تحميل رواية «نفوذ عاشق» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ نفوذ عاشق بقلم سارة علي.
رواية نفوذ عاشق الفصل الأول 1 - بقلم سارة علي
كان يتأمل ملامحها البريئة بملامح مبهمة لا تدل على شيء ..
في داخله تساؤلات عديدة أهمها سبب هوس شقيقه بتلك الفتاة ورغبته بها دونا عن غيرها ..
شقيقه العابث الوسيم والذي عرف عدد لا يعد ولا يحصى من الفتيات الجميلات رغم سنوات عمره التي لا تتعدى الرابعة والعشرين ..
صدح صوت رجله الأول وذراعه اليمنى ليرفع عينيه بعيدا عن تلك الصورة مستمعا إليه بإهتمام :
” اسمها شمس عماد .. عمرها تسعة عشر .. في كلية الهندسة .. والدها اسمه عماد حسين موظف في بنك حكومي ووالدتها مدرسة .. لديها أخت واحدة أصغر منها بثلاثة أعوام وأخ أصغر منها بأربعة اعوام .. حالتهم المادية متوسطة .. أوضاعهم مستقرة .. الفتاة ذات سمعة طيبة .. وعائلتها محترمة..”
عاد ببصره الى الصورة بنظرة خاطفة قبل أن يقول أخيرا بصوت قوي :
” صباح الغد تذهب عندها كي تجلبها إلي ..”
سأله جاسم بجدية :
” ماذا لو رفضت ..؟! بإمكانني أن أجلبها بالقوة لكنها قد تتسبب لنا بفضيحة نحن في غنى عنها ..”
حدق به للحظات صامتا ليقول أخيرا بنبرة هادئة واثقة :
” لن تستطيع فعل هذا لأنك لن تأخذ إذنها قبل أن تجلبها ..”
قال جاسم بعدم اقتناع :
“حسنا يا قيصر .. لكن ألا ترى إن إسلوب التهديد غير مناسب مع هذه الفتاة بالذات .. ؟! فنحن نحتاجها ونريد منها أن تساعد في تحسين وضعه لا أن تجعله أسوء ..”
” وضعه سيتحسن على يدها .. سواء بإرادتها او إجبارا عنها .. هي لا تمتلك حق الرفض أصلا .. وأنا لن أسمح لها مجرد التفكير بالرفض .. أنا اعلم جيدا كيف أتصرف معها ..”
قال قيصر جملته الأخيرة بغموض ليتنهد جاسم وهو يقول بإستسلام :
“حسنا .. على راحتك طبعا مع إنني أرى ما تقوله غير مناسبا إطلاقا ..”
رد قيصر بضيق :
” ماذا ترى إذا ..؟! تريد مني أن أذهب إليها وأشرح لها الوضع لترفض فأرجوها كثيرا كي توافق .. هذا لن يحدث أبدا .. قيصر عمران يأمر والجميع ينفذ وهي لن تكون إستثناء لهذا .. سوف تفعل ما أريد إجبارا عنها .. ”
ثم أكمل بإصرار :
” هي الفرصة الأخيرة المتبقية لفريد وأنا لن أتنازل عنها .. ”
أطلق أخيرا تنهيدة قصيرة ثم قال بصوت حاسم لا يقبل اي جدال :
” أريدها أمامي غدا الساعة الواحدة ظهرا ..”
اومأ جاسم برأسه قبل أن يستأذن منسحبا من غرفة مكتبه قبل أن يعود قيصر برأسه الى الخلف مغمضا عينيه لدقائق ثم فتحها وهو يعاود النظر الى الصورة التي حملها متأملا إياها بتمهل وهو يتمنى أن تكون صاحبة الصورة طوق نجاة شقيقه كما يعتقد ..
***
أمام البوابة الرئيسية للجامعة وقفت شمس تنتظر السائق المسؤول عن توصيلها هي وزميلاتها الى المنزل بملامح منزعجة فهي سبق وأكدت عليه أن يأتيها في تمام الساعة الثانية عشر خاصة وإن إثنين من زميلاتها تغيبن بسبب قرب إمتحانتهما والثالثة أخبرتها إنها ستعود لوحدها اليوم حيث لديها موعد مع حبيبها ظهر اليوم وبالتالي لم يبقَ سواءها وهاهي تنتظره منذ أكثر من ربع ساعة دون أن يأتي ..
