تحميل رواية «نارين بين الحب والوجع» PDF
بقلم ليلى طاهر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ نارين بين الحب والوجع بقلم ليلى طاهر.
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الأول 1 - بقلم ليلى طاهر
في منتصف الجنينة تمامًا، استقرت طاولة فخمة مزينة بالورود والشموع، تعلوها علبة هدية فاخرة التف حولها شريط مخملي أحمر بعناية واضحة.
الجميع كان ينتظر.
فالجميع يعلم كم تعبت “لينا” في التحضير لهذا اليوم، وكم كانت تحب “عاصم” بطريقة جعلتها تتحدى الجميع من أجله.
وقفت لينا بين الحضور بفستانها الأسود الأنيق، وابتسامتها المليئة بالحماس لا تفارق وجهها، بينما كانت عيناها معلقتين بالرجل الذي اتجه نحو الطاولة بخطوات ثابتة وملامح جامدة كعادته.
كان عاصم من النوع الذي يصعب قراءة ما يدور داخله، لكن لينا وحدها كانت تؤمن أنها تحفظ كل تعبير يمر بعينيه.
أو هكذا كانت تظن.
هدت الموسيقى وبقى صوتها واطي وسط تصفيق الحاضرين، بينما مدّ عاصم يده يفك الشريط المخملي ببطء.
في تلك اللحظة، رفعت لينا هاتفها سريعًا وفتحت الكاميرا.
أرادت أن تحتفظ بهذه اللحظة للأبد… لحظة فرحته بهديتها.
كانت تتخيل ابتسامته، ونظرته لها، وربما حضنه أمام الجميع.
لكنها لم تكن تعلم أنها توثق انهيار حياتها بالكامل.
فتح عاصم العلبة أخيرًا.
عقد حاجبيه باستغراب عندما وجدها فارغة… إلا من ظرف أبيض أنيق، وُضعت فوقه بطاقة صغيرة بخط مزخرف.
أخذ البطاقة أولًا.
_”كل سنة وإنت طيب يا حبيبى… بحبك. استعد للمفاجأة اللي في الظرف.”_
ظهرت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة باهتة، أقرب لوجع قديم مرّ بخاطره للحظة، قبل أن يهمس داخله بحيرة تقطع القلب:
_”يا رب تكوني زي ما قلبي شايفك… مش زي ما عيني شايفة”_
ثم فتح الظرف.
وأخرج الأوراق التي بداخله.
في الثانية الأولى… لم يفهم.
وفي الثانية التالية…
تجمّد كل شيء داخله.
اختفى صوت الموسيقى.
اختفت همسات الناس.
حتى الهواء بدا وكأنه انسحب من المكان فجأة.
اتسعت عيناه بصدمة مرعبة وهو يحدق في الملف بين يديه.
ذلك الملف…
الملف الذي اختفى من شركته منذ شهرين.
الملف الذي دمّر مستقبله، وأسقط اسمه وسمعته في لحظة واحدة.
ارتجفت أنفاسه بعنف، بينما راحت عيناه تتحركان فوق الأوراق وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه.
ثم لمح الورقة المطوية أسفل الملف.
فتحها ببطء…
ليظهر أمامه نفس الخط المزخرف.
لكن هذه المرة، الكلمات كانت أشبه بطعنات متتالية:
(عارف يا عاصم
أنا عارفة إني أكتر شخص حبيته ووثقت فيه
وده اللي هيخلي وجعك أكبر
عشان أنا برده نفس الشخص اللي دمرك
أخيرًا قدرت أنتقم منك ومن عيلتك…
وأشوف كسرتك بعيني، زي ما عيلتك كسرت بابا وقتلته بحسرته.)
تصلب جسده بالكامل.
وببطء شديد، رفع عينيه نحو لينا.
كانت لا تزال تبتسم بخفة خلف شاشة هاتفها، تنتظر ردة فعل مختلفة تمامًا.
لكن ابتسامتها بدأت تذبل تدريجيًا عندما رأت التغير المرعب الذي اجتاح ملامحه.
الغضب اشتعل داخل عينيه بصورة أخافتها.
أما هو…
فكان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى.
