الفصل 2 | من 52 فصل

ناراحيدرة الفصل الثاني 2 - بقلم Namarq

المشاهدات
21
كلمة
2,200
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

العراق/ بغداد عام ٢٠١٥

استيقظتُ من غفوةٍ قصيرةٍ، نهضتُ بسرعةٍ حيث اصطدم رأسي بالجدار، فرفعتُ إصبعي مهدِّدةً نفسي:

"شوفي يا روحي بعد ماكو سهر للفجر ومسلسلات كوريّة لازم تلتزمين."

لبثتُ لحظاتٍ أحدّق في الساعة؛ كانت تشير إلى السابعة صباحًا. هرولتُ إلى الحمام، غسلتُ وجهي على عجلٍ، ثمّ عدتُ إلى الغرفة لأرتدي صدريّتي. أتممتُ استعدادي ونزلتُ إلى المطبخ، فرمتني أمي بنظرةٍ غاضبة بينما ألقت حقيبتي بعصبية على ظهري. صاحت بي كعادتها:

"السايق عوزه بس مخدة وينام من الانتظار صارله ساعة يدگ هورن! أمشي ولي لمدرستج"

لم أجبها، كنتُ أُعدِّل شعري الكيرلي في المرآة بلا اكتراث. تركتُها تزمجر وخرجتُ إلى السيارة، حيَّيتُ الطالبات عند الصعود وجلستُ. رمقني السائق بنظرةٍ مُستفزة لم أردَّ عليها.

وصلنا المدرسة، فدخلتُ الصف أعتزم مراجعة الأحياء ما دمتُ وحيدة. لم أُخرج الكتاب بعد من حقيبتي حتى صدمت أذني صرخةُ المديرة...  وعصبية أيضًا!

"شيخلصني من ميسون اليوم!"

هززتُ رأسي بخوف، وأغمضتُ عينيَّ تاركةً الكتاب لأركض نحو الساحة، أصعد الدرج قفزتين قفزتين. وقفتُ هناك أتمتمُ همسًا:

"شنو هل صباح كُلها گالبة عليَّ شنو السالفة؟!"

وقفتُ أمام مُدرِّسة الرياضة والكشّافات. اليوم هو يوم الخميس، اصطففنا، وكعادتي وقفتُ أخيرةً لأتبادل الأحاديث على راحتي. بدأت مراسم رفع العلم وإنشاد النشيد الوطني العراقي، كنتُ أندمج في سماعه وأشعرُ بلذّةٍ حزينةٍ، وبعد انتهاء الطابور عدنا إلى الصفوف، خضتُ امتحان الأحياء، ثمّ خرجتُ غير مكترثة. اتجهتُ إلى الحانوت، فجاءت صديقتي تسأل:

"ها ولچ مجاوبة لو لا؟"

هززتُ يدي وأنا آكل:
"لا مصخمة كلعادة ماكو شي جديد."

"اخ من برودج ولج وبعدين وياج ليش ما تدرسين ترى أنتِ سادس آخر سنة شدي حيلج لا توگعين دور ثاني!"

"الله كريم إن شاء الله لا توصين حريص."

انتهت المحاضرات، وكأنَّ إفراجًا حلّ حين دقّت ساعة الخروج. عدتُ إلى البيت، وما إن دخلتُ حتّى قلتُ:
"الله يساعدك بابا، يمة صبيلي غدة."

صعدتُ إلى غرفتي؛ كانت أختاي "نبراس" نائمة و"نور" تدرس. بدّلتُ ثيابي ونزلتُ لأتناول الغداء بعد أن غسلتُ وتوضأتُ وصلّيتُ.

مع حلول المغرب فرشتُ فراشي في الصالة، نثرتُ الكتب والأقلام لأدرس، أتت تؤامي "نبراس" تدرس جانبي.

سألتها: "شنو عندچ إمتحان باچر؟"
"ما عندي إمتحان بس تحضير يومي بسيط أدرخ المادة وأروح."

"حظچ گاعد دخلتي أدبي لعد مثلي داخلة علمي ومتورطة."

"يلا بس هاي السنة ونرتاح ونخلص من ضيم السادس."

كنتُ أقرأ حتّى وقعت عيني على الساعة، وإذا بها التاسعة! حلقة مسلسلي الأخيرة بدأت. ركضتُ بسرعة، تركتُ الكيمياء واتجهتُ إلى التلفاز أُقبّل الشاشة.

نبراس: " شبيج ميتة على الكوريين"

"عُشق ابدي"

دخلت "نور" قائلة:
"يمة يگول سالار رح يجون أصدقاءه حضروا الچاي والكعك."

جاءت بنات خالاتنا، فغدًا عرس "نرجس" أختي الكبيرة. الصبح تذهب للصالون وقد أُقيمت الحنّة قبل يومين. في اليوم التالي توسّلتُ لأمي أن تسمح لي بحفّ حاجبيَّ بمناسبة العرس، لكنّها رفضت كعادتها.

