كان ألمًا من نوعٍ خاص، لم تشعر به من قبل، فهي لم تعرف للعشق طريقًا بعد، ولم تصل إلى حدِّ لوعة الحب التي تؤلم القلب وتعصره حزنًا، حتى شعرت بما مرّت به جَنا في هذا اليوم، كيف ركضت خارج المطعم وهي تواري دموعها عنه، وما آلمها أكثر أنها لم تكن عونًا لأختها في مثل هذا الموقف.
جلست أمام هدباء وهي تضع يدها على صدرها، تشعر برغبة كبيرة في البكاء. نظرت لها هدباء وقالت: هذه هي الأعراض الجانبية للأمر، الشعور الذي ينتج عن الذكرى المؤلمة التي رأيتها، يظل عالقًا في حواسكِ لفترة، ومع الوقت ستعتادين الأمر.
نور بألم: أشعر بأن قلبي يتمزق.
هدباء: يبدو أنها كانت تحبه كثيرًا، وقد آلمها رفضه لها.
نور: الغريب أنني أشعر برغبة شديدة في رؤيته الآن، وكأنني أشتاق إليه.
هدباء: أعتقد أن هذا شعور أختكِ، وليس شعوركِ أنتِ.
تنهدت نور وقالت بحزن: وهل يجب أن أنفذ تلك المهمة؟!
هدباء: نعم، ولن تستطيعي تنفيذ المهمة التالية إلا عندما تنهي هذه المهمة أولًا.
ذهبت نور إلى منزلها، وكان الحزن يسيطر عليها بشدة. بكت، ولم تشعر بالراحة إلا عندما انهمرت دموعها، ثم نامت من شدة الإرهاق.
في الصباح، استيقظت وهي في حالة سيئة، لم ترغب في تناول الطعام، ولم يعد لديها أي رغبة سوى رؤيته. بدّلت ثيابها وذهبت إلى منزله؛ فهي تعرف عنوانه منذ أن كانا زميلين في المدرسة، لكنها لم تزره من قبل.
طرقت الباب وانتظرت قليلًا، حتى فتح آدم وهو يرتدي معطفه ويهمّ بالخروج من المنزل. عندما رأى نور أمامه تجمّدت أوصاله، وظل يحدّق بها وكأنه يحلم. أمّا هي فشعرت بالراحة لمجرّد أن رأته أمامها، فابتسمت وقالت: كيف حالك يا صديقي العزيز؟
لم يصدق آدم أنها هنا بالفعل، تتحدث معه وتسأله عن حاله… إذًا هي حقيقة! حاول أن يجمع كلماته ثم تحمحم قليلًا وقال: نور! ما هذه الزيارة غير المتوقعة؟
نور: فقط أردت الاطمئنان عليك، وأريد أن أسألك عن شيءٍ ما.
نظر آدم إلى الساعة ثم قال: هل لديكِ مواعيد الآن؟
نور: لا.
آدم: إذًا لنتحدث في الطريق، لدي اجتماع ويجب أن أحضره.
نور: حسنًا.
صعدت معه إلى السيارة. كان ينظر إليها ولا يزال غير مصدّق أنها أمامه، ثم قال: ما الذي أردتِ أن تسأليني عنه؟
نور: قبل أن أسألك، أريد أن أخبرك شيئًا… جَنا قد ماتت منذ فترة قصيرة.
أوقف آدم السيارة ونظر إليها بصدمة: ماذا؟! كيف حدث ذلك؟
نور بحزن: لقد قُتِلت… وجدوا جثتها على جانب طريق مهجور.
آدم بذهول: لا… لا أصدق هذا. من الذي قد يقتل هذه الفتاة البريئة؟!
قصّت له نور كل ما حدث، حتى أنها أخبرته عن تلك المكتبة التي دخلتها بالأمس. ثم سألته: هل الذكرى التي رأيتها حقيقية أم لا؟ إن كانت حقيقية فهذا يعني أن الأمر ليس خدعة، وأن هذه المرآة ستخبرني عن حقيقة موت جَنا.
شعر آدم بحرج شديد، ثم قال وهو ينظر إلى الجهة الأخرى: نعم… هذا حدث بالفعل، ومنذ ذلك اليوم لم أرها مرة أخرى.
