الفصل 32 | من 48 فصل

رواية نوارس مهاجره الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم zeanab_almusawi

المشاهدات
19
كلمة
10,446
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

ملاك: الهدوء هنا راح يفترسني... صوت سيارة ما أسمع... بشر ماكو. الثلج مغطي المزرعة... أنا بنت مدينة طول عمري عايشه فيها، وأحب صخبها... وأسواقها.. وغبارها... وشوارعها المزدحمة. هنا ما في شيء جديد يصير، كل يوم يشبه اللي قبله... وصوت الديوك من الفجر سبب لي أرق... أظل أنتظر شوكت يصيح وبعدها أنام... وساعات النهار ملل قاتل بعد ما داوم واثق... وتركني بالمزرعة... يرجع الساعة أربعة العصر... وأول سؤال يسأله من يدخل:

"طلعتي للمزرعة شفتي العمال شيسوون؟ "طلعت شفتها، ماكو جديد، الأشجار بمكانها.... والدجاج يبيض، والكلب يركض وراي بس يشوف خلقتي." "واضح الملل عليكِ من نبرة صوتكِ." "ملل وبس.... اختنقت. إحنا عرسان المفروض نطلع نسهر." "باچر آخذكِ لمطعم ريفي أجواءه كلش حلوة." "لا دخيلك ما أريد الريف. آخذني لأهلي أشوفهم وأسولف وياهم... أفتر بالشوارع." "مثل ما تحبين." حكى الجملة وهو خاطره مكسور. ومن كعد يتغدى ما جاب طاري المزرعة مثل كل مرة.

"حاسة زعلت من كلامي." "لا ما زعلت عادي. ما أقدر أجبركِ على حياة ما تريدينها." "مو ما أريد الحياة وياك." ركز عليّ... وكأنما يريد يسمع دفاعي عن وجهة نظري. وبلا وعي مني اندفعت بالكلام: "ما أريد الريف... والمزرعة... والبيض الطازج... والحليب الطبيعي مية بالمية.. والخضروات اللي تجي بترابها. متعودة على كل شيء اصطناعي... وعلى صوت الناس... وصوت سيارات، وأضواء... ومحلات للصبح مفتوحة...

ما تبعد عن البيت غير دقايق. الفرّة بالمول... والسهر... ومنظر الناس... والطلاب الصبح متوجهين كل من لوجهته... وازدحام... وهورنات." سحب يده من طاولة الأكل.. وهو يذكرني بالاتفاق: "إحنا اتفقنا قبل الزواج تقسمين الأسبوع بين هنا وهناك." "إن شاء الله أحاول." ترك الأكل وهو يؤكد عليّ أتعود: "لازم تتعودين ملاك، هذا زواج مو عمل وتتركيه... إذا ما أعجبكِ." تركت مكاني بعده...

ومسكت يده حتى يرجع يكمل غداه. ومشى وياي وهو مزعوج كعد. ومليت له الماعون مرة ثانية، وأنا أوعده أتعود: "إن شاء الله أتعود." مسك الخاشوكة (ملعقة) ورجع يأكل. انتظرت توصل لحلقه وسألته: "طيب عندك مانع إذا أجيب أختي.. وماما هنا؟ ما رد لحد بلع الأكل يله جاوب (وأخيرًا رجال ما يجاوب وهو يأكل) "هلا بيهم. يا ريت يجون يمكِ." "ملاك: شكرًا حبيبي." باوعني وأنا أقول الكلمة: "أدري أول مرة أقولها."

"وما أريدها تكون الأخيرة. لو حبيتيّني راح تحبين المكان." "فعلاً أنا أحبكِ، لا يكون عندك شك... وعندك تصرفات كلش مهمة عندي... وتمنيتها تكون بيكِ." سألني (مثل شنو؟ وهو يحمل الكرسي من أمامي.. ويقربه مني. جاوبته: "أشياء ممكن تكون صغيرة لكن مهمة. مثل حجايتك يا الله من تدخل... تتصل قبل ما توصل، خطار... ما تجي يدك فارغة... وآخر شيء انتبهت عليه، ما تحكي وتأكل سوا." ضحك وهو يعدد لي الأشياء اللي يحبها بيّ غير شكلي: (أنيقة...

قوية... ما تحبين الاستسلام... هو عيب واحد بكِ) "شنو العيب؟ خوفني من قالها... ودققت على يدي وملابسي... وهو يضحك. انتظرته يجاوب... مد يده على النظارات وأخذهم من عيني، وهو ينظر بعيونه المليانة بيّ، ويتغزل بعيوني... بأجمل عبارات: "عيبكِ مخبيّة هالعيون الحلوة خلف النظارة." قبل ما أرد عليه. نزع نظاراته هو. وقالي: "منتبهة عيوننا نفس اللون؟ جاوبته (منتبهة) انتهى غدانا... بس ما انتهت ضحكتنا.. وكلماتنا الحلوة... وأحضاننا...

وبعدها قبل. رجعت لي إحساس أني عروس... مو ناطور مزرعة. آية: بعد يومين من وصول روان، أنا وطلال بدينا وياها مشوار. أول خطوة كانت هي فتح ملف التأمين الصحي... لها. لكونه انغلق بعد تركها البلد. وهذه المهمة كانت على عاتق طلال. وأنا طلعت مع روان الصبح، أخذتها للمستشفى... وبالسيارة حبيت أعرف حياتها مع رعد كيف كانت وبديت أنا بسؤال: "روان بصراحة، رعد شلون كان يعاملكِ؟ طلعت تلفونها... وهي ترويني صورهم... بالسفرات... والأسواق...

والمطاعم... صور الهدايا بينهم... ملابسها... ألعابها... راوتني بلا ما تحكي... باوعتها وهي راجعة على كرسي السيارة وضامة وجهها بيدها حتى تبكي: "يا معودة كافي بكي، والله أنا قلبي خلصان." بتعبير طفلة وجدت نفسها وسط مأزق أكبر منها شكت لي: "والله يحبني... وأنا أحبه... أنتم ما صدقتوا بينا." "أوووف يا روان لو بس حاكية إلي... من البداية... ما صار كل هذا." استمر بكاؤها ودفاعها عنه، وانقطع من جانبي تأنيبها ولومها.

وصلنا للمستشفى... انتظرنا المصعد حتى نصعد للطابق نفسه اللي كانت تعالج به سابقًا. وطلبت من الاستعلامات مقابلة الدكتورة جي. سألتني عن اسم المريضة جاوبتها: "روان محمد." بحثَت بالكمبيوتر. وجدت اسمها وملفها وطلبت منا ننتظر. جلست معاها على كراسي الانتظار اللي حفظت لونها وشكلها... بكثر ما راجعت هنا. لونها برتقالي...

ومعظم الجالسين عليها يعيشون صراع مع الحياة طبع آثاره على ملامحهم الخايفة حتى من الممرضة من تصيح اسمهم. وهذا اللي شفته بوجه روان. والممرضة تصيح اسمها... لزمت يدي... ودخلت وياها. حضرتها الممرضة للفحص ودخلتها غرفة جدرانها زرقاء، واستلقت على سرير أبيض. دقائق طرقت الباب الدكتورة جي... وهي تعبر عن اندهاشها من رؤية روان حامل بكلمة: "أنتِ حامل؟! كيف؟ انحرجت روان ترد... جاوبت أنا وباختصار شديد: "دكتورة تزوجت بلبنان...

شخص حبها وحبته." لزمت جبينها... وكأنما يغمى عليها من الصدمة وهي تردد: "يا إلهي! أخذت الصدمة منها كم دقيقة... وباشرت بفحوصات شاملة. وظلينا ننتظر النتائج. وبفترة الانتظار.. تشجعت تحكي لي عن رعد. وأكثر كلمة انطبعت ببالي ووضحت لي سبب تعلقها به هي: (عوضني عن بابا ودلاله) بزغت في طرف عينها دمعة لامعة، ونفس الدمعة بعيني. دخلت الدكتورة معاها النتائج. وبلغة جدية أخافتنا اثنينا شرحت حالتها: "روان محتاجة علاج مضاد للسرطان."

