الفصل 3 | من 29 فصل

رواية و هل ينتهي الحُــــب ؟ الفصل الثالث 3 - بقلم Misoo

المشاهدات
17
كلمة
10,872
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18




لا أحد يسمع ما يقوله قلبك
لا أحد يسمع الحقيقة
في عقبات الحياة و معاركها الكاذبة
لا أحد يرى الحقيقة !!
وبعد سنوات ستتذكر الذكريات و أنت حزين
والندامة لن تتركك و لن تترك قدرك و ستستمر في ملاحقتك
و جمرة حبك لن تستسلم للمياه الباردة
و تلك اللحظة لن تُعاش مرة اخرى
لا يوجد مكان تذهب اليه
ولا باب تدقه
و ستفهم عندما تبقى لوحدك في هذه الدنيا
ان هنالك كلام كثير تريد أن تقوله
و لكن لا أحد يسمع !!
تعبت من أن أحب لوحدي أيتها الدنيا الكاذبة



لازالت هالة طريحة الفراش ... تستيقظ لتبكي و تصرخ , يداها مقيدتان بالسرير , لمنعها من ضرب نفسها وايذائها , سجينة حزنها و تعاستها , تعاقب لذنب لا تتذكر انها ارتكبته ..نتنظر تنفيذ الحكم عليها !!


*

يرتب ملابسه وأشياءه ليستعد لسفره الطويل كما كان مُخططاً له و لكن هناك شيء ناقص ..أين هي عروسه ؟ كانت من المفترض أن تكون معه ..ليس هذا ما خطط له !! أن يجهز لسفره وحده و يسافر وحده ..ليعيش في ذلك البلد البعيد وحده !! كانت تعيش في جميع خيالاته حين يتخيل نفسه في بريطانيا ..دائماً كانت تعيش في مخيلته ..و لكن أين اختفت الآن ؟

تذكَر ذلك اليوم ..اليوم الذي كان من المفترض أن يكون يوم زفافه منها ..كان سعيداً جداً ..و فرحته لا يمكن وصفها , ثم اختفى كل شيء

حينما وصلت له تلك الرسالة المجهولة , تخبره أن يتمهل في الزواج , و الا سيندم !! ثم ذلك الظرف والصور التي افقدته صوابه

كانت تلك صورها ..لم و لن ينسى ذلك الوجه الذي طبع في مخيلته منذ ان رآها .. أخبر والدته لتأكد له أنها هي !! ويذهب والده ليخبر والدها بفضيحة ابنته ..و انتهى ذلك الزواج قبل أن يبدأ
لم يستطع السكوت عن ما رآه .. او ان يُتمم الزفاف و لو شكلياً لكي لا تُفضح .. لم يستطع فلم تكُن هالة تعني له الكثير في الحقيقة .. هي فتاة تربطه معها نظرة شرعية و اوهام بُنيت على اساس تلك النظرة .. لم تكُن سوى الفتاة التي اختارتها والدته له .. و لا يعرف عنها سوى مديح والدته لها .
دخلت والدته الى غرفته : يُمه سلطان خلصت تجهيز اغراضك ؟ والا اساعدك ؟
جلست بجانبه : حبيبي ,ان شاء الله ما تكون بعدك متضايق من اللي صار
سلطان : شلون ما اتضايق يمه , انا كنت بتزوج وفجأة انتهى كل شي
ام سلطان : لا تضيق خلقك , اللي صار كله خيره من رب العالمين , ربي كشفها لك من البداية عشان لا تتورط معها , الله يجزيه خير اللي رسل الصور و فضحها قبل لا تتزوجها
سلطان : الحمد الله على كل حال
ام سلطان : بكرة ادورك لك على الاحسن منها و لا ينكسر خاطرك يا يمه
و بهذه البساطة .. تبحث له عن عروس اخرى و تنتهي مُشكلة ابنها التي تعتقد انها صعبة !!