نور: إذًا هذه المرآة حقيقية.
آدم بذهول: هل ستذهبين إلى هذه المكتبة مرة أخرى؟!
نور: نعم، بالتأكيد.
آدم: لا، أنتِ تبحثين عن قاتل! هل تعرفين ما الذكريات التي ستدخلين إليها؟! وربما ترسلكِ المرآة لملاقاة هؤلاء الأشخاص كما فعلت معي… لا، لا أقبل بذلك.
نور: أعلم أن هذا الأمر خطير، ولكن لا يوجد لديّ سبيل آخر لأعرف كيف ماتت أختي.
زفر آدم بضيق وقال: اسمعي، لدي اجتماع هام اليوم. سأحضره ثم آتي معكِ إلى هناك. لن تخوضي هذه التجربة وحدكِ.
لوهلة شعرت نور بأنها هي من ترغب في أن يكون معه، تشعر براحة في قلبها وسعادة لوجوده بجوارها. نظرت في عينيه، مما جعل آدم يتعجب من نظراتها؛ فقد تذكّر كيف كانت تنظر إليه في السابق، تلك النظرات الباردة التي لطالما جعلته يرتطم بين جدران اليأس والحزن. حاول أن ينساها كثيرًا، لكنه لم يعرف للنسيان طريقًا.
ظلت تحدق بوجهه حتى قال آدم بصوت هادئ: موافقة أم لا؟
أومأت له، بينما كانت تتساءل في داخلها: هل كان صوته هكذا دائمًا؟ أم أنه تغيّر بعد أن أصبح رجلًا في منتصف العمر؟
نظرت إليه تتفحّصه… هو مختلف، ربما حلّته، ربما هيئته، أم أنه فقط تقدّم في السن ليصبح ذلك الشاب الذي يجلس أمامي الآن.
أما آدم فلم يعرف سبب هذه النظرات، فنظر أمامه وقاد السيارة مرة أخرى، ثم وصل إلى الشركة التي يعمل بها وقال: إذا لم يكن لديكِ مواعيد أخرى، فلتأتي معي وتنتظري داخل مكتبي حتى أنهي الاجتماع ونذهب سويًا.
نور: لا مانع، سأأتي معك.
دخلت نور معه إلى الشركة ثم إلى مكتبه، طلب لها قهوة، ثم ذهب إلى الاجتماع. انتظرته نور حتى أنهى اجتماعه، وعاد إلى مكتبه، ثم غادرا معًا.
بعد وقت، كانا يقفان أمام المكتبة. نظر لها آدم متعجبًا وقال: المكتبة قديمة للغاية، كيف وجدتها؟!
نور: لم أبحث عنها، فقط عثرت عليها صدفة وأنا أسير بالأمس.
نظر آدم حوله، كان الشارع قديمًا ومهجورًا، فقال بغضب: كنتِ تمشين ليلًا وحدكِ في هذا الشارع؟!
نور: اهدأ، لم أجد سيارة أجرة في ذلك الوقت المتأخر، ولم أشعر بأي شيء من حولي، ولم أدرك أين أنا إلا عندما وقفت أمام هذه المكتبة.
شعر آدم بالحزن عليها وقال: لماذا لم تتصلي بي؟! كيف تواجهين كل هذه الأمور وحدكِ؟
نور: لم أكن أتوقع أنك لا تزال تذكرني، ولم أعرف عنك أي شيء منذ مدة طويلة. ظننت أنك تزوجت ولديك حياة خاصة، لذا لم أتصل بك.
نظر لها آدم بحب وقال بصوت هادئ: حتى وإن كنت في كوكب آخر… إذا اتصلتِ بي وطلبتِ مساعدتي فلن أتردد أبدًا، ولن أخذلكِ.
ابتسمت نور له، لا تدري لماذا هذا الشعور… وكأنها تراه لأول مرة، أو بعيون مختلفة. تُرى… هل هو شعور جَنا أم شعورها هي؟!