رن هاتفها فأجابت بسرعة حيث كان هو المتصل ليأتيها صوته المرتبك يخبرها بأسف :
” أعتذر يا شمس لكنني لا أستطيع المرور عليكِ اليوم .. والدتي في المشفى ولا أستطيع تركها ..”
تنهدت وهي تقول :
” لماذا لم تخبرني مسبقا يا علاء ..؟! ما كنت لأنتظر هذه المدة .. على العموم لا بأس سوف أعود بسيارة أجرة .. أتمنى لوالدتك الشفاء العاجل .. ”
رد علاء بصوت بدا لها متوترا ففسرت إن هذا بسبب مرض والدته بالطبع :
” أشكرك يا شمس .. ”
ثم أكمل بصوت ذا مغزى :
” إذا أردتِ إذهبي الى الشارع العمومي .. هناك ستجدين العديد من السواق اللذين ينتظرون الطلاب وقت خروجهم ..”
قالت موافقة حديثه :
” معك حق .. سأذهب هناك بالفعل .. مع السلامة ..”
أغلقت الهاتف بعدها وهي تتأفف بضيق من هذا اليوم المشؤوم ففي صباح اليوم تشاجرت مع والدتها التي بدورها أخذت موقفا منها وخاصمتها وهذا يزعجها للغاية ليأتي أستاذها ويوبخها بسبب اعتراضها على درجة السعي السنوي والأن السائق لا يأتي وهي مضطرة للسير نحو الشارع العمومي كي تأخذ سيارة أجرة الى منزلها ..
وضعت هاتفها داخل حقيبتها واحتضنت كتبها ثم سارت بخطوات سريعة بإتجاه الشارع العمومي الذي يبعد مسافة ربع ساعة تقريبا عن الجامعة ..
أخذت تعجل خطواتها وهي تدلف الى احد الشوارع الجانبية الضيقة المؤدية لشارع آخر يؤدي الى الشارع الرئيسي وهي تفكر داخلها لمَ لا تقع جامعتهم في شارع يمر به العديد من سيارات الأجرة بدلا من إضطرارها هي وبقية زملاؤها لسير هذه المسافة الطويلة إذا أرادوا أن يستأجروا سيارة او يركبوا احدى المواصلات الأخرى ..
كانت تسير بشرود في ذلك الشارع الضيق قليلا والذي يحتوي على العديد من البيوت السكنية المتراصة وقد كان الشارع شبه فارغا مثله مثل أغلب الشوارع السكنية ..
شعرت بصوت سيارة تقترب منها لتهم بالإبتعاد الى الجانب حينما فوجئت بلمح البصر بشخص ما يفتح باب السيارة ويخرج منها جاذبا إياها الى الداخل قبل أن يجلس بجانبها فيتحرك السائق بتلك السيارة السوداء المصفحة .. جحظت عيناها مما يحدث لتصرخ وهي تنظر الى الرجلين الضخمين اللذين يحيطان بها :
” من أنتم وماذا تريدون ..؟!”
ثم إختنق حلقها وهي تهتف بصوت مرتعب :
” هل أنتم عصابة ..؟! ”
جاءها صوت قوي رخيم يعود الى الرجل الذي يجلس في الكرسي الأمامي بجانب السائق مرتديا بذلة سوداء أسفلها قميص أسود اللون مغطيا عينيه بنظارة سوداء كذلك :-
” اهدئي يا آنسة وكل شيء سيكون بخير .. ”
صاحت بحدة :
” هل أنت مجنون ..؟! تخطفني وتطلب مني أن اهدأ ..”
ثم بدأت بدفع هذين الرجلين وضربهما بشراسة وهي تصرخ بهما :
” إخرحوني من هنا .. إتركوني .. أيها الأوغاد .. ماذا تريدون مني ..؟! ماذا فعلت لكم .. ؟!”