*

في ذلك القصر الراقي ..تجلس بجانب زوجها الذي عاد أخيراً من سفره ..كان المكان مزين بالبالونات الملونة بالأحمر والأبيض ..و مُشكلة على هيئة قلوب و تتوسط الصالة طاولة وُضِعَ عليها قالب كعك وردي كُتِب عليه ..ياسمين و سامي الى الأبد
تحدثت بميوعة و هي تضع قطعة من الكعك في فمه : حبيبي !!ما تصدق قد ايش وحشتني !! والله ما كنت عايشة بدونك
اخذ يُجاريها بالحديث و لم يكن صوته واضحاً بسبب فمه المليء بالكعك : يا بعد عمري , انا بعد ماكنت عايش بدونك
و هي تجلُس بجانبه .. يبدو واضحاً فرق العُمر بينهما .. حتى في الاحاديث التي يخوضانها يبدو واضحاً انه يُجاريها بصعوبة و يُحاول ان يبدو اصغر سناً ..ترتدي ياسمين ثوب ذهبي طويل , و شعرها المصبوغ بالأشقر منسدل على جانب واحد ,أما هو فيرتدي قميصاً مشجر و بنطال قصير , كان يحاول أن يبدو اكثر شباباً بهذه الملابس و حيث قام بصبغ شعره ولحيته بالأسود ليخفي شيبه ..علَّه يصغر من سنه الذي قارب للستين .

في هذه الأثناء دخل وليد ومعه مروة الى القصر ..لفت انتباههما صوت الموسيقى القادم من الصالة
وليد : مرت ابوك عندها عزيمة ؟
مروة : ما ادري ..يجوز !! بروح أطل اشوف
مشت بخفة الى ان وصلت الى البوابة و بدأت بالتلصص بهدوء .. ثُم ابتعدت قليلاً و انفرجت شفتيها بضحكة : ههههههههه وليد تعال شوف
اجابها باستنكار : وش فيه ؟
مروة : هههههههههه تعال شوف ابوي رجع من السفر
اقترب منها واخذ ينظر الى ما نتظر اليه , : هههههههههههههه يسعد لي جوك ياشيخ
مروة : تعال نسلم عليه
وليد : انتِ روحي , أنا مالي خلق , بعدني شايل في قلبي عليه بعد اللي صار مع الريم
مروة وهي تمسك يده : يلا تعال و لا تتغلى , خلينا نضحك شوي
لاحظ سامي اولاده متجهين اليه .. فاعتدل في جلسته مُحاولاً استعادة رباطة جأشه التي تاهت منه و هو بجوار ياسمين ..
مروة : هلا يبه الحمد الله على السلامة
سامي : الله يسلمك يا مروة
مروة وتقدمت اليه وقبلت رأسه باحترام : تو ما نور البيت
سامي : منور بأهله حبيبتي شلونك ؟
مروة : الحمد لله
سامي وهو يرمق وليد الواقف بمسافة بسيطة عنه : وانت ليه ما تجي تسلم على ابوك
وليد ببرود وبدون أن ينظر اليه : سلام
سامي : وش ذا السلام البارد , كذا تسلم على ابوك الا ما شفته من شهرين , انت ما تستحي على وجهك
تحاول مروة تغير الموضوع : يبه ليه صابغ شعرك ؟ صاير شباب حتى تبين وكأنك في عمر وليدوه
اعجبه إطراء مروة فقال : والله ؟ لايق علي ؟
مروة : أي مررة ولا كأنك في العشرين
لم يستطع وليد كتم ضحكته : ههههههههههه
احرج من ضحكة ابنه وعرف معناها و لكنه قال بتأنيب : انت ليه تضحك ؟
تجاهل والده وترك الصالة متجهاً الى غرفته
سامي : قليل أدب أنا اوريك
ياسمين وهي تربت على كتف زوجها : حبيبي ما عليك منه , لا تعصب , خله يولي وش تبي فيه
سامي : لا بس قلة ادبه زادت عن حدها
ياسمين : ما عليك منه حبيبي , الحين تروح وتتركني , وانا تعبت طول اليوم وانا اتعدل وا تظبط لك
استند على الأريكة متراجعاً عما كان سيقوم بفعله .. و من الأساس لم يكن دور الأب لائقاً عليه أبداً : ما عليه حبيبتي عصبت شوي , اسمحي لي
فتحت مروة فاهها باستغراب .. ثم حاولت كتم ضحكتها .. مُنذ ان تزوج والدها هذه الشابة و هو يبدو غريباً الى حد الضحك .. شعرت ان موقعها بينهما غير مناسب فقالت : تصبح على خير يبه اتركك تاخذ راحتك مع زوجتك
تركتهما واتجهت لوليد الذي كان يصعد الدرج
مروة : ولييد هههههههههه انت متى بتعقل عن هالحركات
وليد : انتِ ماشفتي البالونات والجو الرومنسي اللي عايش فيه , وزوجته كأنها بنته , ما قدرت امسك نفسي هههههههههههه
مروة : وجع نزل صوتك لا يسمعنا
وليد : ما يهمني