وكأن المرأة التي أحبها لسنوات تحولت فجأة إلى شخص آخر لا يعرفه.
كرمش الأوراق بعنف داخل قبضته، فانتفض جسدها تلقائيًا.
انخفض الهاتف قليلًا من يدها المرتعشة، وهمست بخوف:
– عاصم…؟
لم يرد.
ظل يحدق بها فقط.
تلك النظرة وحدها كانت كافية لتسحب الأمان من قلبها بالكامل.
اقتربت منه خطوة مترددة، محاولة فهم ما يحدث.
– في إيه؟ مالك؟
صمت.
ثم رفع الورقة أمام وجهها فجأة، وصوته خرج حادًا ومختنقًا بالقهر:
– أنا المغفل… صح؟
تجمدت ملامحها.
بينما أكمل بانفعال متصاعد:
– أنا المغفل اللي حبك لدرجة العمى… واللي صدق إنك ممكن تختاريه هو بس.
هزت رأسها بسرعة بعدم فهم.
– أنا مش فاهمة حاجة! فهمنى أرجوك!
ضحك ضحكة سخرية هزت الجنينة كلها.
_أفهمك…_ قالها بهدوء يقطع القلب
ثم صرخ فجأة، حتى التفت الجميع نحوهما:
_أفهمك إيه؟!_
– ازاي عملتي كده؟!
رفع الأوراق أمامها بعصبية وهو يكمل بصوت مرتجف من القهر:
– أنا سيبت الدنيا كلها علشانك! وقفت ضد أهلي علشانك! وفي الآخر تطلعي خاينة؟!
بدأت دموعها تنهمر دون إرادة.
كانت تشعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميها.
كل شيء يحدث بسرعة مرعبة… أسرع من قدرتها على الفهم.
اقترب منها أكثر، وعيناه امتلأتا بوجع حقيقى:
– كل مرة قولتيلي فيها إنك بتحبيني… كانت كدب؟
هزت رأسها بعنف وهي تبكي:
– والله ما فاهمة…
ثم اقتربت منه بخطوة صغيرة، وكأنها ما زالت تتشبث بالأمل:
– عاص…
لكن الكلمة ماتت فوق شفتيها.
لأن كفه ارتفعت فجأة…
وصفعها بقوة.
دوّى صوت الصفعة في أنحاء الجنينة، فتجمد الجميع في أماكنهم.
سقط الهاتف من يدها وارتطم بالأرض، لتتحطم شاشته بالكامل كما تحطم قلبها الرقيق.
أما هي…
فبقيت واقفة مكانها، تنظر إليه بصدمة هائلة، ويدها المرتعشة ترتفع ببطء نحو شفتيها.
ساد صمت ثقيل.
صمت موجع.
لكن وسط ذلك الصمت، بدأت الهمسات تتحرك بين الحضور بارتباك وخوف:
– إيه اللي بيحصل ده؟
– هما بيتخانقوا ليه كده؟ ده كانوا بيموتوا في بعض!
الكل مذهول ومش مستوعب اللي بيحصل… محدش فاهم إيه اللي في الورق أصلاً.
لكن وسط الزحمة، كانت هناك عين واحدة فقط تراقب بابتسامة خبيثة منتصرة.
عين صاحب المكيدة… هو الوحيد اللي عارف إيه اللي في الورق، وهو الوحيد اللي مبسوط وهو بيشوف حياتهم بتنهار قدامه.
وهنا فقط…
شعرت لينا أن شيئًا بداخلها انكسر للأبد.
اقترب عاصم منها مرة أخرى، وصوته خرج مليئًا بالغضب والاحتقار:
_- اوعي تنطقي اسمي تاني على لسانك._
ثم أشار نحو بوابة الجنينة بعنف:
– اخرجي برّه… اخرجي من حياتي كلها.
نظرت إليه بعين مرتجفتين، وكأنها تحاول العثور على الرجل الذي أحبته داخل ذلك الوجه القاسي.
لكنها لم تجد شيئًا.
استدارت فجأة، وركضت.
ركضت بأقصى ما تملك، هاربة من نظرات الناس، ومن صوت بكائها، ومن الألم الذي سحق قلبها بالكامل.
