وضعوني في إنـاءْ
ثُمّ قالوا لي : تأقلَـمْ
وأنا لَستُ بماءْ
أنا من طينِ السّمـاءْ
وإذا ضـاقَ إنائـي بنمـوّي
..يتحطّمْ !
أحسست بأحدهم يمسك يدي ويضغط عليها بقوة , وصوت اعرفه أو كنت اعرفه يتردد على مسمعي , اعتقدت انني أحلم , فتحت عيني ببطء , لم يكن ما أراه واضحاً , اشعر بالتشويش في عيني , وكأن غمامة تحجب عنِّي الرؤية ,بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً , تلك الملامح المألوفة لي , الملامح التي أعرفها جيداً , أتراها هي ؟ , هل أنا أتخيل مجدداً ,همست بصوتي الضعيف اريد ان أتأكد مما تراه عيني : نور , انتي نور ؟
جاءني صوتها الحنون ليأكد لي شكوكي : بسم الله عليك , هالة تسمعيني ؟
انها نور , انها حقَّاً اختي نور , رفعت بجسدي بصعوبة ,فاحتضنتني ,وذلك ذكَّرني بدفء حضن أمي , تمنيت ان لا تنتهي تلك اللحظات ابداً, قلت من بين دموعي : نور ليه تأخرتي ؟ ليه تركتوني هنا ورحتو عني ؟ نور انا ماسويت شي غلط وربي , اقسم بالله ماسويت شي , نور ابوي شلونه ؟ قولي له اني ماسويت شي , هذا مو انا اللي في الصور , مو أنا ,نور تكفين صدقيني , تكفين نور
ابعدتني عنها لتمسح دموعي عن وجهي , وكانت تبكي مثلي : مصدقتك بدون ماتقولين , والله مصدقتك
كلماتها أراحتني , وازالت جزءً ضئيلاً من آلامي المتراكمة , قلت وانا مغمورة بالخوف والقلق على ابي المريض : ابوي ؟ شخباره ؟
نور : لا تخافين , ابوي بخير
تنهدت بارتياح بالغ : نور ما قدر اعيش بدونكم , خذيني معك تكفين
نور : ما اقدر هالة , واخاف ترجعين البيت حامد يسوي فيك شي
صرخت : يعني ابوي بعده مو راضي عني ؟ قولي له لايصدق الصور مو حقي , وحامد بعده يبغى يذبحني ؟ طيب وليلى ؟ ليه ماجت معك ؟ حتى هي مصدقة ؟
ارتبكت وحاولت تهدئتي : هالة خليك قوية , كله شهر او شهرين بالكثير لين ماتهدى الأمور شوي وبجي اطلعك من هنا
لم تجاوب على اسئلتي , ففهمت من ارتباكها ان توقعاتي صحيحة , لقد تخلو عني جميعاً وصدقوا تلك الكذبة ,حتى ليلى توأم روحي لم تعد تريدني
صرخت بأعلى صوتي : الصور مو لي , ليه ماتفهمون ؟ ليه ماتفهمون ؟ الصور مو لي , والله انا ماسويت شي , ليه ماتصدقوني
أنا ما أقدر اعيش وابوي مو راضي عني , ما اقدر اعيش بعيد عنكم ماقدر ,ليه ماتفهمون ؟ ما اقدر اعيش لوحدي , لا تظلموني , الصور مو لي
امسكت بيديها وانا لازلت اصرخ : ليه ما تركتيني اموت ؟ انا المفروض كنت أموت في ذيك الليلة ليه ما خليتيني أموت ؟
صرخت في وجهي : اذا كنتي بريئة تصرفي على هالأساس , ربي كتب لك عمر جديد عشان تثبتين براءتك للكل ,انتي اقوى من كل شي يجيك , , انتي اقوى من كلم هم ومن كل مشكلة , لا تخليهم يحكمون عليك بشي انتي ماسويتيه , اذا كنتي مظلومة وبريئة تصرفي على الأساس , ربك ما خلق عبد ونساه ,
قلت بصوت مهزوز: بس ما اقدر لحالي
نور : تقدرين , خليك واثقة من نفسك , وانا ما بتركك , منصور يحاول يوصل الى اللي رسل الصور , وان شاء الله نوصل له , وانتي في هالمدة , خليك قوية ولا تخيبين ظني فيك , ادري صعب , بس لازم تحاربي عشان شرفك وكرامتك .
كلامها أثر في نفسي , أجل يجب علي ان احارب لأجل شرفي , يجب علي ان اثق بها , واصبح قوية ولا استسلم , و " ربي ماخلق عبد ونساه " ولكن هل يمكنني فعلها وحدي ؟ هل يمكنني التحمل ؟ وانا منفية ومنبوذة من جميع من احببتهم
خَيَّروني
بَيْنَ مَوتٍ وَبَقاءْ
بينَ أن أرقُـصَ فوقَ الحَبْلِ
أو أرقُصَ تحتَ الحبلِ
فاخترتُ البقـاءْ
قُلتُ : أُعـدَمْ.
فاخنقـوا بالحبلِ صوتَ الَببَّغـاءْ
وأمِـدّوني بصمـتٍ أَبَـديٍّ يتكلّمْ !
