سريرك طوالي وهتقولي آه يا عيني آه يا راسي وتنامي بسبب وحلتك مع الشغل وكأني ما لكيش راجل ولا بيت ولا بنت مسؤولين منك ورعايتنا واجبة عليكي! رفعت "رحمة" حاجبيها بسخرية متألمة. وقررت أن تنسحب. اختارت أن تبتعد قليلاً بدلاً من أن تشتعل أكثر في حضرة رجل لم يعد يرى إلا تقصيرها:

"طب تمام طالما الحوار فيه خناق وهتحمر لي عينيك وهتشد لي أعصابك أني هاخد بتي وهنطلع ننام في حضن بعض وانت خليك مع خناقك يا حضرة المتر المبجل." تركها تصعد مع ابنتها كي تنيمها وتناول عشاؤه وحيداً كالمعتاد. وبعد أن انتهى قرر الصعود إليها. دلف إليهم الغرفة ونظر إليهم ولاحظ غياب الصغيرة. فخفض صوته للحظة وسأل بنبرة لم تخلُ من الحدة رغم هدؤه الظاهر: "البنت نامت ولا لساتها صاحية!

أجابته "رحمة" بنبرة مقتضبة وهي تدير له ظهرها. أرادت إنهاء هذا الليل بأي ثمن: "أهه نامت واطفي النور عشان عايزة أنام اني كمان." تقدم نحوها ببطء محاولاً تهدئة الموقف. رغم أن الغضب لا يزال يشتعل في عينيه. كانت كلماته تحمل أمراً لا نقاش فيه: "طب يلا قومي على أوضتك وسيبك من لعب العيال ده يا "رحمة"! لكنها لم تتحرك. كانت ثابتة كالجبل. تنظر إلى الحائط كمن يبحث فيه عن مفر. رفضها لم يكن مجرد عناد بل كان صرخة مكتومة من قلب مثقل:

"لاه مقايماش ولا عايزة أنام جارك. كل يوم هتنكد علي وهتتخانق وياي روح بقى اتخانق مع الوسادة بتاعتك وأني هنام جار بتي اهنه." انتفخت أوداج "ماهر" وصوته خرج كالرعد. نبرة تنذر بعاصفة قادمة. غضبه بلغ الذروة ولم يعد يقوى على كتمانه: "رحمة الزمي حدودك وياي. واعملي حسابك مش هتمشي علي يا بت سلطان. نوم إيه اللي هتناميه جار بتك!

شكل صواميل مخك فوتت منك. الكلام دي ما هيحصلش في بيتي. قومي بهدوء يا "رحمه" وارجعي على الأوضة علشان عايزة أتحدت وياكي شوية وتنسي حوار إنك تنامي بعيد عن سريرك اللي هو سريري غير اكده ما هيحصلش واصل." حدقت "رحمة" فيه بعينين زائغتين من كثرة القهر. صوتها كان يحاول أن يبدو قوياً لكنه ارتجف في صدرها لحظة النطق: "وه! هو النوم بالعافية إياك ولا إيه؟

أنا مريضة، أنا مش عايزة أنام جنبك. اديني مساحتي، أنا زعلانة منك وعايزة أبعد عن عينيك شوية. "ماهر" زم شفتيه وأشار بيده مهددًا، كان كمن يفقد آخر خيط من صبره. وقرر أن يفرض وجوده كرب للبيت، وكأن أي تراجع هو إعلان هزيمة. وهو يأمرها: ـ مساحة مين يا هانم؟ يمين بعظيم يا "رحمة"، إن ما قمتي دلوقتي وسبقتيني جري على أوضتنا، لا هتبقى ليلتك مش معدية. وأكمل وهو يحاول استفزازها، وهو يسحبها من على التخت متمسكًا بكتفيها بتملك وعناد:

ـ واعملي حسابك إني بقى رايدك، واللّيلة كماني ومزاجي هيقول لك السهرة صباحي. فلمي الدور وقومي من السكات. نزعت يده بعيدًا عنها بنفس العناد، ثم جذبت الغطاء حول جسدها بحدة، وكأنها تصنع سجنًا لها من القماش. تتحدى به الغضب والغرام بها، وهي تجلس على التخت مرة أخرى: ـ وه هو انت هتغصبني إياك على إني أنام جنبك؟ طب مقيماش يا "ماهر"، وأهه اديني متمسكة بسريري جنبك ومرايحة حتة.

