تحميل رواية «مريم وياسين 2» PDF
بقلم ندى شكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ مريم وياسين 2 بقلم ندى شكري.
رواية مريم وياسين 2 الفصل الأول 1 - بقلم ندى شكري
_بس انا لسة عيوني مشبعتش من طلتك، ولا حتىٰ روحي كفيتها أمان.
سكتّ للحظات، في محاولة لأني استجمع كلماتي ما بين شهقات بُكايا، من بعدها كملت وقُلت_ وحشتني يا نور ضلمتي، وونيس وحدتي، وحبيب أيامي، وحشتني يا بابا.
سكتّ مرة تانية ثواني، من بعدها قُلت_ بيقولوا أن الأيام بتنسي بس بالله لو فات علىٰ اليوم اللي فارقتني فيه سنين، عُمر وجعه المحفور في قلبي ما هيتداوىٰ.
لمست بإيدي لصورته، جايز استشعر لمسته الدافية، اللي كانت بتطبطب على روحي قبل كفي، وقُلت_ عن أخر لمسة لإيدي، وأخر ضمة لحُضنك، عن أخر ضحكة اتقاسمنا فيها، وأخر ذكرىٰ بكينا عليها، وياريت كان قلبي فهم إنه هتكون أخر مرة، جايز وقتها كان الوادع يليق باللي عيشناه سوا.
اخدت ساعته اللي كانت علىٰ الكومود جمبي، وضميتها لحُضني وأنا بقول_ كان لسة بدري علىٰ فراقنا يا حبيبي، كان لسة كتير نعيشه سوا، ويعز علىٰ قلبي أقول كان.
وجهت نظراتي للساعة، وأنا بتحسسها لعلي أحس ولو لحظة بوجوده.
لوقت ماسمعت خبطات بسيطة علىٰ باب أوضتي، من بعدها دخلت عليا واحدة من اللي بيشتغلوا في الڤيلا، وهي بتقول_ ست مَريم عاصم بيه تحت، وعايز يقابلك.
هزيت راسي بهدوء، ومسحت دموعي بكفوفي بسُرعة، ونزلت وراها، ولقيت اللي بيستقبلني بفتح دراعه ليا، وهو بيقول_ مَريومة الغالية بنت الغالي تعالي يا حبيبة عمك.
قُلت بملل، وأنا بقعد قُصاده علىٰ واحد من كراسي الصالون، مُتجاهلة تمامًا إيده المفتوحة لضمتي_ خير يا عمي؟!
رفع فنجان قهوته وهو بياخد منه رشفة، وبيقول بهدوء_ كُل خير طبعًا.
سكت ثواني، وسكتّ اسمعله، فـ كمل، وقال_ بصراحة كده وجودك لوحدك في ڤيلا طويلة عريضة مش مريحني ولا بقىٰ الحال ده ينفع.
رفعت حاجبي بإستغراب، وأنا بقول_ مش فاهمة؟!
نزل فنجانه علىٰ التربيزة اللي قُصاده، وكمل بنفس هدوئه، وقال_ يعني يا مَريم أنتِ لازم تيجي تعيشي معايا، قاعدتك بطولك كده متصحش، وهتجبلنا الكلام اللي ملوش داعي من اللي يسوىٰ واللي ميسواش.
رديت بسُخرية، وبنفس رافعة حاجبي قُلت_ يعني قاعدتي في بيتك وسط الشحطين ولادك دي هي اللي هتبقىٰ تمام صح؟!
رد بابتسامة باردة، وقال_ ماهو عُمر هيكون جوزك يا حبيبتي مش حد غريب وبيته هيكون بيتك، ومحدش وقتها هيعرف ينطق بحرف.
صوتي لحظتها علي، وأنا بقوم اقف بصدمة، وبقول_ نــعم؟!!
كمل بنفس بروده، وقال_ مالك اتخضيتِ ليه، الظاهر إنك مكنتيش تعرفي إننا طلبنا إيدك من والدك الله يرحمه وهو وافق ورحب جدًا بالموضوع، ولكن للأسف شكل القدر مدالوش الفرصة يقولك وكان أسرع منه.
قُلت بإنفعال واضح في ملامحي قبل صوتي_ اللي بتقوله ده اسمه جنان.
وقتها بان الغضب في ملامحه، وقام وقف وهو بيقول بحدة_ لا ده اسمه قلة أدب أما تقفي قدام عمك بالشكل ده وتقوليله كده.
بنفس عصبيتي رديت، وقُلت_ مش هتجوزه أنا ولو كان أخر راجل في الدنيا.
