مقدمة
بقلم الكاتبة / رباب حسين
حين تتشابك الجرائم ويبرع القاتل في إخفاء آثاره، لم يدرك أنّ هناك من يراقبه في صمت، من يشعر بألم كل من تذوّقوا لعنته. هناك من يترقّب في الظلام، ينتظر اللحظة التي تنفرج فيها الأدلة، لحظة سقوط القناع وانكشاف الحقيقة.
ولم يكن هذا المُراقِب شخصًا، ولا عدسة كاميرا، بل شيئًا خفي، إنه ظلّ الجريمة ذاته، روحٌ تتعقب القاتل أينما ذهب، تختبئ خلف مرآة ليست كباقي المرايا. مرآة تمتلك القدرة على الاختيار؛ تختار من تثق بأنه سيصل إلى الحقيقة وتمنحه قوى لا تُمنح لغيره، كي يرى ما دفن تحت طبقات الخطيئة.
إنها مرآة الخطايا.
الفصل الأول
بقلم الكاتبة / رباب حسين
في عتمة الليل، تجلس تلك الفتاة في أحد الممرات داخل قسم الشرطة، عيناها تجوب المكان كالتائهة، وحيدة، تشعر ببرودة الزمن تعصف بكل ذرة قوة تبقّت بداخلها، قوتها التي تلاشت من جسدها عندما وقعت عيناها على تلك اللحظة الفارقة التي بدّلت حياتها رأسًا على عقب.
تتذكر تلك الليلة…
كانت في منزلها، تنتظر قدوم أختها التي تأخرت عن موعدها لعدة ساعات. قطع تلك اللحظات المتوترة صوتُ الهاتف، اقتربت منه لتتلقى المكالمة، فسمعت أسوأ جملة في حياتها:
“نحن من قسم الشرطة، نريد منكِ التوجه إلى القسم للتعرّف على جثة أختك جنا.”
لحظات من الصمت عصفت بها، لم تعد قدماها تحملانها. أختها الوحيدة، وما تبقّى من عائلتها بعد موت أمّهما الحبيبة، التي لحقت بوالدهما الذي توفي منذ أن كانت فتاة صغيرة، تاركة الفتاتين تواجهان صعاب الحياة وحدهما.
عادت بذاكرتها إلى تلك اللحظة المؤلمة، لتُغمض عينيها بحزن وتنساب دموعها رغمًا عنها، فقد تذكّرت هيئة جنا عندما دخلت تلك الغرفة الباردة، تتعرّف على ملامح وجهها التي أصبحت شاحبة للغاية. لامست بشرتها البيضاء، تحاول أن تبحث عن ملامح الحياة بها، وعندما أيقنت حقيقة موتها فقدت وعيها بجوارها.
لم تعد نور كما كانت من قبل، أصبحت كظلّ بارد يجوب المكان، تبحث بعينيها عمّن فعل هذا بأختها، من تجرّأ على قتلها وألقى بجثتها في ذلك الطريق القديم المظلم. لم يترك وراءه دليلًا واحدًا، فقط تركها تشتعل بسؤال واحد: “من الجاني؟!”
أصبحت تنظر إلى كل وجه غريب عنها بخوف، تخشى أن يكون هو الفاعل.
حتى رأت أقدام تتقدم من المقعد، رفعت عيناها لترى الضابط المسؤول عن القضية، ينظر إليها بحزن وأسف ثم قال:
“عذرًا، لم نعثر على أي دليل، بحثنا بكل مكان عن تسجيل لكاميرا أو شاهد عيان، ولكن دون جدوى. أعتذر، سوف تُقَيَّد القضية ضد مجهول.”
وقفت أمامه وشكرته بصوتها الضعيف ثم ذهبت. نظر لها الضابط بحزن، شعر بالشفقة عليها؛ فهي لم تتوقف يومًا عن الحضور إلى القسم منذ تلك الليلة، تنتظر بالساعات لعلها تسمع خبرًا واحدًا يرسم الأمل بداخلها.