صرخ الرجل بها بصوت عصبي مخيف :
” يكفي .. نحن لا نريد إيذائك .. لا يوجد لدينا نية بذلك من الأساس .. أنت فقط ستذهبين الى الباشا كي يتحدث معك بأمر هام وبعدها ستذهبين الى منزلك سالمة .. ”
سألته بصوت مرتعب :
” أي باشا ..؟! ”
ثم صاحت باكية :
” أنا لا أفهم شيئا .. من أنتم ..؟! وماذا تريدون ..؟!”
أجاب بعدما زفر نفسه بضيق :
” سوف تفهمين كل شيء عندما تصلين .. فقط اهدئي وكما أخبرتك لن يمسك أي سوء .. مجرد حديث يجمعك مع الباشا .. حديث فقط لا غير ..”
ضغطت على أعصابها بقوة كي لا تشتمه وتشتم الباشا خاصته قبل أن تغمض عينيها وهي تعود بجسدها المتأهب الى الخلف تفكر فيما سيحدث معها وهي تقنع نفسها إن الصمت والترقب هو أفضل حل لها في هذا الوضع ..
***
تأملت شمس الغابات المنعزلة التي تمر بها السيارة بملامح جزعة وقد بدأ عقلها يصور لها مختلف المصائب الممكنة ..
شهقت برعب ما إن سمعت صوت ذلك الرجل يتحدث في جهازه اللاسلكي بصوت صارم أخرجها من أفكارها المرعبة :
” افتحوا البوابة فنحن قاربنا على الوصول .. ولا تنسى أن تبلغ الباشا بهذا ..”
إحتضنت كتبها التي سقطت على فخذيها منذ لحظات وجسدها أخذ يرتعش بقوة ..
وجدت السيارة تسلك طريقها الى شارع آخر محاط بالغابات الواسعة المليئة بالأشجار والورود الرائعة ..
انتبهت الى ذلك القصر الكبير جدا بطرازه القديم والذي لم يزده سوى فخامة شديدة وقد ذكرها بقصور العصور الوسطى التي كانت تقرأ عنها في القصص وتراها بالأفلام ..
دلفت السيارة الى داخل القصر مرورا ببوابته العملاقة المحاطة بالإسوار العالية المخيفة والعديد من الحرس منتشرين في كل مكان فأخذت تفكر إن هذا الباشا الذي يريد مقابلتها قد يكون وزيرا او سياسيا او ربما رئيس وزراء ..
توقفت السيارة أمام بوابة القصر الداخلية لتجد أحد الرجلين يفتح الباب ويخرج منها ه الآخر بينما بقيت هي مكانها متأهبة للقادم لتجد الرجل الذي يجلس في الأمام يخرج بدوره من السيارة ويقترب من جهتها مائلا نحوها بوجهه الذي بدا لها مخيفا بملامح قاسية مرعبة لتسمعه يهتف بصوت هادئ :
” هيا يا آنسة.. التأخير ليس من صالحك ..”
حدقت به بملامح مشدودة وهي تتمنى لو تختفي الآن في هذه اللحظة من الوجود ..
حدقت بملامحه الحادة ونظارته الضخمة التي تخفي عينيه بالكامل للحظات قبل أن تشيح وجهها بعيدا عنه وهي تهبط من السيارة فتلفحها نسمات الهواء الدافئة لتغمض عينيها للحظة وهي تخبر نفسها ألا تضعف فهي لم تعتد أن تكون ضعيفة أبدا ولن تعتد ذلك ..
سارت نحو الأمام وهي تفكر داخلها إنها مقابلة ليس شيئا آخر كما أخبرها هذا الذي يسير جانبها ..
ما إن وصلا الى الباب الداخلية وقبل أن يرفع يده حتى كان الباب يفتح لتظهر من خلفه شابة عشرينية ترتدي زي الخدم الرسمي ذات ملامح جميلة للغاية تكاد تجزم إن صاحبة هذه الملامح ليست عربية أبدًا ..
وقد تأكدت ظنونها وهي ترحب بهذا السيد الذي تبين إن إسمه جاسم بلكنة إنكليزية بحتة والذي سألها بجدية :
” هل الباشا في مكتبه ..؟!”
لتومأ الخادمة برأسها ثم تجيب وهي ترمقها بنظرة عابرة :
” الباشا في مكتبه ينتظر الآنسة ..”
