تحميل رواية «مرآة الخطايا» PDF
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ مرآة الخطايا بقلم رباب حسين.
رواية مرآة الخطايا الفصل الأول 1 - بقلم رباب حسين
مقدمة
بقلم الكاتبة / رباب حسين
حين تتشابك الجرائم ويبرع القاتل في إخفاء آثاره، لم يدرك أنّ هناك من يراقبه في صمت، من يشعر بألم كل من تذوّقوا لعنته. هناك من يترقّب في الظلام، ينتظر اللحظة التي تنفرج فيها الأدلة، لحظة سقوط القناع وانكشاف الحقيقة.
ولم يكن هذا المُراقِب شخصًا، ولا عدسة كاميرا، بل شيئًا خفي، إنه ظلّ الجريمة ذاته، روحٌ تتعقب القاتل أينما ذهب، تختبئ خلف مرآة ليست كباقي المرايا. مرآة تمتلك القدرة على الاختيار؛ تختار من تثق بأنه سيصل إلى الحقيقة وتمنحه قوى لا تُمنح لغيره، كي يرى ما دفن تحت طبقات الخطيئة.
إنها مرآة الخطايا.
الفصل الأول
بقلم الكاتبة / رباب حسين
في عتمة الليل، تجلس تلك الفتاة في أحد الممرات داخل قسم الشرطة، عيناها تجوب المكان كالتائهة، وحيدة، تشعر ببرودة الزمن تعصف بكل ذرة قوة تبقّت بداخلها، قوتها التي تلاشت من جسدها عندما وقعت عيناها على تلك اللحظة الفارقة التي بدّلت حياتها رأسًا على عقب.
تتذكر تلك الليلة…
كانت في منزلها، تنتظر قدوم أختها التي تأخرت عن موعدها لعدة ساعات. قطع تلك اللحظات المتوترة صوتُ الهاتف، اقتربت منه لتتلقى المكالمة، فسمعت أسوأ جملة في حياتها:
“نحن من قسم الشرطة، نريد منكِ التوجه إلى القسم للتعرّف على جثة أختك جنا.”
لحظات من الصمت عصفت بها، لم تعد قدماها تحملانها. أختها الوحيدة، وما تبقّى من عائلتها بعد موت أمّهما الحبيبة، التي لحقت بوالدهما الذي توفي منذ أن كانت فتاة صغيرة، تاركة الفتاتين تواجهان صعاب الحياة وحدهما.
عادت بذاكرتها إلى تلك اللحظة المؤلمة، لتُغمض عينيها بحزن وتنساب دموعها رغمًا عنها، فقد تذكّرت هيئة جنا عندما دخلت تلك الغرفة الباردة، تتعرّف على ملامح وجهها التي أصبحت شاحبة للغاية. لامست بشرتها البيضاء، تحاول أن تبحث عن ملامح الحياة بها، وعندما أيقنت حقيقة موتها فقدت وعيها بجوارها.
لم تعد نور كما كانت من قبل، أصبحت كظلّ بارد يجوب المكان، تبحث بعينيها عمّن فعل هذا بأختها، من تجرّأ على قتلها وألقى بجثتها في ذلك الطريق القديم المظلم. لم يترك وراءه دليلًا واحدًا، فقط تركها تشتعل بسؤال واحد: “من الجاني؟!”
أصبحت تنظر إلى كل وجه غريب عنها بخوف، تخشى أن يكون هو الفاعل.
حتى رأت أقدام تتقدم من المقعد، رفعت عيناها لترى الضابط المسؤول عن القضية، ينظر إليها بحزن وأسف ثم قال:
“عذرًا، لم نعثر على أي دليل، بحثنا بكل مكان عن تسجيل لكاميرا أو شاهد عيان، ولكن دون جدوى. أعتذر، سوف تُقَيَّد القضية ضد مجهول.”
وقفت أمامه وشكرته بصوتها الضعيف ثم ذهبت. نظر لها الضابط بحزن، شعر بالشفقة عليها؛ فهي لم تتوقف يومًا عن الحضور إلى القسم منذ تلك الليلة، تنتظر بالساعات لعلها تسمع خبرًا واحدًا يرسم الأمل بداخلها.