مجرد سماع كلمة سرطان أفزعتنا. والسؤال طلع مني بصوت ضائع: "ليش دكتورة هي عندها سرطان؟ ما تأخرت بالرد. وهي تشوف خوفنا: "لحد الآن لا... لكن الخوف من الخلايا اللي بدت تظهر التصاق. العلاج مكلف... وهي ما عندها تأمين." "دكتورة ما يهم الكلفة... المهم صحتها." "أوكي مدام. عندكم استعداد تدفعون.. أنا أفضل نبدأ بالعلاج اليوم." "دكتورة والطفل ما يأثر عليه العلاج؟

"احتمال يأثر. وأنا راح أخلي دكتورة نسائية تشوفها.. ونشوف إذا في إمكانية نجهض الطفل." روان راسًا شهقت ولزمت بطنها وهي تبكي: (ما أجهضه.. مستحيل) كعدت الدكتورة بجانبها وفهمتها: "أنتِ بخطر.. وهذا الطفل راح يعيق علاجكِ... وبعدين نخسركِ أنتِ والطفل. بنتي فكري بصحتكِ.... وبعدين الطفل." بدموعها... وخوفها... أخذت أول علاج لها. طلعت بعده دايخة وبالكاد تحكي. ونبهوا عليها العلاج يكون كل أسبوعين، وفي نظام غذائي تلتزم به.

اتصل طلال حتى يبلغني نتيجة التأمين: "والله شكد حاولت وياهم ما قبلوا يفتحوه إلا تمر تسعين يوم يله يعيدون فتحه." "وهسه شلون روان محتاجة علاج؟ "آية ادفعي أنتِ. خطية هذه طفلة ومريضة." "أكيد أدفع.. قابل أقصر وياها؟ بنهاية المكالمة، أجيت أدفع الفاتورة. طلعت هي فلوس من جنطتها: "شنو هاي الفلوس؟ "رعد أكد عليّ أنا أدفع وهو كل فترة يدز لي فلوس." افتهمت قصده وقصدها:

"ما في داعي تثبتين لنا حبه لكِ. أنا ما عندي شك هو يحبكِ. وإلا ما خاطر باسمه.. ومركزه.. وأملاكه. والغلط غلطنا أنا.. وملاك وماما.. لو مساعدينكم ومتزوجين هنا. حالكم حال هاي العرب. ما صار كل هذا. خلي فلوسكِ للبيبي الجاي. وإحنا أخوات أنا أحتاجكِ وأنتِ تحتاجيني. ضمي فلوسكِ أنتِ إذا انهزمتي علمود اللي تحبيه. فاللي قدامكِ أنطت عمرها. وبعدين عندي كريديت طلال أدفع منه. هههه هذا اللي حصلته من زواجي كريديت قوي." فضفضت بلا قصد...

وهي راسًا انتبهت وسألتني: "ليش شبيه طلال.. بشنو مقصر وياكِ؟ "لا حبيبتي. ما مقصر... أقصد المصارعة هي اللي مضوجتني من هالزواج." جلست على كرسي تعبانة.. وتلهث. دنكت عليها وبستها برأسها، ودفعت الفلوس. أشرت لها: "خليكِ قاعدة، أجيب عربة وأرجع. يله راح أدفعكِ بعد شتريدين؟ دفعتها وطلعنا. رجعنا للبيت وخبرنا ماما بالعلاج... وسبب ضعفها هو الوحم. وماما أنطتني قائمة طعام جديدة... بها كل اللي تحبه روان... وبديت أنفذ.

للعصر، اندقت الباب... طلال باوع من الشباك.. شاف سيارة شرطة. سد البردة... وقال لنا: "ادخلوا بالغرف لحد ما أصيح لكم.. وأنتِ عمو روان حاولي ما تبينين قدامهم مريضة... وأي سؤال عن رعد لا تجاوبين إلا محامي." دخلنا الغرفة. وروان خلت شوية مكياج حتى ما تبين شاحبة. وبعد دقايق صاحها طلال. وأنا طلعت وياها. بالصالة كان ضباط اثنين، واحد عربي. والثاني أمريكي. سلمت روان عليهم. ردوا عليها. كعدت يمها أنا وطلال. وبدؤوا يسألوها:

"كم عمركِ؟ جاوبتهم (17) "وين سافرتِ ومع منو؟ باوعت على طلال قبل ما تجاوب وأشر لها برأسه جاوبي. جاوبت (سافرت لبنان) "سافرتِ أم رعد خطفكِ؟ باوعت لها افتهمت وما جاوبت. أدخل طلال بسؤالهم: "حضرة الضابط هل هذا تحقيق رسمي.. لأن أنتَ تعرف التحقيق يصير بحضور محامي؟ باوع الضابط على روان وترك القلم وسط الدفتر اللي يكتب به ونهض وهو يقول: "مجرد معلومات عن رعد وعلاقته بها...

لكون زوجته بكاليفورنيا رافعة عليه قضية تعدد زوجات واغتصاب قاصر." فلتت أعصاب روان. وردت عليه: "كذابة هي مو زوجته طليقته. وفي أوراق طلاق قدمها وقعها. وما في اغتصاب، تزوجني بموافقة ماما." أشرت أنا وطلال ما فاد وياه. رجعوا كعدوا من جديد وسألوها عن مكانه... ردت ما أجاوب بلا محامي. كتبوا اللي قالته وطلعوا. وهي دخلت نوبة بكاء واتصلت برعد. ودخلت الغرفة تحكي وياه. بالليل طلال خبرني مسافر للمباراة: "شوكت ترجع؟

"أرجع لشيكاغو بعد يومين... ولازم تجين." "إن شاء الله بس أحاول أفتح التأمين لها. أم كوثر تعرف وحدة تساعدنا بهالموضوع. باچر رايحة عليها." سافر الصبح. وأنا أخذت فحوصات روان مع أم كوثر. قابلنا ووعدونا يرجعون التأمين. العصر أجت ملاك بس دقت الباب. روان انهزمت للغرفة. فتحت الباب... دخلت تتلفت تدور عليها. حتى أنا خفت وهي تقول لي: "وين روان؟ أشرت لها على الغرفة.. ركضت وأنا وياها. فتحت الباب...

روان انخطف لونها، ووقفت وهي تحاول تغطي بطنها. التقت ملاك، وروان خافتاً واحدة تقترب من الثانية. ملاك انهارت بشوفة روان، وركضت عليها تبكي وتبوس وتحضن. وماما كل شوية تقاطع اللقاء المشحون بالعواطف، بدعوة على رعد وأهله، مع اعتراض روان. روان: كافي تدعين عليه، شمسويلج؟ الأم: بعد شيسوي أكثر؟ روان: كافي ماما، ما تشوفين حالها خطية؟ الأم: سكتنا، حاضر.

وانعقدت جلسة الأخوات المتزوجات أمام التلفزيون، وما اهتممنا إلا بالقضاء على كيكة بالجاكليت من صنع ملاك. وسألنا روان عن بيروت. أية: احجيلنا عن بيروت، حلوة؟ روان: تجنن، كل شي بيها حلو، حتى البيوت القديمة هم حلوة. والبحر، والجبال، والأكل طعمه فظيع. والملابس تجنن، خاصة ملابس العروسات. جبت لكل وحدة فستان يجنن. أية: أنا متبرعة بالفستان لملاك. روان: ليش؟ البسيه من يرجع طلال، والله يشوفه عليج يتخبل.

أية: حبيبتي طلال عنده حساسية من ملابس النوم، تصوري ينام بالتراك. ملاك: حبيبتي انطيني الفستان إليه، بلكي واثق يتخبل ويعوف المزرعة. ولكم راح أتخبل، أسبوعين طكت روحي. الديك يصيح من الفجر، والكلب يعوي الليل كله. ضحكنا عليها وهي تحجي عن الدجاج والبط والنحل والكلب اللي يركض وراها. سهرنا نسولف لحد الفجر. قعدت ماما تصلي وأمرت بفض السهرة وهي تعض أصابعها علينا وتحذرنا. الأم: صوت ضحكجن فضحتنا، فوتن نامن اشو يلا.

دخلنا غرفة وحدة ركض. وكل وحدة من بنات محمد أجالها اتصال من زوجها وجاوبت. روان: منين تتصل؟ رعد: من كندا، وصلت يمك تتصورين أقدر على بعدج؟ ملاك: ها لا تقلي اشتقت بهالسرعة؟ واثق: يا سرعة، دأحسها سنة. أية: الحمد لله على سلامتك، رجعت لشيكاغو؟ طلال: هسه وصلت، شفتي المباراة؟ أية: لا ما شفتها. طلال: فلشته تفليش ابن الـ... أية: كمل كمل، تعودت على الكلمة. طلال: شوكت ترجعين؟ أية: لمن أرجع؟ طلال: إلي، ما أقدر بلياك.