****
الساعة الرابعة عصرًا، الزغاريد تعلو في الشارع مع وصول الزفّة، والسيارات تملأ الطريق.

أمي: "روحي أقفلي الباب وتعالي أركبي السيارة بسرعة لا تتأخرين"

أسرعتُ إلى البيت لأغلق الأبواب وألحق بهم، لكنني حين خرجتُ فوجئتُ بالشارع فارغًا. ضججتُ من الحزن. وبينما أستدير رأيتُ يدًا على كتفي، التفتُّ فإذا هو "النذل". ابتسم واقترب ممسكًا يدي، فدفعتُه بعصبية:

"شلوون تلزم ايدي منو إلي سمحلك؟"

لؤي: "على كيفج شمسوي قابل هو لزمت بس ايدج وابن خالج اني مو غريب"

"لا غريب ونص، وكتلك ألف مرّة لا تحجي وياي وتتقربلي ترى والقرآن العب بيك طوبة مو سهلة ناردين"

لؤي: "حلو ست ناردين طالع إلها لسان وصايرة قوية وتوگف گبال لؤي من شوكت؟"

نظرتُ إليه بثبات: "أي وإذا تمد ايدك مرّة ثانية أكسرها الك فاهم؟"

حاولتُ الانصراف فقطع طريقي:
لؤي: "وين رايحة؟"

- "للبيت."

لؤي: "ترى البيت فارغ شعندچ باقية بي واهلچ يتأخرون لليل يلا يجون!"

- "لعد ابقى بالشارع؟"
لؤي: "أنا اخذج لزفة اختچ"

- "وين تاخذني بأيّ سيارة؟"

- "بسيارتي، يلا أمشي اوديچ وأرجع."

صمتُّ لحظةً أحدّق في وجهه، فقال:
"لا تصفنين شبيچ ترى ما اسويلچ شي وحق الله اوصلچ وأرجع"

- "بس ما عندي ثقة بيك!"

- "ناردين ترى أني تغيرت"

"من شوكت تغيرت! سبحانك ربّي، أدري كلش زين بسوالفك الساقطة وياي وأخاف على نفسي منك."

لؤي: "صُدگ چذب ترى أنتِ عرضي"

هززتُ يدي وقلتُ بسخرية من كلامه:

-"اللّهمّ صلِ على محمد وعلى آل محمد زين من تذكرت."

لؤي: "هسة أوصلچ لو لا؟"

- "لا وألف لا"

لؤي: "ممنوع تبقين وحدچ بالبيت، رح ابقى وياچ لحدما يجون"

- "تخسي والله إذا دخلت للبيت أسويلك فضيحة."

لؤي: "تمام لعد رح أخابر أمچ واگُلها لو أوصلچ لو أبقى وياچ بالبيت"

ارتبكتُ. هذا سيفعلها حقًا ويتصل بأمي. سكتُّ أفكّر ثمّ هززتُ رأسي موافقةً:

-"لا تخابر أمي."

ابتسم، ولم يظهر عليه شيء. توكّلتُ على الله وركبتُ السيارة. طوال الطريق ظللتُ ساكتةً قلبي يؤذيني. شعرتُ أنّ مصيبةً ستقع على رأسي. كنتُ أستغفر ربي في سرّي. مضت ربع ساعة وهو يقود بصمت.

سألتهُ مُستغربة:

- "معقولة بيتهم بعيد؟ لعد خلصت الزفة أكيد!"

لم يجبني. التفتُّ إليه، فإذا به يرمقني بنظرةٍ غريبة ويغمز. ارتعد جسدي، وقلتُ لهُ بصوتٍ مرتجف:

- "وين ماخذني؟"

تجمّد دمي في عروقي، راحت يداي ترتجفان. كنتُ متأكدة أنه سيؤذيني. صرختُ بصوتٍ عالٍ:

"رجعني للبيت!!! دا احچي وياك جاوبني لا تنطيني الاذن الطرشة رجعني لا والله أفتح الباب وأصيح وأشهرك!!"

لؤي: "الباب والجام مقفولات ياحلوة منو إلي گادر يسمعج؟ أني مو غبي وافوت هيج فرصة وما اسوي إلي أبالي، چنت أحلم بي من سنين طويلة."

جنّ جنوني، صرتُ أضرب على الباب وأصيح، وهو مستمر في القيادة غير آبه.

"الله يطيح حظك يا عار يا عديم الشرف نزلني يا حيوان"

صفعني على وجهي صفعةً أحرقت خدي:

"الله ياخذك كسر بيدك يا ربّي."

لم أستطع أن أستجديه، توقفت السيارة بجانب بستانٍ بعيدٍ عن المدينة على أطراف بغداد. لم أتعرف على المكان. فتح الباب، كنتُ مصدومةً، أمسكني من شعري وجرّني بسرعةٍ إلى غرفةٍ صغيرةٍ في البستان. كنتُ أصرخ:
"عوفني ولك شعري وخر والله وكفيلك مُوسى الكاظم إذا مديت أيدك وتقربت خطوة وحدة اكتلك بيدي."

ضحك وأغلق الباب متقدّمًا نحوي، وأنا أتراجع خائفة أضع يدي على قلبي. اشمأزتُ من شكله وبصقتُ في وجهه.