*
قُبيل الفجر بسُويعات .. تستلقي على طرف سريرها .. تقابل وجه زوجها بظهرها .. كان غارقاً في النوم اما هي فلم تستطع ان تنام .. في قلبها كلام .. كلام كثير !! و كتلة من الهموم تسكنها و كُتلة من المشاكل !!
اين ذهب الاطمئنان الذي كانت تشعر به و هي بقُربه .. هل لازالت تشعر بالاطمئنان و الامان و هي بجواره ؟
مدت يدها نحو المنضدة التي تُقابلها لتلتقط هاتفها الذي رن مُعلناً موعد صلاة الفجر .. اطفأته ثُم اعتدلت في جلستها .. اشعلت ضوء الأباجورة و من ذلك الضوء الاصفر الضئيل تراءت لها صورتها المُحتجزة في برواز .. نظرت نحوها بحنين .. ذكرى زفافها بمنصور ..نظراتُها و تعابير وجهها توحي بالفرح و هي ترتدي فُستانها الأبيض ..و يقف هو جوارها بشموخ و ابتسامة باردة ..كم كانت سعيدة وقتها !! لقد كان من اجمل الايام في حياتها .. و لكن هل لازالت سعيدة ؟ حسناً لقد تأقلمت مع طباعه مع الوقت و تكيفت على الحياة معه .. لن تظلمه هو ايضاً رجُل مسؤول و صاحب مبدأ .. معطاء و كريم لم يُقصر عليها و على ابنتها مادياً ابداً .. لن تُبالغ لو قالت انه حنون رغم ان ذلك لا يبدو واضحاً عليه و الواضح انه رجل جلف و بلا مشاعر و لكنه ليس كذلك !! لازالت تُصر انه ليس كما يبدو .. انها فقط ظروف الحياة و حالة الغضب التي تتملكه فهو عندما يفقد اعصابه يُصبح جافاً ، عديم الاحساس ينطق بكلمات عُدوانية قاسية مُستفزة و كأنه ذو شخصيتين متناقضتين يحل احداهما محل الاخرى بالتناوب
وضعت يديها على اذنيها بانزعاج و هي تحتبس دموعها .. جُمله الجارحة اصبحت تتكرر عليها حتى دون ان ينطقها
" انتِ تبغين تجننيني , اقولك مو متحمل وجودها ف المستشفى تبغين تجيبنها بيتي بعد "
" الزمي حدودك معي يا نور واسمعي الكلام و لا تردين ف وجهي .. اختك هاذي ما ابغى اسمع طاريها و لا ابغاك حتى تشوفينها تسمعين والا لا ؟ "
كلماته الجارحة أصبحت كالكوابيس ترن في اذنها طوال الليل .. لا يمكنها العيش مع تعييره لها ولأهلها الى الأبد .. يقلل من شأن والدها .. يحتقر هالة و يتشاجر مع حامد و يتعالى على يوسف