أية: وأنا ما أقدر بلياك. رحت للدكتور. طلال: باجر عندي موعد، بس كوليلي شوكت تجين؟ أية: باجر أنا يمك. طلال: أنتظرج حبيبتي. أية: صدق أنا حبيبتك طلال؟ طلال: لعد منو غيرج؟ هسه تشوفين، إلا أبنيلج قصر باسمج، بعد شتردين؟

أمام حماسه وشوقه اللي واضح من كلماته، الليل ما نمته وعديت ساعاته. طلعت من الصبح حتى بلا ريوك، وروان أصرت آخذ الفستان اللي جايبته. أخذته، يمكن هالمرة ما أصفطه يم غيره بالخزانة. أخذت الطريق آيات وأدعية أن هالمرة يراجع دكتور.

وصلت الساعة الواحدة ظهرًا. فتحت باب الشقة، جنطته مشمورة يم الباب، والحذاء يمها. الأكل باقي على الطاولة. فتحت باب الغرفة، نايم بعده وبدون تشيرت. شمرت جنطتي بالارض حيل، فز، باوعني بعين مفتوحة وعين لا. طلال: هللوو حبيبتي. تثاوب وباوع بالساعة. طلال: أهووه تأخرت بالنوم. أية: تأخرت على شنو؟ جاوب وهو يقوم. طلال: شغلة مهمة. أية: موعد الدكتور أكيد. طلال: (ما جاوب)

مد إيده ولبس تشيرته. عرفت ما أخذ موعد، وكذب علي حتى يجيبني هنا أطبخ وأنظف. أخذت أغراضي ودخلت الغرفة الثانية. وهو اتريق وطلع ما أعرف وين. واتصل بي الساعة ثلاثة قلي: طلال: محتاجة شيء؟ أية: لا سلامتك، أنت وين؟ طلال: عند الدكتور، وهسه جاي. أية: وشقالك الدكتور؟ طلال: بعدين بعدين.

عندي إحساس قوي ما رايح دكتور. وصلت درجة الغليان وعبرتها بكم درجة. عدت العصرية على خير، ما حجيت وياه وهو يتجنبني. ومرت يومين أنام بالغرفة الثانية، حتى ما سأل ليش نايمة هناك. يطلع للجم الصبح، يرجع الظهر يتغدى ويلزم التلفون يراسل أصدقائه. ما أشوفه ياخذ علاج أو حتى يحجي عن الدكتور أو عن مرضه شنو.

اليوم الثالث اتصلت بملاك، قالت ماخذة روان وماما للمزرعة. اطمئنيت عليهم وطلعت سويت العشى وخليته قدامه، ودخلت لغرفتي. ما أعرف شعجب فتح الباب علي وسألني بدون ما يدخل. طلال: ما تأكلين وياي؟ أية: أكل أنت بالعافية. دخل كم خطوة بالغرفة وهو يلح بالسؤال. طلال: ما أدري شبكِ متغيرة حيل من رجعتي من ديربون. شنو تريدين ننتقل لهناك؟ ما عندي مانع، هسه أتصل بواثق يشوفلنا بيت قريب من أهلج.

ما رديت عليه وهو يتوسل بي أكل وياه. طلعت تعشيت وياه، وإحنا قاعدين على الأكل ضحك وهو يقلد علي. طلال: ما يلوقلك الزعل أيوته. أية: لعد ما تسأل ليش زعلانة؟ طلال: هو أنا أدري ليش زعلانة؟ زين أنت ما لاحظتي شيء متغير بي؟ أية: لا شنو؟ طلال: صار فترة معدتي تأذيني. أية: يجوز الدكتور أنطاك علاج. ردت يحجي عن الدكتور بلا فائدة. طلال: لا قبل الدكتور. أية: الحمد لله، إن شاء الله دومك بعافية.

طلال: طيب، أنت ما لاحظت إني أنام بالغرفة الثانية، غير تسألني ليش؟ طلال: أي صدق ليش؟ أية: قلت أخاف أضايقك، بس إذا تريدني أرجع يمك. طلال: أكيد أريدج، ليش أنا منو بدنيتي غيرج؟

كلماته عبرت عن صدق. وبعد العشى توجهت للغرفة، لبست الفستان الجديد، لونه أزرق فاتح، طويل وموديله جديد. وقفت ساعة على المراية أرسم العيون والخدود والشفايف والأظافر. طلعت فرشة جديدة فرشتها، وعطرت الغرفة، وانتظرته بالسرير. نص ساعة انفتحت الباب. افتهم من المنظر وابتسم. دخل الفراش، أول مرة وبدون تشيرت. تمدد على ظهره وهو يحرك إيده على بطنه ويقول: طلال: آه، آه معدتي تأذيني اشو. أية: صدق؟ دأشوف بالله.

رفعت الغطى، وهو طفى الضوى. قعدت بجانبه وبإيدي دلّكت عضلات بطنه. ضحك وهو يتصور أتشاقى. دغدغته، وضحكنا إثنينا. أية: شلون صارت معدتك؟ طلال: أحسن هههه. أية: (خليت راسي على بطنه وقلت له) . أحبك طلال. سكت. بوسته بصدره واقتربت من وجهه وبسته. وهو اقترب يبوسني ورجع. بعد ثانية بالضبط قلي: طلال: وخري عني، راح أتقيأ.

ركض وطلع من الغرفة وراح للحمام. بقيت بالسرير، ما أعرف شأسوي، وكأني فقدت القدرة على الحركة. الإهانة اللي حسيتها بتلك اللحظة تغلبت على كل صبر واحتمال وحب بداخلي. وظهرت صورة المرأة المجروحة، صورة ما تمنيت أواجه طلال بيها. نهضت من السرير، غيرت ملابسي، ومسحت وجهي. وانتظر أسمع صوت القيء، وانتظرت، ما سمعت. طلعت دقيت الباب عليه. أية: تقدر تطلع، ماكو داعي تتخبى بالحمام، أنا طالعة. فتح الباب مثل المجنون وهو يلزم طرف قميصي.

طلال: وين بهالليل رايحة؟ رديت عليه بهدوء، صوتي ما قبل يطلع ويعلى عليه. أية: اكتفيت من الإهانات، رايحة لأهلي وأطلب الطلاق منك. رحت للغرفة أطلع جنطتي وهو لحقني وصوته بالصياح أخافني ودفعني للجنون بنفس الوقت. إثنينا اتخلينا عن العقل بتلك اللحظة. طلال: طلاق؟ تريديني أطلقج؟ وينه وعدج إلي تتحملين؟ أية: أتحمل لو رجلي مريض أو عاجز، أتحمل عمري كله. بس أنت مو مريض. لزمني من إيدي وصاح بوجهي. طلال: شمدريج مو مريض؟ صيحت أنا همين.

أية: ما شفتك رحت لدكتور، ما شفتك أخذت علاج. بس شفت عيونك تتفحص جسمي وتندار من أشوفك. شفت انفعالات جسمك وأنا نايمة يمك، وأنت لابس تراك. عبالك عمية؟

وعدتك صح بس أنا مو قد وعدي. أريد زواج وأطفال وهوستهم وتعبهم. أريد رجال ينتظر أطفاله ينامون حتى ياخذني بحضنه نحجي همس ونضحك بسكوت. أريد حقيقة أعيشها، وكافي من الأحلام. ما أريد مصارع ينضرب وينهان ويرجع يتقيأ ليلية. ما أريد مستر تي اللي طلع من السجن وقتل طلال هناك. ما أريدك، طلقني. ترك إيدي ورجع بخطواته عني. عيونه غمضها وقلي: طلال: من حقج كل اللي تريديه.

دخل غرفته وسد الباب. وأنا بقيت ألم ملابسي وأحاول أنسى صوتي العالي. دموعي تنزل على وجهي قهر عليه مو على نفسي. لا هو مساعد نفسه ولا مخليني أساعده. طلعت من الغرفة الثانية. طلال: اختارت أحلامها المشروعة على البقاء وياي زوجة صورية. من البداية أدركت هذي راح تكون النهاية. راح تتركني، خططت لهذا اليوم، وهسه عرفت مرارته. السبب الوحيد اللي يربطني بهالحياة هي، وهالسبب ما عاد إله وجود.

