الفصل 5 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس 5 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
31
كلمة
8,165
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

تابعت بذهول وهي لم تصدق أن ذاك الواقف أمامها هو "عمران" الذي عشقته سنوات وسنوات دون أن يعرف وعانت في عشقه كثيراً. "بقى رايد تتجوز على "سكون" يا "عمران"؟ "هذه حالك اللي هتشوفه عليا؟! "أنا مصدومة من كلامك والله ومصدقاش اللي سمعته وداني عاد؟

أجابها "عمران" بحدة خفيفة كي يجعلها تفيق من دوامة الوهم التي تعيش بها وعقلها وقلبها وجل جسدها الذين ورطتهم بل وسحلتهم في مفهوم بئر خاطئ من الأمومة وألقته هو في بئر الحرمان منها دون أن تكترث لمشاعره ولا أن يلومها ضميرها على إهمالها له وهو يتقطع داخله لأجل حزنها. "مصدومة من أني بطلب منك حقي فيكي اللي ربنا أمرك بيه؟

"ولا مصدومة في أن طيرك العاشق المربوط والموصوم بعشقك وصلّتيه بإهمالك أنه بقي تايه وحيد. الدفء غادر فرشته وبعدك عنه ليالي وشهور، خلي أيامه كيف الحنظل المر. بتعتبي علي ولا خايفة أن طيرك المربوط بعشقك هيفلت زمامه من يدك؟ "أنا لو عايز أغدر ولا أخون مستناش ده كله يا "سكون"، مقعدش كل ليلة والتانية أحضن مخدتي كيف البت البايرة ومرتي اللي هعشقها وهيفصل بيني وبينها يدوب جدار ما يطولها."

وتابع بحدة مصاحبة لبعض العنف وقد زهق الصبر من صبره وهو يمسك بكتفها يهزها بغضب: "ارجعي بقى عن اللي في دماغك، ارجعي لي "سكون" مرتي اللي ما كانتش تتحمل بعد "عمرانها" ولو ليلة واحدة." "ويكون في معلومك المرة دي بالذات أني مش هتنازل عن اللي في دماغي يا "سكون"، ودلوقتي تتفضلي تظبطي حالك لجوزك ومفيش بيات في أوضة العيال تاني ولو اعترضتي يبقى باكده بتبني أول نعش في طريق سد بيناتنا."

"وأظن أني عداني العيب وياكي وصبرت كتير، وما فيش راجل هيتحمل إلا أني اتحملته السنين دي كلها يا بت الناس." أنهى كلامه وتركها وخطى خطوتان لخارج الغرفة فلحقته وتمسكت به وهي تسأله: "طب أنت رايح فين دلوقتي يا "عمران"؟ لسه ما خلصناش كلامنا، أنت قلت اللي عايز تقوله وما اديتنيش فرصة أدافع عن نفسي ولا أقول أني كمان عايزة إيه؟ أبعد يداها برفق عنه وهو ينظر بعينيه تجاه غرفة أولاده معلماً إياها بحزم:

"رايح لبتي أشوف إزاي قدرت تعمل السلوك العدواني ده مع خواتها وأعلمها الصح، وأعلمها كيف تبقى زينة عشان دي واجبي ناحيتهم واللي أنتِ عايزة تنحي عني." واسترسل حديثه باعتراض صارم وهو يحذرها بشدة: "وإياكي يا "سكون" تفكري أنك تخليني صورة في باترينا قدام ولادي وأني ما ليش رأي معاهم." "وأنك الكل في الكل وأنك المسؤولة عنهم في كل شيء وتنحي دوري كأب، وتخليهم يدوب شايلين اسمي وإني مجرد اسم بس."

"هما ولادي وليهم حق عليا كيف ما هم ولادك برده وليهم حق عليكي، مش أني الراجل اللي هيقف يبص على ولاده من بعيد ولا يشوف أخطائهم ويقف متكتف عشان خاطر عامل حساب ليكي ولزعلك." "وما تفكريش نفسك هتحبيهم أكتر مني؛ لا يا "سكون"، حبي لولادي من حبي ليكي ورعايتي ليهم المفروض أنها تبسطك مش تخليكي خايفة من رد فعلي عليهم ساعة الغلط." "راجعي نفسك يا بت الناس لأن الكيل طفح ومش هتحمل أكتر من كده واصل."

كان الليل يفرش أجنحته على أرجاء المنزل بهدوء مهيب، بينما هدوء يملأ الأجواء بعد نهارٍ طويل مليء بالحركة والصخب. وقف "عمران" أمام باب غرفة أطفاله وقد تملكه شعور مزدوج بين الحزم والحنان. دفع الباب برفق ودخل إلى الغرفة حيث كانت "سكن" تجلس على طرف السرير وتمسك بيدها قلماً وكراسة وتحاول أن ترسم كي تكون بارعة في الرسم مثل أخيها، بينما كان "سليم" و"سيف" جالسين في ركن الغرفة يلهون ويلعبون مع بعضهم بلعبة "البازل".

اقترب "عمران" بخطوات بطيئة مدروسة ثم جلس على الأرض أمام ابنته ورفع وجهه لينظر إليها بعينين تغمرهما الأبوة والرفق، بينما خيم السكون على الغرفة كلها. مد يده ومسح على يد "سكن" الصغيرة وهو يقول بصوت منخفض يفيض حناناً: "قولي لي هتعملي إيه يا "سكن"؟ هترسمي؟ وريني كده رسمتك." خبأت الطفلة رسمتها المشوهة من وجهة نظرها عن أبيها وهي تقول بحزن: "لا يا بابا رسمتي وحشة، "سَليم" و"سيف" هيقولوا عليها عفشة."