حدقت شمس بها بملامح واجمة وقد إرتفعت نبضات قلبها كليا ليهتف بها جاسم :
” إتبعيني يا آنسة ..”
سارت شمس خلفه وهي تحتضن كتبها كدرع واقي بنفس الملامح الواجمة دون أن تهتم بالنظر الى ممرات القصر الفخمة فشيء واحد يشغل عقلها وهو سبب طلب الباشا رؤيتها .. الباشا الذي لا تعرف من هو أصلا ..
توقفت خلف جاسم أمام باب احدى الغرف لتجده يلتفت نحوها يخبرها بعملية :
” تفضلي يا آنسة .. هو ينتظرك في الداخل ..”
نظرت الى الباب بقلب خافق قبل أن تطرق عليه بخفة لتسمع صوت رجولي هادئ يخبرها أن تدخل لتلتفت الى الجانب لتتفاجئ بإنها وحيدة ويبدو أن جاسم قد تركها و رحل ..
أخذت نفسا عميقا وهي تخبر نفسها إنها لم تفعل شيئا يجعلها تخاف .. يجب عليها أن تدخل بثقة وتفهم منه ما يريده منها .. هي ليست صغيرة ولا ضعيفة أبدا ..
منذ حوالي ساعتين كانت تتجادل مع إستاذها بسبب سعيها السنوي والذي كان أقل من المستحق بستة أعشار لتقف أمام الأستاذ تخبره بقوة إن هذا ظلم وإنها لن تصمت وستذهب الى العميد كي يتصرف معه بنفسه الأمر الذي جعل الوضع ينقلب الى ما يشبه شجار قبل أن يخبرها الأستاذ بغيظ مكتوم إنه سيعيد حساب درجاتها مرة اخرى .. نعم هي قوية وستبقى هكذا وتواجه هذا الرجل الذي ينتظرها في الداخل بكل ثقة وهدوء ..
سرعان ما تبخرت كلمات شمس وهي تخطو اولى خطواتها الى الداخل لتجد نفسها أمام رجل ثلاثيني يجلس على مكتبه الواسع مرتديا بذلة سوداء أنيقة أسفلها قميص أبيض بلا ربطة عنق ..
لكن بالطبع ليست البذلة او غياب ربطة العنق ما جعلها متأهبة الى هذه الدرجة بل طلة الرجل المهيبة ونظراته القوية المسلطة عليها بالكامل هي من جعلت ثقتها تلك تتبخر تماما ..
تأملت ملامحه الرجولية والتي بالرغم من هدوئها الذي بدا لها غير مريحا كانت تحمل الكثير من القوة والقسوة والتسلط .. ملامحه كانت صلبة حادة .. ونظراته مهيبة .. هو رجل بنظرة واحدة تدرك إنه يملك من القوة والسلطة والهيمنة ما يفوق المعتاد .. رجل من إولئك الرجال الإرستقراطيون اللذين يمتلكون هيبة لا خلاف عليها ..
كان قيصر يتأملها بملامح غامضة لا تدل على شيء .. جسد طويل نوعا ما نحيل للغاية يغطيه ذلك البنطال الأزرق المرتبط بحمالات رفيعة المسمى بالمشمل ( السالوبتّ ) حيث يوجد أسفله تيشرت أبيض اللون ذو أكمام قصيرة تصل الى ربع ذراعها بينما ترتدي في قدميها حذاء رياضي ذو لون أبيض ..
ملابسها كانت تدل على خلفيتها المتوسطة أما ملامح وجهها فهي كانت عادية حيث عينين بلون لم يميزه جيدا لكنه يجزم إنه أفتح من المعتاد مع أنف دقيق وشفاه متوسطة العرض والإمتلاء وبشرة ناصعة البياض حيث بياضها واضح للغاية مشوب بحمرة محببة .. المميز فيها كان شعرها بلونه الغريب والذي بدا له خليط محير ما بين البني الفاتح والأحمر .. فهو بلون مائل للحمرة الواضحة .. وللمرة التي لا يعرف عددها يسأل نفسه نفس السؤال .. ما المميز فيها كي يرغبها أخيه لهذه الدرجة ..؟!