اقترب "ماهر" منها بعنف ظاهر. تحولت خطواته إلى تهديد صريح. لم يعد يطيق مزيدًا من التمرد: ـ كده؟ طب انت اللي جبتي لنفسك. يلا بقى. وعلى حين غرة حملها بين ذراعيه، فكانت بين يديه كاللبؤة في يد الأسد. فصرخت وهي تحاول الإفلات من قبضته. نظراتها مليئة بالعناد والرفض، فكانت تقاوم رجلًا لا يفهم الرفض بسهولة: ـ بعد يدك عني، نزلني يا "ماهر"!

بطل شغل العيال الصغيرة دي، مش هنام جنبك يعني مش هنام جنبك. وسّع يدك ده، ومتقفلش الباب عاد. توقف "ماهر" لحظة ونظر إليها بغضب كامن تحت جلده. وغضبه المكبوت ينفجر بها دون رحمة. كلماته كانت خناجر موجهة نحو كبريائها الجريح: ـ مالك يا بت "سلطان"؟ شادة حيلك أكده ليه؟ مش شايفني راجل قدامك عشان تروحي تنامي جنب بتك وتسيبي جوزك؟

اعملي حسابك الحركة دي إن اتكررت تاني، هكسر عليكي السرير والأوضة فوق دماغك يا "رحمة". واظبطي الكلام معايا عشان إني مش راجل، لا مؤاخذة، عشان تمشيني على كيفك. أنا هنا الراجل ولازم تسمعي كلامي.

ثم أوصد الباب جيدًا، وخلع ملابسه وأصبح عاري الصدر أمامها. ثم جذبها عنوة عنها وأوقفها أمام الدولاب وفتح ضلفتها آمرًا إياها، وهو يدير وجهها ناحية خزانة الملابس واحتضنها بتملك شديد من ظهرها، مما استدعى تذمرها وهي تحاول الإفلات من بين عظام صدره، ولكنها لم تفلح. مما جعله همس بصوت أجش خشن وبنبرة متشبسة بها وهو يخرج لها قميصًا باللون النبيذي قصير بعض الشيء:

ـ متحاوليش تطلعي من بين ضلوعي عشان هتتسحقي جواهم يا بت "سلطان". ودي ليلتك وتلبسي لي الحتة النارية دي عشان مزاجي طالب الليلة يتظبط. ولحد الصبح وتصحي بنفسك تعملي لي مساج وتحضري لي الحمام بنفسك، وكمان هتعملي لي الفطار بيدك الناعمة ده يا بت "سلطان". ومفيش مكتب ولا محكمة بكرة، هنقضي طول اليوم تروقيني أكده، شكل ما نكون عرسان جداد.

انتفضت من تحكماته، فتحولت بجسدها، وإذا به يتمسك بذراعيها بتحكم شديد وعيناه تنظر إليها بصرامة وتحدي. فانفجرت به وهي تقف أمامه كالفأر أمام القط الشرس: ـ وه! هي عافية ولا إيه؟ معايزاش حضنك ولا تقرب مني، إني زعلانة منك. وأكملت برفض قاطع لما يطلبه منها بنبرة ساخرة: وبعدين شغل إيه اللي عايزني أقعد منه الصبح يا سي السيد يا بيه؟ إني ورايا شغل مهم، ورايحة المحكمة أخلص شغل مهم، وبكرة بالذات مينفعش.