أشاح بنظره عنها وعاد إلى مكتبه، أمّا هي فخرجت في وقت متأخر، لم تجد سيارة أجرة لتستقلها، فقررت أن تسير حتى المنزل، فالمنزل ليس بعيدًا.
سارت لبعض الوقت، حتى وصلت إلى طريق قديم به بعض منافذ البيع المغلقة. نظرت حولها تتفقد المكان، ليقع نظرها على تلك المكتبة القديمة. لا تعلم لماذا وقفت أمامها، ربما لحبها للقراءة، ثم لمحت لافتة قديمة وقرأت الكلمات التي خُطّت عليها: “إذا أردت معرفة السر فلتدخل هنا.”
شعرت لوهلة أن هذه الكلمات هي كل ما ترغب به حقًا؛ فهي تريد فقط معرفة السر وراء موت أختها. لم تشعر سوى بأنها تفتح الباب وتدخل المكتبة. نظرت حولها بتعجب؛ المكتبة قديمة، الكتب مهترئة، وفي آخر المكتبة هناك مكتب وسيدة تجلس عليه. ابتسمت لها ابتسامة هادئة. تقدمت منها ووقفت أمامها ثم قالت: كيف أعرف السر؟
نظرت لها تلك السيدة بعينيها الزرقاوين، المحاطتين ببعض التجاعيد التي تعطيها عمرًا يتجاوز الخمسين عامًا. كانت ترتدي ملابس عتيقة، وشعرها القصير البني يحيط بوجهها الأبيض. نظرت لها لبعض الوقت ثم قالت: يبدو عليكِ التعب، هل أنهككِ السر لهذه الدرجة؟
نور: نعم، لم أنم منذ تلك الليلة، هل من الممكن أن تساعديني أرجوكِ؟
نظرت لها المرأة وقالت: لستُ أنا من يتخذ القرار.
نور بتعجب: من إذًا؟
نظرت المرأة إلى مرآة معلّقة على الحائط، تبدو قديمة حتى إنك لا تستطيع رؤية انعكاس وجهك بها، ثم قالت: هذه المرآة هي من تقرر. قفي أمامها لننظر هل ستقبل بمساعدتكِ أم لا.
اقتربت نور منها. لا تنكر أنها تشعر بغرابة الأمر، ولكنها ستفعل كل ما في وسعها حتى تصل إلى الحقيقة، وإن وصلت إلى حافة الجنون فلن تعترض.
تقدمت نور من المرآة، ثم وقفت أمامها تنظر إليها بتعجب. ظلت تحدق بها تحاول أن ترى انعكاس وجهها، لتتفاجأ بأن المرآة قد تبدلت؛ فأصبحت كالجديدة، بل هناك نور ينبعث منها. اقتربت منها السيدة بتعجب ونظرت لها وقالت: عجيب! هذه المرآة لم تَعْمَل من سنوات، يبدو أنّها اختارتكِ حقًا.
تعجبت نور من حديثها، كيف لمرآة أن تختار؟ ثم نظرت لها وقالت: لا أفهم شيئًا مما تقولين، عن أي اختيار تتحدثين؟
نظرت لها السيدة وقالت بسعادة: أنا هدباء، وهذه المرآة ليست مرآة عادية. لن تفهمي ما أقصد حتى تعلمي بنفسك؛ فقط أنظري إليها، وأغمضي عينيكِ، ثم رددي اسم الشخص الذي ترغبين في معرفة سره بداخلك.
نظرت لها نور بتعجب، لكن نظرة السعادة داخل عيني السيدة جعلتها تصدق ما تقول، خاصةً عندما رأت كيف تحولت المرآة بهذا الشكل.
فعلت نور ما طلبته هدباء، وبعد قليل سمعت صوتها وهي تضحك بقوة. فتحت عينيها ونظرت إلى المرآة لتجد أنّ هناك سبع دوائر رُسِمَت عليها، وحول كل دائرة هالة زرقاء. سمعت هدباء وهي تقول: أنا سعيدة للغاية، ظننت أنها فقدت قدرتها ولكن ها هي تعمل مرة أخرى.