أشاح بنظره عنها وعاد إلى مكتبه، أمّا هي فخرجت في وقت متأخر، لم تجد سيارة أجرة لتستقلها، فقررت أن تسير حتى المنزل، فالمنزل ليس بعيدًا.
سارت لبعض الوقت، حتى وصلت إلى طريق قديم به بعض منافذ البيع المغلقة. نظرت حولها تتفقد المكان، ليقع نظرها على تلك المكتبة القديمة. لا تعلم لماذا وقفت أمامها، ربما لحبها للقراءة، ثم لمحت لافتة قديمة وقرأت الكلمات التي خُطّت عليها: “إذا أردت معرفة السر فلتدخل هنا.”
شعرت لوهلة أن هذه الكلمات هي كل ما ترغب به حقًا؛ فهي تريد فقط معرفة السر وراء موت أختها. لم تشعر سوى بأنها تفتح الباب وتدخل المكتبة. نظرت حولها بتعجب؛ المكتبة قديمة، الكتب مهترئة، وفي آخر المكتبة هناك مكتب وسيدة تجلس عليه. ابتسمت لها ابتسامة هادئة. تقدمت منها ووقفت أمامها ثم قالت: كيف أعرف السر؟
نظرت لها تلك السيدة بعينيها الزرقاوين، المحاطتين ببعض التجاعيد التي تعطيها عمرًا يتجاوز الخمسين عامًا. كانت ترتدي ملابس عتيقة، وشعرها القصير البني يحيط بوجهها الأبيض. نظرت لها لبعض الوقت ثم قالت: يبدو عليكِ التعب، هل أنهككِ السر لهذه الدرجة؟
نور: نعم، لم أنم منذ تلك الليلة، هل من الممكن أن تساعديني أرجوكِ؟
نظرت لها المرأة وقالت: لستُ أنا من يتخذ القرار.
نور بتعجب: من إذًا؟
نظرت المرأة إلى مرآة معلّقة على الحائط، تبدو قديمة حتى إنك لا تستطيع رؤية انعكاس وجهك بها، ثم قالت: هذه المرآة هي من تقرر. قفي أمامها لننظر هل ستقبل بمساعدتكِ أم لا.
اقتربت نور منها. لا تنكر أنها تشعر بغرابة الأمر، ولكنها ستفعل كل ما في وسعها حتى تصل إلى الحقيقة، وإن وصلت إلى حافة الجنون فلن تعترض.
تقدمت نور من المرآة، ثم وقفت أمامها تنظر إليها بتعجب. ظلت تحدق بها تحاول أن ترى انعكاس وجهها، لتتفاجأ بأن المرآة قد تبدلت؛ فأصبحت كالجديدة، بل هناك نور ينبعث منها. اقتربت منها السيدة بتعجب ونظرت لها وقالت: عجيب! هذه المرآة لم تَعْمَل من سنوات، يبدو أنّها اختارتكِ حقًا.
تعجبت نور من حديثها، كيف لمرآة أن تختار؟ ثم نظرت لها وقالت: لا أفهم شيئًا مما تقولين، عن أي اختيار تتحدثين؟
نظرت لها السيدة وقالت بسعادة: أنا هدباء، وهذه المرآة ليست مرآة عادية. لن تفهمي ما أقصد حتى تعلمي بنفسك؛ فقط أنظري إليها، وأغمضي عينيكِ، ثم رددي اسم الشخص الذي ترغبين في معرفة سره بداخلك.
نظرت لها نور بتعجب، لكن نظرة السعادة داخل عيني السيدة جعلتها تصدق ما تقول، خاصةً عندما رأت كيف تحولت المرآة بهذا الشكل.
فعلت نور ما طلبته هدباء، وبعد قليل سمعت صوتها وهي تضحك بقوة. فتحت عينيها ونظرت إلى المرآة لتجد أنّ هناك سبع دوائر رُسِمَت عليها، وحول كل دائرة هالة زرقاء. سمعت هدباء وهي تقول: أنا سعيدة للغاية، ظننت أنها فقدت قدرتها ولكن ها هي تعمل مرة أخرى.