* أحمد مطر
,
كان جالساً الى جانب مريضه الستيني "ابو سالم " , يطمئنه ويشرح له سير العملية مجدداً, كانت عملية استئصال ورم في البنكرياس , وكانت تشكل لمنصور تحدياً , قال المريض بشيء من الخوف : انت سويت هالعملية من قبل يادكتور ؟
منصور : سويتها خمس مرات من قبل
ابو سالم : ونجحت في كل هالخمس مرات ؟
منصور : نجحت ثلاث مرات ومرتين لا
ابو سالم : بس هالمرة بتنجح صح ؟
منصور : انا بسوي كل اللي اقدر عليه يا ابو سالم , ان شاء الله هاذي تكون المرة الرابعة اللي انجح فيها فهالعملية
ابو سالم : ان شاء الله
منصور بابتسامة :العملية صعبة وخطيرة يا ابو سالم , واسألك مرة ثانية اذا كنت مصر على انك تسويها , تقدر تكمل علاجك على الكيماوي
ابو سالم : لا يا ولدي , انا ما ابغى اعيش طول عمري على الكيماوي خلاص اذا الله كاتب لي اعيش بعيش ان شاء الله , بس هذا البلا الكيماوي ما اقدر اعيش عليه طول عمري , توكل على الله يا دكتور
منصور : اجل توكلنا على الله , اشوفك في غرفة العمليات
كان ابن المريض سالم واقفاً بجانب والده , تحدث مع منصور بعد ان خرجا من الغرفة : اوعدني يا دكتور ان كل شي بصير مثل ماهو مخطط له
منصور : انا اوعدك اني بسوي كل شي اقدر عليه , اكثر من كذا ما اقدر , ان شاء الله كلشي يمشي مثل ماخططنا
سالم : انا متوكل على الله ثم عليك يا دكتور
منصور : ان شاء الله اكون عند حسن ظنك
كانت بجانبه الممرضة منيرة تساعده في هذا اليوم , ولا تنفك عن اسلوبها المبالغ في مدح الدكتور منصور امام المرضى , منيرة : الدكتور منصور من احسن الدكاترة هنا في المستشفى
تجاهلها منصور بعد أن ابتسم لسالم بودية , يكره هذا النوع من الممرضات , وجه مليء بالمساحيق . نصف شعرها مكشوف , فرقعة العلك في فمها بطريقة ملفتة , مشيتها المغرية بصوت كعبها العالي ,طريقة كلامها المثيرة بصوتها المتصنع وضحكتها المرتفعة ورائحة عطرها القوية , كان يحاول تجنبها بقدر ما يستطيع , ويحاول ان لا ينظر اليها وهو يحتقرها في داخله , اما هي فكانت " ناشبة له في كل مكان "
قال لها بحزم : روحي جهزي المريض للعملية , ولو سمحتي اسلوبك معي قدام المرضى ما ابغى يكون كذا
منيرة بدلع : ههههههههههه كيف يعني ؟
منصور : المدح اللي ماله داعي و كلامك الكثير في غير العمل , هالاسلوب انا اتضايق منه , فخلينا متفاهمين من البداية أحسن
منيرة ولم يعجبها ما سمعته منه : طيب انا بروح اجهز المريض فيه شي اسويه قبل ؟
منصور وهو يلتفت عنها : لا
مشى عنها وامسك هاتفه المحمول ليجري مكالمة سريعة مع ابن عمه الذي له علاقات مهمة وعديدة مع الجهات المسؤولة لمثل قضية هالة : الو السلام عليكم , مرحبا يا ابو سعود شخبارك
ابو سعود : حياك الله يا دكتورنا , الله يسلمك
منصور : وش صار على الموضوع اللي قلت لك عليه
ابو سعود : الموضوع صعب يا منصور , انت ماقلت لي المقطع اللي انرسل للبنت وش فيه بالضبط ؟
منصور وانحرج من سؤاله : صور خاصة للبنت , بس وش فيه بالضبط ما ادري
ابو سعود : لازم نعرف بالضبط وش في الفيديو عشان نعرف نتصرف , ونعرف نحلل المكان اللي صوروا فيه , واذا كان فيه احد معاها او لا
منصور : والله ما ادري يا ابو سعود , انا ما ابغى افضح البنت اكثر يكفي اللي صار
ابو سعود : لا تخاف كلشي راح يكون بسرية ان شاء الله , بس نحتاج معلومات اكثر , انت ارسل لي رقم هذا سلطان , وان شاء الله خير , ماقلت لي فيه احد مع البنت في الصور
منصور : والله مادري , انا ماشفتهم , يعطيك العافية يا ابو سعود وما تقصر
انهى المكالمة بالشكر والامتنان لابو سعود , ينتابه الكثير من الإحراج عندما يتحدث مع احدهم في هذا الموضوع المخجل , ولكنه وعد نور ويجب ان لا يتراجع في ذلك, ولأجل عين تكرم ألف عين
,