قال أخيرا بصوت هادئ رزين :
” تفضلي يا انسة …”
حدقت به بملامح مترددة لتجده يهتف بصوت أكثر صرامة :
” من فضلك يا انسة .. تفضلي وإجلسي هنا ..”
تأملت الكرسي الذي يشير إليه لتسير بخطوات بطيئة نحو مكتبه قبل أن تجلس على الكرسي الجانبي للمكتب وهي تشبك أناملها ببعضيهما وتنظر إليهما بقلق ..
تأملها وقد إختفى وجهها تماما بفضل خصلات شعرها الناعمة والتي إنسدلت على جانبيه ليتنهد بصمت وهو يقول بنبرة جادة :
” شمس .. انتبهي إلي من فضلك ..”
رفعت وجهها نحوه لتلتقي عينيها الخائفتين بعينيه الباردتين فيتأمل قزحيتيها للحظات بلونيهما الفاتح والذي يميل للأخضر كما توقع ..
أبعد عينيه عن عينيها وقال بصوت هادئ :
” بالتأكيد تودين بشدة أن تعرفي لمَ أنتِ هنا ..؟! وأنا سأخبرك فورا وبوضوح كما إعتدت أن أفعل مع أي شخص .. ”
نظرت إليه بترقب رغم قلقها مما هو قادم ليكمل وهو يتأمل ملامح وجهها الطفولية الناعمة :
” أنتِ هنا لأجل شقيقي .. فريد .. أخي الوحيد .. ”
نظرت إليه بعدم فهم قبل أن تسأله :
” عفوا ، أنا لا افهم .. من فريد .. ؟! أنا لا أعرف شخصا بهذا الإسم ..”
نظر إليها مليا قبل أن يجيب :
” أنت لا تعرفينه .. لكنه يعرفكِ .. ”
أكمل مجيبا على التساؤلات التي امتلأت بها عينيها رغم لسانها الصامت :
” لقد رأكِ في إحدى زياراته الى الجامعة ومنذ تلك اللحظة وهو مفتونا بك .. مدلها بغرامك .. مجنونا بحبك .. ”
قالها وهو يتذكر شقيقه الذي لا يوجد على لسانه شيئا سوى اسم هذه الفتاة .. يردده دائما وخاصة حينما يثمل كليا .. هذه الفتاة الماثلة أمامه أصبحت جل ما يشغل تفكير أخيه .. هي رفيقته في جميع الأوقات ..
” هل شقيقك مجنون ..؟!”
سألته بدهشة لتلاحظ إحتداد عينيه فتبتلع ريقها قبل أن تكمل وهي تمنح نفسها الشجاعة الكافية للتحدث بصراحة :
” انا اعتذر .. ولكن هذه حقيقة .. ما تقوله لا يمكن أن تكون تصرفات شخص عاقل .. أي شخص عاقل يهيم بفتاة لم تجمعه بها كلمة واحدة حتى .. ؟! ولو نفترض ما تقوله صحيح .. ما علاقتي أنا بكل هذا ..؟! أنا لا أعرفه أساسا .. ”
خفتت حدة عينيه وهو يجيب بثقة :
” علاقتك إنكِ ستتزوجينه .. ”
جحظت عينيها وهي تستمع الى تلك الجملة القصيرة التي خرجت منه لتقفز من مكانها وهي تصيح بعدم استيعاب :
” أتزوج من ..؟! يبدو إنك الآخر مجنون تماما كشقيقك.. ”
نهض من مكانه ضاربا سطح مكتبه بقوة أجفلتها ليهتف بقوة أكبر :
” الزمي حدودك يا صغيرة .. يبدو إنكِ لا تعرفين مع من تتعاملين .. حديثي الهادئ معكِ لا يعني إنني سأتقبل كلماتك هذه أبدا .. أنتِ لا تتحدثين مع شخص عادي .. لذا كوني حذرة في كل كلمة تصدر منك في حضرتي .. ”
ردت بقوة وقد شعرت إنها لن تصبر أكثر على هذا الطاغوت الواقف أمامها :
” سأكون حذرة بالطبع عندما تنتبه على ما تقوله يا سيد .. أي زواج بالله عليك..؟! هل نحن في فيلم عربي قديم ..؟! أم رواية خيالية ..؟!”