نظرت نور إلى المرآة وبدأت تقرأ الكلمات التي ظهرت عليها: الحنين، الغضب، الأمل، الندم، الخوف، الصدمة، السر.
مدت يدها وحاولت أن تضغط على كلمة السر، فقالت هدباء: لا، السر هو آخر مهمة لكِ.
نور بتعجب: أي مهمة؟!
هدباء: الآن سأخبرك بما عليك فعله. لقد اختارت المرأة لكِ سبع مهام؛ عليكِ أن تبدأي بتنفيذ كل مهمة على حدة. بكل مهمة ستعرفين جزءًا من السر، وفي النهاية سوف تصلين إلى ما تريدين.
حرّكت نور يدها لتضغط على كلمة حنين، ولكن هدباء أمسكت يدها على الفور ثم قالت:
لا تمهّلي، يجب أن تعلمي ماذا سيحدث أولًا، ثم تستعدي لخوض هذه المهمات.
نور: إذًا أخبريني.
هدباء: هذه المرآة سوف تعطيكِ قوة خارقة، ستجعلكِ تتواصلين مع ذكريات الشخص الذي تبحثين عن سره، أي أنكِ ستعلمين أسرار ذلك الشخص حتى تصلي لمبتغاكِ. وهذا عن طريق فصل عقلكِ عن جسدكِ مثل التنويم المغناطيسي. ستقتحمين ذكريات أشخاص لا تعرفيهم، ستعلمين أكثر أسرارهم، بل وسيكون لديكِ القدرة على معرفة أشياء قد نسوها أو تجاهلوها. بكل مهمة ستعرفين ذكرى محددة، ثم تعودين مرة أخرى، وتخبركِ المرآة بالمهمة الخاصة بكِ والمرتبطة بهذا الشخص. وإذا أردتِ أن تعودي لذلك الشخص، سواء عن طريق التواصل العقلي أو بالذهاب لرؤيته حقًا، فلكِ هذا، فلكل مهمة طابع خاص، وأنا سوف أساعدكِ.
نور: حسنًا، ولكن لا أفهم ما تقولين تمامًا، هل يمكنكِ تقديم شرح أكثر؟!
جذبتها هدباء حتى وصلت إلى الكرسي أمام المرآة وقالت: اجلسي هنا. لن تفهمي ما أقول حتى تخوضي التجربة بنفسك. أول مهمة لكِ هي الحنين، سوف تغمضين عينيكِ بهدوء، وتفكرين بهذا الشخص، ثم ترددين كلمة: الحنين. وإذا أردتِ أن تنفصلي عن الذكرى، فقط عليكِ أن تقولي اسم المهمة: الحنين، وسوف تعودين إلى جسدكِ على الفور.
نور: أشعر بالخوف.
هدباء: لا تقلقي أبدًا، لن يحدث أي ضرر، فقط افعلي ما أقول.
أومأت لها نور ونفّذت ما قالت.
المهمة الأولى ( الحنين)
بعد وقت، سمعت صوتًا ينادي عليها، ففتحت عينيها تنظر حولها بتعجب؛ الوقت صباحًا، وهي تجلس بمطعم. تذكرت… هذا المطعم قريب من منزلها. ثم سمعت النادل يقول: آنسة جنا، أتريدين طلب شيء آخر أم تنتظرين هذا الضيف المتأخر؟
تعجبت نور؛ هو يناديها بجنا! الغريب أنه يعرفها جيدًا، فكيف يناديها باسم أختها؟ نظرت أمامها لترى انعكاس وجهها بالمرآة، فتحت عينيها بصدمة… هذه جنا وليست أنا! ثم سمعت جنا تقول: شكرًا يا حسن، سأنتظر قليلًا بعد.
نظرت نور حولها؛ هي ترى وتسمع كل شيء، لكنها لا تتحكم بجسدها بالكامل.
ظلت جنا تنظر عبر النافذة حتى رأت آدم يقترب من المطعم. ابتسمت بسعادة وأخذت تتفقد ملابسها وترتّب شعرها، حتى دخل آدم وجلس أمامها وقال: صباح الخير يا جنا، آسف على التأخير.