أية: طلعت من الغرفة أجر بالجنطة وبإيدي مفتاح السيارة. شفت طلال بالمطبخ واقع والدم حوله. اقتربت، الدم يطلع من إيده والسكين واقع، ورجليه ترفس. حركته وأنا أصرخ: أية: طلال! لا طلال شسويت؟ منظره وهو كله دم أفقدني الصواب. أخذت التلفون اتصلت بالإسعاف. جاوبوني وأنا أصرخ وأبكي. المتصل: تفضل نوع الطوارئ. أية: ساعدوني، زوجي انتحر، ديموت بسرعة. المتصل: تقدرين تحددين حي لو ميت؟ أية: (لمسته ما سمعت نبض جاوبتهم)

. ما أعرف، تعالوا بسرعة. المتصل: سيدتي سيارة الإسعاف في طريقها إليك. كيف طريقة الانتحار؟ أية: سكين قطع وريده بإيده ودينزف بشكل كبير. المتصل: أنت قريبة من الثلاجة؟ أية: بلي. المتصل: أخذي أي كيس خضار جامد أو لحم وارفعي إيده للأعلى، وخلي الكيس على القطع، وضغطي قوي.

ركضت على الفريزر، أخذت كيس خضار وخليت الكيس على إيده. وجهه صار شاحب وعيونه نص مفتوحة. وصلت سيارة الإسعاف. فتحت الباب لهم. تزاحموا بالشقة، خمس أشخاص ومعاهم دكتور. حاطوه من كل جهة. ما ظليت أشوفه. دخلوا السدية وأخذوه بالإسعاف. ردت أصعد وياه. رفضوا وجاوبوني: المسعف: نحتاج المكان، يجب إسعافه داخل السيارة. أي تأخير أو إرباك يفقد حياته.

رجعت أخذت مفتاح السيارة، والجيران بالشقق تجمعوا. طلعت بالسيارة وعفت الشقة مفتوحة والشرطة ماليتها. انتبهت على نفسي بلا حذاء. دموعي عمتني، وبكل قوتي أحاول أسيطر على الستيرن، ما أقدر، إيدي ترجف وأسناني تطق واحد بالثاني. ما بقى بي إلا لساني يردد (يا رب، يا رب، يا رب)

. كنت مستعدة أنطي حياتي في سبيل أختصر الطريق. توقف التفكير عندي والإحساس. مات، ما أحس بأي شيء غير الخوف عليه. لحد وصلنا أنا فاقدة أي شعور بالحياة، ومجرد جسد يتحرك. وقفت بالسيارة أضرب على وجهي وأضرب وما أحس بنفسي. رجليه خشبت، ونبض قلبي أحسه برقبتي. دخلت للمستشفى، مكتوب الطوارئ. دخلت رأسا، ووقفني الأمن. أمني: سيدتي ممنوع. أية: أرجوك زوجي جوه، فقط أطمئن عليه.

شافني بدموعي وخوفي. أشرلي فوتي. دفعت الباب بكل قوتي وبإثنين إيدي، ودخلت رجليه كل ما اقترب من الدكتور، لحد وقعت أبكي. جوي ممرضات إثنين رفعوني من الأرض وسندوني على مصطبة. ممرضة: أنت بخير سيدتي؟ أية: لا مو بخير، زوجي وين؟ ممرضة: زوجك اللي حاول ينتحر؟ أية: أي هو. ممرضة: الأطباء معاه يحاولون ينقذوه. ربنا معاه، صليله.

راحت ممرضة جابتلي مي. أخذته غسلت وجهي، أتصور أقدر أنسى منظره وهو غرقان بدمه. ما قدرت أنساه. دموعي تجري وعيني على غرفته، خايفة أسمع كلمة مات. بقيت بمكاني. والممرضات حولي ماسكين إيدي يدعون ويصلون صلاتهم للسيدة العذراء. دموعي صلت وياهم، وقلبي بعث الدعاء لربنا الواحد الأحد. ساعة ونص انفتحت باب الغرفة اللي بيها طلال، وطلع دكتور كبير بالعمر. الممرضة ابتسمت بوجهي وهيه تگلي:

"الظاهر أخبار سعيدة، لأن الدكتور إذا أخبار سيئة يطلع من الباب الثاني حتى ما يواجه أهل المريض، ما يتحمل يشوفهم يبجون." سمعت كلامها، ووقفت بدون ما أسأله، وصل يمي وحكى معاي: "هوه بخير، رغم القطع عميق وخسر دم كثير. يحتاج راحة وعلاج نفسي." خليته يشرح بلا ما أسأله، ما عندي طاقة للكلام: "اتركيه يرتاح، من يصحى راح يكون بصدمة، لصالحكم اثنينكم لا تتواجهون حاليًا." ما رديت بكلمة.

راح الدكتور، جمعت قواي ومشيت للغرفة واقتربت من الزجاج أشوفه. الأجهزة حوله، وإيده كلها باندج، وجهه بلا لون، وشعره متخلله العرق. انسحبت بهدوء، وطلعت للممر الثاني. الشرطة واقفين، واحد منهم تقدم عليه وناداني: "سيدتي ممكن كم سؤال حتى نغلق التحقيق؟ "تفضل." قعدت على المصطبة ولازمة رجليا اللي ترجف وهو يسأل: "تعرفين دافعه للانتحار؟ "نشب خلاف بيني وبينه وقررنا نترك بعض." كتب بدفتر اللي قلته وجاوب على جهاز

اتصال وكمل تحقيقه ويايه: "سبب الخلاف ممكن نعرفه؟ "بسبب عمله كمصارع، ما أحب عمله يسببلي قلق وخوف عليه." "زوجك يتعاطى مخدرات كحول؟ "لا، أبداً." جاوب الجهاز مرة ثانية وهمه ينطونه مواصفات سيارة مسروقة. قلي شكرًا للإجابة. وأنهى التحقيق وراح. وفي شرطي ثاني دخل يحقق مع المسعفين والأطباء. بقيت وحدي بالمستشفى. اتصلت بماما من حيرتي، وتندمت لأن اتصلت بيها ظلت تعيط وتصرخ. أخذت ملاك التلفون اللي نصبت تحقيق ثاني ويايه:

"رجلك ليش انتحر؟ شسويتي من مصيبة؟ "ما سويت شي والله، ساعة عصبية قلتله طلقني." "وهسه أنتي وين خانم؟ "بالمستشفى وياه، وما أدري وين أروح، تقدرين تجيين عليه؟ ما أريده يشوفني من يصحى، ما أريده يتذكر الحكي اللي قلته." "شدعوة عليك هالقد متحملة على الولد؟ أني شفتك مبتعدة عنه. مو هذا طلال الذبّحتي نفسك عليه؟ ما تفكرين أهله إذا سمعوا ابنهم منتحر شيكولون عنك؟ "كافي من هالحكي، تعالي يمي فدوة." "جاية أني أو واثق."

سدت التلفون وأني بقيت. الليل كله بين أروح أشوفه من الزجاج وبين أرجع لمكاني. والممرضات يگولولي: "اهدي، كلشي طبيعي، ارتاحي." وجابولي قهوة، وأنطوني حذاء. وعلى هالحال طلع الصبح. اتوجهوا الأطباء لغرفته. تبعتهم، وقفت قريب من الباب بدون ما يشوفني، أسمع صوته فقط. الدكتور سلم عليه وهو يمازحه: "هاي الفتى المحظوظ." ما جاوب. فحص الدكتور نبضه وضغطه وسجل بالبيانات. وحكى وياه عن الدم اللي فقده ولازم يرتاح ويبتعد عن الانفعالات. أبد

ما رد على الدكتور بس سأله: "شوكت أطلع من المستشفى؟ "يوم أو يومين، في دكتور نفسي يشوفك اليوم." "ما أريد الدكتور." "لازم نتأكد هالحالة ما تتكرر." ارتفع صوته وهو يجاوب: "وكيف تتأكدون بخطاب يسمعنيها دكتور نفسي وهو عينه على الساعة يفكر كم راح ياخذ من التأمين؟ خليه يوفر وقته والتأمين عندكم أخذوا اللي تريدوه." طلع الدكتور من عنده. وقلي: "عنده كآبة، وما أعتقد راح يتقبل علاج." "أقدر أشوفه؟ "حاولي يمكن يقتنع بكلامك."