دخلا معًا إلى المكتبة، ونظر آدم إلى هدباء التي توجهت بنظرها فورًا إلى المرآة، فوجدت أن المهمة الأولى قد انتهت وأن المرآة قد انطفأت مرة أخرى. عادت تنظر إلى نور وقالت: هذا آدم بالتأكيد.
عقد آدم حاجبيه وقال: وكيف عرفتِ؟!
هدباء: المهمة الأولى تمت بنجاح، وحان الآن موعد المهمة الثانية. اقتربي يا نور وقفي أمام المرآة مرة أخرى لنرى ما هي المهمة التالية.
نظرت نور إلى آدم، فقال لها مطمئنًا: لا تخافي، أنا معكِ.
وقفت نور أمام المرآة، لتتحول إلى هيئتها الجديدة. نظر لها آدم بتعجب، ثم لاحظ ظهور كلمة أخرى: “الغضب”.
هدباء: إذا كنتِ مستعدة الآن… فلنبدأ.
أومأت لها وجلست على الكرسي أمام المرآة، واقترب آدم منها ووقف بجوارها. أغمضت نور عينيها وبدأت تردد كلمة: الغضب.
المهمة الثانية: الغضب.
سمعت نور أصواتًا قوية، ففتحت عينيها بذعر، لتجد نفسها داخل جسد رجل لا تعرفه. والأصعب أنه كان يتشاجر مع شخصٍ آخر. شعرت بالغضب العارم داخل صدره، والذي انتقل إليها فورًا. كانا يوجهان إلى بعضهما لكمات قوية، وفجأة اتجهت — مع جسد الرجل الذي دخلته — نحو أحد المنافذ، ووجدته يمسك بمطرقة في يده. شعرت برغبته العنيفة في قتل خصمه، حاولت السيطرة على جسده لكنها فشلت.
أما آدم، فكان يراقب تعابير وجه نور المضطربة، ورأى أنها تجاهد وتقاوم شيئًا ما. بدا واضحًا أنها تشعر بالخوف والرهبة. نظر إلى هدباء بفزع وقال: ماذا يحدث؟!
هدباء: لا تقلق، تستطيع العودة وقتما تشاء. إذا شعرت بالخطر ستهرب فورًا.
حاولت نور تهدئة روعه — روع ذلك الرجل — حتى استطاعت أن تسيطر قليلًا على عقله، وجعلته يترك المطرقة. وقف الرجل في مكانه بلا حركة، ثم سمعت صوت أحد بجواره يقول:
يكفي هذا يا ساهر. لقد سئمنا من شجاراتك اليومية. اذهب إلى عملك إذا سمحت.
انصاع ساهر لكلام الرجل الأكبر سنًا، وتوجه إلى سيارته. وما إن دخلها، حتى نظرت نور إلى التاريخ الظاهر على شاشة العرض الصغيرة، فتملّكها العجب… إنه تاريخ اليوم.
إذًا… ليست ذكرى. هذا يحدث الآن.
رددت نور كلمة “الغضب”، فعادت مرة أخرى إلى جسدها.
نظر لها آدم بقلق وقال: هل أنتِ بخير؟
نور: نعم.
ثم التفتت إلى هدباء وقالت بغضب: هذه ليست ذكرى.
هدباء: ليس بالضرورة أن تكون ذكرى، ربما يكون شخصًا قريبًا من القاتل، أو يعلم شيئًا عن القضية.
نور، ولا يزال الغضب يتملكها: إذًا ماذا أفعل؟! وكيف أعرف علاقته بأختي أو بالقضية؟!
هدباء: عليكِ أن تعودي إلى جسده مرة أخرى. أنتِ قادرة على معرفة كل أسراره، كل ذكرياته… ابحثي داخل عقله جيدًا، وبعد ذلك عودي إلى هنا. حينها ستخبركِ المرآة بما علينا فعله.
زفرت نور بقوة وقالت: إنه غاضب للغاية، كاد يقتل أحدهم اليوم. شعرت لوهلة أنني أنا من سيقتل ذلك الشخص.
آدم بصدمة: ماذا؟! إذًا لا تعودي!
نور: عليّ ذلك… لا سبيل آخر لدي.
آدم بحزن وقلق: أشعر بالخوف عليكِ… لا تذهبي.