كانت على وشك عبور البوابة الحديدية عندما مزق صوته المكان:
– ليييينا!
تجمدت خطواتها.
لكنها لم تلتفت.
قبضت فوق فمها المرتجف بقوة، بينما جسدها كله يرتجف.
ثم وصلها صوته مرة أخرى…
أقسى من كل شيء:
– إنتِ طالق.
انغلقت عيناها بقوة، وكأن الكلمات اخترقت روحها مباشرة.
دفعت البوابة الحديدية وخرجت إلى الشارع المظلم، بينما اختلطت دموعها بأنفاسها المتقطعة.
أما عاصم…
فبقي واقفًا وحده في منتصف الجنينة، وسط الأضواء والناس والضوضاء.
لكنه كان يشعر وكأن العالم كله أصبح مظلمًا.
نظر إلى الأوراق المتكرمشة داخل قبضته، بينما سؤال واحد فقط يمزق عقله:
هل انتقم فعلًا…
أم خسر روحه للأبد؟
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثاني 2 - بقلم ليلى طاهر
*لينا.. بين الألم والضياع*
خرجت من خلف تلك البوابة الحديدية الباردة، لتجد نفسها في مواجهة شارع موحش لا تعرف له أولاً ولا آخراً.
كان عقلها قد توقف عن العمل، عاجزاً عن استيعاب ما جرى.
أهذا كابوس مفزع ستستيقظ منه بعد قليل؟
أم واقع مرير يفرض نفسه عليها بقسوة؟
رفضت روحها مجرد التصديق بأن هذه هي حقيقتها الجديدة.
ظلت تسير بلا هدى، تخطو خطوات ثقيلة والظلام يبتلعها..
ساعة كاملة من السير المتواصل لم يكن يتردد فيها على مسامعها سوى كلمة واحدة..
كلمة واحدة كانت ترنّ في أذنها كالجرس العنيف وتطعن قلبها مع كل دقة:
*”أنتِ طالق… أنتِ طالق…”*
لم تكن تذكر من ثورته ولا صراخه سواها، كانت تلك الكلمة كفيلة بشلّ تفكيرها وعزلها عن العالم المحيط بها.
حتى خارت قواها؛ ولم تعد قادرة على حمل روحها المنكسرة بعد تلك الساعة المريرة، وفجأة، انهارت على الأرض الباردة.
في تلك اللحظة، بدأ وعيها يعود إليها تدريجياً لتدرك أين قادتها قدماها؛ كانت وحيدة في عتمة مكان لا تألفه.
انفجرت باكية بمرارة، وظلت تُحدث نفسها بصوت مخنوق بالدموع:
“ليه؟”
“أنا عملت إيه عشان تعمل فيا كدا؟”
“إيه اللي قلبك عليا فجأة؟”
“دا أنا كنت محضرة لك مفاجأة كنت فاكرة إنها هتفرحك..”
“أنا مش فاهمة حاجة خالص!”
“طب كنت فهمني.. ريحني من العذاب والحيرة اللي أنا فيها دي.”
ومع تدفق ذكريات الخناقة، بدأت تتردد في عقلها بقية كلماته القاسية كشظايا زجاج تجرح روحها؛
تذكرت نبرته المليئة بالكسرة وهو يصيح في وجهها:
*”أنا المغفل اللي حبك لدرجة العمى!”*
ثم مرت في أذنها صرخته الأخيرة العنيفة وهو يطردها قائلًا:
*”اخرجي بره حياتي.. مش عايز أشوف وشك تاني!”*
تداخلت الأصوات في رأسها لتزيد من ضياعها بعد أن أفاقت من صدمة الكلمة الأولى.
انقبض قلبها بشدة، ومسحت دموعها بكفين مرتعشتين وتابعت بهمس مرير:
“أنا حاسة إني وجعتك أوي..”
“بس مش عارفة ليه ولا إزاي!”
“بدل ما ترميني في الشارع كدا، كنت سيبني على الأقل أدافع عن نفسي…”
ولم تتحمل هذا الوجع أكثر، فصرخت بأعلى صوتها في جوف الليل:
“آآآه!”
“بعت الكل عشانك!”
“آآآه!”