تقدم نحوها بخطوات واثقة قبل أن يقف أمامها محدقا بعينيها اللتين كانتا تلمعان بقوة أعجبته بشدة :
” لا هذا ولا ذاك .. بل أنتِ في آمر واقع .. لا مفر لكِ منه ..”
احتدت عينيها بشراسة ليشعر بشيء ما يغزو قلبه بينما هي ترد بغيظ :
” ومن سيجبرني على هذا الأمر الواقع ..؟!”
أجابها متلذذا بتأمله لملامحها الناعمة الرقيقة رغم شراسة نظراتها وتعابيرها :
” أنا من سيجبرك على هذا .. ”
حدقت به وقد تعلقت مقلتيها بمقلتيه الغامقتين قبل أن تهتف وهي تهم بالسير بعيدا عنه بنية الخروج من الغرفة :
” أنت فعلا مجنون وأنا لن أبقى معك لحظة واحدة ..”
وما إن تحركت بعيدا عنه حتى وجدته يقبض على ذراعيها بقوة جاذبا إياها نحوه لترتطم بصدره العريض رغم طولها الواضح فتتراجع الى الخلف مذهولة بينما ينحني هو ناظرا الى عينيها المذعورتين من كل ما يحدث مرددا بتحذير :
” سبق وإن أخبرتكِ أن تلزمي حدودك معي .. ستتزوجينه سواء قبلت أم لا .. قبولك من رفضك لا يهمني .. ستتزوجينه وانتهى ..”
أكمل وهو يتفرس النظر في ملامحها التي بات يشعر بكونها تجذبه رغما عنه :
” وإذا فكرتِ للحظة واحدة بعدم تنفيذ ما قلته فلن أرحم أي أحد يخصك أبدا ولن أتردد لحظة واحدة في استخدام كل ما أملكه من سلطة وقوة ضدهم .. ”
ابتلعت ريقها وهي تسأله بتوجس :
” من تقصد ..؟! عائلتي ..؟! ماذا ستفعل بهم .. ؟!”
أبعد عينيه عن ملامحها التي بدت وكأنها تحاصره بشدة ليقول وهو يسير بعيدا عنها بإتجاه النافذة المطلة على حديقة القصر الواسعة :
” الكثير .. سأفعل الكثير .. في الأول سأبدأ بوالدك .. اتصال واحد مني وسوف يتم فصله من عمله دون رجعة .. تخيلي حياتكم بدون راتب والدك .. إخوانك على ما أظن في مدارس خاصة تحتاج الى أجور عالية .. أنتِ نفسك لديكِ مصاريف لا يستهان بها على ما اظن .. طبعا بعد فصل والدك سوف يكون أمامكِ خيارين إما أن تخضعي لي أو تستمري في عنادك وحينها سوف أتجه الى الوالدة .. وبعدها الى باقي أفراد عائلتك .. الأمر لن يقتصر على الفصل عن العمل فقط كما تظنين .. بإمكاني أن أفعل ما لا يخطر على بالك ..”
صاحت به بضعف:
” يكفي .. حسنا فهمت .. أنت رجل ذو نفوذ بإمكانك أن تؤذي عائلتي بالكامل اذا ما رفضت طلبك المجنون هذا ..”
اقترب منها قاطعا المسافة الصغيرة الفاصلة بينهما مردفا بهدوء :
” إعلمي إنني لن أتردد لحظة واحدة في أن أفعل أي شيء .. أي شيء يا صغيرة لتنفيذ ما أريده .. ”
غامت عينيه بنظرة أرعبتها وهو يكمل بجدية :
” أنا أنال ما أريده بأي وسيلة ممكنة .. وإنتِ ما أريده الآن .. لذا سواء أنت أوعائلتكِ فلن تكونوا إستثناءا بالنسبة لي وما يصيب غيرك ممن لا يطيعوني سيصيبك أنتِ أيضا .. ”
ترقرقت الدموع داخل عينيها ليكمل متسائلا :
” هل تعرفين عائلة عمران .. ؟!”