تمسك بخصلات شعرها من الخلف يلويها بين يديه لدرجة أوجعتها وهو يخبرها بتشبث قاطع لا جدال فيه: مفيش مرواح مكتب ولا محكمة ولا موبايل ولا لاب توب ولا أي حاجة، واللي هقوله هيتنفذ يا "رحمة". دبت قدميها في الأرض باعتراض وهتفت بتذمر: لاااه بقي، إني مش هعمل أكده واصل! هي قوة واقتدار ولا إيه؟ حرك رأسه للأمام ببرود وبنبرة كالجليد عرفها:

اها، قوة واقتدار، وإن كان عاجبك بقي يا "رحمة"، ويالا بقي علشان إني عايزك تفكي لي عضلاتي وتروقي علي علشان إني مش عاجبني. توترت من اقترابه وأنفاسه التي تلاحقها ولمساته المدروسة لها، وكأنه يعرف مفاتيح أنثاه الشرسة العنيدة، فضعفت من اقترابه، وبالتحديد حينما جذب يدها ووضع بها القميص الخاص بها، وأكمل بنبرة خشنة وبنظرة عيني راغبة بها جعلتها تبتلع أنفاسها بصعوبة:

طب متضيعيش الوقت بقى، علشان إنتي عارفاني مخي جزمة قديمة واللي عايزاه هيتعمل مهما عملتي. ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من اقترابه بهذا الشكل الذي أثارها، لتهتف بنعومة وهي تلكزه بكتفها في صدره بدلال شديد، وهي تمط شفتيها للأمام وتعلم جيدًا أن تلك الحركة تجعله يقف أمامها بلهفة، نظرًا لدلالها الأخاذ: طب انت مزعلني وقاهرني، هبسطك كيف؟ أجابها بإحساس وشجن:

ملكيس صالح يابت "سلطان"، البسي دي واني هعرف أبسط حالي وأخليكي تعرفي تبسطيني كمان. وأكمل وهو يغمز لها بشقاوة وعبث: دي إني الخط لو موخداش بالك يعني. وبعد ارتداؤها لما يريد، اقترب "ماهر" منها بخطوات ثابتة تنبض برجولته الصارمة، وكأن الأرض تفرش له طريقًا من الهيبة والجاذبية.

عيناه تشعان بلهيب مكبوت يحمل وعودًا لم تنطق بها الشفاه، لكن الجسد فهمها دون ترجمان. مد يده نحوها بسلاسة فيها من الحزم ما يربك الحواس، ومن الحنان ما يذيب الكبرياء. "رحمة" رغم عنادها المتأصل، شعرت بقلبها يذوب أمام حضوره المتفجر، وكأنها تُسحب برضا غافل نحو قدر محتوم. في لحظة التقاء العيون، سحبها لعالمه بلا مقاومة، كأن أنوثتها تعرف تمامًا كيف تُنصت لرجولته دون كلمات. **********

كان "آدم" يحتضن "مكة" كأنما يحتضن الحياة ذاتها. ذراعيه يلفان جسدها الهش كدرع من الأمان، وصوته ينساب في أذنها كنسيم عذب يغني: بتلوموني ليه؟ لو شفتم عيينه حلوين قد إيه؟ هتقولو انشغالي وسهد الليالي مش كتير عليه. لم تكن تلك اللحظة عابرة كما كل اللحظات، بل كانت أشبه ببوابة تؤدي إلى فردوس صغير أقاماه معًا، بعيدًا عن العالم، بعيدًا عن الوجع، بعيدًا عن الناس الذين لطالما حاولوا تحطيمهما.

قال لها "آدم" بصوته الرجولي الحاني، بينما كان يمرر أصابعه على خصلات شعرها المتدلية على كتفه: إنتِ مش بس مراتي يا "موكة"، إنتِ قلبي وروحي وعقلي ونبضي ودمي. إنتِ الهدوء في زمني اللي كله دوشة. إنتِ السكينة اللي دايمًا بدور عليها وبلقيها في حضنك. من يوم ما اتجوزنا والله ما حسيت بالملل لحظة.

ابتسمت "مكة" وهي ترفع رأسها لتنظر في عينيه. عينيه اللتين لم تعرفا يومًا لا الخذلان ولا التردد. عينيه اللتين رأت فيهما وطنًا حين ابتعدت عن وطنها الحقيقي وأهلها وصديقاتها وأحلامها القديمة. وردت عليه بصوت يقطر عشقًا وامتنانًا، وهي تمسح على وجهه بأناملها الرقيقة:

