الفصل 17 | من 19 فصل

الفصل السابع عشر

المشاهدات
1
كلمة
1,010
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

رواية نبضات الصخر الجزء السابع عشر 17 بقلم هاجر سلامة نبضات الصخررواية نبضات الصخر الحلقة السابعة عشر مر يومان كاملان داخل تلك الغرفة الهادئة بالمستشفى الخاص، وكان هذان اليومان بمثابة مرحلة تطهير شاملة لكل الجروح والندوب التي عاشها الزوجان طوال الأشهر الماضية. لم يغادر معاذ الغرفة لثانية واحدة؛ تحول إلى ظل نايا الحارس، يتنفس بأنفاسها، ويراقب حركة المحاليل في يدها بالثانية.

كان ينام جالساً على الكرسي بجانب سريرها، ممسكاً بيدكها كأنه يخشى أن تفلت منه فيضيع في ظلمات الندم مجدداً. هذا الاهتمام المفرط والحنان الجارف جعل قلب نايا يلين تماماً، وتلاشت قسوتها المصطنعة لتحل محلها مشاعر العشق القديم الذي نما وزاد قوة وسط المحنة. في صباح اليوم الثالث، بدأت خيوط الشمس الدافئة تتسلل عبر نوافذ الغرفة الفسيحة، لتنير وجه نايا التي بدت في حالة صحية ونفسية أفضل بكثير بفضل الراحة والعلاج والدعم النفسي.

فتحت عينيها ببطء لتجد معاذ يجلس بجانبها، ممسكاً بفرشاة شعرها، ويمشط خصلاته الحريرية برفق شديد وحذر لكي لا يزعجها، وكان يهمس بكلمات غزل خفيضة يعتذر فيها لنفسه ولها عما مضى. التفتت نايا إليه بابتسامة رقيقة وناعمة : “معاذ.. أنت منمتش خالص من يومين؟ وشك تعبان وأنا بقيت كويسة والوجع قل كتير بفضل ربنا.. قوم نام على الكنبة المريحة دي شوية عشان خاطري.” توقف معاذ عن تمشيط شعرها، وانحنى وقبل

جبينها بحنان وصوت متهدج: “النوم ملوش طعم طول ما أنا بعيد عن حضنك يا نايا.. راحتك أنتِ وسلامة ابننا هما نومي وراحتي وعمري كله. أنا ما صدقت ربنا رجعك ليا، ومش هشبع من البص في وشك ده أبداً.. أنتِ الملكة بتاعتي اللي بطلب منها السماح كل ثانية.” احمرت وجنتا نايا خجلاً وسعادة، وأمسكت بيده وقربتها من

شفتيها وقبلتها برقة وقالت: “أنا سامحتك يا معاذ.. من أول لحظة شفت دموعك وخوفك عليا في الشركة وأنت بتنقذني من مازن. أنا عرفت إنك راجلي وسندي اللي مقدرش أعيش من غيره.. متزعلش نفسك تاني، إحنا داخلين على مرحلة جديدة ومحتاجاك قوي جمبي.”

انهمرت دموع الفرح من عيني معاذ، وضغط على يدها بقوة وقبل كفيها مراراً وتكراراً، وشعر بأن روحه التي سُلبت منه طوال شهرين قد عادت لتدب في جسده من جديد، وأن بساط الأمان قد فُرش أخيراً تحت أقدامهما بعد عاصفة الفراق الشديدة. في منتصف اليوم، دقت الممرضة الباب ودخلت وهي تحمل صينية طعام خاصة جداً أعدت تحت إشراف طبي صارم لتغذية نايا وتجهيز جسمها للعملية.

تقدم معاذ بسرعة، وأخذ الصينية من الممرضة وشكرها، ثم وضعها على الطاولة المتحركة وقام بتعديل وضع السرير لترتاح نايا في جلستها.

قعد معاذ بجانبها على حافة السرير، وأمسك بالملعقة وبدأ في إطعامها بنفسه لقمة بلقمة، وكان ينفخ في الشوربة الدافئة برقة قبل أن يقدمها لشفاهها. كان يصف روعة هذه اللحظات الدافئة؛ فقد تحول رئيس قطاع الحسابات الصارم إلى عاشق متيم، يذوب رقة وعناية أمام امرأته الحامل، ويتأمل حركة شفتيها الرقيقتين بفيض من الشوق العارم الذي كبحه طوال فترة فراقهما.قالت

نايا بضحكة رقيقة ودلال : “بس يا معاذ.. أنا شبعت خلاص ومش قادرة آكل تاني، أنت بتأكلني كأني طفلة صغيرة! قرب معاذ ملعقة أخرى من فمها وقال بخبث محبب : “مفيش حاجة اسمها شبعت يا نايا هانم.. أنتِ بتأكلي لشخصين دلوقتي، ابننا البطل محتاج يتغذى كويس عشان يطلع قوي وشبهك. وبعدين أنتِ فعلاً طفلتي الصغير وأنا المسؤول عن تدليعك ورايح.. يلا خدي اللقمة دي عشان خاطري أنا.”