مدت يدها اليه لتوقظه بهدوء : منصور ..قوم أذن الفجر !!
همهم بصوت ناعس دون ان يفتح عينيه : طيب
اختلست نظرة الى وجهه و حدثت نفسها ( مو حرام الا تسويه فيني يا منصور ؟)

*
في صباح يوم جديد , تلقت ياسمين مكالمة من نور
ياسمين : بس لازم يكون ولي الامر موجود معها اذا بتدخلينها الدار
نور : بس ابوي تعبان هالفترة , مافي غير هالحل ؟
ياسمين : امم طيب انا برسل لك اوراق على البريد , عبيها وفيه اثباتات لازم تجيبينها معك و بحاول احل الموضوع
نور : طيب مشكورة حبيبتي ما قصرتي
ياسمين : ولا يهمك
اغلقت الهاتف ..و اقتربت من زوجها الجالس على السرير
ياسمين بدلال : حبيبي ليه متضايق ؟
سامي : متضايق على هالولد , شكله بعده حاقد علي بعد اللي صار
ياسمين : حبيبي انت سويت هالشي لمصلحته , كلها كم يوم وينسى ويعرف غلطه ويجي يعتذر منك
سامي : بس شكلي قسيت عليه هالمرة , وانا ما اتحمل اشوفه مكتئب كذا , يظل ولدي الوحيد و ما عندي غيره
صمتت للحظات ..و هي تشعر ان سامي يدلل ابنه كثيراً و وليد لا يستحق .. بل يستحق القسوة و الغلظة على وقاحة تصرفاته .. قالت بهدوء : حبيبي لا تشغل بالك , كلها كم يوم ويرجع كل شي مثل ما كان صدقني
لاذ بالصمت و هو يفكر بابنه المدلل بضيق .. ليس من عادته ان يقسو و اذا قسى يُؤلمه قلبه على ابنائه بسرعة فائقة فهو لازال يراهم صغاراً و اخطاءهم جداً صغيرة .. اما ياسمين فالتفتت الى المرآة لتتزين و تتأنق مستخفةً بما يجري بين زوجها و ابنه .


*

كان يجلس في غرفته ..وعلى ملامحه امارات الضيق , اليوم هو يوم زفافها , اليوم ستصبح لغيره , وستحرَم عليه للابد .. و هو الذي كان يعتقد انها مُلكه و دائماً ما كان يقول لها ( انا اعتبرك زوجتي .. كلام على ورق ما راح يغير شي ) ... و الآن كلام على ورق جعلها تُصبح لغيره ز
بدون ان تطرق الباب ...داهمت مروة الغرفة : ولييدوه ,
جلست على السرير و قابلت وجهه : وش رايك نروح للبحرين نغير جو , اليوم بجيبون السلطان سليمان بعظمته عشان يغني في مهرجان هناك
وليد : مالي خلق
مروة : يلا عاد , خلاص تراك ابثرتنا برومنسيتك الزايدة , وتزوجت ويعني ؟ خلاص نهاية العالم ؟
وليد : ما بتروحين العرس الليلة ؟
مروة : وليه أروح ؟
وليد : و ليه يعني .. لأنها اختك .. ما عليك من مشاكلي و روحي لها عشان امك على الاقل
مروة : هههههههههه أنا وامي مشاكلنا ما تخلص , وانا ما باروح العرس لأني ما احب الأعراس واجوائها التافهة مو عشانك
وليد : والريم ؟
مروة : الريم صحيح اختي , بس مش مهم يعني هي تدري ان انا ماحب هالاجواء
ضربت كتفه بفظاظة : افف خلاص لا تفكر فيها , مررة مصدق حالك انك تحبها ...انت تدري ليه مو قادر تشيلها من بالك ومتأثر فيها ؟
وليد ببرود : ليه ؟
مروة : عشانها هي اللي تركتك , مو انت اللي تركتها , انت في العادة اللي تنهي العلاقة مع كل بنت كنت معها , بس هالمررة صار العكس هي اللي تركتك وكملت حياتها
أخذ يفكر بكلامها , و يتساءل في نفسه ان كان صحيحاً أم لا , مروة ابنة عمه التي لا يعتبرها سوى اخت واقرب شخص له , كانت تعرفه أكثر منه , كانت تجمعها معه علاقة اخوية جميلة , كانت متعلقة به أكثر من اختها الغير شقيقة " الريم "