اتناول طعامي وأنا اجلس على سريري في الغرفة المخصصة لي , بعد ان اجبرتني نور على تناوله , اشعر بالضعف والتعب في جميع جسدي , كانت نور ترتب ملابسي التي احضرتها معها في الخزانة , وانا افكر في كلامها الذي قالته لي منذ قليل , متى لبست ذلك الثوب الأحمر القصير ؟ وماذا عن السلسال الذهبي المعلق عليه اسمي ؟ ذلك السلسال الذي كان لا يفارق عنقي ثم اختفى فجأة , ولا أذكر بالضبط متى ضاع مني , كل ما اتذكره انه اختفى بعد حفلة زواج حضرتها مع الهنوف وليلى , بحثت عنه كثيراً ولم أجد له أثر , اما بالنسبة الى ذلك الثوب الأحمر , فقد كنت البسه كثيراً ولا يمكنني ان احدد بالضبط المناسبات التي لبسته فيها , اقتربت مني نور بعد ان انتهت من ترتيب الخزانة : رتبت لك الخزانة وحطيت لك المستلزمات الشخصية في الدرج الأخير , اذا احتجتي شي كلمي ياسمين , وكملي صحنك تبغين تموتين من الجوع انتي ؟
قلت لها وقد مللت من تناول هذا الحساء : بس خلاص شبعت
نور : هالة لا تخليني اقلق عليك واحاتيك , لازم تقوي نفسك وتاكلين وتهتمين بنفسك
رددت بانصياع : طيب
نور : تذكرتي شي عن ذاك اليوم ؟
أنا : لا بس اتذكر اني ضيعت السلسال لما كنت طالعة مع ليلى والهنوف في زواج
نور : زواج مين ؟
أنا : زواج اقرباء الهنوف وكانو حاجزين ليلى وشلتها عشان التصوير فاضطرينا نقعد لنهاية الزواج
نور : ووين كان هذا الزواج ؟ في صالة والا فندق ؟
حاولت التذكر وبعد فترة من التفكير الطويل : كأن في الشيراتون بس مو متأكده , ليه تتوقعين هالشي له علاقة بالصور
نور : مادري والله , ماني شايفة لهالموضوع حل , وصايرة اشك في كلشي وف الكل
بعد ان انهيت طعامي , القيت بجسدي الضعيف على حضن اختي واستسلمت للنوم , وانا اشعر بالأمان والراحة بوجود اختي الى جانبي , تمنيت لو ان بامكانها ان تبقى معي الى الأبد
,
يقلب صورها المخزنة في جواله , ذكريات على شكل صور تجمعهما معاً , "الريم " حب الطفولة والمراهقة , لا يعلم في قرارة نفسه ان كان حباً حقيقياً ام انه حب التملك فقط . في البداية كانت تتجاهله وتتجنبه وتحب ان تحرجه وتدعي أنها تكرهه وهذا ما جعله يتعلق بها أكثر , كان مهووساً مولعاً بها وبجمالها الأخَّاذ , كانت آية من الفتنة والجمال , استدرجها ولاحقها الى أن وقعت اخيراً في حبه , ومضى معها ايام وليالي لا تتكرر , ولكن الخيانة كانت تجري في عروقه فخانها مرة ومرتين وثلاث بل أكثر , وعرفت بقباحة فعلته , وكانت ردة فعلها مبالغة بعض الشيء , اذ انها قررت الانتقام منه بالمثل , فادعت على انها مع علاقة بصديقه المقرب سلطان الذي لم يكن يعلم بنيتها الكاذبة , فاشتعلت المشاكل بينهما حتى انها وصلت الى سلطان الذي يعتبر ضحية في هذه الحكاية , عرف بكذبها بعد ان تأخر الأمر وبعد ان ازدادت الامور سوءً بتصرفاته الطائشة المجنونة الذي هدمت كل شيء , اراد اصلاح الأمر بخطبتها من ابيها ولكن والده كان من أول المعارضين بسبب حسابات قديمة ودفتر لم يغلق مع والد الريم , وانتهى الأمر بزواجها من خالد , كيف لها ان تتركه وتذهب لغيره بهذه البساطة ؟ وهو وليد محطِّم القلوب , كيف تجرأت بجرح كبرياءه وكرامته وهو الذي احبها لدرجة انه اراد ان يتزوجها , وهذا لم يحدث ابداً في جميع علاقاته السابقة , هي الوحيدة التي شغلت عقله وقلبه ثم هجرته دون ان تلتفت وراءها
فكَّر بخبث , ماذا سيحدث لو أن زوجها خالد رأى هذه الصور , ابتسم ابتسامة رضا وهو يتخيل كيف سيكون موقفه اتجاه هذه الصور الحميمة التي تجمعهما , وهو يملك رقمه ايضاً , يمكنه بضغطة زر ان يفسد زواجها وينهي كل شيء , ولكن لحظة !!!!! لن ينتهي كل شيء بهذه البساطة , يجب ان يتخذ خطواته بهدوء وبذكاء , انه ينوي ان يعذبها اولاً خطوة بخطوة الى ان يصل الى هدفه , لن يستعجل الأمر , سيترك هذه الصور الى النهاية , فهناك خطوات كثيرة ستسبق هذه الصور ,