نظرت نور إلى المرآة وبدأت تقرأ الكلمات التي ظهرت عليها: الحنين، الغضب، الأمل، الندم، الخوف، الصدمة، السر.
مدت يدها وحاولت أن تضغط على كلمة السر، فقالت هدباء: لا، السر هو آخر مهمة لكِ.
نور بتعجب: أي مهمة؟!
هدباء: الآن سأخبرك بما عليك فعله. لقد اختارت المرأة لكِ سبع مهام؛ عليكِ أن تبدأي بتنفيذ كل مهمة على حدة. بكل مهمة ستعرفين جزءًا من السر، وفي النهاية سوف تصلين إلى ما تريدين.
حرّكت نور يدها لتضغط على كلمة حنين، ولكن هدباء أمسكت يدها على الفور ثم قالت:
لا تمهّلي، يجب أن تعلمي ماذا سيحدث أولًا، ثم تستعدي لخوض هذه المهمات.
نور: إذًا أخبريني.
هدباء: هذه المرآة سوف تعطيكِ قوة خارقة، ستجعلكِ تتواصلين مع ذكريات الشخص الذي تبحثين عن سره، أي أنكِ ستعلمين أسرار ذلك الشخص حتى تصلي لمبتغاكِ. وهذا عن طريق فصل عقلكِ عن جسدكِ مثل التنويم المغناطيسي. ستقتحمين ذكريات أشخاص لا تعرفيهم، ستعلمين أكثر أسرارهم، بل وسيكون لديكِ القدرة على معرفة أشياء قد نسوها أو تجاهلوها. بكل مهمة ستعرفين ذكرى محددة، ثم تعودين مرة أخرى، وتخبركِ المرآة بالمهمة الخاصة بكِ والمرتبطة بهذا الشخص. وإذا أردتِ أن تعودي لذلك الشخص، سواء عن طريق التواصل العقلي أو بالذهاب لرؤيته حقًا، فلكِ هذا، فلكل مهمة طابع خاص، وأنا سوف أساعدكِ.
نور: حسنًا، ولكن لا أفهم ما تقولين تمامًا، هل يمكنكِ تقديم شرح أكثر؟!
جذبتها هدباء حتى وصلت إلى الكرسي أمام المرآة وقالت: اجلسي هنا. لن تفهمي ما أقول حتى تخوضي التجربة بنفسك. أول مهمة لكِ هي الحنين، سوف تغمضين عينيكِ بهدوء، وتفكرين بهذا الشخص، ثم ترددين كلمة: الحنين. وإذا أردتِ أن تنفصلي عن الذكرى، فقط عليكِ أن تقولي اسم المهمة: الحنين، وسوف تعودين إلى جسدكِ على الفور.
نور: أشعر بالخوف.
هدباء: لا تقلقي أبدًا، لن يحدث أي ضرر، فقط افعلي ما أقول.
أومأت لها نور ونفّذت ما قالت.
المهمة الأولى ( الحنين)
بعد وقت، سمعت صوتًا ينادي عليها، ففتحت عينيها تنظر حولها بتعجب؛ الوقت صباحًا، وهي تجلس بمطعم. تذكرت… هذا المطعم قريب من منزلها. ثم سمعت النادل يقول: آنسة جنا، أتريدين طلب شيء آخر أم تنتظرين هذا الضيف المتأخر؟
تعجبت نور؛ هو يناديها بجنا! الغريب أنه يعرفها جيدًا، فكيف يناديها باسم أختها؟ نظرت أمامها لترى انعكاس وجهها بالمرآة، فتحت عينيها بصدمة… هذه جنا وليست أنا! ثم سمعت جنا تقول: شكرًا يا حسن، سأنتظر قليلًا بعد.
نظرت نور حولها؛ هي ترى وتسمع كل شيء، لكنها لا تتحكم بجسدها بالكامل.
ظلت جنا تنظر عبر النافذة حتى رأت آدم يقترب من المطعم. ابتسمت بسعادة وأخذت تتفقد ملابسها وترتّب شعرها، حتى دخل آدم وجلس أمامها وقال: صباح الخير يا جنا، آسف على التأخير.