استعاد بروده من تاني، وقال وهو بيصطنع الهدوء حتىٰ لو كان باين في ملامحه العكس_ أنا مش بغصبك يا مَريم أنا بخاف عليكِ، والدك لو كان عايش دلوقتي كان هيقولك نفس كلامي، أنا بحافظ عليكِ وعلىٰ اسمنا من إن حد يمسه بسوء، وأخرك معايا هو إنك لو عايزة تفضلي بعد الجواز في البيت ده وعُمر هو اللي يجي يعيش معاكِ تمام، أما أكتر من كده ملكيش عندي يا بنت أخويا.
ختم جُملته الأخيرة وهو بيرميني بنظرة حادة، ومشي وسابني واقفة مابين صدمتي وغضبي، ومكانليش سبيل غير البُكا الجأ لي.
___
يوم والتاني مر بيا وأنا تايهة مش عارفة أعمل أيه في اللي قاله عمي، حتىٰ الشركة اللي سابها والدي في إيدي أمانة مبقتش قادرة اركز في شغلها، كل تفكيري كان إزاي أخلص من المصيبة اللي عايز يورطني فيها لأجل يرضي طمعه وياخد اللي عاش عُمره بيحلم ينوله، فـ مُراده من جوازي بابنه هو نصيب والدي في شركة الأدوية اللي بيتقاسموا فيها، واللي بوفاة والدي بقيت أنا رئيس مجلس إدراتها، وده لأنه صاحب النصيب الأكبر فيها، واللي قبل ما يتوفىٰ كتبه باسمي خوفًا من إن الزمن يغدر بيا في يوم.
وفي يوم كُنت قاعدة علىٰ مكتبي شاردة البال، ودافنة وشي مابين كفوفي بقلة حيلة، دخلت عليا عُلا صاحبتي واللي بالمناسبة هي كمان سكرتيرتي، وقالت_ وبعدهالك يا ست مَريم، هتفضلي قاعدة تبكي علىٰ الأطلال كتير، الشغل محتاجلك.
رفعت عيوني ليها، وقُلت بنبرة باين فيها وجعها_ وأنا محتاجة بابا.
وقتها ختمت جُملتي بدمعة هربت من عيوني من دون أدنىٰ إرادة مني، فـ قربت عُلا مني وشدت راسي لحُضنها، وهي بتمسد عليها بحنية، وقالت_ ومين قال إنه سابك، بابا معاكِ وحاسس بيكِ وبحالك، وأكيد مش مبسوط بزعلك ده، ده أنت اغلىٰ الناس علىٰ قلبه وحتة من روحه.
بكايا زاد وشهقاته بانت، وأنا بقول_ لا يا عُلا سابني، سابني لأخوه اللي عايز ينهشني من بعده.
اتنهدت، ورجعت وشي لبين كفوفي، وقُلت_ أنتِ عارفة عمي عايز أيه؟!
كانت بتسمعلي، فـ قُلت بخنقة واضحة في نبرة صوتي_ عايز يجوزني عُمر يا عُلا.
ردت بصدمة، وقالت_ أنتِ بتقولي أيه، عُمر ده عمره ما شال مسؤولية نفسه حتىٰ؟!
رديت بسُخرية مخالطها الوجع من حالي، وقُلت_ أه عُمر، ما كله عشان الورث والشركة.
ساد الصمت بينا ثواني، لوقت ما قطعته وأنا بقوم من مكاني، وبسحب شنطتي من علىٰ المكتب، وبقول_ المهم أنا تعبانة ومش قادرة أكمل اليوم، محتاجة أروح وانام.
مستنتش أسمع رد منها، وخرجت من المكتب، ومشيت ناحية الأسانسير، وفجأة قبل ما أوصله، حسيت بـ حاجة خبطت فيا، رجعتني أثر شدتها خطوتين لورا، للدرجة اللي جسمي فقد فيها توازنه لثواني.
رفعت عيوني بسرعة لمصدر الخبطة، ولسة هنطق بعصبية، لقيته ياسين واللي بالمُناسبة بيكون باحث كميائي في قسم الأبحاث والتطوير في الشركة، ورغم إنه مبيجمعنيش بيه معرفة كبيرة إلا إني عارفة إنه كان من أقرب الشخصيات لوالدي في الشركة نظرًا لاجتهاده.
لحظتها كان واقف حاطط إيده علىٰ صدره كان، وأنفاسه بتتسابق كأنه جاي يجري من أخر الدنيا، وعيونه مش مستقرة علىٰ حاجة، كأنه بيدور علىٰ مخرج ومش لاقيه، وباين في ملامحه القلق، وقال وهو بينهج_أنا أسف مخدتش بالي.
قُلت بإستغراب لحاله_ في أيه يا ياسين؟!
قال، وهو مكمل جري تجاه السلم_ والدتي تعبانة وفي المستشفىٰ.