قطع حبل افكاره القذر وخططه الحقيرة صوت ابو حنان المزعج : وليدوه قووم خل نسبح في البحر الجو حلوو
وليد وهو يخفي شاشة جواله بيده عن ابو حنان الجالس بجواره : اقول انت متى بتطس ديرتك وتفكنا , تراك اقرفتني
ابو حنان : هههههههههههههههه ليه مليت مني ؟ والا عشان الشاليه ؟ شسوي بعد اتحملني ماعندي مكان اقعد فيه الا هني , يعني تبيني اقعد في فندق و ولد خالتي وليدوه موجود
وليد : لا يكثر بس , حدك اليوم وبكرة وبعدين روح طس ديرتك ولا تنسى البضاعة
ابو حنان : ابشر يا الحبيب , وهو يغمز له : ناوي تجيب احد هنيه عشان جذيه تصرفني صح ؟ شكلك تبي ترجع حق الايام الخوالي
وليد : مو شغلك , اجيب بنات لهنا ما اجيب , هذا مو شغلك يا صاحبي
ابو حنان : طيب ليش ما تيي معاي الكويت ؟ امك ولهانة عليك كله تسألني عنك
وليد : والله انا بعد ولهان عليها بس مالي خلق اشوف الخروف زوجها, اخر مرة رحت لهم كان شوي ويطردني من البيت
ابو حنان : زوجها مسافر على حسب علمي , تعال بتاخذ راحتك
وليد : يصير خير
,
في تلك الغرفة الخضراء ,الهادئة , الباردة , المليئة بالأجهزة , وحيث الجميع بالزي الأخضر الموحد , قناع الوجه , والقبعات الخاصة ,ملتفين حول ذلك الجسد الممدد باستسلام على طاولة الجراحة ,يرأسهم الدكتور منصور , وهو يحرك يديه داخل ذلك البطن المفتوح , حيث ان الأعضاء الداخلية واضحة له , ويستهدف عدوه الورم الملتف حول رأس البنكرياس , مضت ثلاث ساعات وهو يحارب هذا الورم العنيد , وهو يقوم باستئصاله جزئياً بشتى الطرق المتطورة , سمع صوت ذلك الجهاز المزعج ينبأه بأن ضغط الدم يتضاءل وأن القلب على وشك ان يتوقف عن النبض , حاول بكل جهده ان يمنع حدوث هذا , لا يجب ان يخسر مريضه , ليس الآن , ولكن القلب توقف , حاول أن ينعشه بضربه على صدره بجهاز الإنعاش , مرة ومرتين وثلاث واربع , مرت خمس دقائق وهو على هذا الحال , وهو لازال يضرب على صدره بأمل ان يعود هذا القلب للنبض مجدداً , استوقفه الجراح المساعد : دكتور خلاص , مرت اكثر من خمس دقايق , انتهى موضوعه
استسلم منصور بيأس , نظر الى هذا الجسد المدد الذي انتزعت الحياة منه للتو , واصبح جثة هامدة لا روح فيه : وقت الوفاة 3:33 دقيقة
تذكر عيني ابو سالم التان تشعان امل في الحياة , وكيف ان ابنه سالم كان واثقاً به , والآن انتهى كل شيء , من اقسى اللحظات وأمرها على الطبيب عندما يفقد مريضه , حتى لو لو كان يعلم جيداً بأنه ليس السبب في ذلك , لقد فعل كل ما كان يستطيع لإنقاذ ذلك المريض ولكن بلا جدوى , خرج من غرفة العمليات ليقابل سالم الذي كان ينتظر بخوف وقلق على والده
سالم وهو يركض الى منصور : وش صار يا دكتور ؟ انت قلت ان العملية بتاخذ من ست الى تسع ساعات ولسا بس مرت ثلاث
منصور بتأثر : أنا آسف يا سالم , انا سويت كل شي أقدر عليه بس الوالد عطاك عمره
سالم سلبت الصدمة ملامحه وضاقت الدنيا به , جلس على الكرسي والألم يعتصره من الداخل وهو يردد : لا حول ولا قوة الا بالله , انا لله وانا اليه راجعون
انصرف منصور عنه بعد ان حاول التخفيف عنه ببعض عبارات التعزية , كان دائماً يتعامل مع مرضاه على انهم من افراد عائلته , ويشعر بالحزن والألم عند فقدان أحدهم , ولكنه كان يحافظ على برودة اعصابه , تساءل في نفسه ان كان في وسعه ان يفعل أكثر من ما فعل , وذلك السؤال المؤلم هل كان عليه ان يجري تلك العملية ؟ أخذ يلوم نفسه وضميره يؤنبه , لم يكن يجب عليه ان يقوم بهذه العملية حتى لو أصر عليه المريض .
كان الدكتور فيصل "رئيس قسم الباطنية " يبحث عن منصور , فوجده جالساً على الكراسي الملتصقة في الجدار في احدى الأروقة القريبة من غرف العمليات : لا تلوم نفسك يا منصور , انت سويت كل اللي تقدر عليه .