"ماني بحاول أتعلم أرسم حلو زيهم وماما هتساعدني كتير لحد ما أرسم رسمة زينة أوريها لك." أخذ منها الدفتر وهو ينظر إلى رسمتها وقد زينت الابتسامة ثغره وهو يبدي إعجابه برسمتها: "إيه الحلاوة دي يا بتي، هتخزي العين ولا إيه؟ ما أنتِ هترسمي زين أهو." "وما تاخديش على كلام خواتك، هم هيمسكوا على عندك وعلشان كده ما كانش ينفع تقطعي كتاب "سَليم"، أنتِ غلطتي يا حبيبة بابا." "أنتِ عملتي كده ليه يا حبيبتي؟

قولي لي إيه اللي خلاكي تعملي كده في كتاب خوكي؟ في عيني "عمران" كان يلمع قلق لم يحاول أن يخفيه، إذ شعر أن الغضب ليس سبيل الإصلاح في هذا الموقف، بل إن الحوار والرفق هما ما تحتاجه ابنته الآن. لقد كان يعلم أن مشاعر الغضب عند الأطفال تأتي من شعور بالعجز أو الحاجة للانتباه، وقد أدرك من نظرة عينيها المرتبكتين أنها نفسها لم تفهم ما دفعها لفعل ذلك. رمشت "سكن" عدة مرات ثم هزت رأسها بخفة وقالت والدموع تتساقط

على خديها ببراءة الأطفال: "والله ما كنت أقصد يا بابا، والله ما كنت أعرف إن ده هيحصل." "الكتاب كان في يدي و"سَليم" كان هيزعق لي جامد وقال لي ما تلعبيش معانا واني ما هعرفش أرسم ورسمتي عفشة قوي واني ما قدرتش أتحمل وكنت متضايقة جوي."

استمع "عمران" إلى كلماتها بانتباه بالغ وهو يشعر بوجعٍ في قلبه من اعترافها البريء وبكائها الحار. لقد أدرك أن الطفلة الصغيرة كانت تتصرف من انفعال مفاجئ ولم تدرك عواقب ما فعلت، وقد ازدادت مشاعر الحنو في قلبه نحوها أكثر فأكثر. "بصي يا "سكن"، أنا فاهم إنك زعلانة وفاهم إنك كنتي متضايقة، بس برضو لازم تعرفي أنك لما تتضايقي ما ينفعش تعملي حاجة تزعل خوكي أو تأذيه."

"ولا لازم لما حد يزعلك تاجي على طول تقولي لي وأنا اللي هتكلم معاه وهجيب لك حقك من غير ما تزعلوا بعض." كانت ملامح "عمران" وهو يتحدث تتلون بصدق مطلق، في صوته اهتزاز خفيف يعكس الألم العميق الذي يشعر به حين يرى أبناءه يجرحون بعضهم البعض عن غير قصد. كان يعلم أن مشاعر الطفولة رقيقة وسريعة الانكسار وأن أي جرح قد يترك أثراً طويلاً الأمد إذا لم يتم علاجه بالكلمة الطيبة والعناق الدافئ.

"أنتِ عارفة أنك مش بس أختهم، أنتِ بالنسبة لهم زي أمهم بالضبط يا "سكن"، والأم لازم تكون قلبها وبالها طويل، وأنتِ اللي لازم تكوني قدوتهم في كل حاجة." "طيب ينفع بنتي قمر زيك تعمل كده؟ بنتي الحلوة اللي أنا هعشقها تعمل كده؟ لا طبعاً، أنتِ أحن من كده بكتير وأطيب من كده كماني."

رفعت "سكن" رأسها ونظرت إليه بعينين مغرورقتين وقد بدا عليها أنها تسمع صوته لا بأذنيها فقط بل بقلبها كله. كان وقع كلماته عليها كالماء البارد على نار داخلها كانت توشك أن تحرق كل شيء. إحساس طفولي بعقل صغير جعلها تشعر أنها سيئة للغاية. "أنا آسفة يا بابا، أنا فعلاً آسفة." "ما كنتش أقصد أزعله، أنا كنت عايزة ألعب معاهم وخلاص وهم كانوا هيمسكوا على عندي."

نظر "عمران" إلى ابنه "سليم" الذي كان لا يزال جالساً دون حراك ثم أشار له أن يقترب. اقترب "سليم" بخطوات مترددة وعيناه متعلقتان بأبيه. "تعالى هنا يا "سليم"، تعالى جنبي شوية." "شوف يا حبيبي، أختك غلطت لما قطعت الكتاب بس هي قالت إنها ما كانتش تقصد وكانت متضايقة." "وأنت كمان غلطت لما مسكت عليها وضغطت عليها بالكلام، المفروض أننا كلنا نحافظ على بعض وما نوجعش بعض بالكلام ولا بالفعل." التفت "عمران" إلى ابنته وقال بلطف وحنان:

"يا "سكن"، هتجولي لأخوكي إيه؟ جولي له إنك آسفة وإنك مش هتعملي كده تاني وإنك بتحبيه." نظرت "سكن" إلى "سليم" ودموعها لم تتوقف ثم قالت بصوت منخفض: "أنا آسفة يا "سليم"، بجد مش هعمل كده تاني سامحني علشان أنا هحبك وكنت عايزك تقول على رسمتي حلوة بس المرة الجاية مش تقول لـ"سكن" رسمتك عفشة." ثم التفت "عمران" إلى "سليم" وقال له: "وأنت كمان يا "سَليم"، لازم تعتذر لها عشان الكلمة اللي قلتها لها وجعت قلبها."

"إحنا ما ينفعش نكسر قلب بعض عشان ننتصر في لحظة." "قول لخيتك إنك آسف وإنك هتحبها." أخفض "سليم" رأسه قليلاً ثم قال بصوت خافت: "أنا آسف يا "سكن"، أنا ما كنتش أقصد أزعلك، أنا كمان هحبك."

في تلك اللحظة شعر "عمران" أن قلبه قد امتلأ دفئاً غامراً وتسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه دون أن يدري. مد ذراعيه واحتضن "سكن" و"سليم" ثم نادى على "سيف" الذي كان يراقب الموقف بعينين فضوليتين فركض إليه وقفز في حضنه دون تردد. ضم "عمران" أولاده الثلاثة إلى صدره بشدة كأنما يريد أن يحتفظ بهم داخل قلبه وألا يفرط في لحظة دفء واحدة معهم. أحاطهم بذراعيه ونظر إليهم بعينين تلمعان بالحب والحنان وقال بصوت منخفض لكنه مملوء باليقين:

"اسمعوني كويس يا حبايبي، أنتم إخوات يعني لازم جلبكم يبقى على جلب بعض وتبقوا يد واحدة وما حدش يغدر بالتاني وما حدش يزعل التاني وما حدش يعاند مع خوه." "أي حاجة تحصل بينكم تيجوا تحكوها لبابا على طول وبابا هو اللي هيحلها." شعر الأطفال جميعاً بدفء الأمان في صدر أبيهم وارتسمت على وجوههم الصغيرة ملامح الاطمئنان والسكينة وكأنهم أدركوا أن لهم سندا لا يتخلى أبداً عنهم مهما حدث.