ابتسمت نايا واستسلمت لتدليله وأخذت اللقمة من يده، وهي تشعر بسعادة غامرة تملأ كيانها بالكامل. امتدت يدها لتتحسس بطنها الكبيرة البارزة في الشهر التاسع، وفجأة شعرت بركلة قوية وواضحة من الجنين في أحشائها. اتسعت عيناها بذهول وقالت بلهفة: “معاذ! حط إيدك هنا بسرعة.. ابنك بيتحرك وبيضغط جامد!

وضع معاذ كفه الدافئ الكبير فوق بطنها البارزة، وفوراً شعر بركلة الجنين تضرب كف يده. التمعت عينا معاذ بدموع الفرحة والذهول، وانحنى برأسه ووضع أذنه فوق بطنها وظل يستمع لنبضات الجنين ويهمس له بصوت حنون: “أهلاً يا بطل.. أنا بابا. أنا مستنيك تطلع للدنيا بفارغ الصبر عشان أشيلك في حضني وأعلمك تكون راجل صامد.. احمي مامتك جوة ومتتعبهاش، إحنا بنحبك أوي.”

بكت نايا من شدة التأثر برؤية زوجها وحبيبها وهو يحتضن طفلهما بهذه الطريقة، وشعرت أن تعب مرضها القديم وتليف رحمها قد زال تماماً بفضل هذه العاطفة الأبوية والزوجية الجارفة التي تحيط بها من كل جانب.

وفي المساء، دخل شاكر بيه الغرفة ومعه “سليم” رئيس الحراسة للاطمئنان على حالة نايا. رأى الأب ملامح ابنتها المشرقة وسعادتها الكبيرة وهي تجلس في حضن معاذ الذي كان يطعمها الفاكهة بيده، فابتسم الأب بارتياح شديد وشعر أن قراره بالصفح عن معاذ كان هو الصحيح تماماً. تحدث

شاكر بيه بابتسامة حنونة: “ما شاء الله يا ولاد.. وشك نور يا نايا يا قلب أبوكي. معاذ يا ابني، أنا شفت التقرير الطبي من الدكتور والحمد لله التقلصات وقفت تماماً والرحم استقر بفضل رعايتك واهتمامك ده.” وقف معاذ باحترام وصافح شاكر بيه وتحدث برجلية: “الله يخليك يا عمي.. نايا دي روحي ومقدرش أقصر معاها في حاجة. الدكتور قال إن الحالة استقرت بنسبة مية في المية بفضل ربنا، وإننا جاهزين للخطوة الجاية.” تابع معاذ ملتفتاً

لسليم: “هل تم تأمين المستشفى بالكامل يا سليم؟ لا أريد أي ثغرة تسمح لأي مخلوق بإزعاج نايا خلال الأيام القادمة.” اومأ سليم باحترام وقال : “كل شيء تحت السيطرة يا معاذ بيه.. رجالنا يطوقون الطابق بالكامل، ومازن تم تجديد حبسه رسمياً ووالدته ميرفت لن تخرج من السجن لسنوات.. الجو آمن تماماً لولادة الوريث.”

بعد خروج الأب وسليم، عاد الهدوء ليعم الغرفة الفخمة. أطفأ معاذ الأنوار الرئيسية وترك إضاءة خافتة زادت المكان رومانسية ودفئاً. جلس بجانب نايا على السرير، وأسندت رأسها على صدره العريض وظلا يتأملان قطرات المطر التي عادت لتهبط برقة خارج النافذة.مرر معاذ يده برفق فوق كتفيها، ونظر في عينيها الخضراوين وتحدث بالغة العذبة التي تذيب روحها: “أتعلمين يا نايا؟

عندما كنت أقف تحت أسوار القصر في البرد طوال شهرين، كنت أدعو الله في كل ليلة أن يمنحني فرصة واحدة فقط لأثبت لكِ صدق عشقي.. والآن، وأنتِ في أحضاني، أشعر أنني أملك الكون بأسره.. أعدكِ أن أكون لكِ الزوج والدرع والحبيب الذي لا يخذلكِ أبداً.” نظرت إليه نايا بعيون هائمة مليئة بالعشق، وتشبثت بقميصه

وقالت بصوت ناعم خافت: “وأنا مش عايزة من الدنيا غيرك يا معاذ.. أنت المعجزة الحقيقية اللي حمتني وحمت رحمي المريض.. أنا بحبك فوق ما تتخيل.”انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة ومفعمة بالحب والشوق والوعد الأبدي بالبقاء، ثم ضمها إلى صدره بقوة حتى غطت في نوم عميق وآمن، بانتظار مرور اليومين القادمين لتصل الرواية إلى الحلقة الثامنة العشر الحاسمة التي ستشهد فتح أبواب غرفة العمليات لولادة المعجزة ونزول طفلهما الغالي إلى الدنيا بسلام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...