شعرت بقلبها يتوقف عن النبض وهي تسمع اسم تلك العائلة لتسأله بوجه شاحب :
” هل أنت من عائلة عمران ..؟!”
رد بعينين قويتين مهيبتين :
” انا قيصر عمران .. كبير العائلة .. ”
اتسعت عينيها لثواني وهي تتذكر كل ما تعرفه عن عائلة عمران .. تلك العائلة التي تعتبر من أكبر وأقوى العوائل في البلاد بأكملها .. ثرواتهم لا تعد ولا تحصى .. فهم يمتلكون ما لا يستوعبه العقل .. لقد سمعت الكثير عن شركاتهم وأملاكهم وأراضيهم .. بل سمعت إن هناك مناطق كاملة في البلاد ملكا لهم .. الأمر لا يقتصر على الثراء الفاحش بل يتعدى ذلك الى سلطتهم الواضحة في مجال الحكم والسياسة .. وبالرغم من كونهم لا ينتمون الى فئة السياسيين بشكل علني لكنهم يمتلكون السلطة الكافية والتي تفوق أحيانا سلطة بعض السياسيين في البلد.. نعم لقد كانت تسمع عنهم أحاديث عابرة من أصدقائها وأقاربها بل ووالدها أحيانا حيث يتحدثون عن مشاريعهم التي لا تنتهي وثرواتهم التي تتضخم كل يوم أكثر إضافة الى نشرات الأخبار التي دائما ما تتحدث عنهم وعن نشاطاتهم التجارية في مختلف المجالات وأعمالهم الواسعة .. وبالرغم من كونها ليست من النوع الذي يهتم بكل هذا إطلاقا فهي بالطبع لن تهتم بمعرفة أخبار العوائل الإرستقراطية ذائعة الصيت في البلاد خاصة وهي تنتمي الى الطبقة المتوسطة وتعاملها دائما كان مع من هم في مثل طبقتها هذه لكن أخبار هذه العائلة كانت تظهر أمامها رغما عنها ..
قيصر عمران .. لا تتذكر اسماء أفراد هذه العائلة لكنها تشعر بإن إسم قيصر عمران مر أمامها وهذا شيء طبيعي كونه أحد أفراد هذه العائلة بل وكبيرها أيضا ..
” نظراتك تخبرني إنك تعرفين الكثير عنا كما توقعت ..”
صوته البارد جعل جسدها يرتعش وهي تومأ برأسها رغما عنها وتغمغم بألم :
” لقد وصلت الفكرة … ”
حدجها بنظراته وهو يكمل بصوت آمر :
” ستتزوجين شقيقي يا شمس .. وفي أقرب وقت ممكن .. فهو يحتاجك أكثر من أي شيء ..”
لمعت عينيها بدموع حبيسة وقد سيطر الضياع عليها وهي تفكر إنها حقا لا تود سماع المزيد ولا تريد معرفة سبب إصراره على زواجها من شقيقه لتقول بصوت ضعيف متوسل :
” دعني أرحل من فضلك .. لا أستطيع تحمل أكثر من هذا .. إمنحني القليل من الوقت لكي أستوعب ما سمعته حتى الآن ..”
تأمل ملامحها الشجنة بهدوء متغافلا عن ذلك الضيق الذي ألم بصدره والذي تراكم بقوة ما إن نظرت إليه بعينين متضرعتين فرد بصوت خرج حازما :
” اذهبي الان .. لكن غدا صباحا ستكونين عندي كي أشرح لكِ عن وضع فريد وماهو مطلوب منك ..”
تحركت بخطوات آلية الى الخارج بينما يراقبها هو بتمعن حتى اختفت تماما ليشعر بشيء غريب يثقل كاهله ولأول مرة يتمنى لو لم يقسُ على تلك الصغيرة كما فعل لكنه سرعان ما نهر نفسه وهو يذكر نفسه إنه لم يفكر يوما بهذه الطريقة ولن يفعل .. هو لم يتعاطف يوما مع أحد ولم يرق قلبه يوما لأحد حتى أقرب الناس إليه ولن تكون تلك الصغيرة إستثناءا لهذا مهما حدث …
إنتهت المقدمة