لحظتها قدرت استوعب خوفه، فـ مر في بالي لحظة معرفتي بتعب بابا الأخير وخوفي وقتها اللي ملقتش اللي يقاسمني فيه، ومن غير أي تفكير لقيتني نازلة وراه علىٰ السلم بسُرعة، وأنا بقول_ استنىٰ يا ياسين هوصلك.
قاسمته الطريق اللي منطقش طوله بحرف، ولكن رغم سكوته ده إلا إن توتره باين علىٰ ملامحه ومبدلها، وبعد دقايق كانت أطول ما يكون بالنسبة لي وصلنا المستشفىٰ، وقتها جري عليه أخواته وكأنهم ما صدقوا لقوا أمانهم اللي بيدوروا عليه، ورغم إنهم مش أصغر منه بكتير لكنه ضمهم لحضنه بقوة وكأنه ليهم الأب مش الأخ، أب بيطبطب ويهدي ويطمن، من غير ما يبان عليه أي انهيار.
لحظتها كُنت أنا واقفة علىٰ جمب بتابع المشهد بينهم، ومحستش بالدمعة اللي هربت من عيوني وفارقتها، فـ كتير كُنت بتمنىٰ يكونلي أخ يقف في ضهري ويسندني لو الدنيا يوم جت عليا، ويخبيني في حضنه من قسوتها.
وفضلنا علىٰ ده الحال لوقت ما خرج الدكتور من عند والدته، واللي جري عليه وقتها، وهو بيقول بقلق واضح_ طمني يا دكتور أمي كويسة؟!
رد الدكتور بهدوء، وهو بيقول_ أستاذ ياسين مش هخبي عليك والدتك محتاجة تدخل جراحي في أسرع وقت.
ملامحه شحب لونها من خضته، وقال_ يعني أيه يا دكتور؟!
رجع الدكتور كمل كلامه، وقال_ في أكتر من صمام في القلب محتاج يتغير، وكفاءة عضلة القلب عندها مش أحسن حاجة، وعشان كده التأخير مش في صالحنا.
لحظتها قال بخوف واضح في ملامحه قبل صوته، وكأنه أصبح طفل خايف تتاخد منه أمه_ هتقوم منها يا دكتور؟!
قدر الدكتور خوفه لحظتها، وطبطب علىٰ كتفه، وهو بيقول بهدوء لأجل يطمنه_ متقلقش وسلمها لله، المُهم دلوقتي إن العملية دي هتكون مُكلفة شوية، يعني اقل مبلغ بالنسبة للمُستشفىٰ دي أو غيرها من المستشفيات الخاصة هيكون حوالي ٥٠٠ ألف جنيه، ومستشفيات الحكومة فيها قوائم انتظار وحالة والدتك مش هينفع تستنىٰ كتير.
عيوني راحتله، ولأول مرة من ساعة ما شوفته أحس إن الحمل اللي فوق كتافه أكبر منه، جايز مش خوفه علىٰ أمه بس اللي وجعني، لكن كمان إحساسه بالعجز وقلة الحيلة اللي بانت في عيونه.
وقتها قرب أخوه منه، وهو بيقول بقلق_هنعمل إيه يا ياسين؟
رفع عيونه لأخوه بسُرعة، وكأنه بيمنع نفسه يضعف قدامه، وقال_متخافش إن شاء الله خير، وربك هيدبرها.
لكن رغم تماسكه قدامنا إلا إن نبرة صوته نفسها كانت فاضحة خوفه وقلة حيلته، أخوه سكت، بينما أنا فضلت عيوني متعلقة بيه من بعيد، فـ أنا شايفة قدامي شاب لسة في بداية عمره، شايل هم أم مريضة، وأخوات متعلقين في رقبته، وكأنه الحيطة الأخيرة اللي واقفين ساندين عليها، وقتها افتكرت نفسي، افتكرت اليوم اللي وقفت فيه قدام العناية المركزة بطولي مستنية أي كلمة تطمني عن بابا، ولكن الفرق الوحيد بيني وبينه، إن بابا سابلي شركة كاملة أقدر أتصرف من خلالها، أما هو فكان واقف لوحده في مواجهة مصيبة أكبر من قدرته.
مر كام ساعة وأنا معاهم، فـ الغريب إني كل ما أقوم لأجل أمشي، أحس إني بسيب حد لوحده في نفس المكان اللي كنت واقفة فيه يومًا ما ومحتاجة اللي يكون جمبي، فـ بفضل ولكن مازالت واقفة علىٰ جمب، ومبتدخلش في الصورة، لوقت ما والدتهم فاقت، ودخلوا أخواته يطمنوا عليها، أما هو فضل مكانه قاعد علىٰ كراسي الإستراحة، دافن وشه مابين كفوفه بغُلب علىٰ أمره، فـ قربت منه، وقُلت بهدوء_ ألف سلامة علىٰ والدتك، ربنا يشفيها يارب ويباركلكم في عمرها.