وفي الطرف الآخر من الغرفة كانت "سكون" تقف بصمت تراقب المشهد ويداها تتشابكان أمام صدرها وعيناها مغرورتان بالدموع. كانت تشعر بغصة في حلقها ووجع يعتصر صدرها كلما نظرت إلى "عمران" وهو يضم أولاده إليه بحنان لم تبذل هي جهداً في دعمه كما ينبغي. كانت تلوم نفسها في صمت وتعترف أمام قلبها بأنها قصرت في حقه كثيراً ولم تقدر جهده كما يجب. كانت تعرف أن قلبه عامر بالحب وأن صبره لم يكن يوماً ضعفاً بل قوة لا تضاهى. وفي تلك اللحظة فقط

تمنت من قلبها لو استطاعت أن تعيد الزمن لتكون أقرب إليه كما كان دوماً أقرب إلى أبنائهم منها. ولم تخرج من تلك الليلة إلا بصمتٍ طويل ورسالة واحدة تنبض في قلب "سكون" قبل عقلها أن "عمران" لم يكن أباً فقط بل وطناً حقيقياً لثلاثة قلوب صغيرة وسنداً لامرأة ما عادت تعرف كيف تفيه حقه في زمن مرهق بالخذلان.

كانت تقف أمام المرآة تنهي لمساتها التجميلية لوجهها ومن ثم شعرها وهي تنظر إلى هيئتها بإعجاب شديد ويدها تتحسس ذاك القميص الناعم باللون الأسود والذي أعطاها هيئة أنثوية مغرية للغاية والإبتسامة العابثة تزين ثغرها وأخذت تدور حول حالها بخيلاء وداخلها واثقة الخطى أنها ستبهره بشدة.

ثم أمسكت بزجاجة المعطر وبدأت ترش عطرها في جميع الغرفة كي تعبئ المكان بتلك العطور النفاذة وبعد أن انتهت استنشقت عبقه وهي تغمض عينيها وكان ذاك المشهد أعطاها سحراً خاصاً لا يليق إلا بتلك القوية.

في تلك اللحظة دلف زوجها إلى الغرفة وجدها تجلس على الشزلونج وقدماها ممدتان بأنوثة وتغمض عينيها تستنشق عبق العطور الذي يملأ الغرفة. ساقته قدماه إليها كالمسحور من جمالها وجمال المكان ناهيك عن رائحتها التي نادته من أسفل وهيئتها الساحرة التي خطفته وهي تقف مغمضة العينين وتلك الموسيقى الرومانسية الهادئة تعطي نغماتها لحناً خاصاً وساحراً. كم كان ذاك المشهد بالنسبة له كالحلم الذي حلم به كثيراً.

حلم بأن يعود من عمله يجد زوجته تنتظره بتلك الهيئة دون أن يجبرها على أن تكون في أحضانه وأنه يشتاقها كل مرة. وهو يحدث حاله أمامها وكل ذلك حدث في بضع ثوانٍ. كل تلك المشاعر والأحاسيس والنبضات التي كادت أن تخترق صدره وتهرب من بين ضلوعه وتستقر بين يديها. فقال العقل: اهدأ يا رجل وتمسك بحالك قليلاً أمام تلك العابثة الماكرة. اهدأ ولا تستكين لمحاولات جذبها إليك بذاك الدهاء الكبير. ليرد القلب الملهوف الآن: أحقاً!

لن تستطيع يا رجل أن تصمد أمام كتلة الأنوثة تلك. تقدم وانهل من رحيق شهدها المسكر حتى تغيب معها وتنسى نفسك والظروف والزمان والمكان وكل الأشياء. هنا عاد العقل يذكره بما فعلته وهو ينهره: تراجع يا رجل، تراجع عن أفعال تلك الماكرة فهي ماكرة تقصد أن تنسيك العقاب. أين الكبرياء؟ فلا تدعها تنسيك وكل ما فعلته معك يضيع هباء. نطق القلب مكانه وهو ينهر ذاك العقل: اصمت أنت أيها العقل. ألم ترى هيئتها الساحرة؟ ألم تشم عبقها الآخاذ؟

ألم تقف أمام فاتنة بإطلالة ثائرة؟ أنت الآن سوف ستجعلني أخسر جولة ممتعة أمام تلك الصغيرة الفاتنة. فليذهب العقاب والعقل والقلب إلى الجحيم وسأخطو بقدمي إليها بعد أن أشعلت حريق الاحتياج لها داخلي. تقدم يا رجل واسحبها إليك واسحقها بين أحضانك وتمتع وتهنئ باقترابها. وعلى الفور هبط بنصف جسده أمامه وهمس بصوت أجش داخل أذنها حتى اقشعر جسدها من صوته الرجولي في أذنها.

حينما استقر الضوء في قلب الغرفة وارتسمت على ملامحها سكينة خفيفة مع لمحة دلال لا تخفى على عين "ماهر" المترصدة لكل نبض منها اقترب منها وهو يحمل في عينيه رجفة الاشتياق وغضبة المحب التي لا تلبث أن تنقلب إلى شغف متوهج. كان حضوره في الغرفة كأنفاس عاصفة صيفية ناعمة تحاصر الهدوء وتحرك كل ساكن فيها. اقترب بكبريائه الذي لا يلين ووقف أمامها بذراعين مفتوحتين وكأنه يختصر المسافات بينها وبين اعتراف قلبه.