رفع منصور رأسه ليجد ذلك الرجل ذو اللحية البيضاء , الدكتور فيصل , الذي يكن له كل احترام وتقدير ويعتبره معلمه الذي اكتسب منه خبرته : ما كان المفروض اسوي هالعملية , الرجال كبير في السن وما يتحمل , كان المفروض اعراضه
الدكتور فيصل وهو يجلس بجانب منصور : هاذي كانت رغبة المريض يا منصور , وكان عنده نسبة حلوة ان العملية تنجح , بس انت عارف مو كل شي يمشي مثل ماخططنا له
منصور : احس اني سرقت منه هالكم شهر اللي كان بيعيشهم مع اهله , عارف ان الأعمار بيد الله ولا اعتراض على حكمه , بس ضميري يأنبني
الدكتور فيصل بتفهم : انا حاس فيك , هاذي المرحلة كلنا نمر فيها اذا خسرنا أي مريض , وهذا اللي يخلينا احنا , هاذي المشاعر هي اللي تحيي الانسانية اللي فينا , على كثر مانشوف الموت هنا الا ان هالمشاعر هي اللي تخلينا نواصل ونتعلم من اخطاءنا , ربت على ظهر منصور : بس مايصير نخلي هالمشاعر تتغلب علينا لأن فيه كثير مرضى ينتظرونا يا ولدي ,
منصور : معاك حق يا دكتور
الدكتور فيصل : انت الحين قوم روح البيت وريح نفسك , واللا اقولك , لا تجي المستشفى هاليومين أنا بتكفل بمرضاك وبدبر امورك هنا
منصور وهو يبتسم : لا يا دكتور شدعوة , مايصير هالكلام , انا اقدر اقوم بشغلي مافي داعي , انت لا تتعب نفسك
الدكتور فيصل : انت كم صار لك ما اخذت اجازة ؟ كلها يومين عادي , انت روح خذ زوجتك وبنتك واطلع معاهم وغير جو , الواحد لازم يحتاج فترة نقاهة بين كل مدة
منصور : لا يا دكتور مايصير لا تحرجني
الدكتور فيصل يقاطعه : اسمع الكلام ولا تجادلني , انا رئيسك في العمل وهذا امر مو طلب , واحنا مابينا هالرسميات انت مثل ولدي , ولازم تحتاج فترة راحة , واهلك ليهم حق عليك يا منصور مايصير كله شغل وبس
منصور وهو يبستم : أمرك يا دكتور , تسلم وما تقصر
كان الدكتور فيصل بالنسبة لمنصور رئيسه ومعلمه بل حتى انه يعتبره صديق له , كان مثال للطبيب الماهر المحترم ذو الخبرة الواسعة , ويعتبره منصور قدوة له في عمله
في شقتها الصغيرة , تحمل في يديها ابنة اختها سارا , وتلاعبها بمرح , ويجلس بجانبها زوجها وهو يحاول ان يجعل وجهه مضحكاً لإضحاكها , ليلى وهي تضحك : ههههههههههه وش ذا الوجه ؟ انت تبي تضحكها والا تخوفها ؟
يوسف وهو يعيد ملامحه الى طبيعتها : هههههههه ليه ماتضحك ؟ , أمسك بخدها وهو يجره بخفة : اضحكي يلا اضحكي
تغيرت ملامح سارا وتقوس فمها وتدلت شفتيها واخذت تبكي , ليلى بعتاب : يووووسف !!!!!!! تراها بزر بسرعة تتألم
يوسف وهو يضع يديه خلف رأسه : ما ادري والله ما ادري
ليلى وهي تحتضن سارا : بس يا روح خالتك , عمو يوسف ما يقصد , مايقصد ياخالتو , بس يا حبيبي بس
يوسف بابتسامة : اقول ليوول , تدرين وش تخيلت
ليلى وهي لازالت تحاول اسكات سارا : وشو ؟
يوسف : تخيلتها بنتنا , متى يصير عندنا مثلها ؟
ليلى : بدررري على هالكلام , تونا ماصار لنا خمس شهور من تزوجنا
يوسف : ستة شهور
ليلى : هههههههه لا فرقت الحين , اصبر يا حبيبي انا عندي دراستي وما ابغى شي يشغلني , وبعدين أنا لسا صغيرة ع هالسوالف
يوسف باستنكار : وش صغيرة ؟!!!!! وش كبرك , كبر البقرة
ليلى وهي تنظر اليه بحدة : أنا بقرة
يوسف : لا تغيرين كلامي , أنا قلت قد البقرة , يعني وش كبرك وش زينك , كبيرة وقادرة على الانجاب
ليلى : اقول حبيبي اترك عنك هالسوالف , وبيبي الحين احلم فيه , الأحلام ببلاش
اعطته سارا بعد أن هدأت : امسك ولا تصيحها مثل قبل شوي ,و باروح اكلم نور اشوفها ليه تأخرت
يوسف وهو يحمل سارا : وليه تعجلينها خليها على راحتها , مبسوطين مع هالحلوة , خليني اشبع مشاعر الابوه اللي داخلي اللي انتي حارمتني منها
ليلى : لا يكثر بس, قال مشاعر الابوه قال
وابتعدت عنهما ورفعت جوالها لتجري مكالمة مع نور
نور : الو ليلى
ليلى : هلا نور , متى بتجين
نور : ليه فيه شي ؟ عسى مو بس سارا مضايقتكم
ليلى : لا شدعوة , مثل العسل على قلبي هالبنت , ولو تشوفي يوسف طااير فيها , بس تعرفين عندي جلسة تصوير الليلة , وابغى اجهز ادواتي قبل لا اروح
نور : ان شاء الله ساعة زمان وانا عندك
ليلى : طيب
نور : يلا اخليك مع السلا