رفع عيونه ليا، وقام وقف بسُرعة، وهو عيونه في الأرض، وبيقول_ با خبر أنا أسف يا أستاذة مَريم نسيت خالص إنك لسة هنا، حقك عليا عطلتك معايا طول اليوم بـ قاعدتك دي.
هزيت راسي بنفي، وأنا بقول_ مفيش تعطيل ولا حاجة أنا بس فضلت لأجل اطمن علىٰ والدتك.
رد، وقال_ متشكر جدًا يا أستاذة مَريم.
ساد الصمت بينا لحظات قطعته، وأنا بقول_ استأذن أنا.
ختمت جُملتي بأني مشيت وسبته، ورجعت علىٰ الڤيلا اللي لقيت فيها عمي مستنيني، وبيقول بحدة متخفية تحت هدوئه_ حمدالله علىٰ السلامة يا أستاذة مَريم، يا ترىٰ كُنتِ فين لغاية دلوقتي؟!
عيوني راحتله ثواني من غير ما أرد، من بعدها كملت طريقي ناحية السلم، وكأني لحظتها مسمعتش السؤال من الأساس.
عض علىٰ شفايفه وقتها بغيظ من افعالي وتجاهلي لي، وحاول يتمسك بهدوءه أكتر، وهو بيقول_ طيب اعملي حسابك يا حبيبة عمك إن كتب كتابك الخميس الجاي، ومش هنعمل فرح إحترامًا لأبوكِ اللي لسة معداش الاربعين علىٰ وفاته.
لحظتها اتجمدت خطواتي فوق أول درجة من درجات السلم، وحسيت إن دمي اتسحب من عروقي وجف، وقبضتي علىٰ سور السلم اشتدت من صدمتي، فـ كلامه ده
معناه إن فاضلي أيام مودة وأبقىٰ تحت رحمته، ورغم خوفي ده وهزتي لكني رفضت الفله أو أبين أي ضعف عليا، و كملت طلوعي للسلم وكأن كلامه ماوصلنيش.
فـ جالي صوته، وهو بيأكد عليا كلامه، وبيقول بنبرة أعلىٰ_ سامعاني يا مَريم؟!
ملقامني مني أي رد، لوقت ما وصلت أوضتي، ورزعت بابها، وسندت ضهري عليه، وسمحت لبُكا ضعفي يبان، وأنا حاسة إن كل شيء في اللحظة دي ماشي ضدي.
___
ليلة طويلة عدت بيا وأنا غرقانة في تفكيري، ليلة مدوقتش فيها النوم لحظة ولا زار جفوني طيفه، ليلة ما صدقت خيوط الصبح فيها تشق ضلمة ليلها وتهل، لأجل اقوم واجهز وانزل علىٰ الشركة، وأنا مدارية دبلان عيوني أثر البُكا والسهر تحت نضارة سودا.
طول الطريق وأنا بحاول أقنع نفسي إني هلاقي حل تاني، أي حل غير اللي بفكر فيه، لكن كل ما ألف وأدور كُنت برجع لنفس النقطة من تاني، وكأني وصلت حيطة سد ملهاش إلا مخرج واحد قُصاد عيني، فـ الخميس كل مادا بيقرب مني،
وكللم عمي أصبح مش مُجرد تهديد، ولكنه بدأ في التنفيذ حتىٰ لو رغمًا عن أي إرادة مني.
نزلت من العربية واتجهت ناحية مدخل الشركة، وأنا حاسة إن كل خطوة باخدها بتقربني من قرار عمري ما تخيلت إني ممكن أفكر فيه يوم، دخلت مكتبي، وحاولت أراجع الشغل اللي متراكم قدامي، لكن الحروف كانت بتتحرك قدام عيني ومش قادرة أركز في سطر واحد منها، ومفوقتش من شرودي إلا برفعي من سماعة التيلفون الداخلي، وأنا بقول بجدية_ عُلا من فضلك ابعتيلي ياسين النجار علىٰ مكتبي دلوقتي.
قفلت وأنا قلبي دقاته بتزيد من توتري، فـ اللي هعمله مش هين أبدًا عليا، ولكني مش قدامي أي حلول غيره.
معدتش غير دقايق قليلة، وسمعت خبطات خفيفة علىٰ باب المكتب، رفعت عيوني من على الملف اللي قدامي، وأنا بقول_اتفضل.