"على فكرة تدوبين وتجننين وكل حاجة حلوة ومختلفة ومميزة فيكي النهاردة يا رحمتي." فتحت عينيها على اتساعهما وكأن قلبها سمع صوته قبل أذنيها وبمجرد أن لمحت طيفه أمامها شعرت بأنفاسها تخرج متلاحقة كأنها تحاول اللحاق بهيبة حضوره. وقبل أن تنتفض لتقوم من مكانها إذا به يسبقها بحركته الحاسمة محاصرًا إياها بين ذراعيه والشزلونج وكأن لا مفر من سطوته ولا نجاة من سحر عينيه. "رايحة فين يا بت "سلطان"؟

هو دخول الحمام كيف خروجه ولا إيه عاد؟ "وبعدين إيه الجو الجامد ده يا رحمتي؟ دي الغيبة بتاعتي مقصرة فيكي قوي وهتموتي من الاشتياق يا صغنن؟ لم تضعف "رحمة" رغم الحصار ولم تهرب رغم القرب بل رفعت حاجبيها بدلال أنثوي لا يجيده سواها وعيناها تتحدثان قبل شفتيها وكأنها تخبره أن التحدي بدأ الآن وأن اللعبة لم تنتهِ بعد. وجهها تلفه ابتسامة خبيرة تخبئ وراؤها موجة أنوثة تندفع نحوه بثبات. "مين دي اللي هتموت من الاشتياق؟ مين يا حبيبي؟

"قول إن أنت اللي مش قادر تمسك حالك قدامي وأنك أول لما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على إنك تاخدني في حضنك وأنك مش قادر تتنفس قدامي أصلاً." ضحك "ماهر" ضحكته الرجولية التي تحمل في نبرتها ثقة المنتصر وهو يرمقها من أعلى وكأنه يعرف أن هذه اللحظة تخصه وأنها لن تفلت منه مهما حاولت الدفاع أو المناورة. عيناه تخترقان ملامحها ويداه تتشبثان بإطار اللحظة ليؤكد أنه لا مجال للهروب بعد الآن.

"أنا برضه اللي هموت عليكي، آمال الروايح اللي معبية الأوضة دي إيه؟ "والشموع والموسيقى والقمصان الجامدة والحركات اللي أنتِ عاملاها دي تدل على إيه؟ غير أنك أنتِ اللي هتعرضي نفسك علي وهتموتي على إنك تنامي في حضني النهاردة وانتِ كل يوم والتاني هتحضنيني بعد ما أنام ومفكرة إن مش هحس بيكي. لعلمك بقى أنا عارف أنك ميتة من الاشتياق وجبتي آخرك، اعترفي بقى أنك رجعتي وانتِ مسلمة الراية البيضا وكلك جوع لأحضان "ماهر"."

تقهقرت "رحمة" بخطوة لكنها لم تبتعد، ظلت واقفة أمامه كالملكة التي لا تسمح بالهزيمة حتى وإن أرادت أن تهدأ. عنادها جعلها تصعد في اللعبة وعزتها جعلتها تتمايل بالكلمات لكنها في قرارة نفسها كانت تشتاق أكثر منه لتقول قبل أن تنتوي الخروج بعد أن أحست بالحرج من تلميحاته. "فشر مين دي اللي بتعرض عليك؟ دي أنا "رحمة سلطان المهدي"، يعني أنت اللي تشوفني تموت علي وتتمنى رضاي وحضني."

"قول بقى إنك أول ما دخلت الأوضة وشفتني ما قدرتش تمسك أعصابك وبقيت تطلع نار من كل حتة حتى حرارة جسمك وصلت لي واحنا في أيام الجو معتدل فيها." "وإذا كان على اللبس والحركات اللي هتتكلم عنها دي، أنا ست وفي أوضة نومي الخاصة وحبيت أدلع نفسي وأروق على حالي بعيد عن الحوارات اللي في دماغك دي خالص اللي أنت أصلاً هتموت عليها، وأما صدقت شفتني كده وهتموت على نفسك."

لم يتحمل "ماهر" تلك النبرة المتعالية التي تخرج منها وكأنها تملك الحق كله في قلب المعركة. أراد أن يعيد التوازن ويؤكد أن السيطرة ما زالت بيده فتقدم منها خطوة أخرى اقترب حتى أصبح يفصل بينهما أنفاسهما الملتهبة وأمسك بيدها بحزم العاشق الواثق. "تعالي هنا رايحة فين؟ هو أنت هتشعلي النار جواي وتهربي كده عاد؟ "اعقلي يا بت سلطان وما فيش خروج من هنا واصل إلا لما تطفي الحريق اللي أشعلتيه."

"آه منكم أنتم يا جنس حوا شاطرين في اللفلفة والدوران والمكر. ما تقصري الطريق واعترفي أنك عايزاني وأنك مقدرة تعيشي من غيري يوم واحد وأنك عملتي الليلة دي عشان تصالحيني وأنا يا ستي بكل نفس راضية سامحتك."

أشاحت بوجهها قليلاً لكنها لم تستطع الفرار من قبضته أو من صوته الذي يتغلغل في عروقها كالموسيقى المتسللة بين جدران القلب. وقفت بثبات الأنثى العنيدة ورفعت ذقنها في كبرياء ظن أنه قد ولى لكنها أثبتت أن الحب حين يسكن القلوب لا يلغي قوة الشخصية. "هاو مش "رحمة سلطان المهدي" برضه اللي تيجي راكعة وتطلب الوداد؟

"اعترف أنت إنك مش قادر تمسك حالك قدامي وأنك أول ما دخلت الأوضة وشفتني هتموت على وإنك دلوقتي خلاص جبت آخرك يا متر وأنا جامدة موت وعرفت أخليك تقف قدامي وعيونك هتاكلني وكمان تصالحني على الأسبوعين اللي قعدتهم بعيد عني ومخاصمني. اعترف وأنا أخليلك الليلة دي زي شهرزاد بالظبط وهعيشك ليلة ولا ألف ليلة وليلة من بتوع شهرزاد."

لم يتمالك "ماهر" نفسه أمام هذا الإغراء الملفوف في تحدي وكبرياء. ضحك بحرارة وهو يهز رأسه بإعجاب واستسلام وكأن كل الكلمات قد ذابت في وهج عينيها وشوقه الذي لم ينطفئ منذ أول يوم افترقا فيه. "طب أعترف أنا "ماهر البنان" وأنا بكامل قواي العقلية إن "رحمة سلطان المهدي" خلتني دايب ومشتاق ومش قادر على بعدها ولا قادر مشدهاش لحضني ولا قادر أستنى أكتر من كده قدام سحرك وجمالك يا صغنن."

أطلقت "رحمة" تنهيدة دافئة خرجت من أعماق قلبها المنهك من الخصام وتقدمت نحوه كمن وجد ضالته في حضن الحبيب فتراقص صوتها بدفء وصدق وهي تنطق الكلمات كأنها مرهم على جراح الاشتياق. "وأنا عفوت عنك يا متر بس ياريت متعملهاش تاني عشان أنت عارف أني هحبك وهعشقك يا قلب "رحمة" وما أقدرش على بعدك أكتر من كده كيفك وأكتر كمان."