قاطعتها ليلى بتردد قبل ان تغلق الخط : كيف هالة ؟
نور : الحمد الله صارت احسن , نزل ضغطها بسبب قلة الأكل وطاحت عليهم , بس الحمد الله صارت زينة
حمدت ربها في داخلها ثم جاءها صوت نور : ليلى ليه ماتجين تشوفينها ؟
ليلى : لا ما اقدر , احس اذا شفتها بنفجر فيها وهي مو ناقصة
نور : طيب يلا باي , بحاول ما اتأخر عليك
اغلقت المكالمة ومشاعر مختلطة تراودها , لا تعلم ان كانت محبة ام كره وحقد , ولكنها كانت قلقة على هالة حقاً
,
وصل بسيارته الى منزل أهل زوجته , يريد أن يرى عائلته الصغيرة علَّه يرتاح قليلاً من تأنيب الضمير , لقد اخبرته نور هذا الصباح انها ستكون في بيت عائلتها , وأن السائق من سيتكفل بتوصيلها , كم مر من الوقت على آخر مرة خرج فيها معهم الى احد الأماكن الترفيهية , فكر لو انه يصحبهما الى البحرين , سيفرغ نفسه لهم في هاذين اليومين , ستفرح نور كثيراً بهذا , ترجَّل من سيارته , ودق الجرس , انتظر عدة دقائق الى ان خرج له ابو حامد
منصور : السلام عليكم , شخبارك يا عمي ان شاء الله طيب
ابو حامد : وعليكم السلام , الحمد الله , الله يسلمك , تفضل
منصور : لا انا بس جاي اخذ نور
ابو حامد باستغراب : بس نور ماجت عندنا اليوم
منصور باستغراب أكبر : كييف ؟ بس هي قالت لي انها بتجي عندكم
ابو حامد : لا والله ماجت , انت متأكد؟
منصور : أي بس شكلها غيرت رايها
ابو حامد : تفضل يا ولدي البيت بيتك
منصور يعتذر : لا مشكور يا عمي خليها مرة ثانية
ابو حامد بإصرار : مايصير يا ولدي دامك وصلت لعند الباب لازم تدخل
منصور : تسلم يا عمي وماتقصر بس انا توني جاي من العمل وتعبان , ان شاء الله مرة ثانية أنا و نور نجي نزوركم
ابو حامد : على راحتك
قاد سيارته وهو مشغول البال على نور , خاف ان يكون قد حدث لها مكروه منعها من الذهاب , ولماذا غيرت رأيها ولم تذهب , ولكنه تفاجأ عندما رجع الى شقته بعدم وجودها فيها , اخذت الشكوك تراوده والأفكار تأتي به يمنةً ويسرى , الى اين ذهبت بدون علمه ؟
,
بعد ان احتضنتني لتودعني , وأنا اترجاها ان تبقى معي قليلاً , فلم اشبع من رؤيتها بعد , ولازلت اشعر بالغربة والوحدة هنا , قلت لها برجاء : خليك بعد معي شوي
نور : ما اقدر يا هالة , تركت سارا مع ليلى ولازم ارجع الحين
- طيب متى بتجين مرة ثانية ؟
نور : ما ادري
هالة بصوت باكي : كيف ما تدرين ؟ نور انا مالي غيرك
نور وهي تمسك كف اختها : هالة انا وش قلت لك ؟ خليك قوية وصبورة , كل شي بمر صدقيني , اوعدك ان شهر او شهرين بالكثير وراح اطلعك من هنا , انا ما راح اتركك لو وش يصير
قلت لها باستسلام : ان شاء الله
نور : ما ابي اشوف دموع خلاص يلا وريني ابتسامتك
ابتسمت لها واحتضنتي لآخر مرة وخرجت عني , وعدت نفسي اني سألتزم بكلماتها لي ولن اخيب ظنها , وجودها معي أراحني كثيراً وأعاد لي الأمل
,
كانت ياسمين جالسة في مكتبها انتبهت لنور وهي تنزل من الدرج وتتجه الى الباب الخارجي فنادتها : نور نوور
نور وهي تلتفت لها : ياسمين
ياسمين : كيف اختك ؟ ان شاء الله صارت احسن
نور : أي الحمد لله احسن بكثير , هالة امانة عندك يا ياسمين
ياسمين : لا تخافي عليها , تراها في ايدي امينة , بس انتي لا تقطعينها وتعالي لها بين كل فترة
نور : ان شاء الله اقدر , امانة اذا صار شي تكلميني
ياسمين : أي اكيد
بعد ان خرجت نور , عادت الى مكتبها وهي شاردة الذهن , كيف يمكن لهؤلاء الناس ان يتجردوا من كل شيء ويتركوا فلذات أكبادهم في هذا المكان , حتى ولو أخطأن , فالجميع يخطأ ولماذا يسجنَ هنا لمجرد ذنب واحد , لازلن صغيرات على هذا العقاب , أمسكت ببعض الملفات التي على مكتبها وأخذت تتصفحها , قالت لناهد التي تجلس في المكتب المجاور لها : ناهد هاذي الملفات ليه ما خلصتيها ؟ أنا عطيتك اياها أمس
ناهد : انا قلت لك ان عندي شغلي وما اقدر
تأففت بملل ونادت على ام حمزة , ام حمزة : نعم يا استاذة ياسمين
ياسمين : ام حمزة نادي لي شمس , وبسرعة
خرجت ام حمزة وبعد عدة دقائق , جاءت تلك الفتاة ذو الشعر الناعم القصير والوجه الدائري الصغير : نعم استاذة ياسمين