جنا: لا عليك، لم أنتظر كثيرًا.
أشار آدم إلى النادل ليحضر له القهوة ثم عاد ينظر إلى جنا وقال: أخبريني، ما هو الموضوع الهام الذي أردتِ التحدث معي بشأنه؟
تحمححت جنا بارتباك وقالت: نحن أصدقاء منذ الطفولة، تعلم عنّا الكثير ونعلم عنك أيضًا، ومنذ أن ارتدنا الجامعة وأنت ابتعدت كثيرًا.
آدم: هذا لأن كلًا منا ذهب إلى جامعة مختلفة.
جنا: نعم أعلم ذلك، ولكن منذ ذلك الوقت وأنا أريد أن أخبرك بشيءٍ هام. أنا لن أكذب عليك، قد فكرت كثيرًا قبل أن أتجرأ وأطلب مقابلتك، ولكن لم أستطع أن أكبح حديثي أكثر، لذا قررت البوح بما في صدري لك… آدم… في حقيقة الأمر، أنا… أنا معجبةٌ بك.
نظر لها آدم بصدمة وقال: معجبة؟! أنتِ؟
جنا بتعجب: نعم، لماذا سألت هذا السؤال بهذا التعجب؟
توتر آدم وقال: حقيقةً… أنا أكنّ بعض المشاعر لفتاة أخرى. نعم، لم أجرؤ بعد على الحديث معها بهذا الأمر، ولكن هي الوحيدة التي تشغل عقلي وقلبي. وقد تعجبت أنكِ معجبةٌ بي… لأنني معجب بأختكِ نور.
نظرت له جنا بصدمة، ولم تكن صدمة نور أقل منها. شعرت نور بالألم الذي أصاب قلب جنا، وأخذت جنا تتذكر كل الأوقات التي كانت تنظر فيها إلى آدم من بعيد، تتأمل ابتسامته، وسعادتها عند رؤيته، وفرحتها إذا نظر إليها وتحدث معها وهي تتأمل ملامحه عن قرب.
تركته جنا وذهبت، تحاول كبح دموعها. وما أصاب نور بالألم أكثر أنّ جنا لم تخبرها بهذا الأمر قط، لم تعلم أنها جُرحت بهذه الطريقة، كيف تحملت هذا الألم وحدها؟!
لم تستطع نور تتحمل ألمها وبكاءها، فقالت: الحنين.
فتحت عينيها بصدمة؛ وجدت نفسها في المكتبة وقد عادت إلى جسدها مرة أخرى. نظرت إلى هدباء التي كانت تجلس بجوارها في انتظار عودتها، ثم قالت: وما علاقته بقتل أختي؟!
هدباء: عذرًا، أنا لا أفهم عمّا تتحدثين.
وقفت نور بغضب وقصّت لها حقيقة موت أختها، ثم أخبرتها بهذه الذكرى التي رأتها للتو، وقالت: هل هذا يعني أن آدم هو من قتلها؟
هدباء: لا أظن، فأنتِ في أول مهمة فقط. عليكِ الآن أن تنظري إلى المرآة لتعلمي ما هي مهمتك.
التفتت نور ونظرت إلى المرآة، لتجد جملة واحدة: “إذهبي إليه.”
نظرت نور إلى هدباء بغضب وقالت: أتريد المرآة أن أذهب إليه؟! لماذا؟
هدباء: صدقيني، أنا لا أعلم. أنا فقط أطلعك على طريقة تنفيذ المهمات، ليس أكثر.
زفرت نور بغضب، ثم وقفت تفكر قليلًا؛ هناك شعور بداخلها يرفض أن يصدق ما يحدث. ربما هذه السيدة هي من تفعل كل هذا، ربما كل هذا ليس حقيقيًا. ثم نظرت إلى المرآة وقررت أن تذهب إلى آدم. أرادت فقط أن تتأكد… هل هذه الذكرى حقيقية أم لا؟
رواية مرآة الخطايا الفصل الثاني 2 - بقلم رباب حسين
كان ألمًا من نوعٍ خاص، لم تشعر به من قبل، فهي لم تعرف للعشق طريقًا بعد، ولم تصل إلى حدِّ لوعة الحب التي تؤلم القلب وتعصره حزنًا، حتى شعرت بما مرّت به جَنا في هذا اليوم، كيف ركضت خارج المطعم وهي تواري دموعها عنه، وما آلمها أكثر أنها لم تكن عونًا لأختها في مثل هذا الموقف.