دخل لحظتها ياسين بخطوات هادية محسوبة، قبل ما يقف قدام المكتب ويقول باحترام_حضرتك طلبتيني يا أستاذة مريم؟
هزيت راسي بالإيجاب، وأنا بشاورله علىٰ الكرسي اللي قدامي، وبقول_اتفضل اقعد.
بان الإستغراب علىٰ ملامحه للحظة، لكنه نفذ من غير ما يسأل، وساد الصمت بينا ثواني طويلة، ثواني كنت بحاول فيها أرتب الكلام اللي فضلت طول الليل أراجعه في دماغي، لكن أول ما جيت أتكلم اكتشفت إن مفيش طريقة سهلة تتقال بيها حاجة زي دي، وبان توتري في سؤالي وأنا بقول_ أيه أخبار والدتك، صحتها عاملة أيه دلوقتي؟
اتنهد، وقال بهدوء_ الحمدلله علىٰ كل حال هنعمل أيه، مش قدامنا غير العملية، وربنا ييسر الأمر.
هزيت راسي بتفهم، وأنا بسأله بهدوء_والدكتور قالك لازم تتعمل إمتى؟
نزل عيونه للأرض لاجل ميبانش فيها وجعه من قلة حيلته، وقال_في أقرب وقت ممكن.
رجع الصمت ساد بينا من تاني دقايق، ولكنه المرة دي كان أتقل من الأول، وباين في ملامحي ربكتي، للدرجة اللي فيها عيونه راحتلي بإستغراب لحالي، وقال_ هو في حاجة معينة حضرتك عايزة تتكلمي فيها؟!
ثواني استجمعت فيها شجاعتي، وحاولت ابين الثقة في نبرة صوتي، وقُلت_أيوة في.
سكت لحظة بيسمعلي بإنتباه، فـ كملت، وقُلت_ قبل ما أتكلم أو أقول أي شيء انا بطلب منك تسمعني كويس، وتفكر قبل ما تديني رد لكلامي.
كان ساكت بيسمعلي، فـ استجمعت الحروف اللي كانت من أتقل ما يكون علىٰ لساني، وقُلت_ أنا مُستعدة ادفع مبلغ عملية والدتك، بل وكمان هديك زيادة عليها كمان، ولكن بشرط واحد.
بانت الصدمة علىٰ ملامحه للحظة، وكأنه مش مستوعب اللي سمعه، فضلت عيونه عليا ثواني قبل ما يقول باستغراب لكلامي_أنا مش فاهم.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أكمل، وقُلت_العملية لازم تتعمل بسرعة، وأنا أقدر أوفر تكلفتها كاملة.
رفع حاجبه بإستغراب، وهو بيقول_ أيوه اللي هو ليه؟!
كان سؤال طبيعي منه، فـ أخدت نفس طويل، وحاولت أثبت رجفة صوتي، وقُلت_لأن عندي مشكلة، ومحتاجاك تساعدني فيها.
سكت، وفضلت عيونه متعلقة بيا وهو مستنيني اكمل باقي كلامي، أما أنا فـ كانت الحروف بتتصارع علىٰ طرف لساني لأجل تخرج، لحظتها غمضت عيوني بخوف، وقُلت_تتجوزني يا ياسين؟!
رواية مريم وياسين 2 الفصل الثاني 2 - بقلم ندى شكري
_تتجوزني يا ياسين؟!
قال بصدمة بانت في ملامحه قبل نبرة صوته_ أيه؟!
فتحت عيوني ووجهت نظراتها لي، وحاولت تكون نبرتي أوضح وأنا بكرر طلبي من تاني وبقول_ تتجوزني؟
فضلت عيونه بيا ثواني طويلة، وكأنه بيحاول يستوعب إذا كنت بهزر ولا بتكلم جد، من بعدها قام وقف مرة واحدة، وقال بعدم تصديق لكلامي_ أستاذة مَريم حضرتك واعية للي بتقوليه؟!
قُمت من مكاني أنا كمان ووقفت قُصاده، وحاولت استجمع قوتي واداري بيها خوفي، وقُلت بنفس الثبات_ أيوه واعية ياسين وعارفة أنا بقولك أيه.
فضل باصصلي بعدم استيعاب، قبل ما يقول بنفس الإستغراب_ حضرتك تتجوزيني أنا، طب ليه أنا؟!
ضِحكت ضِحكة قصيرة باين فيها غُلبي وقلة حيلتي، وأنا بقول_ لأني مش قدامي غيرك دلوقتي.
وقبل ما ينطق بشيء زيادة كملت، وقُلت_ عارفة إن كلامي غريب، ويمكن كمان يبان مُهين ليك، بس صدقني مكانش هيطلع مني لو كنت لاقية حل تاني غيره.