جنا: لا عليك، لم أنتظر كثيرًا.
أشار آدم إلى النادل ليحضر له القهوة ثم عاد ينظر إلى جنا وقال: أخبريني، ما هو الموضوع الهام الذي أردتِ التحدث معي بشأنه؟
تحمححت جنا بارتباك وقالت: نحن أصدقاء منذ الطفولة، تعلم عنّا الكثير ونعلم عنك أيضًا، ومنذ أن ارتدنا الجامعة وأنت ابتعدت كثيرًا.
آدم: هذا لأن كلًا منا ذهب إلى جامعة مختلفة.
جنا: نعم أعلم ذلك، ولكن منذ ذلك الوقت وأنا أريد أن أخبرك بشيءٍ هام. أنا لن أكذب عليك، قد فكرت كثيرًا قبل أن أتجرأ وأطلب مقابلتك، ولكن لم أستطع أن أكبح حديثي أكثر، لذا قررت البوح بما في صدري لك… آدم… في حقيقة الأمر، أنا… أنا معجبةٌ بك.
نظر لها آدم بصدمة وقال: معجبة؟! أنتِ؟
جنا بتعجب: نعم، لماذا سألت هذا السؤال بهذا التعجب؟
توتر آدم وقال: حقيقةً… أنا أكنّ بعض المشاعر لفتاة أخرى. نعم، لم أجرؤ بعد على الحديث معها بهذا الأمر، ولكن هي الوحيدة التي تشغل عقلي وقلبي. وقد تعجبت أنكِ معجبةٌ بي… لأنني معجب بأختكِ نور.
نظرت له جنا بصدمة، ولم تكن صدمة نور أقل منها. شعرت نور بالألم الذي أصاب قلب جنا، وأخذت جنا تتذكر كل الأوقات التي كانت تنظر فيها إلى آدم من بعيد، تتأمل ابتسامته، وسعادتها عند رؤيته، وفرحتها إذا نظر إليها وتحدث معها وهي تتأمل ملامحه عن قرب.
تركته جنا وذهبت، تحاول كبح دموعها. وما أصاب نور بالألم أكثر أنّ جنا لم تخبرها بهذا الأمر قط، لم تعلم أنها جُرحت بهذه الطريقة، كيف تحملت هذا الألم وحدها؟!
لم تستطع نور تتحمل ألمها وبكاءها، فقالت: الحنين.
فتحت عينيها بصدمة؛ وجدت نفسها في المكتبة وقد عادت إلى جسدها مرة أخرى. نظرت إلى هدباء التي كانت تجلس بجوارها في انتظار عودتها، ثم قالت: وما علاقته بقتل أختي؟!
هدباء: عذرًا، أنا لا أفهم عمّا تتحدثين.
وقفت نور بغضب وقصّت لها حقيقة موت أختها، ثم أخبرتها بهذه الذكرى التي رأتها للتو، وقالت: هل هذا يعني أن آدم هو من قتلها؟
هدباء: لا أظن، فأنتِ في أول مهمة فقط. عليكِ الآن أن تنظري إلى المرآة لتعلمي ما هي مهمتك.
التفتت نور ونظرت إلى المرآة، لتجد جملة واحدة: “إذهبي إليه.”
نظرت نور إلى هدباء بغضب وقالت: أتريد المرآة أن أذهب إليه؟! لماذا؟
هدباء: صدقيني، أنا لا أعلم. أنا فقط أطلعك على طريقة تنفيذ المهمات، ليس أكثر.
زفرت نور بغضب، ثم وقفت تفكر قليلًا؛ هناك شعور بداخلها يرفض أن يصدق ما يحدث. ربما هذه السيدة هي من تفعل كل هذا، ربما كل هذا ليس حقيقيًا. ثم نظرت إلى المرآة وقررت أن تذهب إلى آدم. أرادت فقط أن تتأكد… هل هذه الذكرى حقيقية أم لا؟