ضم "ماهر" يديها بين يديه ونظر في عينيها بعمق لا يحمل إلا الصدق والحب والخوف من الفقد من جديد. تنهد بحنان الأب والعاشق وقال بصوته الرجولي العميق الممزوج بعاطفة جياشة. "وأني هحبك طول ما أنتِ واخدة بالك من بنتنا وهتراعيها بنفسك، أنا مليش غيركم يا "رحمة"، أنتم جنتي على الأرض وأنتم كل حاجة حلوة بالنسبة لي وأحب أشوفكم بكل الخير."

في تلك اللحظة كانت روحهما قد تصالحت معًا قبل أن تتصالح الكلمات وألقت "رحمة" بكل العناد أرضاً ورفعت كفيها لتطلب حضنه كأنها تعلن أنه وطنها الوحيد فمالت عليه بهمسة ممزوجة بالشوق. "طب خدني في حضنك بقى، اتوحشتك جوي جوي يا "ماهر"، اتوحشت حضنك وضمتك ليا وحنانك علي، اتوحشت أنفاسك وريحتك وكل حاجة في يومي وحشة من غير كلامك معايا بقى. هنت عليك تخاصمني أسبوعين بحالهم من غير ما تسأل فيا؟

هنت عليك نبقى نايمين على سرير واحد وتبعد عني وأجي أقرب منك كأن كهربا لمستك وتنفرني. أنا زعلانة منك جوي وجلبي مش مسامحك على بعدك وهجرك ليا." اقترب منها أكثر وكأن الندم يذوب على ملامحه وتشابكت نظراته بنظراتها ليسكت كل الأسى باعتذار من قلبه لا يحتاج إلى كلمات لكنه رغم ذلك نطق بها بصوته الذي اختلط بالحب والندم.

"حقك علي بس اللي حصل منك لبنتنا ما كانش سهل واصل ويا ريت ما نفتحش فيه تاني عشان أنا ناوي أني أدوبك الليلة وأخد حقي في الأسبوعين اللي فاتوا منك لحد ما تجيبي آخرك وتهربي مني وتجولي لي ارحمني بقى كفاية."

ساد في الأرجاء صمت مهيب، كأن اللحظة ذاتها تخشى أن تقاطع ما بين قلبين ينبضان بنبض واحد. في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث لا ضجيج سوى همسات الهواء، ولا حركة سوى ارتجافة الستائر، كان كل شيء يدعو للسكينة، لكنه يخبئ في طياته نداءً عارمًا للشوق، ليقول "ماهر" بصوت منخفض أقرب للهمس. "حاسس إني محتاجك جوي يا رحمتي ومش هستحمل تبعدي تاني."

انزلقت نظراتها على ملامحه، متأملة تلك القسوة التي لا تفارق قسمات وجهه، لكنها تعلم تماماً أنها تختبئ تحتها حناناً لم يكتشفه أحد سواها. كانت تحب فيه هذا التناقض، وتشتاق دوماً للغوص في أعماقه لتتحسس وجنتيه بنعومة وابتسامة خفيفة ونغمة لا تخلو من الدلال والمناوشة. "طب ما أنا هنا أهو، واقفة قدامك ملك يمينك، اعمل ما بدالك يا جلب "رحمة" واني هتجبل منك أي عاصفة اشتياق بصدر رحب."

اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة منه تعني تحدياً لصبره، وتعني لها عزة في أنوثتها، لكنها قاومت، كعادتها، واختارت أن تقف متماسكة، رغم أنها كادت أن تنهار بين ذراعيه. وقد اقترب حتى بات بينه وبينها شبر واحد، ينظر في عينيها نظرة تعرف جيداً معناها. "أضمك جواي بس اتحمل بقى جبروت ابن البنان المحروم من حضن مرته."

شعرت برجفة تسري في أطرافها، لكنها ما زالت متشبثة بتلك اللعبة الجميلة، لعبة القرب والتمنع، لعبة النساء التي لا يجيدها سواها. لكن عينيه جعلتاها تفقد اتزانها للحظة لتقول بصوت خافت وهي ترفع رأسها لتثبت نظرتها في عينيه. "يعني ناوي تفتكر دلوقتي إنك هتحبني؟ بعد ما سبتني أتقلب في الوحدة وأنا جنبك يا أبو جلب حجر."

تقلصت المسافة بين جسديهما، لكنه لم يمسها بعد، وكأن لمسة واحدة ستشعل الكون، وستفتح أبواباً من الضعف والشوق، لم يردها أن تُفتح سريعاً، بل أرادها أن تنكسر أمام رجولته شيئاً فشيئاً ليهمس بصوت أجش، فيه نبرة احتياج ورغبة لا تحتمل التأجيل. "أنا ما بحبش أبرر، بس لما بكون بعيد، ببقى شايل الدنيا على دماغي وكل لحظة بتعدي علي من غيرك، بحس إني مطايقش حالي وهخانق دبان وشي."

أشاحت بنظرها قليلاً، وكأنها تخشى أن يقرأ في ملامحها ما تخفيه، لكنها لم تبعد كثيراً، فقد كانت كل ذرة فيها تشتاق لاحتوائه، لوجوده، لرائحته، لكنها فقط أرادت أن تعرف: هل هو ما زال يراها كما كانت؟ لتنطق بصوت مرتعش، لكنه ما زال يخبئ قوة امرأة تعرف من تكون وهي تمسح في صدره كالقط الوديع. "وأنت فاكر إني كنت مرتاحة وانت هتبعد كل يوم عن حضني؟ إني من غيرك بتوه توهة، أنت دليلي يا "ماهر"."

لم يتمالك نفسه، رفع يده ببطء، ولمس طرف خدها بطرف أصابعه، كأن لمسته تحمل آلاف الاعتذارات التي لا تُقال. ثم أحاط وجهها بكفيه، وقال كلماته كمن يُقسم على صدر السماء بصوت منخفض، يشبه تنهيدة موج عائد للشاطئ. "طب أديني رجعت لك بقلب مليان اشتياق، ومليان حب، وكل حاجة ناقصة فيا مش هتكمل إلا بيكي يا صغنن."

أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحتبس دمعة، أو تحاول لجم عاصفة داخلها، ثم فتحتها ورفعت يدها تمسك بيده الموضوعة على خدها، وضغطت عليها برقة ونعومة وبصوت هامس. "يا هلا وغلا بيك يا قلب وروح وعمر الصغنن."