ياسمين وهي تؤشر : شموسة حبيبتي تعالي ساعديني ف هالملفات , انتي شاطرة وتفهمين ف كل شي , ومنها تسليني مرة وحدة
جاءت شمس وقد أعجبها ان تساعد ياسمين في عملها , جلست بجانبها وأخذت تقرأ في الملفات الى جانب ياسمين التي تنصت اليها
ناهد وهي مصدومة من تصرف ياسمين : انت وش قاعدة تسوين يا ياسمين ؟ هاذي الملفات خاصة مايصير البنت تطلع عليها
ياسمين : لا تتدخلي يا ناهد , مو انتي قلتي ان هذا شغلي ومو شغلك , اجل خليني اسويه بالطريقة اللي تعجبني وتريحني
ناهد لم يعجبها الوضع أبداً ولكنها صمتت فلا يمكنها ان تجاري او تعارض ياسمين أبداً
,
كان الحزن والألم يغمرانها ولكنها كانت تحاول اخفاءه عن هالة , كيف بإمكان اختها الصغيرة العيش في ذلك المكان الموحش ؟ وكأنها مذنبة وسجنت , لن تسامح من كان السبب في اذية اختها مهما كان , كانت طفلتها تغفو على صدرها بهدوء , مسحت على رأسها بحنان , " الله يحفظك ولا يراويني فيك سوء يابنتي , هالزمن يخوف ماعدنا نميز فيه بين العدو والصديق " وصلت الى مواقف العمارة وتفاجأت من وجود سيَّارة منصور في احداها , نزلت من السيارة بحذر لكي لا توقظ سارا , دخلت الى العمارة وفتحت قفل باب الشقة , حيث كان منصور ينتظرها , قالت بهدوء : السلام عليكم
لم يرد عليها السلام وكانت ملامح وجهه غريبة , استغربت من وضعه ولكنها لم تعلق واتجهت الى غرفتها لتضع سارا في مهدها , وقام من مكانه وتبعها , دخل الى الغرفة واغلق الباب خلفه, قال بنبرة هادئة : شخبار ابوك ؟ ان شاء الله تحسنت حالته
نور وهي تغطي سارا : أي الحمد الله صار احسن ويسلم عليك وحتى حامد قال لي اوصل لك سلامه
منصور : الله يسلمك
نور وهي لازالت مشغولة بترتيب مهد سارا : اليوم سارا لعبت مع محمود لين ما قالت بس , وشكلها تعبت كثير يا قلبي عليها
اقترب منها أكثر ونظر في وجهها : عسى ما نامت وهي جوعانة بس
نور : لا أكلتها , وتغذينا في بيت أهلي الحمد لله , لو ادري انك بترجع بدري كان جهزت لك الغذا قبل لا أطلع
ابتعدت عنه قليلاً ونزعت عباءتها عنها , قالت وهي تعلق العباءة على الشمَّاعة : ما قلت لي ليه رجعت بدري ؟ مو انت قلت ان العملية بتطول
منصور : المريض توفى
التفت له نور وقالت بتأثر : اوه الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة
اقتربت منه واحتضنته : حبيبي عشان كذا وجهك مقلوب ومو على بعضك , لا تضايق نفسك انت أكيد سويت كل شي تقدر عليه
نظر الى رأسها على صدره , كيف يمكنها ان تستمر في الكذب بكل أريحية ومن متى كانت تستخدم لغة الكذب معه , ابعدها عنه وقد ضاق بها ذرعاً , اضمحلت ابتسامتها وهي تنظر الى ملامح وجهه القاسية ويده التي تضغط على ذراعها ولم يكن منصور هادئاً كما يبدو : وش فيك منصور ؟
كان يكاد يختنق من الغضب الذي في داخله : من متى وانتِ تكذبين علي يا نور ؟
أنزلت رأسها ولم تنطق بكلمه , فضغط على ذراعها بقوة أكبر : ارفعي راسك وحطي عينك في عيني , وقولي من متى وانتي تستغفليني
رفعت رأسها ونظرت الى عينيه المحتدتين ببرود استفزَّه : انت اللي اجبرتني على الكذب , وانا كنت عند هالة
تراخت قبضته من ذراعها وقال وهو يغمض عينيه يحاول السيطرة على اعصابه المشدودة : وليه الكذب ؟
نور : لأني أعرف انك عنت بترفض وبتعاند مثل كل مرة
فتح عينيه ونظر اليها بعينيه الملتهبتين : ودام عارفة اني برفض ليه تروحين لها ؟ ليه تطلعين من وراي ؟
نور : هاذي اختي يا منصور وأنا ما بتركها , وانت الا اجبرتني بعنادك اني اروح لها من وراك
منصور : بعنادي ؟ انا اعاندك ؟ انا كنت احاول اساعدك يا نور وانتِ كسرتي كلمتي وطلعتي بدون أذني وكذبتي علي وفوق هذا كله قاعدة بكل وقاحة تردين ف وجهي , هاذي جزاتي ؟
نور : آسفة بس أنا ما اقدر اترك اختي وانت ما تركت لي خيار ثاني , اتصلوا لي من الدار انها تعبانة وتحتاجني كيف تبغاني اتركها ؟
منصور وانفلتت منه صرخة : عساها تموت , هذا مايبرر لك اللي سويتيه
نور : أنا اختي ما بتركها , حتى لو كانت غلطانة وكانت الصور صحيحة ما بتركها , هاذي وصية أمي لي , ومهما كان الغلط الي ارتكبته بأوقف معاها وما بتركها لو وش يصير