"لك أني بنت عمتك شبيك أنت سكران مو بوعيك اصحى على نفسك."

ضربني ودفعني على الأرض محاولًا أن يعتدي عليّ، وأنا أستمر بضربه. في تلك اللّحظة أقسمتُ أنّي لن أسمح له حتى لو قتلتُ نفسي أو قتلته هو. استمددتُ قوّةً كبيرةً فجأةً، ركلته بكلّ قوّتي ثمّ ركضتُ نحو الباب. لكنه أمسك شعري مجددًا، فالتفتُّ وضربتهُ بقوّةٍ في مكانٍ حساس حتّى أوجعتهُ بشدّة. أفلتني، فهربتُ بأقصى سرعتي من البستان، أركض والدُّموع على وجهي حتّى ابتعدتُ كثيرًا.

كنتُ فرِحةً في داخلي رغم التعب. لم أسمح له بانتهاك جسدي، حمدتُ الله لأنّه منحني القوّة في لحظة ضعف. كنتُ أضحك وأبكي وأنا أركض بلا توقف.

تذكّرتُ كلّ ما فعله بي منذ صغري، وكيف كنتُ أخاف إخبار أمي لأنها لا تصدّقني وتضربني. كنتُ أكتم في قلبي لأنّني أعرف أنّني سأُلام وحدي. لديّ توأمٌ تشبهني في الخِلقة وتختلف عني في الطباع، علاقتنا باردة. أبي طيّب وفقير، لم يمد يده علينا يومًا، أحبّنا أنا وأختي كثيرًا، ومع ذلك لم أخبره بشيء خوفًا من أن يُفهمني خطأ.

كبرتُ وأنا أقول سأقف بوجهه، لكن رغبته ازدادت حتّى صار عمري ١٧ عامًا. واليوم كرهته أضعافًا حين حاول الاعتداء عليّ.

أمشي وأسبّه في قلبي حتّى وصلتُ إلى شارعٍ عام. كنتُ أركض منذ ساعتين بلا توقّف. جاءت سيارة وتوقفت، أطلّ منها رجل كبير وقال بقلق:
"بابا شبيچ؟ شفتچ من بعيد تركضين بتعب."

مسحتُ دموعي وقلتُ:
"عمو فدوة وديني للكاظمية."

مسح وجهه بقلق وقال:
"أركبي بابا هياتها الكاظمية هسة أوصلچ لبيتكم تدللين بنيتي خادم الچ."

ركبتُ معه، ولم يسألني شيئًا طوال الطريق. نصف ساعة ووصلنا إلى شارعنا.

- "اوگف عمو اجيبلك الكروة."

- "روحي دخلي لبيتكم بسرعة بالچ على نفسچ ما أريد بوية اعتبريها وصلت."

-"فدوة لگلبك الطيب عمو الله يحفظك لجهالك ويوفقك ويرزقك، تسلم."

تركني ورحل. أردتُ دخول البيت فتذكرت أنّ المفتاح في سيارة لؤي. ضربتُ رأسي قهرًا. لا يوجد لديّ حلّ سِوى الجلوس على الرّصيف ألهثُ من الركض والعطش، أنتظر أحد إخوتي. مع غروب الشّمس جاءت سيارة "سالار" أخي الكبير، توقّف مستغربًا:

"ها يابة شعندچ هنا گاعدة بالشارع؟ شكو ناردين مو رحتي للعرس؟"

"وصلني أمجد أبن عمو."

"وليش باقية هنا ما عندچ المفتاح البيت؟ شكو گاعدة بالشارع زحمة."

"جيب المفتاح إلي عندك أريد ادخل تعبانة مفتاح البيت نسيتة بالعرس."

أخذتُ المفتاح منه ودخلتُ البيت الفارغ. خرج هو، وقال: "هسه يجن نبراس ونور رايح أني."

خفتُ أن يأتي لؤي وأنا وحدي. أغلقتُ الأبواب والنوافذ وجلستُ في غرفتي. كانت روحي منهكة، أكرهتُ كلّ شيء حتّى حياتي حين تذكّرتُ ذلك النذل.

"شدعي شكول!! الله ياخذك ويخلصني منك ما عندي بس ربّ العالمين اشكيله، الشكوى لغيره مذلة."

قررتُ أن أفتح الموضوع مع أبي حين يعود، ثمّ تراجعتُ خوفًا من أن يُفهم خطأ ويجبروني على الزواج به. ضجرتُ: إلى متى أسكت؟ اليوم نجوتُ منه، غدًا قد لا أستطيع.

وقفتُ أمام المرآة أُخاطب نفسي: ما أريد أبچي ولا أسوي دراما بالعكس يا ناردين أنتِ أقوى من أن يبچيچ رجل عار يفتقر الرجولة.

توجّهتُ إلى المغسلة، توضأتُ، وعدتُ إلى غرفتي، فرشتُ سجادتي وصلّيت ركعتين، قرأتُ سورة يس، شعرتُ بالطمأنينة والهبوط يزول عن صدري. أعدتُ سجادتي وتمددتُ على السرير. الصباح رباح، غدًا أقرر ماذا افعل.

يتبع…
___
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...