جريت نفس عميق وتحركت صرت أمامه في مدخل الغرفة. باوعني ودار وجهه. كملت طريقي باتجاهه. أخذت كرسي وقعدت يمه. أعد نفسي للتأنيب، للّوم، للعتب، لأي عقاب يريده. أبد ما حكى أي شي، وأني خفت أحكي وأفتح جرح جديد بينا. والأطباء والممرضات داخلين طالعين عليه. كان الشباك مفتوح والهوا بارد. أعرفه ما يتحمل برد، قمت سديت الشباك وطلبت من الممرضة بطانية إله. جابتها، خليتها حول أكتافه. وبعدها جابوا الأكل إله.

إيده ما يقدر يحركها، الممرضة رادت هيه توكله. ما قبلت: "أني أوكله، روحي أنتي شكرًا." غيرت مكاني بالجهة الثانية حتى أصير أقرب منه. مديت إيدي أوكله، ما ردني. أكل وما حكى ويايه. خلص الأكل، أخذت الصينية مع أن الممرضات همه ياخذوها. ردت دقايق أنهزم، وأفكر شأسوي؟ أحكي وياه؟ أعتذر؟ لو أظل ساكتة؟ بالممر شفت ملاك وزوجها. وقفت أنتظر السباب والشتم من ملاك، اللي راسًا أخذتني من إيدي بعيد عن واثق على الحايط. "احكي شسويتي؟

رجلك ليش انتحر؟ تعرفين غيره؟ تحبين؟ ما خليتها تكمل اتهامات: "ملاك بلا هالدراما فدوة لعينك. تعاركنا على المصارعة وكتله طلقني. فوتي جوه شوفيه واسأليه يريدني يمه لو أنقلع." دخلت ملاك كلها عصبية وزوجها وياها، وأني بره يم الممر. طلال: ما ألوم آية بقرارها، لكن وجودها بحياتي خلاني أناني في تفكيري. وتصورت أقدر أقنعها بهيج حياة. منو تقبل بهيج حياة؟ المفروض تعرف اللي بيه وهيه تقرر تبقى ويايه لو تنسحب. الاعتراف صعب.

والبقاء وياها وبعينها أني رافضها أصعب. بعد زيارة ملاك وواثق، اللي سألوني تبقى آية وياك لو ناخذها؟ جاوبتهم: "تبقى ويايه." طلعت بعد يومين من المستشفى، هيه ويايه تداري وتطبخ وتراقبني أخاف أسوي بنفسي شي. وما في شي حاد بالبيت ما ضامته. الكلام بينا معدوم. لكن أشوفها تصلي وتدعيلي. وبخرت الشقة وهيه تقرا آيات عن الحسد، تتصور محسود أني. أخذت قرار أحجيلها الجانب المعتم بحياتي. بالليل هيه تنام بغرفتها، دقيت الباب عليها.

خافت وتصورت جاي أتعارك وياها. كانت بعدها ما نايمة وتضرب ملابس أوتي. "اتركي اللي بإيدك وتعالي اعرفي اللي بيه. وبعدها أنتي حرة بأي قرار تاخذيه." آية: دخل عبالك متوجه للإعدام. قعدت على طرف السرير. وقف ظهره عليه، خلى الإضاءة أقل ما يكون. ودار وجهه عني على الخزانة، إيديه الثانية لازم بيها الخزانة. ومدّنق وبديت أستمع لقصته المأساوية: "تتذكرين يوم الاعتقال؟ كنت راجع من بيت عمك منهار وضايك. طلعت للشارع أتتنفس هوا."

"أتذكر واتصلت بيه."

"صار انفجار على دورية أمريكية. وفي شخص قبل الانفجار يمشي وبإيده علاكة صمون، احترك بالانفجار. وأني من الخوف ركضت وكع تلفوني قريب الانفجار. وأني أركض الأمريكان ضربوني برجلي، اتصوروا أني زارع العبوة. وظلوا يضربون بكل الاتجاهات. ورا دقايق حاولت أزحف جت دباباتهم طوقت المكان واعتقلوني. بعد الاعتقال انعرضت على دكتور شاف إصابتي طفيفة مجرد شظية طلعوها بدون بنج. ومع كل الألم، انتركت بممر مظلم بدون حتى حباية مسكن. مرمي على وجهي. باليوم الثاني أخذوني جنود اثنين للتحقيق."

"أتذكر التحقيق لحد الآن أول ما وصلت. راسي داخل كيس، وإيديه ورجليه سلاسل حديد. وسمعت باب انفتحت واثنين لازميني. قعدوني على كرسي، ونزعوا الكيس مني. كبالي ضابط أمريكي أصلع ومعاه مترجم عراقي. الضابط يسأل والمترجم يترجم السؤال والجواب، وأني أفتهم الكلام." الضابط: "اسمك وعمرك وشغلك؟ "طلال إبراهيم التميمي، عمري 22 سنة، خريج هندسة." الضابط: "هندسة يا فرع بالضبط؟ "هندسة مدني." "اممم. تعمل لجماعة معينة؟

"ما أعمل ويه أي جماعة، أنتم اعتقلتوني غلط. ما لي علاقة بالأمريكان ولا المقاومة ولا أعرف أزرع عبوة، بالصدفة موجود هناك." الضابط: "شوف هذي الصور تعرف واحد بيهم؟ أخذت الصور قلبتهم، عرفت واحد منهم: "هذا الولد اسمه لطيف، أعرفه من أيام الطفولة نلعب بالساحات كرة قدم." باوعني وهو يترك الكرسي ويلتف حولي ويخبرني: "هذا إرهابي القينا القبض عليه، وأنت تعترف بمعرفتك بيه." "أعرفه من كنت طفل، حاليًا لا."

وجهت كلامي للمترجم حتى يفهمهم قصدي من أقول ألعب معاه من الطفولة. ما كترث للي أقوله، والتزم بترجمة الإجابة فقط. ومن معرفتي الإنجليزية ولو ضعيفة بديت أني أحكي وياهم مباشرة: "لو تسمحولي أجري اتصال مع أهلي وأبلغهم بوجودي وتتأكدون أني مو إرهابي." للأسف ما كان عدهم أي استعداد بتصديق أي شخص يلقون القبض عليه. طلعوني من الغرفة ما أعرف وين أخذوني بممر من كثر البشر بيه صعب تتنفس.

مع ألم رجلي ودرجة حرارتي العالية خلتني أوقع تحت الأقدام. بالليل طلعونا بسيارة. ما نشوف شي، لكن من التوسلات عرفت إحنا مجموعة. توقفت السيارة، عرفنا وصلنا لسجن أبو غريب. "ليش أنت كنت بأبو غريب؟ جاوبني بهزة راس (أي) لمحتها بالضوى الخافت. وكمل حديث: وفتحوا الأبواب. بدوا ينزلونه والقيود بإيدينا ورجلينا ما نقدر نتحرك. وهمه يرددون كلمة وحدة: "Go, go, go." بأعلى الأصوات. جمعونا كلنا، صغار وشباب وكبار بالعمر.

الوقت ما نعرفه ليل أم نهار، ظلام دامس وكل اللي حوالينا أمريكان، كلمة عربية ما في. فتحوا السلاسل ورفعوا الأكياس عن رؤوسنا. بعدها جردونا تمامًا من أي قطعة ثياب وسط توسلاتنا وبكائنا، بعضنا كبار بالعمر شيوخ طاعنين بالسن. ما احترموهم ولا اعتبرونا بشر. لقينا نفسنا وسط قاعة كبيرة وأمامنا مجندين أمريكان ويلزمون بلجام كلاب بوليسية مخيفة. أطلقوا الكلاب باتجاهنا وارتفعت الصرخات منا ونباح الكلاب.

والتخبط بالجدران والتعثر شخص فوق شخص. الكلاب نهشت بعضنا، وخاصة الكبار بالعمر اللي مرضى وقعوا وتخربطوا. وضحكات الجنود ترن بالقاعة وتخترق الجدران، وصرخاتنا أعلى منهم. لكن ما في منقذ أو مجيب. تصورنا هذا تعذيب. لكن اللي بعده كان أصعب بهوايه. قاطع حديثه صوتي، سألته: "بعد في أصعب من هذا؟ هز راسه (أي) ، وأني يا دوب أشوف انعكاس جسمه:

"أخذونا للزنزانات منفصلة. الرعب اللي بينا ما خلانا ننام. حاولت أتكلم مع الضباط اللي يفتشون لأن أعرف لغة." "أني بريء، أنتم اشتبهتم بيه." الضابط: "كم واحد هنا يردد نفس الكلام، بريء وبريء؟ ما يهمنا براءتكم. اللي يهمنا ما في جندي أمريكي يرجع بتابوت لأمريكا." ما فاد الكلام وتحقيق انقطع عنا. مرت أسابيع وأني أحاول أقنعهم ببراءتي ليلية من يفوتون للتفتيش دون جدوى.