جلست أمام هدباء وهي تضع يدها على صدرها، تشعر برغبة كبيرة في البكاء. نظرت لها هدباء وقالت: هذه هي الأعراض الجانبية للأمر، الشعور الذي ينتج عن الذكرى المؤلمة التي رأيتها، يظل عالقًا في حواسكِ لفترة، ومع الوقت ستعتادين الأمر.
نور بألم: أشعر بأن قلبي يتمزق.
هدباء: يبدو أنها كانت تحبه كثيرًا، وقد آلمها رفضه لها.
نور: الغريب أنني أشعر برغبة شديدة في رؤيته الآن، وكأنني أشتاق إليه.
هدباء: أعتقد أن هذا شعور أختكِ، وليس شعوركِ أنتِ.
تنهدت نور وقالت بحزن: وهل يجب أن أنفذ تلك المهمة؟!
هدباء: نعم، ولن تستطيعي تنفيذ المهمة التالية إلا عندما تنهي هذه المهمة أولًا.
ذهبت نور إلى منزلها، وكان الحزن يسيطر عليها بشدة. بكت، ولم تشعر بالراحة إلا عندما انهمرت دموعها، ثم نامت من شدة الإرهاق.
في الصباح، استيقظت وهي في حالة سيئة، لم ترغب في تناول الطعام، ولم يعد لديها أي رغبة سوى رؤيته. بدّلت ثيابها وذهبت إلى منزله؛ فهي تعرف عنوانه منذ أن كانا زميلين في المدرسة، لكنها لم تزره من قبل.
طرقت الباب وانتظرت قليلًا، حتى فتح آدم وهو يرتدي معطفه ويهمّ بالخروج من المنزل. عندما رأى نور أمامه تجمّدت أوصاله، وظل يحدّق بها وكأنه يحلم. أمّا هي فشعرت بالراحة لمجرّد أن رأته أمامها، فابتسمت وقالت: كيف حالك يا صديقي العزيز؟
لم يصدق آدم أنها هنا بالفعل، تتحدث معه وتسأله عن حاله… إذًا هي حقيقة! حاول أن يجمع كلماته ثم تحمحم قليلًا وقال: نور! ما هذه الزيارة غير المتوقعة؟
نور: فقط أردت الاطمئنان عليك، وأريد أن أسألك عن شيءٍ ما.
نظر آدم إلى الساعة ثم قال: هل لديكِ مواعيد الآن؟
نور: لا.
آدم: إذًا لنتحدث في الطريق، لدي اجتماع ويجب أن أحضره.
نور: حسنًا.
صعدت معه إلى السيارة. كان ينظر إليها ولا يزال غير مصدّق أنها أمامه، ثم قال: ما الذي أردتِ أن تسأليني عنه؟
نور: قبل أن أسألك، أريد أن أخبرك شيئًا… جَنا قد ماتت منذ فترة قصيرة.
أوقف آدم السيارة ونظر إليها بصدمة: ماذا؟! كيف حدث ذلك؟
نور بحزن: لقد قُتِلت… وجدوا جثتها على جانب طريق مهجور.
آدم بذهول: لا… لا أصدق هذا. من الذي قد يقتل هذه الفتاة البريئة؟!
قصّت له نور كل ما حدث، حتى أنها أخبرته عن تلك المكتبة التي دخلتها بالأمس. ثم سألته: هل الذكرى التي رأيتها حقيقية أم لا؟ إن كانت حقيقية فهذا يعني أن الأمر ليس خدعة، وأن هذه المرآة ستخبرني عن حقيقة موت جَنا.
شعر آدم بحرج شديد، ثم قال وهو ينظر إلى الجهة الأخرى: نعم… هذا حدث بالفعل، ومنذ ذلك اليوم لم أرها مرة أخرى.