اشتدت عاصفة الاقتراب بينهما كما يشتد الموج إذا عانق الصخر بعد طول غياب، لا رحمة في الاشتياق، ولا عذر في الحنين. كانت بين ذراعيه كأنها وطنه المفقود، وكأن صدره كان يفتقد أنفاسها كما يفتقد الجسد روحه حين تتيه. احتواها "ماهر" بين ضلوعه برجولة لا تعرف التراجع، وقبل وجعها قبل شفتيها، وبعينيه أخبرها كم أرهقته المسافة، وكم كان عناده مجرد صرخة خوف من حجم الحب الذي يسكنها.

أما "رحمة"، فقد أذابت كبرياءها بأناملها على وجهه، وكتبت بلمساتها على جسده قصيدة عشق ناري. لم تحتج حروفاً، بل تناثرت همساً وأنفاساً لا تُفسر. كانت عنيدة، نعم، لكنها ما إن لامس دفء صدره روحها، حتى استسلمت بكامل كبريائها، كأنها لم تكن يوماً سيدة الممانعة. التصقت به كأنها تختبئ من العالم، وكأنها تقول له بلغة الجسد؛ "أحبك رغم كل شيء". فرد عليها بلغة أكثر وحشية، أكثر رجولة، أكثر امتلاكاً.

تسابقا في الجنون، في الاقتراب، في كسر كل ما بينهما من جليد عنيد، وكان كل منهما يشتهي الآخر كأنه لم يره من قبل. لم يكن مجرد لقاء جسد، بل اشتعال روحين كان بينهما آلاف الكلمات المؤجلة، وكم هائل من الرغبة المخبأة تحت وسائد العناد. لم تكن قبلاته تلامس بشرتها فقط، بل كانت تقتحم أعماقها، تشعلها، توقظ أنوثتها من نومها الطويل، وظلت هي تهمس له بصمتها، بصدرها الملتصق به، بدموعها التي لم تنزل بل احترقت على جفنيها، أنها لم تملك يوماً مهرباً منه، ولن تملك. وكانت تلك اللحظة، رغم جنونها، لحظة خلاص، لحظة عناق بين العاشقين، حين يتلاشى الزمن، ويذوب العناد، وتنتصر الرغبة في لحظة حب لا تعرف التراجع.

كان الصباح يزحف على أطراف الغرفة بهدوء، كأن الشمس تخشى أن توقظ من ناموا على وعد الحب. غير أن "أشرف" لم ينتظر الضوء، كان مستيقظاً قبله، يتقلب في الفراش كمن لدغته نحلة الشوق. نظر إلى "فاطمة" التي تنام على الطرف الآخر من السرير، متكوّرة كقطة صغيرة، وغطاؤها يرتفع وينخفض بأنفاس هادئة، ووجهها نائم في براءة تُغري بالمشاكسة. مال ناحيتها، وبصوت هامس لا يخلو من المقالب قال: "يا صباح الجمال على وش القمر، قومتي؟

ولا لسه في عالم السنافر؟ لم ترد، لكنه لمح حركة خفيفة في زاوية فمها كأنها تكتم ابتسامة، فعلم أنها مستيقظة، لكنها تتغافل. وهنا شعر أنه آن أوان اللعب. اقترب منها أكثر وهمس في أذنها: "بصي لو ما قمتيش دلوقتي، هتشوفي الوجه التاني لـ "أشرف" هتشوفي الجنرال بيتنطط لك هنا في الأوضة. هفتح لك الشباك، وأغرقك بشمس يوليو في عينيكي، وبعدين هغني لك ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور صوصو، بصوتي اللي يخلي العصافير تهاجر!

فتحت "فاطمة" عينيها بتثاقل، وما إن رأته يضحك كالأطفال، حتى عضت شفتها وغطت وجهها بالملاءة، ثم تمتمت: "قوم يا "أشرف" خليني أنام شوية، أنا لسه ما خدتش نفسي من اللي حصل امبارح، جاي تهزر من بدري كده؟! رد وهو يمد لسانه:

"لا يا حبيبتي أنا خلاص خلصت نوم وانتِ كمان هتقومي من النوم اجباري عشان تجهزي لي فطار وتعامليني معاملة الملوك في يوم إجازتي وانت كل يوم بتبقي نايمة وبتشخري وسايبة جوزك حبيبك يروح الشغل من غير فطار. قوم يا بطبط عشان مش هحلك النهاردة." اعتدلت "فاطمة" في جلستها وجلست على طرف السرير، تغطي صدرها بالغطاء، وشعرها المبعثر قد تناثر حول وجهها كستار شفاف، ثم قالت بخجل: "إنت كان لازم تصحيني بالشقلوب؟

يعني ما فيش صباح الخير ناعم كده، ولا بوسة على الراس، ولا أي كلمتين من اللي هيعملهم الراجل ويا مرته لما يصحيها من النوم." رفع حاجبه كأنه يمثل مشهد درامي وقال: "والله أنا ناوي أقولها، بس لما شفت منظر الشعر الغجري اللي يسافر في كل الدنيا ده، نسيت كل حاجة! قالها وهو يشير لشعرها المنكوش، وعينيها المتورمتين من النوم، فأطلقت ضحكة خفيفة، ثم رمته بالوسادة وهي تقول: "يا قليل الأدب، هو ده ذوقك وصباحك؟

طب قوم حضّر فطارك بدل ما تفضل تتمسخر علي." أمسك الوسادة وضربها بها ضربة تمثيلية كأنه داخل حرب، ثم صاح: "مش هحضر حاجة، أنا راجل شرقي، لازم مراتي تصحى تحضر لي الفطار، وأنا أقعد على السفرة أستنى ولو ما عملتيش كده، هبعت لأمك تقولك جوازنا باطل! قامت "فاطمة" وهي تكاد تتعثر في الغطاء، وقالت بتهديد وهمي:

"ماشي، طيب يا "أشرف"، والله ما هعملك غير شاي بكركديه سخن عشان يهدّ أعصابك، ومعاه بيضة مسلوقة ناشفة تطلع لك تراب في بقك، هو ده الفطار بتاع الرجالة الشرقيين! وضع يده على صدره كأنه تلقى طعنة: "كده يا فاطمة؟ بيضة ناشفة؟ ده أنا كنت فاكرك هتعملي لي فول بالسمن، وطعمية مقرمشة، ومربة مشمش، وشاي بحليب! اقتربت منه بخطوات محسوبة وقالت: "مش أنت الراجل الشرقي؟

قوم اعمل لنفسك يا باشا، دي المساواة بقى، مش أنت بتقول هتحب المودرن والفاهمين؟ "ولعلمك بقى أني عايزة أتعامل معاملة بطة جدو علي تصحى من النوم تغطس وتتعوم وهات يا لعب وهات يا نوم، ما ليش أنا في حوار الزوجة اللي تفطر جوزها دي خالص." رفع حاجبيه وقال: "بس أنا بحب الفاهمة اللي بتفهم إن الرجالة صباحهم بيبدأ بلقمة حلوة، مش نكد وضرب بالوسايد يا "بطة"، ما ليش أنا في الجو ده بلا بطة جدو علي بلا بطة جدو حسين."