مر شهر، خلالها تعرفت على كم سجين من الزنزانات المقابلة والمجاورة. فهموني لا تجيب طاري أهلك وخطيبتك. سألتهم (ليش؟ جاوبوا: "يجيبوهم هنا ويعذبوك قدامهم." من هذا اليوم، جبرت نفسي أنساكم. كثروا السجناء وتعارفنا أكثر. جمعنا هم واحد وخوف واحد. وبدأ فصل جديد من فصول التعذيب. في جنرال اسمه جيرالد. كان يدخل ليلية ومعاه الجنود. ويبدأ استعراض قوته علينا. يجمعنا في مكان. عراة ويبدأ مع مجندين ومجندات يستعرضون علينا.

في مجندات اثنين كانوا يعبثون في أعضائنا ويصورون. ويسكرن ويصبن الخمر على أجسادنا وهنه يتذوقنه على أجسادنا. يجمعونا على شكل هرم بشري عراة... تصوري أجساد تحت وفوق. وهمه يختارون شخص يخلوه آخر واحد حتى يضاجعوه. وبعض الجنود يقوم بالاستنماء فوق أجسادنا. درجة الخوف تكون البكاء بداخلنا وحابسيه ما نحكي أخاف الأمر يزيد عن حده. أصواتهم ونشوتهم لحد الآن تصحيني ليليه وأني عرقان.

كان يحكي ومخلي أصابعه على حلگه، كأنما ما يريدني أسمع أو ما يريد يذكر، وما يريد الكلمات تطلع. تعب من القهر... سكت وهو يضرب الأرض برجله. حسيت الصور بدأت تحاصره وتثير مواجعه وآلامه. طلبت منه يسكت. أصر يكمل. بعد ما تخلص حفلتهم يرجعونه على الزنزانة. بداخلها نكون مجردين من الكرامة والرجولة، وأمنية وحده بداخلنا كلنا هي الموت. يجبرونه ناكل خنزير، ويقولونه هذا خنزير. واللي يرفض يوكلونه بالقوة.

آه ما أقدر، معدتي لحد الآن تفور من التقزز. حبست نفسي بيدي، ما بقى عندي حيل أسمع أكثر. بليلة من ليالي الاستعراض، وحده من المجندات العاهرات انتبهت عليه. اسمها كلارا، كانت برتبة ملازم. اقتربت مني بيدها عصا حديد. خلتها خلف رگبتي، وباستني وهي تلمس كل جزء بجسمي. وحجت كلمة استفزتني. كلارا: أريدك تصير عبدي. ضحكوا بقية الحيوانات اللي وياها. وأني كنت أعرف معنى كلامها. رد عليها كلب حقير مثلها: اتركيه، هذا شاذ راح يكون عبدي أني.

فقدت الشعور ونسيت أني بسجن. تقدمت خطوتين وأني منفعل. ضربوني بالعصي بكل منطقة بجسمي. فقدت الوعي. ومن صحيت لقيت نفسي مع كلارا في غرفة. ردت أتحرك، ما قدرت. كانت رابطة إيدي ورجلي بسلاسل حديد. وبإيدها سوط، وترتدي ملابس سوداء غريبة. جلدتني بالسوط بكل مكان، وهي تصور نفسها معاي وتراسل صديقاتها بأمريكا. وكانت تضاجعني أمام بقية الجنود، وتفتخر بتعليقاتهم وصياحهم.

قتلت بداخلي حلم الشاب المنتظر عروسه العذراء الخجولة. قتلت رغبتي بزوجه اللي هي أنتي. بل حقدت على كل النسوان بالعالم. بقت 15 يوم حاجزتني بغرفتها. وبليلة من كثر الضرب أغمى عليه. وأول ما صحيت صاحت واحد وياها، وشمروني بالممر. يوم كامل اللي يمر يدوس عليه. واستمرت الأحوال من سيء إلى أسوأ، واستمر تسليتهم بأجسادنا يومية وتصويرهم وإطلاق كلمات وصف لأجسادنا. كل أملي أتصل بأهلي أو بيك أنتِ، أو أي إنسان بالدنيا وأطلع من السجن.

تصوري أني بسجن وداخلي أمنية أبقى بالزنزانة. كل أمنياتي أن أبقى هنا بدون ما أحد يعري جسدي، ويحط من كرامتي. وصل الخبر لجيرالد أن في سجين حاول يتهجم على جندي. وأخذوني له بمكتبه. بمكتبه جذبني على الحايط الأوسمة اللي مأخذها. نظر لي نظرة من أعلى لأسفل، وبادرني صوته. تعتقد نفسك قوي؟ تتحدى أمريكا؟ أني ما أتحدى أحد، وجودي غلط هنا. جاوبني بعصبية: فعلاً وجودك غلط. نادى جندي بره بكل عصبية، وقاله: أخذوه بعيد عني.

أخذوني للممر. اتصورت حبس انفرادي، لكن اللي أخذوني له الموت أهون منه. طلع صوته بالبكاء، وحاول يكتمه. إيديه اتحركت حول جسمه، يسكت الرجفة اللي بكل عضو من أعضائه. سألته وأني أشوفه يرجف: طلال شصار بالممر؟ غطى وجهه بباب الخزانة وسمعت كم حرف من كلمة (اغتص... وسكت وبكى. وكمل: اغتصب... وما قدر يكمل وبكى، وبكيت وياه. ضرب الخزانة برجله ورأسه.

طلعت الكلمة كأنما مات من قالها. صوته صور لي وضعه بذاك اليوم. دموعه شفت بيها وهمه يكسرون رجولته وكبرياءه وكرامته. رجفة إيديه وضحت لي هدفهم كان تدنيس كل العراقيين مو بس طلال. وانقطع الكلام بينا، أني ضامة وجهي وأصرخ. وهو مدنگ بالخزانة ويبكي. لا أقدر أقترب ولا أقدر أنهزم وأنسى اللي سمعته. وكمل بالكلام: أسبوع مر عليه مع جنود شواذ يعملون قرعة منو اللي... كافي فدوة كافي لا تكمل، الله يخليك بعد ما أتحمل، راح أموت والله.

أني فعلاً متت من ذاك اليوم. الألم بأحشائي وبمعدتي، شعوري بالقرف، بالعار، بانعدام الرجولة. كل هذا عشته وتعايشت وياه. بعد فترة رجعوني للزنزانة. وعرفت من المساجين في صور وأخبار متسربة للصحف ومحطات بريطانية من رسائل الجنود لأصدقائهم. وبنفس الوقت أضربنا عن الطعام. أول واحد كنت أني. أخذوني لمكتب ضابط أكبر رتبة، اسمه جيمي. جاي يتأكد من صحة الأخبار. دخلت على مكتبه هو جالس على كرسي، وأني واقف مكبل بالحديد.

باوعني بنظرات صارمة. وبداخلي كل شي ميت، وما عاد يهمني شيصير. سألني: متصور نفسك بطل وتريد تقود السجناء للإضراب عن الطعام؟ انتظر إجابتي... ما جاوبت. ترك كرسيه ووقف قبالي، وسألني: احكي لي طلال التميمي، المهندس، ابن إبراهيم التميمي، أخو علي وأيوب، شجابك هنا؟ ذكر معلومات عن أهلي بقصد يخوفني عنهم. رديت على سؤاله: أني بريء. ضحك وهو يرد: نعرف أنت بريء، الجماعة اللي زرعوا العبوة ألقينا القبض عليهم واعترفوا، أنت مالك علاقة.

استغربت يعرفون براءتي وساكتين، وما أطلقوا سراحي. سألته... جاوبني بضحكة: الجيش الأمريكي سمعته فوق كل شيء، إذا طلعت راح تتحدث للصحف والفضائيات. إذاً اقتلوني واخلصوا مني. باستهزاء رد: نقتل إنسان بريء؟ لا، في حل أفضل. باوعت عليه وأتساءل شنو الحل؟ جاوب بصوت حازم: راح أحولك بطل مشهور محترم. وأضمن تحت إشرافي ما تتعرض لأي انتهاك. وكمل يشرح لي بدون ما أفهم.