نور: إذًا هذه المرآة حقيقية.
آدم بذهول: هل ستذهبين إلى هذه المكتبة مرة أخرى؟!
نور: نعم، بالتأكيد.
آدم: لا، أنتِ تبحثين عن قاتل! هل تعرفين ما الذكريات التي ستدخلين إليها؟! وربما ترسلكِ المرآة لملاقاة هؤلاء الأشخاص كما فعلت معي… لا، لا أقبل بذلك.
نور: أعلم أن هذا الأمر خطير، ولكن لا يوجد لديّ سبيل آخر لأعرف كيف ماتت أختي.
زفر آدم بضيق وقال: اسمعي، لدي اجتماع هام اليوم. سأحضره ثم آتي معكِ إلى هناك. لن تخوضي هذه التجربة وحدكِ.
لوهلة شعرت نور بأنها هي من ترغب في أن يكون معه، تشعر براحة في قلبها وسعادة لوجوده بجوارها. نظرت في عينيه، مما جعل آدم يتعجب من نظراتها؛ فقد تذكّر كيف كانت تنظر إليه في السابق، تلك النظرات الباردة التي لطالما جعلته يرتطم بين جدران اليأس والحزن. حاول أن ينساها كثيرًا، لكنه لم يعرف للنسيان طريقًا.
ظلت تحدق بوجهه حتى قال آدم بصوت هادئ: موافقة أم لا؟
أومأت له، بينما كانت تتساءل في داخلها: هل كان صوته هكذا دائمًا؟ أم أنه تغيّر بعد أن أصبح رجلًا في منتصف العمر؟
نظرت إليه تتفحّصه… هو مختلف، ربما حلّته، ربما هيئته، أم أنه فقط تقدّم في السن ليصبح ذلك الشاب الذي يجلس أمامي الآن.
أما آدم فلم يعرف سبب هذه النظرات، فنظر أمامه وقاد السيارة مرة أخرى، ثم وصل إلى الشركة التي يعمل بها وقال: إذا لم يكن لديكِ مواعيد أخرى، فلتأتي معي وتنتظري داخل مكتبي حتى أنهي الاجتماع ونذهب سويًا.
نور: لا مانع، سأأتي معك.
دخلت نور معه إلى الشركة ثم إلى مكتبه، طلب لها قهوة، ثم ذهب إلى الاجتماع. انتظرته نور حتى أنهى اجتماعه، وعاد إلى مكتبه، ثم غادرا معًا.
بعد وقت، كانا يقفان أمام المكتبة. نظر لها آدم متعجبًا وقال: المكتبة قديمة للغاية، كيف وجدتها؟!
نور: لم أبحث عنها، فقط عثرت عليها صدفة وأنا أسير بالأمس.
نظر آدم حوله، كان الشارع قديمًا ومهجورًا، فقال بغضب: كنتِ تمشين ليلًا وحدكِ في هذا الشارع؟!
نور: اهدأ، لم أجد سيارة أجرة في ذلك الوقت المتأخر، ولم أشعر بأي شيء من حولي، ولم أدرك أين أنا إلا عندما وقفت أمام هذه المكتبة.
شعر آدم بالحزن عليها وقال: لماذا لم تتصلي بي؟! كيف تواجهين كل هذه الأمور وحدكِ؟
نور: لم أكن أتوقع أنك لا تزال تذكرني، ولم أعرف عنك أي شيء منذ مدة طويلة. ظننت أنك تزوجت ولديك حياة خاصة، لذا لم أتصل بك.
نظر لها آدم بحب وقال بصوت هادئ: حتى وإن كنت في كوكب آخر… إذا اتصلتِ بي وطلبتِ مساعدتي فلن أتردد أبدًا، ولن أخذلكِ.
ابتسمت نور له، لا تدري لماذا هذا الشعور… وكأنها تراه لأول مرة، أو بعيون مختلفة. تُرى… هل هو شعور جَنا أم شعورها هي؟!
دخلا معًا إلى المكتبة، ونظر آدم إلى هدباء التي توجهت بنظرها فورًا إلى المرآة، فوجدت أن المهمة الأولى قد انتهت وأن المرآة قد انطفأت مرة أخرى. عادت تنظر إلى نور وقالت: هذا آدم بالتأكيد.