 

في المستشفى


للتو انتهى من عملية استئصال المرارة ...لحسن الحظ أنها كانت مجرد عملية بسيطة باستخدام المنظار و لا تتطلب أي جهد مبالغ ...فلازال تفكيره مشوش و أعصابه مشدودة ...و لازال شجاره البارحة مع نور مؤثراً على مزاجه ..كان متجهاً لغرفة هالة ليرى ان كانت متواجدة أم لا فمن المقرر ان تخرج اليوم من المشفى ..و بالقرب من غرفة هالة سمع اصوات ضحكات عالية قادمة من تجمع ممرضات ...يتحدثن بصوت عالي مُلفت .

احاديث سخيفة و تعليقات سمِجة على المرضى و المُراجعين .. و إشاعات .. إشاعات و أكاذيب من جديد ، سمع احداهن تتحدث : من شوي كنت عند اخت الدكتور منصور و ما عرفت اقيس ضغطها من صراخها
علقت اخرى تدعى منيرة : مو المفروض انها تطلع اليوم من المستشفى ؟ بس لسا اهلها ما وقعوا على اوراق الخروج .. على فكرة ترى هي مش اخته .. اللقب مختلف .
اجابتها اخرى : انا كنت في الطوارئ اك اليوم و هو اللي جابها معه و كانت لابسة فستان زواج ... تتوقعون وش تصير له بالضبط ؟
تلقائياً توقف عن المشي و يستمع الى تلك المدعوة منيرة التي تسرد التفاصيل و كأنها تعرفُه و تعرف زوجته و اهلها
رفعت منيرة الاوراق التي بيدها و قرأتها .. و كانت تلك الاوراق تخص هالة : هاذي هالة الجاسر .. عمرها ١٨ و العملية استئصال كلية .
رفعت رأسها من الاوراق : لما جت لهنا كانت تنزف بشدة و حالتها حرجة .. واضح انه تعدي و محاولة قتل و انها كانت مطعونة .. بس ليه موضوعها مر كذا ؟ واضح انه فيها شرف .. و الا كيف عروس مطعونة ؟
ادلت اخرى تدعى جنان : قبل يومين فيه واحد عمل مشكلة قدام غرفتها .
منيرة : ايوا هذاك الدب .. شكله هو اللي حاول يقتلها .. يا كافي !!
أكملت منيرة : المفروض ينسجن .. بس كيف مر الموضوع كذا ؟
قالت جنان : انتي قلتيها ... بما أن فيها شرف أكيد حاولوا يلملوا الموضوع و يستروا على أنفسهم
قالت ممرضة اخرى : طيب و البنت اذا طلعت من المستشفى وش مصيرها ؟
رفع صوته موجهاً الكلام اليهن :
كل وحدة فيكم تحترم المكان الي جالسة فيه , احنا هنا في مستشفى , شوية احترام للمرضى .. مسببين ازعاج باصواتكم العالية ولو كل وحدة تشوف شغلها يكون أحسن .

تفرقنَ محرجات من كلماته ومن أعين الموظفين والمراجعين التي تركزت عليهم ,أما هو فقد أكمل مسيره الى الغرفة الخاصة به وهو يحترق من الداخل..... هل أصبحت أعراض الناس موضوعاً مثيراً ليخاض فيها بهذه الطريقة ؟ .. (قليلات أدب , والله لو ما هم بنات كان عرفت كيف أتفاهم معهم )


*


ابتعدت الممرضة منيرة و بجانبها زميلتها جنان يبتعدان عن قسم العيادات , متجهات لقسم التنويم لاكمال عملهن