أنت بالمكان الخطأ وأني المفروض أكون ببلدي مرتاح وأشاهد مباراة مصارعة بالتلفزيون وأسب المصارعين. تقدر ترجع لبلدك وتشاهد اللي يعجبك. أو أقدر أجيب المصارعة لهنا. ما افتهمت. جهز نفسك لمباراة مصارعة أمريكية مع سجين ثاني. تعرف تلعبها؟ لا ما أعرف. صاح الحرس حتى ينقلوني لغرفة ثانية. دخلوني غرفة ومعاي شباب ثلاثة سجناء عراقيين: حميد ومأمول وسلام. ودخل نفس الضابط جيمي، وبيده شريط فيديو شغله وهو يفهمنا: هذا شريط شاهدوه وياي.

أمرهم يفتحون القيود وقعدنا على كراسي. وشاهدنا المباراة. وبعدها هددنا: أنتم فريقي ضد فريق ثاني. اللي يخسر نهايته بشعة. باوعنا وقال: أبشع من الاغتصاب. طلع والجنود بدأوا يدربونا على المصارعة اللي الضباط مهووسين بيها، ويتنافسون على السجناء مقابل الرهانات. بعدها رجعت للزنزانة. والتفكير شل دماغي. كيف أضرب إنسان بريء؟ ما أعرفه، ما مأذيني. وبديت أقنع نفسي أن الضرب مجرد تمثيل.

تصورت أن المباراة راح تكون داخل قاعة وعدد محدود من الجنود يحضروها. وبيوم المباراة اكتشفت غير شيء. أخذوني بسيارة. وصلنا لمكان اتصور كان قصر للنظام السابق. بيه قاعات وحدائق وجنود ما لهم عدد. أنطوني ثياب مكتوب على الشورت (مستر تي العملاق) لبست الملابس، واجوي أخذوني والصوت أسمعه: المصارع العملاق مستر تي للترفيه عنكم أيها الجنود الشجعان. والمصارع الكردي.

ما عرفت اسمه، أو تغاضيت عن الاسم والشكل حتى لا يبقى شبحه يطاردني ليلية. والجنود وسط صيحات وبيرة ورهانات علينا. انفتح ضوء قوي وقدموني للحلبة. تقدم المصارع، أني مدنگ ما أريد أشوفه. ضربني على معدتي ووقعت بالأرض. وانتبهت راح يدوسني برجله. سحبته من رجله وكعته. ضجت القاعة هتاف وصياح. ضربته مرة ثانية وثالثة. وتوالت الجولات بينا إلى أن خلصت بفوزي. انداريت على المصارع الثاني يجرّوه جر وأخذوه ما أعرف وين.

سألت الجنود وين مأخذيه؟ وين مأخذيه؟ ما اهتموا لسؤالي. صعدوني السيارة نفسها ورجعت. وأني ألح بالسؤال عن مصير المصارع الثاني. جاوبني جندي: الأفضل ما تعرف، وإذا ما تريد نفس المصير احمي نفسك من الخسارة. الرهانات عليك عالية، إذا خسرتنا تدفع الثمن غالي. تكررت المباريات كل جمعة بالليل. وكل مرة مع شخص يختاروه يكون بطائفة أو قومية تختلف، ويشجعونا نضرب بعض. صار الضرب وسيلة للتنفيس عن غضب جواي. سألته: وعرفت اللي يخسر وين يروح؟

عرفت من خسرت مرة. شعرفت وين ودوك طلال؟ بمباراة كان عندي أنفلونزا شديدة ما أقدر أفتح عيني. مستر جيرالد وجيمي وجماعة غيره مراهنين عليه بالفوز. أخذوني كالمعتاد للحلبة. ما شفت منو قبالي، ودرجة حرارتي تمنعني أصد بالأضواء. أتذكر انضربت... وانضربت لحد ما خارت قواي بنص الحلبة. وأسمع أصوات الاستهجان من الجنود ورمي العلب الفارغة عليه. وانجريت مثل بقية المصارعين الخاسرين اللي شفتهم ينجرون. وعرفت شيصير هناك. شيصير طلال؟ قول لي.

جاوب وهو يرجف: اللي يخسر... ياخذون أعضاءه يبيعوها... حتى يعوضون خسارتهم. وبعد ما يخلصون منه... يشمروه بالشارع بنص منطقة شعبية. أسمع وما أعرف بشنو أرد عليه. خلص الحكي والقهر ما خلص وازداد. وهو يقول لي: بعد خسارتي... جروني للتشريح وأني أصرخ وأتوسل. وباللحظات الأخيرة جيمي عارض قتلي. وأقنعهم بقول: هو أفضل مصارع عندي... والجنود يحبوه. نجيت من الموت. صارت المصارعة وسيلتي حتى أحمي نفسي من الاغتصاب.

وبهالأيام تعرفت على ضحايا عراقيين اثنين نفس حالي. ونجحوا يوصلون أخبار السجن لصحفية بريطانية كانت تزور السجن. كتبوا لها ورقة بالدم كلمتين فقط هي: ساعدينا رجاءً. وضعوها في إيدها بدون ما يشوفهم أحد. وبنفس الوقت واحد من المساجين مات أثناء الاغتصاب. وحاولت إدارة السجن تتستر على الحادث. وقبل لا تجي لجنة وصحافة أمريكية وبريطانية تم نقلنا لسجن كروبر. هذا سجن ما أحد يوصله. كبرت الفضيحة... وطلعت صور للصحافة وأفلام.

حولوا جيرالد للتحقيق بأمريكا. أخذ توبيخ وسوء إدارة. رادوا يحققون ويانا جهات دولية مختصة. خيرونا نسكت أو نموت... وسكتنا لأن ما في رجال يعترف بالاغتصاب. ومرت سنين عليه أحاول أوصل خبر لهلي، فشلت. ظهرت عندي أمراض بالمعدة. أبقى أيام بدون أكل ومع ذلك أتقيأ. انعرضت على دكتور وفهمهم أن معدتي بسبب الضرب بالمصارعة بدأت تتقلص. طلبت أترك المصارعة بسبب مرضي. قطعوا العلاج عني حتى يجبروني على المصارعة.

وبقيت مصارع عندهم. وأحرص على الفوز خوفاً من الموت. وصار العنف وسيلة أخلص بيها من الكبت داخلي. وبمرور الأيام... كرهت كل شيء وكرهت حتى الحرية. ما أريد أطلع وأشوف أهلي، أو أنتِ. ما أريد طلال القديم يرجع وينسأل شصار وياك بالسجن. صور وأفلام المصارعة الجنود نشروها على صفحاتهم. من صار تسليم السجون للعراقيين اقترحوا علي أسكت مقابل يطلعوني. وليش قبلت بالسكوت؟ يعني لو يسلموني للسلطات العراقية وأحكي لهم شراح يسوون؟

يشتكون على أمريكا مثلاً؟ أكيد يتفقون بينهم. وأسهل من قتلي ما في. أشروا لي فيزا وصلت لأهلي. ما عندي أوراق غير شهادة وفاة. واختارت الهجرة حتى أنهزم من كل ناسي وأهلي وأولهم أنتِ. ما سألت عليك وما دورتك. لأن ما عندي شيء بقى يريد حب ومشاعر. أو علاقة معاشرة وزواج. كرهت كل تفاصيلها، كل جزء بيها، ولا يمكن بيوم من الأيام أكون بموقف مشابه. لا يمكن أقترب منكِ أو من غيركِ. ما حسبت ألقاكِ مرة ثانية... وأحبكِ مرة ثانية...

ونعيش سوا مثل ما بيوم تمنيت. وتطالبيني بحقوقكِ. وأقف أمامكِ وأعترف لكِ باللي كنت معاهد اللي بقى من نفسي. محد يعرفه. بنهاية كلامه، قعد بزاوية الغرفة وضم رجليه لصدرو وراسه بين أيديه ويبكي. قال: "كان المفروض أقول لكِ قبل الزواج، لكن الموضوع ما ينحكي. شتريدين أقول لكِ؟ حاولت أبعدكِ... وتجاهلكِ... ظل الحلم القديم بطلال يراودكِ... ورجعتي تعزفين لحن حب بحياتي، وهاي إحنا سوا. حكيت لكِ هسه لأن أحس أنتِ روحي...