عقد آدم حاجبيه وقال: وكيف عرفتِ؟!
هدباء: المهمة الأولى تمت بنجاح، وحان الآن موعد المهمة الثانية. اقتربي يا نور وقفي أمام المرآة مرة أخرى لنرى ما هي المهمة التالية.
نظرت نور إلى آدم، فقال لها مطمئنًا: لا تخافي، أنا معكِ.
وقفت نور أمام المرآة، لتتحول إلى هيئتها الجديدة. نظر لها آدم بتعجب، ثم لاحظ ظهور كلمة أخرى: “الغضب”.
هدباء: إذا كنتِ مستعدة الآن… فلنبدأ.
أومأت لها وجلست على الكرسي أمام المرآة، واقترب آدم منها ووقف بجوارها. أغمضت نور عينيها وبدأت تردد كلمة: الغضب.
المهمة الثانية: الغضب.
سمعت نور أصواتًا قوية، ففتحت عينيها بذعر، لتجد نفسها داخل جسد رجل لا تعرفه. والأصعب أنه كان يتشاجر مع شخصٍ آخر. شعرت بالغضب العارم داخل صدره، والذي انتقل إليها فورًا. كانا يوجهان إلى بعضهما لكمات قوية، وفجأة اتجهت — مع جسد الرجل الذي دخلته — نحو أحد المنافذ، ووجدته يمسك بمطرقة في يده. شعرت برغبته العنيفة في قتل خصمه، حاولت السيطرة على جسده لكنها فشلت.
أما آدم، فكان يراقب تعابير وجه نور المضطربة، ورأى أنها تجاهد وتقاوم شيئًا ما. بدا واضحًا أنها تشعر بالخوف والرهبة. نظر إلى هدباء بفزع وقال: ماذا يحدث؟!
هدباء: لا تقلق، تستطيع العودة وقتما تشاء. إذا شعرت بالخطر ستهرب فورًا.
حاولت نور تهدئة روعه — روع ذلك الرجل — حتى استطاعت أن تسيطر قليلًا على عقله، وجعلته يترك المطرقة. وقف الرجل في مكانه بلا حركة، ثم سمعت صوت أحد بجواره يقول:
يكفي هذا يا ساهر. لقد سئمنا من شجاراتك اليومية. اذهب إلى عملك إذا سمحت.
انصاع ساهر لكلام الرجل الأكبر سنًا، وتوجه إلى سيارته. وما إن دخلها، حتى نظرت نور إلى التاريخ الظاهر على شاشة العرض الصغيرة، فتملّكها العجب… إنه تاريخ اليوم.
إذًا… ليست ذكرى. هذا يحدث الآن.
رددت نور كلمة “الغضب”، فعادت مرة أخرى إلى جسدها.
نظر لها آدم بقلق وقال: هل أنتِ بخير؟
نور: نعم.
ثم التفتت إلى هدباء وقالت بغضب: هذه ليست ذكرى.
هدباء: ليس بالضرورة أن تكون ذكرى، ربما يكون شخصًا قريبًا من القاتل، أو يعلم شيئًا عن القضية.
نور، ولا يزال الغضب يتملكها: إذًا ماذا أفعل؟! وكيف أعرف علاقته بأختي أو بالقضية؟!
هدباء: عليكِ أن تعودي إلى جسده مرة أخرى. أنتِ قادرة على معرفة كل أسراره، كل ذكرياته… ابحثي داخل عقله جيدًا، وبعد ذلك عودي إلى هنا. حينها ستخبركِ المرآة بما علينا فعله.
زفرت نور بقوة وقالت: إنه غاضب للغاية، كاد يقتل أحدهم اليوم. شعرت لوهلة أنني أنا من سيقتل ذلك الشخص.
آدم بصدمة: ماذا؟! إذًا لا تعودي!
نور: عليّ ذلك… لا سبيل آخر لدي.
آدم بحزن وقلق: أشعر بالخوف عليكِ… لا تذهبي.