جنان تكلم منيرة بصوت منخفض : احراااج , الحين كيف بقدر احط عيني بعينه بعد اللي صار , انا الغبية الا متابعتكم وماشية ورا سوالفكم البايخة

توقفت منيرة و توردت وجنتيها و هي تقول : وه يا فديته ,يجنن وهو معصب ...هيبة و ثقل .. يا ليت كل يوم أسمع صوته

تعجبت من كلامها ..قالت بتأنيب : والله انك فاضية و ماعندك حيا , اقولك انحرجنا معه وهو قفطنا نتكلم عنه و عن أهله , و انتِ تفكرين في مشاعرك التعبانة

منيرة : وه بس , الله يجعله من نصيبي يا رب

جنان باستياء : غبية , تراه متزوج وعنده بنت على فكرة
منيرة : عارفة انه متزوج يا حبيبتي , بس عادي .. الشرع حلل أربع
صمتت و هي تتعجب أكثر من تصرفات منيرة .. تساءلت في نفسها ان كانت تعني ما تقوله حقاً او تمزح ؟


عكست منيرة اتجاهها .. و عادت الى غرفة هالة .. تبعتها جنان بعدم فهم
جنان : شفيك وقفتي هنا , احنا المفروض نكون ف غرفة 77 عند الدكتورة نجلا
منيرة : هاذي غرفة هالة , اتحداك تدخلين وتغيرين ضمادها
جنان : وليه يعني ؟ طايحة من عينك ؟
منيرة : تراها مجنونة , ما تخلي احد يلمسها تتحرك مثل المجنانين لما تشوف أحد
جنان بتحدي : ما يكون اسمي جنان اذا مادخلت وغيرت لها وبتشوفين أن انا احسن منك فذي الشغلة
منيرة : نشووف , يلا أنا بروح لعند دكتورة نجلا , لا تحس بتأخيرنا , وباقول لها انك شوي و بتجين
و قبلت جنان التحدي و كأنهم أطفال يتنافسون على لُعبة


دخلت جنان " الممرضة الجاهلة " الى الغرفة , يغمرها التحدي لتثبت لمنيرة انها الافضل في مجالها , القت نظرة الى تلك النائمة على السرير , كانت تبدو وكأنها تغط في نوم طويل ولن تستيقظ بسهولة , جهزت الضمادات والعصابات النظيفة لتغير لها عن جرحها , جلست بجانبها , وكشفت عن جرحها , واخذت نتزع بقايا الضماد بهدوء وحرص شديدين , في هذه اللحظات , فتحت هالة عينيها ,شعرت بحركة يدي الممرضة على جرحها , رعشة جنون سيطرت على هالة , يداها ترتعدان ,وجهها مصفر كثيب , شفتاها تميل للزرقة , بدأت بالنواح بصوت منخفض متعب , نظرت جنان اليها وهي تحاول تهدئتها : لا تخافي حبيبتي أنا بس بغير لك الشاش الي عالجرح , لا تتحركي عشان اخلص بسرعة

ازداد أنين هالة شيئاً فشيئاً وارتفع صوتها بالصراخ , وأخذت تحاول ابعاد يدي الممرضة عنها ,

هالة تصرخ بصوت مبحوح : بعدييي عنيي , لاتلمسيني رووحي بعدي بعديي

كانت حركاتها العشوائية تنطق بالجنون وكأنها مصابة بمس من الجن , ولم تستطع جنان السيطرة عليها , وصل الصوت للخارج , فدخل احد الأطباء مع ممرضتين للغرفة

جنان تشرح الوضع بارتباك : أنا كنت اغير لها على الجرح وفجأة قامت تصرخ وتضربني وتضرب نفسها

الطبيب بصرخة وهو منشغل بتهدئة هالة : طيب اطلعي برا لو سمحتي ونادي على الدكتورة نجلا بسرعة