سكتّ لحظة، فاستغلها هو، وقال وهو رافع حاجبه بإستنكار لكلامي_وأيه اللي يخلي واحدة في مكانة حضرتك تعرض علىٰ حد الجواز بالشكل ده؟!
وقتها مكانش في قدامي أي مفر من الحقيقة، وخدت نفس طويل بعده قُلت_ ببساطة لأن عمي عايز يجوزني ابنه.
سكتّ ثانية، وكملت وقُلت بانفعال واضح في ملامحي حتىٰ لو بحاول اداريه_ لا ده مش بس عايز، ده حدد وهينفذ وكتب كتابي عليه الخميس الجاي.
وسط ما كان بيسمعلي، قال_ وحضرتك موافقة.
ضِحكت بسُخرية، وقُلت_ وأنا لو موافقة جايباك وبقولك الكلام ده ليه، ليه ولا يكونش ببلغك عشان تشهد علىٰ العقد مثلًا.
اتنهدت وأنا بحاول اهدي من غضبي، ورجعت قعدت علىٰ كرسي المكتب من تاني، وقُلت_ ياسين أنا محاصرة ، وعمي مش سايبلي مساحة أتنفس فيها حتىٰ.
كان ساكت بيسمع لكلامي ومازال الاستغراب باين في ملامحه، وصدمة الطلب مفارقتهوش، فـ كملت أنا كلامي، وقُلت_ تقدر تقول عني ياسين غريق وأنت أخر قشاية بيتعلق بيها.
رد لحظتها وهو رافع حاجبه بإعتراض، وبيقول_ وأنتِ فاكرة الجواز لعبة يا أستاذة مَريم.
رديت بهدوء، وقُلت_ عارفة إنه مش لعبة، وفكرت كويس قبل ما اطلب منك الطلب ده، وعارفة كمان إن طلبي تقيل،
بس أنا مش بطلب منك تحبني، ولا حتىٰ تعتبرني مراتك بالمعنى اللي في بالك، أنا بس بطلب منك تنقذني.
سكت لثواني طويلة، للدرجة اللي أصبحت فيها دقات قلبي مسموعة، وعيوني مفارقتش ملامحه في انتظار رده، اللي وضح في هزة راسه بالنفي، وهو بيقوم من مكانه، وبيقول بعزة نفس واضحة_ أنا أسف يا استاذة مَريم بس لا عرضك مرفوض.
اتجمدت ملامحي لحظة، وأنا شايفاه هدم خطتي وحولها سراب، أما هو فـ كمل كلامه، وقال_أنا مقدر جدًا اللي حضرتك بتمري بيه، ومقدر ثقتك فيا، لكن الجواز بالشكل ده عمره ما كان حل.
قُلت بشفايف بترتجف من بُكايا المتداري علىٰ أخر أمل نجاة ليا ضاع بكلامه_بس…
قاطع كلامي، وقال بهدوء_ ولو وافقت النهاردة عشان فلوس عملية أمي، هبقى ببيع نفسي، ولو بيعتها عُمري ما هعرف ابصلها في المراية تاني، لأني وقتها مش هلاقي غير واحد رخيص ملوش قيمة، وأنا مش كده يا أستاذة مَريم.
لأول مرة من ساعة ما دخل مكتبي، معرفتش ألاقي رد، أصل الحقيقة إن هو مغلطش، ولا حتىٰ قال كلمة أقدر ألومه عليها، بالعكس كان بيدافع عن كرامته زي ما أنا بحاول أدافع عن حياتي.
لحظتها قُمت وقفت قدام الشباك، واديتله ضهري، وعيوني راحت للشارع، ووقتها خانتني دمعة وهربت منهم، وأنا بقول بصوت باين فيه خنقة قلبي وضيق الدنيا بيا_ أنت عندك حق.
سكتّ لحظة، ومسحت دمعتي اللي هربت مني بسُرعة قبل ما يلاحظ وجودها، وقُلت_وحقك كمان ترفض، وتزعل من طلبي أصلًا، أنا بس كنت متعلقة بأي أمل لنجاتي منه وخلاص.
كان ساكت، فـ ضِحكت بسُخرية من حالي وقلة حيلتي، وقُلت_ تقريبًا كُنت غبية أما فكرت إني هقدر امشي الكون علىٰ كيفي، وإن الموضوع ممكن يكون بالسهولة اللي تخيلتها، بس معلش.
خدت نفس طويل، وحاولت استعيد نبرة صوتي المتماسكة، وأنا بقول_ متشكرة إنك سمعتني يا ياسين.