نور: استطعت التحكم بعقله قليلًا، وربما عليّ أن أتحكم به أكثر. لا تقلق… فقط ابقَ بجواري، أنا خائفة.
آدم: أنا هنا… لن أرحل.
جلست نور على الكرسي مرة أخرى، وعادت إلى جسد ساهر.
كان يقود السيارة متجهًا إلى عمله، بينما حاولت نور أن تبحث داخل عقله. علمت أنه مريض نفسيًّا، ويعاني من مشكلة في التحكم في غضبه. حاول العلاج مرارًا، لكن رأي الأطباء كان واحدًا: هناك جزء مفقود من ذاكرته منذ طفولته. كل ما يتعلق بأول عشر سنوات من عمره كان مطموسًا تمامًا، لا يذكر منه شيئًا.
ما يعرفه فقط هو أنه تعرّض لحادث حين كان طفلًا، وقد وجدته الشرطة على قارعة الطريق. تم نقله إلى المستشفى، وبعد الفحص اكتشف الأطباء أنه تعرض لصدمة كبيرة دفعت عقله لدفن تلك الذكرى كي يتمكن من الاستمرار. أثّر ذلك على نفسيته بشدة، ومنذ ذلك الوقت وهو يعاني من غضب مفرط لا يستطيع السيطرة عليه.
بعدها تم تحويله إلى دار أيتام، إذ فشلت الشرطة في معرفة هويته أو عائلته. وبعد فترة تبنّته أسرة صغيرة، أب وأم، وعاش معهما حتى تُوفيا.
لم تجد نور أي أحداث أخرى مهمة في عقله… لا يعرف جَنا، ولم يرها في حياته قط. لذا رددت كلمة “الغضب” مرة أخرى، وعادت إلى جسدها.
نظرت لها هدباء وقالت: ماذا وجدتِ؟!
قصّت لهما نور ما عرفته، ثم وقفت أمام المرآة وقالت: لماذا اختارت ساهر؟
هدباء: لا أعرف، فقط عليكِ أن تثقي بها. أظن أنكِ تأكدتِ من الأمر عندما قابلتِ آدم، والآن عرفتِ أن الذكرى كانت صحيحة. ألا زلتِ تشكّين؟
نور: لا… فقط متعجبة. ساهر لا يعرف جَنا نهائيًا.
هدباء: ربما يعرف القاتل.
آدم: وهل عليها الآن أن تعرف كل الرجال الذين يعرفهم هذا المدعو ساهر؟!
هدباء: لا، هناك مهمة جديدة، وعلينا معرفتها. فقط انظري إلى المرآة لتخبركِ بها.
تنهدت نور بقوة. كانت تشعر بالغضب والحزن اللذين يملآن قلب ساهر، ثقل يكاد يخنقها. شعر آدم بحزنها، فوضع يده على كتفها برفق وقال: بدأتِ هذا الطريق، لكنكِ لستِ وحدك بعد الآن. انظري… أنا معك. لا تخافي، سنعمل معًا لإيجاد حل لهذه القضية.
ابتسمت نور له. الآن فهمت لماذا كانت جَنا تعشق هذا الرجل… هو أهل للثقة بالفعل. ثم تعجبت: كيف لم تشعر بهذا من قبل؟! عيناه تفيض بالعشق، نظرته دافئة، ولهفته وخوفه يفضحان حبًا لم يتغيّر. كيف لم يتغيّر بعد كل هذه السنين؟!
تمتمت في داخلها: أعتقد أن عليّ معرفتك أكثر يا آدم… ولكن لننهي هذا الأمر أولًا.
نظرت إلى المرآة في انتظار المهمة، فظهرت عليها عبارة:
“عليكِ بمساعدة ساهر حتى يستعيد ذاكرته المدفونة.”
اتسعت عينا نور بصدمة. هذا طلب قاسٍ… كيف ستعرف ما هو مدفون داخل عقله؟! كيف ستعيد له ذكرى لا يعرف عنها شيئًا؟!
نظرت إلى هدباء ثم إلى آدم بيأس… عليها الآن أن تواجه عقلًا مصابًا بفقدان الذاكرة، بل وأن تعيد له ما فقده أيضًا