ضحكت "فاطمة" ثم اتجهت إلى الحمام، لكنها قبل أن تدخل، استدارت نحوه وقالت بخبث: "بقولك إيه، لو قعدت تعيط شوية وأنا جوه، ممكن أطبخ لك بيضتين بدل واحدة." رمقه بنظرة فيها تمثيل الذل والخضوع، ثم تظاهر أنه يجهش بالبكاء: "هو ده جزاء اللي استناكي أربع سنين؟ هو ده؟ دموعي بتنزل، طب يا ناس شوفوا مراتي هتذلني عشان تفطرني." دخلت الحمام وضحكت ضحكة خفيفة، وتركته يمثل في الخارج مسرحية درامية لا تنتهي.

بعد قليل، خرجت "فاطمة" من الحمام، ترتدي قميصاً بسيطاً بلون السماء، وشعرها لا يزال مبللاً يتدلى على كتفيها، ووجهها متورد من حرارة الماء والحياء. كانت تتحرك في الغرفة بخجل، كأنها تمشي على أطراف الضوء. توقف "أشرف" عن التهريج فجأة، ثم قال ببطء وهو يتأملها: "إيه الجمال ده؟ هو أنا رجعت تاني ليلة الدخلة ولا إيه؟ طب ده أنا لازم أعمل لك زفة تاني من السرير للمطبخ! خفضت "فاطمة" بصرها وهمست:

"خلّي عندك دم، مش كل مرة تقعد تسبل لي كده وتحرجني." اقترب منها، ووضع يده على كتفها برقة، ثم قال بنبرة أكثر دفئاً: "والله يا "بطبط"، لو كل يوم أصحى على وشك ده يبقى كتر خير الدنيا. كفاية عليا ضحكتك دي، دي فيها أكتر من ألف صباح." هزت كتفها محاولة أن تبعد يده بخفة، لكنها لم تقاوم كثيراً، ثم قالت بنعومة: "طيب قوم بقى يلا عشان نفطر يا سيدي الرومانسي أنت." قال وهو يغمز: "طيب بس عندي شرط." "خير؟

"الفطار يكون على السرير ومعاه بوسة مجانية فوق البيعة! نظرت إليه بصدمة، ثم قالت بسرعة: "هو إحنا في فندق ولا في بيت؟ قوم يلا يا "أشرف" قبل ما أرجع أنام تاني وتصحيني بكركديه فعلاً! ضحك، ثم اندفع خلفها إلى المطبخ وهو يغني بصوته المزعج: "بطبط يا بطبط، يا حتة سكرة خلقك ضيق قاسينه بمسطرة، يا أجمل من المربى على العيش السخن يا سكرة."

وانطلق النهار عليهما كما ينبغي أن يبدأ، خفة دم، ودفء، وكسوف، وضحكة من القلب، تملأ البيت قبل الشمس. هبت نسمات المساء على أرجاء المزرعة، تداعب أشجار الجميز والنخيل، فيما خيّم السكون على المكان إلّا من أصوات الطيور العائدة إلى أعشاشها، وصهيل بعيد من أحد الخيول داخل الإسطبل.

كان "عمران" جالساً تحت مظلة خشبية تتوسط حديقة المزرعة، على مقعد بسيط من القش، ينظر نحو غروب الشمس الذي لوّن الأفق بدرجات من البرتقالي والذهبي، ويداه متشابكتان في هدوء تام. لم تمر دقائق حتى اقتربت منه الدكتورة "نور" تمشي بخطوات ثابتة، تمسك بملف صغير، وعلى وجهها علامات التوتر. وقفت أمامه، ثم قالت بصوت منخفض وهي تنظر إليه مباشرة: "مساء الخير يا بشمهندس "عمران"، معلش مضطرة أبلغك بحاجة مش كويسة."

رفع عينيه إليها ببطء، وعيناه امتلأتا بالقلق قبل أن يتكلم، بصوته العميق ولهجته الرجولية التي لا تخطئها الأذن: "خير يا دكتورة، فرسة منهم حصل لها حاجة؟ أومأت برأسها في حزن: "آه للأسف "لمّة"، حالتها مش مستقرة خالص، بعد ما كشفت عليها، شكيت في بداية إصابتها بـ"داء الحوافر المزمن" وده مرض مؤلم جداً للخيل، وبيأثر على حركتهم بشكل كبير." ظل صامتاً للحظات، ثم مال بجذعه للأمام، ووضع كفيه على ركبتيه، قبل أن يهمس

وكأنه يخاطب أحد أبنائه: "لمّة؟ يا ساتر يا رب! دي أغلى فرسة عندي يا دكتورة، دي أنا مربيها من يوم ما كانت مهرة صغيرة." نظرت "نور" إلى ملامحه في تلك اللحظة، فرأت شيئاً لم تعهده في وجوه الرجال الذين عرفتهم، لم يكن فقط حزناً، بل انكساراً صامتاً، يتسلل من بين السطور المتماسكة في هيئته. ثم قالت بتردد: "أنا آسفة، بس لفت نظري حاجة، أنت بتحبهم أوي كده؟ أقصد الخيل بالنسبة لك مش بس شغل أو تجارة، صح على ما أعتقد؟

اعتدل في جلسته، ثم نظر نحو الإسطبل البعيد كأنه ينظر إلى أرواح تسكنه، وقال ببطء يحوي صدقاً شديداً: "الخيل عندي مش بس حيوانات، دول أهلي وونسي من وأنا طفل صغير، كل واحد فيهم له حكاية. لمّة دي مثلاً، كانت بتنهج وهي بتجري عشان صدرها ضعيف، فضلت شهور أقعد جنبها، أدفّيها ببطانية وأرضّعها بلبن صناعي عشان تقوى. فقولي لي بربك، ينفع أنسى دي ولا أحس بالحزن على مرضها؟