ساد الصمت بينا لحظات، لحظات طويلة للدرجة اللي افتكرت فيها إنه مشي فعلًا وسابني، ولكن بان صوته من تاني وهو بيقول_ وابن عم حضرتك ده هيعمل أيه لو موافقتيش علىٰ جوازك منه؟
لفيتله من تاني، وأنا مرسوم علىٰ ملامحي إبتسامة مكسورة مدارية وجع قلبي، وبُكا عيوني المستخبي وراها_ مش محتاج يعمل لأن مفيش قدامي مجال للرفض، فـ الحرب بجندي واحد خسرانة خسرانة، وأنا في الأول وفي الأخر بنت ملهاش ضهر تتسند عليه بعد أبوها.
كان ساكت بيسمعلي، ولأول مرة يشوفني بعين مختلفة، فـ اللي قدامه مش صاحبة الشركة ولا رئيسة مجلس إدارتها، اللي قدامه إنسانة تايهة في الدنيا ومش لاقيالها مرسىٰ.
رجعت قعدت علىٰ مكتبي،وعيوني راحت للملفات اللي قدامي، وحاولت استعيد جديتي وثباتي المعروف ، وقُلت_ علىٰ العموم اعتبر إن مفيش شيء اتقال، وتقدر تتفضل علىٰ شغلك.
متحركش، ولا رد، ولا حتىٰ فتح الباب، وده كان أول شيء خلاني أحس إنه رغم رفضه لسه بيفكر.
___
_ست مَريم عُمر بيه موجود تحت، وعايز يشوفك.
جملة قالتها فاطمة، في الوقت اللي كُنت قاعدة فيه علىٰ سريري ضامة رجلي لصدري، ودافنة وشي مابين كفوفي، ودموعي غالباني ومش راضية للحظة تجف، وقتها رفعت عيوني ليها بإرهاق أثر البُكا، وأنا بقول بصوت يكاد يكون مسموع_ مش عايزة اقابل حد.
وقبل ما تخرج دادة فاطمة من اوضتي حتىٰ عشان تبلغه، دخل لحظتها عليا بدون أي استأذن، وهو بيقول بـ سخافته المُعتادة_ لا ملكيش حق يا مريوم، بقىٰ مش عايزة تشوفي عُمر حبيبك اللي جايلك بفستانك يا عروسة.
اتحول انكساري لحظتها لغضب من فعله، وقُمت بعصبية وقُلت_ أنت إزاي تجرُأ تدخل أوضة نومي.
طبطب علىٰ خدي وهو بيصطنع الحنية، ولكن باين نواياه القذرة في لمسته، وقال_ كلها يومين وتكون أوضتي معاكِ يا حبيبتي.
رميت إيده عني بغضب من لمسته، وأنا ببعد عنه، وبقول بصوت باين فيه عصبيتي_ نجوم السما أقربلك يابن عاصم، سامع مش هتطول مني شعرة.
ضِحك بإستهزاء، هو بيقول بسُخرية_ اهو مفيش أقرب من الأيام يا بنت عمي، ولو إني نفسي اثبتلك دلوقتي إني طولت نجمتي خلاص، بس يلا الله يسامحه أبويا بقى منبه عليا إني اتقل علىٰ الرز لما يستوي ويحين أوان أكله.
علي صوتي، وبان انفعالي، وأنا بقول_ اطلع بره، يلا بره.
فضل واقف لحظة، بيبصلي بابتسامة مستفزة، كأنه مستمتع بانهياري أكتر ما هو مُهتم بغضبي، وقبل ما يطلع قرب مني أكتر، وقال بنبرة رغم هدوئها باردة_ متتعبيش نفسك كتير يا حلوة، الموضوع خلاص محسوم، وهي مسألة أيام.
رجعت بضهري خطوة ورا، وقلبي رغم إنه بيتنفض من خوفه، إلا إني مبينتش ده وكملت بنفس الثبات وأنا بقول_ محسوم عندك أنت وبس، أما عندي لا وألف لا ومش هيحصل يا عُمر.
ضِحك ضِحكته البايخة، وهو بيقول بنفس أسلوبه_ وأهو الخميس قريب وهنشوف مين اللي هيكسب رهانه ومين فينا اللي هيطلع خسران، سلام يا…، يا حرمي العزيز.
ختم كلامه بـ خروجه من الأوضة، في الوقت اللي كانت عصبيتي وصلت لأقصى حدودها، وبان ده في رعشة رجلي، وإيدي اللي اتشدت أعصابها جوا كفوفي، ومستحملتش اتماسك أكتر، فـ أول فازة ورد طالتها إيدي اترمت في مراية التسريحة، لأجل يعلي صوت تكسيرها علىٰ الدوشة اللي جوايا، وتنزل قصاد عيني فتات، تشبه لحال روحي وقتها، ويصبح لحظتها لشهقات بُكايا مجال.
