رواية نبضات الصخر الجزء العشرون 20 بقلم هاجر سلامة نبضات الصخررواية نبضات الصخر الحلقة العشرون أُغلقت أبواب غرفة العمليات الحديدية الثقيلة، لتضاء اللوحة الحمراء المرعبة في الممر المعقم في تلك الثواني، شعر معاذ وكأن جزءاً من جسده وروحه قد انتُزع ودخل خلف تلك الأبواب.
وقف مكانه كالصنم، وعيناه الحمراوان الغائرتان معلقتان بالزجاج الداكن لم يكن هذا الخوف خوفاً عادياً، بل كان رعباً عاشقاً على فتاة تحدت المرض، وحاربت التليف، وحملت في أحشائها المجهدة نبضين وتوأماً لتهبه الحياة والأمان فقد كان الممر الطويل فسيحاً وبارداً، يقطعه فقط صوت خطوات معاذ القلقة وهو يروح ويجيء وعقله يرتجف ندمًا وشوقًا جلس شاكر بيه على أحد المقاعد، ممسكاً بمسبحته الخشبية، ودموعه الصامتة تنهمر على لحيته
البيضاء وهو يدعو الله : “يا رب سلم بنتي نايا.. يا رب رجعها ليا بالسلامة وقومها هي وأولادها.. ماليش غيرها يا رب . “اقترب معاذ من حماه، وجلس على ركبتيه أمامه، وأمسك بيده المرتعشة وتحدث بصوت متهدج يملأه اليقين: “هتقوم بالسلامة يا عمي.. نايا قوية، وحبنا والرسالة اللي قرأتها قبل ما تدخل ثبتت قلبها ربنا مش هيضيع رجاءنا ولا تعب الشهور اللي فاتت دي أنا حاسس إن أولادنا بيحاربوا معاها جوة.”
مرت ساعة ونصف بدت وكأنها قرن كامل من الزمان. وفجأة، وسط الصمت المهيب الذي خيم على الطابق المؤمن الكامل اخترق السكون صوت رفيع، حاد، ونقي.. صرخة صبية دافئة هزت أركان الممر. التفت معاذ بلهفة وصدمة، وقبل أن يستوعب، دوت صرخة ثانية أقوى وأعمق.. صرخة ولد بطل يعلن عن قدومه للدنيا! انهمرت الدموع الجارفة من عيني معاذ فوراً، وسقط ساجداً على الأرض يبكي بحرقة وفرحة جنونية هزت كيانه بالكامل، وصاح وهو ساجد : “الحمد لله يا رب!
الحمد لله يا كريم! ولادي اتولدوا.. نايا عملتها وقامت! ”نهض شاكر بيه وهو يرتجف فرحاً، واحتضن معاذ بقوة بالغة، واختلطت دموع الأب بدموع الزوج في مشهد إنساني مهيب طهر القصر والعائلة من كل آلام الماضي فُتحت أبواب غرفة العمليات، وخرج الطبيب الخاص بملامحه المشرقة والمبشرة الطبية الرائعة ، وخلفه ممرضتان تحمل كل منهما لفة قطنية دافئة؛ واحدة باللون الأزرق السماوي والأخرى باللون الوردي النبيل . تقدم الطبيب
وقال بابتسامة واسعة : “مبروك يا معاذ بيه.. مبروك يا شاكر بيه! المعجزة اكتملت بأفضل شكل طبي ممكن. مدام نايا بخير، وجدار رحمها استقر تماماً بعد خروج الأجنة والنزيف تمت السيطرة عليه بنجاح.. وتفضلوا، استقبلوا وريث عائلة الشاكر، والأميرة الصغيرة في أتم صحة وعافية! “تقدم معاذ بخطوات مرتعشة وعيون مذهولة.
امتدت يداه ليلتقط اللفتين برفق شديد وحذر، كأنه يحمل أثمن لآلئ الكون. وضع الممرضات الولد والبنت بين يديه العريضتين. نظر معاذ إلى وجهيهما الصغيرين، ورأى ملامح نايا وسحر عيونها الخضراء يتجلى في الأميرة الصغيرة، ورأى قوته ورجولته تنبض في ملامح الوريث الصغير انحنى معاذ وقبل جبين الولد ثم البنت بدموع وعشق جارف، وتحدث بصوت باكٍ
حنون : “أهلاً بيكم في دنيتي يا قلب بابا.. أهلاً بيك يا سندي ويا وريث عيلتنا، وأهلاً بيكي يا أميرتي المحببة أنا هحميكم بروحي ودمي طول العمر، ومش هخلي مخلوق يمسكم بشعرة “انحنى شاكر بيه وقبل أحفاده بفخر شديد وعيناه تشعان سعادة : “يتربوا في عزك يا معاذ يا ابني.. مبروك علينا المعجزة دي. يلا ندخل بيهم ل نايا عشان تفرح بيهم.”تم نقل نايا إلى غرفتها الفخمة المجهزة بالبالونات والورود الملونة
بدأت نايا تفوق ببطء من أثر البنج، وتحركت جفونها الخضراوان لتفتح عينيها وتجد الغرفة دافئة وهادئة. أول ما وقعت عليه عيناها كان معاذ، الذي كان يجلس بجانب سريرها، ويحمل بين يديه التوأم الصغير بابتسامه تشع عشقاً ودموع الفرحة لم تجف على وجنتيه . اقترب معاذ برفق، ووضع الأطفال بجانبها على السرير لتلمسهم يدها الدافئة. نظرت نايا إليهم، وانهمرت دموع الفرح الحقيقية والانتصار الساحق من عينيها. ضمتهم
إلى صدرها برفق وبكت بحرقة: “أولادي يا معاذ! ولد وبنت! أنا بقيت أم.. رحم المريض شالهم وطلعهم بالسلامة للدنيا الحمد لله يا رب على كرمك.”انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة وعميقة، مفعمة بالوعد الأبدي والامتنان والشوق
الجارف وهمس في اذنها: “أنتِ أعظم ملكة في الكون يا نايا.. أثبتّ للدنيا كلها أن الحب والصدق يصنعان المعجزات شكراً لأنكِ وهبتِ لي هذه الحياة الجديدة، وشكراً لأنكِ صمدتِ لأجلنا.. أنا وكل ما أملك تحت قدميكِ يا أميرتي الجميلة .”دخل شاكر بيه واحتضن ابنته
بحنان شديد وقبل رأسها : “مبروك يا نور عيني.. رفعتي راسي، والنهارده الميراث والشركة وكل شقى عمري اتأمن رسمي باسم أولادك، ومعاذ بقى رئيس مجلس الإدارة والكل بيعمل له حساب ربنا يحفظكم لبعض يا ولادي.”
نظرت نايا إلى زوجها وحبيبها معاذ، ورأت في عينيه الأمان والدرع الذي طالما بحثت عنه ، وأمسكت بيده وضغطت عليها بقوة وهي تبتسم بانتصار كامل وسعادة باذخة تملأ الغرفة الملونة بالورود والبالونات ، معلنة نهاية فصل التعب وبداية عصر الحب الأبدي لعائلة الشاكر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!