وكأنما شكيت لروحي. قرري أنتِ بالنيابة عني وعنكِ. الله يخليكِ... أني ما أقدر أقرر. وخلكِ منصفة. روحي حبيبتي... اتركيني. أنتِ تستحقين تعيشين حالكِ حال غيركِ... عاذرِكِ." حكى هالكلمات، وسطها حسيت أمل مخنوق أرد عليه وأطمنه أبقى وياه. طلع من الغرفة خطواته منكسرة، والظلام اللي بالغرفة زاده انكسار... وتركني لوحدي أفكر بقرار. استرجعت كل اللي قاله... وكل معاناته. ما تخيلت شايل كل هال قهر وساكت. أجهل شنو المفروض يكون موقفي.

وكيف أساعده؟ كيف أشيل عنه؟ بعد ما عرفت أسبابه صعب أتخلى عنه. أكيد ربنا جمعني بيه لسبب معين. شقد صعبة رجال يمر بالموقف... وما اعترف لي إلا حتى يقول لي ما رافضكِ... وإنما ما مستعد لأي بداية. أكيد أي موقف حميم بينا راح يتذكر اللي صار. أي لمسة... أي صوت... أي كلمة. تضاربت مشاعري وأسئلتي داخل الغرفة. إذا أني الكلام ما تحملت أسمعه. كيف تحمل هو يعيشه؟ وشنو ذنبه؟ أكون أني والزمن عليه. وأكيد عذابه أكبر مني...

وهو يشوف حبيبته... ومرته يمه... ومحروم منه. الليلة هذي تختلف عن كل الليالي بعمري. كل ما أتذكر صوته... وحزنه تبدأ عندي نوبة بكاء... الآه بيها تقطع القلب... وتسل الروح. خروجك من هذا السجن. مرت ساعة الصراع... مسحت دموعي... وطلعت أركض لغرفته. فتحت الباب... نظرني بخوف وهو ينتظر قراري. قاعد بالسرير... ودموعه ما زالت على وجهه. دنج... وبكى مثل الطفل. اجيت عليه... أخذت راسه بحضني... استجاب... وتمدد. مسحت دموعه. انهار بالبكي

بين أحضاني وهو يردد: "آه يا ريتني متت... يا ريت متت. كاره نفسي... وجسمي... وعمري... أحس بنفسي عار لأهلي ولنفسي." سكتّه بأصابعي وحجيت وياه: "طلال، هذا اللي رادوا يزرعوه بداخلك وتصدقه... لا تصدقه... هم مو أبطال... أنت سجين عندهم... ورفضت... وقاومت... كافي من التفكير... نام وارتاح. وأني وياك للأبد. تتذكر وعدنا... للأبد... أني وياك... صديقة... وحبيبة... للأبد... لا يكون همك أني... اطمئن أنت ضامني. واثنيناتنا...

راح نخلي طلال ينتصر. ويطلع من السجن... نام هسه... وارتاح." غفى بحضني... وهو يشهق. ودموعه أمسحها بأيدي. وترجع تنزل. -رعد استقريت بكندا... استخدم أوراق ابن أختي أم زهراء. لحد المحامية تشوف طريقة... توصل بيها لبام... وأني أيضاً... اتصلت بأصدقاء يحاولون يعرفون مكانها. اشتغلت بمطعم... ١٤ ساعة باليوم... سبع أيام... حتى أدفع مصاريف علاج روان... واحتياجاتها. أشتاق لها... وأتصل بيها يومية كاميرا. من أشوفها... ضعيفة...

ومتغيرة. حيلي ينهد. قال: "روان بيبي لخاطري اكلي." قالت: "ما أقدر ريحة الأكل ما أطيقها." قال: "يا ريتني ما ورطتكِ بهالزواج وجماله حمل." قالت: "منو قال أني متورطة؟ أصلاً ناوية بس أجيب أسوي طفل ثاني." قال: "هههه منين بالله إذا أني بكندا وأنتِ بأمريكا؟ قالت: "عاد من بعد كندا عن أمريكا... هو جسر أعبره وبيت أم زهراء أندله." قال: "هههه والله مشتاق لسوالفكِ." قالت: "لسوالفي وبس." قال: "وكلشي بيكِ... مشتاق...

للنور اللي شع بعمري... للضحكة اللي عادت بي الزمن للشباب... لمسة إيد تخجل من نعومتها خيوط الحرير... آه يا روان لو بس تعدي هال أزمة. أخذكِ ونسافر لكل مكان بالعالم. وبكل زاوية على الأرض أصرخ أحبكِ." قالت: "وأني أحبكِ." انتبهت بحضنها دفتر... سألتها عليه جاوبت. قالت: "دا أكتب قصتي... حتى ما أحس بالملل... وأبقى بس نايمة." قال: "أحسن فكرة... بس لا تنسين تكتبين بخط واضح... وإذا ما تعرفين تعبرين أني أساعدكِ."

ضحكت وهيه تجاوبني: "أوكي مستر رعد." —ملاك مع وجود ماما... وروان... بالبيت وياي خفف عني الشعور بالعزلة... لكن كل ما أتصور إن حياتي راح أخلصها هنا ينتابني الحزن... والكآبة... ومن حكيت لماما جاوبتني. قالت: "لأن شتى من يجي الصيف وتزهر الأشجار... وينزاح الثلج... تروح الكآبة... وتحبين المزرعة." قلت: "ما أعتقد هذا السبب. فقدت الاستمتاع بالنوم كل شوية. لو الكلب ينبح... لو الديك يصيح... والعصافير من الساعة أربعة الفجر...

يبدأ تجمعها يم شباك غرفتي. يا الله شقد أكره المزرعة." روان تستمع للحديث وهيه أمام الفاير بليس تتدفى وتكتب بدفتر. وشاركت برأيها. قالت: "أقول لكِ شي... حاولي تحجين وياه... قولي له نغير غرفة النوم بالبيسمنت... هدوء وما راح تسمعين شي... لحد ما تتعودين على الريف." قلت: "حلتها الفاهمة تريدني أخلص عمري عايشة... بالبيسمنت... لا أشوف نهار... ولا ليل." ثارت ماما بوجهي. قالت: "ترى احتارينا وياكِ ما تقولي لي شتريدين."

قلت: "ما أريد شي أني صوجي أحكي لكم." رجعت لدوامي بديربون. وأخذت ماما... وروان لبيتنا. وعدى اليوم الثالث لي هنا... والمفروض أرجع للمزرعة العصر... روحي مقبوضة... وأبحث عن عذر حتى أبقى هنا. اتصلت بواثق وخبرته... قلت: "ما أرجع لأن تعبانة والطريق طويل." قال: "وأني منتظركِ تجين حتى نطلع نفتر." قلت: "وين نفتر... هيه كلها مزارع مغطيها الثلج." افتهمني اللي أقوله مجرد أعذار. وحاول يرفع معنوياتي.

قال: "ملاك تعرفين ليش أني اختارتكِ زوجة؟ قلت: "لا ما أعرف." قال: "شفت بيكِ قوة وتحدي للظروف مهما كانت. أدري حياة الريف مو سهلة الإنسان يتعود عليها وخاصة إذا عايش حياته كلها بالمدينة. لكن مو صعبة عليكِ. متأكد راح تحبين المكان أو على الأقل تتعايشين وياه." قلت: "حاولت وما قدرت مجرد أدخل بيها أصير أعصاب." قال: "أني اللي أعرفه... اللي يحب شخص يحب المكان اللي يعيش بيه." قلت: "والله أحبك بس." قال: "بلا بس...

ابقي كم يوم بديربون ارتاحي وأني أنتظركِ." صح قال أنتظركِ بس حسيت بيها يأس مني. الزواج تكون من بدايته تغيير. بحياة البنت... وأصعب ما بهذا التغيير... هو الانتقال لمكان جديد. إذا كان صعب نترك سريرنا ليوم واحد... كيف يكون ترك كلشي تعودنا عليه... ونبدأ بمكان ثاني؟ يمكن تعودت على حياة العزوبية... وما أقدر أتأقلم مع الزواج... وليس الريف. يمكن. -البارت ٦٣٠٠ كلمة. دا أضغط على نفسي وأكتب.

حتى أخلص القصة لأن ما في تفاعل ولا تصويت. تعبنا ضايع أمام قصص تافهة. دا تصعد للملايين. وأفكر بترك الكتابة... وأحتفظ بقصصي لنفسي بدل ما تُسرق. من كاتبات الفكرة وهيه توصل ملايين المشاهدات... اعذروني إذا تكلمت بصراحة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...