___
في مكان تاني وبالتحديد في قسم الأبحاث والتطوير الخاص بـ الشركة كان واقف مع زميل لي، بيتناقشوا في الأوضاع الغامضة اللي بقت بتحصل فيها مؤخرًا.
وقتها قال بانفعال واضح عليه _إزاي ينقلوا دكتور عماد ودكتور طارق لأبحاث تانية لا تقارن من الأساس بأهمية بحث دكتور نور الدين الله يرحمه؟!
وقتها مد زميله إيده لي بفنجان القهوة، وهو بيقول بضيق واضح_مش دي الحاجة الوحيدة الغريبة يا ياسين.
خده منه وهو بياخد أول رشفة منه، في الوقت اللي كمل زميله، وقال_ الطلبات اللي كنا باعتينها للمعمل من شهر اترفضت، والأجهزة اللي محتاجينها واقفة بقالها أسابيع من غير سبب مفهوم.
ساب ياسين الفنجان من إيده، وهو بيقول بعصبية بانت في ملامحه_يعني إيه اترفضت، المشروع ده كان أولىٰ أولويات الشركة.
رد عليه بخفوت وهو بيبص حواليه، و كأنه خايف حد يسمعه_كان أول أولوياتها أيام الدكتور نور، إنما دلوقتي الله أعلم في أيه بيحصل فيها.
قرب زميله منه أكتر، وبنفس الهمس قال_ بقالي أسبوع بحاول أوصل لملفات المرحلة الأخيرة من البحث، ومش لاقيها.
اتعدل ياسين في وقفته مرة واحدة، وقال بحدة_إزاي مش لاقيها؟!
هز التاني كتفه، وقال_زي ما بقولك، الملفات اختفت من الأرشيف الإلكتروني، وحتىٰ النسخ الورقية مش موجودة في أماكنها.
سكت ياسين لحظة، وهو بيحاول يستوعب كلامه، قبل ما يقول_أكيد في سوء تفاهم.
ضحك التاني بسُخرية من حال الشركة، وهو بيقول_وأنا كمان قُلت كده في الأول، لحد ما عرفت إن في أوامر جديدة طالعة بوقف أي تطوير في المشروع لحين إشعار أخر.
بان في عيونه صدمتهم، وقال بعدم استيعاب_ وقف، إزاي، وليه؟!
اتنهد التاني، ورد، وقال بضيق واضح_ علمي علمك، كل ما نسأل يقولوا أوامر إدارة.
قال ياسين بإنفعال وضح في ملامحه_ وهنسكت؟!
طبطب علىٰ كتفه بخبطات بسيطة، وهو بيقول بيأس_ ما باليد حيلة يا صاحبي.
سكت زميله، ورجع كمل شغله، أما ياسين فـ فضل واقف مكانه، عيونه متعلقة بنقطة من فراغ، وعقله فيه ألف علامة استفهام.
___
كُنت قاعدة في جنينة الڤيلا، شاردة البال، وعيوني متعلقة بالبوم صور قديم، دموعي كانت بتهرب مني وبتسكن تفاصيله، فـ كل صورة فيه كانت بتاخدني لزمن فات وبتحكيلي عن أيام حنينة كانت بتجمعني بأهلي، أيام كنت حاسة فيها بالأمان، وكان ضهري مسنود بيهم، أما دلوقتي فـ مفيش إحساس بيروادني غير الخوف، الخوف من المستقبل واللي مستخبيلي وراه، والوحدة اللي اتكتبت عليا بعد فراق بابا، أماني الوحيد اللي عاش عمره كله عشاني، واديني أهو من بعده بخوض معركة قصاد جيش ومفيش في صفي غيري، وحان أوان الراية البيضا تترفع واعلن استسلامي، فـ مبقيش غير ساعات الليل والصبح يهل عليا، ويبدأ معاه فصل جديد مختارتوش من حياتي، فصل هيتربط اسمي فيه باسم واحد لا لي في قلبي مكان ولا حتىٰ ممكن يدخله.
مقطعش شرودي إلا صوت فاطمة، وهي بتقول_ ست مَريم، ست مَريم سامعاني؟
لحظتها أدركت وجودها، ورديت بصوت هادي باين في نبرته يأسي_ أيه يا فاطمة؟
كملت، وقالت_ في واحد بره علىٰ الباب عايز يقابلك.
قُلت بإستغراب_ واحد، واحد مين؟!
ردت وقالت_ واحد بيقول إنه بيشتغل في الشركة عند حضرتك، وعايز يقابل حضرتك ضروري.
ورغم إستغرابي، خدت نفس طويل، وأنا بمسح بكفوفي وشي، من بعدها قُمت، وروحت معاها لأجل اشوف مين اللي مستنيني، ولحظتها كانت المُفاجأة بالنسبة ليا، فـ كان ياسين!