إني عشت عمر ما كنتش فاهمة يعني إيه راجل يحتوي ست لحد ما شوفتك. إني كنت فاكرة إن الحب ضعف وإن الراجل عمره ما يحس. بس انت غيرت لي المعنى كلاته. انت حضني في الغربة، وأماني في البعد، وسندي وقت الضعف. انت نعمة كبيرة أوي من ربنا. ضمه إلى صدره بقوة أكبر، كأنه يحاول أن يخفيها من هذا العالم. كأنه يخاف أن تُؤخذ منه، أو أن يفيق ليجدها لم تكن يومًا حقيقته. ثم همس في أذنها كأنما يحفر كلماته في ذاكرتها للأبد:

لو اتكتب لي ألف عمر، هختارك كل مرة. ولو خيروني بين الدنيا كلها وبينك، هختار حضنك من غير تفكير. ضحكت "مكة" برقة وسعادة، ثم غمغمت وهي تشد على يديه: إني ماليش غيرك يا "آدم"، وربنا عالم أني قد إيه هحبك انت وولادنا، وأي وجع جربته في حياتي راح لما ضميتني لحياتك. كنت هشوف الحب مستحيل، بس انت خلتني أعيشه بجد.

غمرتهما لحظة لا يُقاس زمنها بالساعات. لحظة كانت تكفي عمرًا بأكمله، لو لم يكن القدر قد كتب صفحة أخرى بمداد أسود لا يعرف الرحمة. ****** في شقة فارهة وأثاث يلمع كالذهب، كان "سيف"، ابن عم "آدم"، يجلس على الأريكة الجلدية بجوار أخيه، وقد بدا عليه التغيير الكبير. وجه اكتسى بقسوة نضجت من الحقد، ونظرة تشبه لهبًا لا يطفأ. فقال "سيف" وهو يشعل سيجارًا فخمًا ثم ينفث دخانه في فراغ الغرفة:

انت عارف آخر مرة شوفت فيها "آدم" كنت عامل إزاي؟ كنت واقع على الأرض، ووشي كله ورم، وأغلى الناس عليا سابتني لأني اتضربت قدامهم واتذليت. الخطوبة اتفسخت، والناس بقت تتريق عليا في كل مكان، لدرجة إن خطيبتي سابتني علشان مش شايفاني راجل بسبب اللي عمله فيا الحيوان ده. رمقه أخوه بدهشة ممزوجة بالحذر: بس انت سافرت ونجحت وبقيت مليونير. خلاص يا "سيف". عدت وعدينا. فكر بقى في شغلك واستقرارك هنا وفكك منه.

قهقه "سيف" ضاحكًا، ضحكة لا تحمل في طياتها شيئًا من الفرح: عدت؟ إزاي تعدي وأنا كل يوم بشوف الفيديو بتاع الضرب قدامي! ده أنا اتعرّيت، اتعرّيت كراجل قدام الدنيا كلها، وهو السبب ولازم يدفع التمن. صمت لحظة ثم مال للأمام. عيناه تلمعان بخطة شيطانية: أنا محضر له مفاجأة. مفاجأة هتخليه يندم إنه اتولد أصلًا. هخلي حياته جحيم. ومراته دي، آه مراته...

المزة دي هتبقى ليا. هخـ.ـطفها من حضنه، وهخليه يشوفني وأنا باخدها منه وهو مش قادر يعمل حاجة. تنحنح أخوه وقد بدا عليه التوتر: انت بتتكلم جد؟ دي مراته وبتحبه بجد، وباين عليهم سعدا. انت ناوي تخرب عليهم ليه؟ ضرب "سيف" بكفه على الطاولة الخشبية أمامه حتى ارتجت الكؤوس: لأنه خربني وأنا لما انتقم، بنتقم بقلب ميت، ومراته دي مش هتفلت بردو من تحت إيدي. دي أول خطوة في تدميره وهبدأ بيها.

عاد يضحك، ضحكة لا تمت للإنسانية بصلة، وكأن الشيطان ذاته قد سكن فيه. عيناه تبرقان كأنه يرى مشهده المنتصر مسبقًا، وكأن دمار "آدم" و"مكة" بات محتومًا لا محالة. أما في تلك اللحظة، كان "آدم" و"مكة" لا يزالان يحتضنان بعضهما، غير عالمين أن عاصفة مدوية تقترب منهما، تقترب بصمت شيطاني، في زمن لا يرحم الطيبين، ولا ينجو فيه العاشقون بسهولة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...