منصور وازاد غضبه أكثر وكان الدم يغلي في عروقه : يعني فيه احتمال تكون اختك غلطانة , فيه احتمال تكون اختك غلطانة وتاركتني مثل الغبي اترجى الناس يساعدوني عشانها ,
نور : انا ماقلت انها غلطانة اختي بريئة وانا متأكدة من هالشي بس حتى لو كانت غلطانة كنت بوقف معها يا منصور
قال بلهجة قاطعة قاسية أفحمتها : أنا كنت احرج نفسي واكلم هذا الخايس سلطان واتحمل اهاناته عشانك وماتركت واحد يقدر يساعدني الا وكلمته عن فضيحة اختك ونزلت بكرامتي الأرض عشانك , كان الموضوع يحرجني ويضايقني وكنت اسكت واتحمل وماكل خ### عشانك ,
لم تعرف ماتقوله ولكن عصبيته وصراخه عليها آلمها , لم تعد تتحمل أكثر , يكفي , لقد تحملت عصبيته وصراخه كثيراً ولكن يكفي , فتحت باب الغرفة وخرجت عنه وتركته يصرخ وحده
ارتفع صوته أكثر : لما أنا اتكلم توقفين وتسمعين وش اقوله , مو تمشين عني وش قلة الأدب هاذي
لم تجبه وأكملت طريقها فصرخ مزمجراً باسمها : نووور
انزلت رأسها وقالت بصوت ضعيف : عمرك ما راح تتغير يا منصور , عمرك ماراح تتعلم كيف تكلمني على اني زوجتك وتترك عنك هالصراخ , انت ليه ماتثبت على موقف واحد ؟ ليه تعطيني أمل وتعشمني وبعدها تعايرني في اللي سويته لي ؟ قلت لك ان هالشي صار غصب عني ليه ماتفهم
اقترب منها وامسكها من ذراعها ولفها اليه ليتقابل وجهه بوجهها , كانت انفاسه الحارة تلفع وجهها : الحين صرت أنا الغلطان ؟
قالت وقد ارتفعت نبرة صوتها : مليت من هالعصبية ومن اسلوبك المستفز معي مليييت وتعبت
تركها وأخذ يبحث في الادراج , كانت حالته العدوانية تدفعه لعمل أي شيء , ولم يكن واعياً لما يفعله من غضبه , كذبها وخداعها وتمردها عليه وانكارها له اغضبه , ولقد تمادت كثيراً هذه المرة , اخرج ذلك القرص ووضعه في الحاسوب وهي تنظر له بذهول : منصور وش تسوي ؟
كان يريد ان يقطع الشك باليقين , فُتِح ذلك المقطع الذي كانت تخفيه عن الجميع , وأمام مرأى عينيه كانت هالة تتراقص على ألحان صخبة وبجانبها ذلك الشاب المغطى على وجهه, نظر اليها باحتقار : هاذي العفيفة الطاهرة اللي كسرتي كلمتي عشانها ؟ هاذي اللي خليتيني مثل الغبي احاول ابرئها واساعدها ؟
اقتربت منه وقد تساقطت دموعها على خديها , كيف يجرؤ بأن يفتح ذلك المقطع ويرى اختها , لم تحتمل نظرات الاحتقار والاستهزاء في عينيه , وتمردت عليه بصفعة على وجهه , تلك الصفعة كانت تحمل جميع مشاعرها المكبوتة , لا تعلم من أين أتتها تلك الجرأة لتفعلها , أما هو فلم يصدق ما فعلته زوجته للتو , وضع يده على لحيته الخفيفة , يتحسس أثار اصابعها عليه , كانت عيناه تتطاير شرراً , نظراته وحدها كانت كافية لتحويل نور الى رماد .
,
كنت أجلس على سريري كعادتي , اراقب الفتيات وهنَ يثرثرن ويمرحن حولي , ابتسمت في داخلي عليهن , كيف يمكنهن العيش هنا بكل بساطة , كيف يمكنهن الضحك والمرح بعد ان تخلت عنهن عائلاتهن , كيف تغلبنَّ على الحزن ؟
سمعت صوت الأذان , فرشت مصلاتي ولبست خماري , واتجهت للرحمن , صليت فرضي , ورفعت كفي الى السماء , يا رب ليس لي الا رحمتك اتكل عليها فارحمني , وانت تعلم بما في سري وانت وحدك يا رب تعلم ببراءتي , استجب يا رب دعائي .. ولا تخيب فيك رجائي , فان لم اكن اهلاً لذلك فأنت اهلٌ لذلك يا أكرم الأكرمين
في تلك الليلة وكلت أمري كله الى ربي وكنت واثقة أن ربي لن ينساني , وتذكرت كلام نور " ربك ما خلق عبد ونساه " فالحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه
قررت أن اكون مثل الفتيات المرحات الَّاتي معي في الدار , وسأتغلب على حزني بعون ربي فأنه قادر على كل شيء , ووجود نور بجانبي يمنحني القوة , وما بين جرح وجرح ينبت الأمل
ما بين جرح وجرح ينبت الأمل
إن الخطايا بدمع الطهر تغتسل
قد يصبح العمر أحلاما نطاردها
تجري ونجري.. وتدمينا ولا نصل
الحزن في القلب في الأعماق في دمنا
يأس طويل فكيف الجرح يندمل
أيامنا لم تزل بالوهم تخدعنا
قبر من الخوف يطوينا ونحتمل
مازال للحب بيت في ضمائرنا
ما أجمل النار تخبو ثم تشتعل
ما زلت طيرا يغني الحب في أمل
قد يمنح الحلم.. مالا يمنح الأجل..
فاروق جويدة
انتهى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!