“بعت حضن جدي وحب أهلي كلهم عشانك أنت!”
“طب أرجع لهم إزاي دلوقتي؟”
“إزاي هبص في عيونهم بعد ما أنا اللي اخترت بإيدي أسيبهم عشانك؟”
وفجأة، قطع بكاءها ضحكة ساخرة يملؤها القهر والندم:
“وأنت.. يا ريتك صنت!”
“يا خسارة حبي ليك..”
“معقولة هنت عليك بالبساطة دي؟”
عادت لتجهش بالبكاء بحرقة أكبر، وهي تتخيل سيناريوهات العودة:
“لو رجعت قصر جدي.. إزاي هستحمل نظرة الشفقة والعتاب اللي هشوفها في عيونهم؟”
“دا غير إن جدي لو شافني بالحالة دي.. قلبه هيقف وممكن يروح فيها!”
ومع عجزها عن إيجاد مخرج، لم يتبقَّ لها سوى الصراخ..
فظلت تصرخ وتصرخ في فضاء الشارع الخالي، وكأنها تحاول طرد الوجع من أعماق روحها.
وفجأة، وأطراف صراخها تمزق سكون الليل،
شق عتمة الشارع ضوء كشافات قوية،
واهتزت الأرض تحتها على صوت فرملة حادة لسيارة نقل بضائع ضخمة توقفت على بُعد بضعة سنتيمترات منها.
انفتح باب الشاحنة المرتفعة، ونزل منها رجل خمسيني، حاد الملامح وقوي البنية، يرتدي جلباباً يشي بوقار وهيبة.
وقعت عيناه عليها وهي منهارة وسط الطريق؛ وراعه مشهدها الذي كان يلخص نكبتها.
كانت مثل زهرة نادرة عصف بها الإعصار فجأة؛
ورغم حالتها المزرية، كانت فائقة الجمال، وبشرتها البيضاء الصافية زادها الحزن شحوباً.
ترتدي فستاناً أسود فاخراً يفوح بالثراء والترف، لكنه الآن ملطخ بطين الشارع وممزق الأطراف،
بينما كانت تلمع في عنقها ومعصمها مجوهرات ماسية فاخرة،
وبرق في أصابع يدها المرتعشة خاتم ماسي نادر ونفيس،
وتلألأ قرطها الماسي الطويل بين خصلات شعرها الأحمر الناري الثائر حول وجهها؛
طقم كامل يبرق بأخّاذ تحت ضوء كشافات السيارة ليؤكد أن هذه الفتاة تنتمي لعالم آخر من الرفاهية والجاه والملوكية.
غمرت الدموع عينيها الزرقاوين الساحرتين،
وسال الكحل ليرسم خطوطاً من الوجع والخذلان على ملامحها الفاتنة.
اقترب منها الرجل الخمسيني بجلبابه الصارم، وانحنى يمد يده بوقار ليساعدها على النهوض وهو يتفحص حالتها بقلق وجواهرها وخواتمها الماسية تبرق تحت الضوء، وقال بنبرة حانية يحاول طمأنتها بها:
“قومي يا بنتي.. وحدي الله وقومي معايا، أنتِ كويسة؟
حصلك حاجة؟
طب بيتك فين وأنا أوصلك لحد باب بيتك؟”
نظرت إليه لينا بعينيها الزرقاوين الغارقتين بالدموع والكحل السائل،
شفتيها كانت ترتجف وتحاول النطق،
تريد أن تقول له “ليس لي بيت.. لقد طردني زوجي واتهمني بالخيانة”،
وتريد أن تقول له “أخاف أن أعود لقصر جدي”..
لكن صوتها لم يخرج.
كانت أنفاسها تتلاحق بتعب شديد، وجسدها يرتعش تحت فستانها الأسود الملطخ بالطين.
حاولت الاستناد على يده لتنهض، لكن قواها خارت تماماً، وثقلت الدنيا في عينيها.
وقبل أن تجيب على سؤاله، دارت الأرض بها،
واستسلم جسدها المنهك لتسقط غائبة عن الوعي بين يديه في ليل الشارع الموحش،
تاركةً خلفها حكاية حب تحولت في ليلة عيد ميلاده إلى رماد..