نور: استطعت التحكم بعقله قليلًا، وربما عليّ أن أتحكم به أكثر. لا تقلق… فقط ابقَ بجواري، أنا خائفة.
آدم: أنا هنا… لن أرحل.
جلست نور على الكرسي مرة أخرى، وعادت إلى جسد ساهر.
كان يقود السيارة متجهًا إلى عمله، بينما حاولت نور أن تبحث داخل عقله. علمت أنه مريض نفسيًّا، ويعاني من مشكلة في التحكم في غضبه. حاول العلاج مرارًا، لكن رأي الأطباء كان واحدًا: هناك جزء مفقود من ذاكرته منذ طفولته. كل ما يتعلق بأول عشر سنوات من عمره كان مطموسًا تمامًا، لا يذكر منه شيئًا.
ما يعرفه فقط هو أنه تعرّض لحادث حين كان طفلًا، وقد وجدته الشرطة على قارعة الطريق. تم نقله إلى المستشفى، وبعد الفحص اكتشف الأطباء أنه تعرض لصدمة كبيرة دفعت عقله لدفن تلك الذكرى كي يتمكن من الاستمرار. أثّر ذلك على نفسيته بشدة، ومنذ ذلك الوقت وهو يعاني من غضب مفرط لا يستطيع السيطرة عليه.
بعدها تم تحويله إلى دار أيتام، إذ فشلت الشرطة في معرفة هويته أو عائلته. وبعد فترة تبنّته أسرة صغيرة، أب وأم، وعاش معهما حتى تُوفيا.
لم تجد نور أي أحداث أخرى مهمة في عقله… لا يعرف جَنا، ولم يرها في حياته قط. لذا رددت كلمة “الغضب” مرة أخرى، وعادت إلى جسدها.
نظرت لها هدباء وقالت: ماذا وجدتِ؟!
قصّت لهما نور ما عرفته، ثم وقفت أمام المرآة وقالت: لماذا اختارت ساهر؟
هدباء: لا أعرف، فقط عليكِ أن تثقي بها. أظن أنكِ تأكدتِ من الأمر عندما قابلتِ آدم، والآن عرفتِ أن الذكرى كانت صحيحة. ألا زلتِ تشكّين؟
نور: لا… فقط متعجبة. ساهر لا يعرف جَنا نهائيًا.
هدباء: ربما يعرف القاتل.
آدم: وهل عليها الآن أن تعرف كل الرجال الذين يعرفهم هذا المدعو ساهر؟!
هدباء: لا، هناك مهمة جديدة، وعلينا معرفتها. فقط انظري إلى المرآة لتخبركِ بها.
تنهدت نور بقوة. كانت تشعر بالغضب والحزن اللذين يملآن قلب ساهر، ثقل يكاد يخنقها. شعر آدم بحزنها، فوضع يده على كتفها برفق وقال: بدأتِ هذا الطريق، لكنكِ لستِ وحدك بعد الآن. انظري… أنا معك. لا تخافي، سنعمل معًا لإيجاد حل لهذه القضية.
ابتسمت نور له. الآن فهمت لماذا كانت جَنا تعشق هذا الرجل… هو أهل للثقة بالفعل. ثم تعجبت: كيف لم تشعر بهذا من قبل؟! عيناه تفيض بالعشق، نظرته دافئة، ولهفته وخوفه يفضحان حبًا لم يتغيّر. كيف لم يتغيّر بعد كل هذه السنين؟!
تمتمت في داخلها: أعتقد أن عليّ معرفتك أكثر يا آدم… ولكن لننهي هذا الأمر أولًا.
نظرت إلى المرآة في انتظار المهمة، فظهرت عليها عبارة:
“عليكِ بمساعدة ساهر حتى يستعيد ذاكرته المدفونة.”
اتسعت عينا نور بصدمة. هذا طلب قاسٍ… كيف ستعرف ما هو مدفون داخل عقله؟! كيف ستعيد له ذكرى لا يعرف عنها شيئًا؟!
نظرت إلى هدباء ثم إلى آدم بيأس… عليها الآن أن تواجه عقلًا مصابًا بفقدان الذاكرة، بل وأن تعيد له ما فقده أيضًا