شعرت "نور" أن قلبها اهتزّ، ليس من حكاية الفرسة، بل من الطريقة التي حكاها بها. نبرة صوته، عمق مشاعره، عينيه اللتين لم تخشيا أن تُظهرا التأثر كان مختلفاً. ثم ابتسمت في حياء وهي تهز رأسها: "أنا بشتغل في المجال ده من سبع سنين، لكن عمري ما شفت حد بيحب الخيل كده، الصراحة، أنت مختلف جداً يا بشمهندس "عمران"، عندك وفاء تجاه الفرسان مشفتهوش قبل كده." رد وهو يُخفض بصره في احترام، ثم قال بصوت حزين كحاله:

"وإزاي مهكونش ليهم وفي وهم ليا أوفياء؟ عمرهم ما بيتغيروا في محبتهم ليا كيف البني آدمين ما بتتغير طباعها، والسنين هتخليهم أنانيين مهيشوفوش غير حالهم." صمتت نور لثوانٍ، ثم قالت محاولة أن تخفف من الجو الكئيب: "طيب إحنا هنبدأ العلاج فوراً، بس محتاجين نتابع كل يوم، وأحب أكون أنا اللي أشرف بنفسي على كل حاجة تخص الفرسة ده لو ما كانش يضايقك يعني؟ هز رأسه بامتنان، وهو يقول:

"لكِ السماح يا دكتورة، إنتي من يوم ما جيتي المزرعة وقلبي مطمئن للخيل، ربنا يجعل تعبك في ميزان حسناتك." ابتسمت في هدوء، ثم جلست على المقعد المقابل له، وأخرجت من الملف بعض الأوراق، وبدأت تشرح له الخطة العلاجية.

في تلك اللحظة، كانت "سُكون" تقف في شرفة الطابق العلوي، ذراعاها مسنودتان على السور الحجري، ووجهها يعكس مزيجاً من الصدمة والضيق. لم تكن تسمع ما يُقال، لكن عينيها رأت كل شيء. رأت "عمران" وهو يجلس بهدوء أمام امرأة جميلة حد الفتنة، ملامحها مصرية أصيلة، تتحدث إليه بثقة، وهو ينصت إليها بكل احترام واهتمام. رأت ضحكتها الخفيفة، وجلوسها المقابل له، ولمحت في عينيها نظرة لا تُخطئها النساء، نظرة إعجاب، وشيء آخر لا تستطيع أن تسميه، لكن قلبها أحسه.

شعرت كأن ناراً اشتعلت في صدرها، ناراً باردة لكنها مؤلمة، تمددت في شرايينها ببطء. تراجعت خطوة إلى الخلف، وداخلها يسألها: "ليه وجعاني النظرة دي؟ وليه حسيت إنها كانت بتبص له مش كدكتور إنما كرجل؟ أما في الأسفل، كانت الجلسة قد صارت أكثر هدوءاً فقالت نور وهي تنظر إليه نظرة أطول من اللازم: "عارف؟ أنا أول مرة في حياتي أقعد مع حد وأحس بالأمان ده، يمكن عشان كلامك صادق، أو يمكن عشان فيك حاجة نادرة." قطّب "عمران" حاجبيه قليلاً،

ثم قال بحزم مهذب: "كتر خيرك يا دكتورة، بس أنا راجل عادي جداً هيتهيأ لك." ضحكت بخفة، ثم ردت وقد تبدلت معالم وجهها للحزن وقد تذكرت ما حدث لها من جنس الذكور وما جعلها ترى في "عمران" أنه مختلف حقاً: "أنا كمان مش بحب المجاملات، بس بحب أعترف بالحقيقة، ويمكن الحقيقة المرة بجد إن الرجالة اللي زيك نادرين." أشاح بوجهه نحو الغروب، وقال بنبرة أقرب للهمس: "هتصدقي لو قلت لك إن الندرة ساعات بتكون نقمة مش نعمة."

ساد الصمت بينهما، لم يقاطعه سوى صوت الرياح وهي تمر بين أوراق الأشجار. ومن بعيد، كانت "سُكون" ما تزال واقفة، تراقب، دون أن تدري هل تغار عليه كزوج؟ أم كرجل سكن قلبها دون إذن؟ ربما كانت لحظة عابرة، وربما كانت بداية حرب صامتة لم تُعلن بعد.

كانت الحاجة "زينب" تجلس على المقعد الخشبي خلف نافذة الصالون، تُطل على الحديقة الهادئة التي ما عادت هادئة في عينيها. هناك في ذلك الركن الظليل تحت شجرة التوت، كان عمران يجلس بجواره تلك الدكتورة الجديدة. لم تكن المسافة بينهما ضيقة، ولا الأحاديث المعلنة تحمل ريبة، لكن نظرات "نور" كانت تحمل اهتماماً زائداً، وعين "عمران" رغم التشتت كانت تستمع، تنصت، تتجاوب.

رفعت "زينب" بصرها إلى البلكونة، فوجدت "سكون" واقفة شاردة، يديها مشبوكتان، ووجهها جامد كأنها تمثال من خيبة. غير أنها حين التفتت نحو الحديقة، اشتعلت في عينيها شرارة لم تخفَ على الأم. كانت تلك نظرة امرأة تستفيق من غفلة، نظرة أنثى أحسّت أن ما تُهمله، قد يُؤخذ منها ذات لحظة. تنهدت "زينب" بحرقة وهي تتذكر أنها نصحتها ألف مرة: "الراجل مش بيتساب يا بتي، الراجل لو مهتمتيش بيه، غيرك هيشوف فيه اللي أنتِ ناسياه."

كانت تشعر أن البيوت لا تنهار صخباً، بل بصمت يتسلل من بين الشقوق الصغيرة. وها هي ترى الشق يتسع، والنار تتهيأ للدخول. حدس الأم لا يُخطئ؛ العلاقة بين "سكون" و"عمران" مثقلة بصمت مريب، وتلك الدكتورة "نور" ليست بريئة النظرات، و"عمران" ابنها رجل كأي رجل، إن وجد اهتماماً في عيون امرأة، مال القلب وإن لم يُدرك العقل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...