خرجت من الغرفة وهي ترتعد من ما رأته عينيها , ماكان يجب عليها أن تطيع منيرة وتتدخل في مالا يعنيها , ذهبت بسرعة لتخبر دكتورة نجلاء بما حدث ,


,

كانت دكتورة نجلاء تؤنب جنان بانفعال : انتِ من طلب منك تغيرين لها عالجرح ؟؟ ليه تدخلين الغرفة من الأساس ؟ أنا طلبت منك تساعدي منيرة في تجهيز مريض لعملية مو تروحين لغرفة هالة , انتِ ما تفهمين والا تعاندين والا شقصتك بالضبط ؟

جنان وهي تحاول ان لا تبكي : آسفة دكتورة , أنا بس قلت اساعدك , وشفت المريضة نايمة قلت اغير لها فرصة

الدكتورة نجلا بعصبية أكبر : ومن طلب منك المساعدة ؟؟ المريضة تعبانة نفسياً وماتتحمل أي مضايقة , احنا نحاول نتصرف معها بكل حذر مع المساعدة النفسية وانتِ تجين وتدخلين كذا بدون حتى ماتسألين , وش هالتصرف الغير مسؤول ,

جنان : آسفة والله آخر مررة اسوي شي بدون ما أسأل , أنا جديدة هنا في المستشفى وهاذي أول وظيفة استلمها , أتمنى تعذريني

دكتورة نجلاء : المرضى أمانة عندنا أمانة مو لعبة , احمدي ربك أن الموضوع عدَى على خير , تدرين لو صار لها شي كان أنا الا راح اتحاسب , لأن أنا المسؤولة عن الحالة بس وربي ماكنت اخليك تفلتين منها , يلا الحين روحي و لا تخليني اشوف وجهك


ذهبت وهي تندب حظها وتلعن منيرة في نفسها , وقفت في الزاوية وأخذت تبكي بصمت , كان منصور خارجاً من الغرفة بعد أن انهى جميع مواعيده مع المرضى , انتبه لجنان التي تقف بطريقة غريبة لاحظ بكائها .... التقت عينيه بعينيها و من غير شعور من جنان أطالت النظر في عينيه .. و لكنه لم يعرها أي اهتمام وأكمل مسيره ليتفاجأ بوجود "أبو سلطان يقف أمامه " :السلام عليكم , كيف حالك يا منصور
تفاجأ من ابو سلطان الذي كان من الواضح أنه ينتظره : و عليكم السلام , حياك الله
ابو سلطان : أنا جاي أكلمك بموضوع
منصور : تفضل
ابو سلطان : تعال معي شوي , ما أبغى أتكلم هنا واسبب لك احراج


خرجا من المستشفى وانفردا معاً في مكان خالٍ من الناس
منصور وقد تمالكه الفضول : تفضل يا ابو سلطان قول اللي عندك
ابو سلطان : منصور , أنا ماحبيت افتح هذا الموضوع مرة ثانية , واحنا قلنا مثل ما دخلنا بالخير نطلع بالخير , بس الا رسل لسلطان الصور رجع ورسل له شي ثاني
مد اليه كيس صغير : هذا يخص بنتكم ,
أخذ منصور الكيس منه وألقى نظرة على ما في داخله فكان قرصاً

ابو سلطان : أنا قلت اجي اكلمك انت احسن بما ان بينا معرفة قديمة , ما حبيت اكلم ابوها او اخوها , خفت يكبر الموضوع و احنا ما نبغى مشاكل , واكيد ابوها ما بيتحمل مني كلام أكثر يكفي اللي صار

لم يعرف منصور ماذا يقول او ماذا يبرر فقد شعر بالحرج الشديد

ابو سلطان : يلا في أمان الله
ذهب ابو سلطان , وظل منصور ناراً متوقدة من الداخل , لماذا هو ؟ لماذا هو من يجب عليه أن يتحمل كل هذا ؟

,


اوقف سيارته في المواقف المخصصة للعمارة التي يسكن بها ، ترجل منها وهو يجر قدميه بعصبية , دخل الى العمارة و توجه الى شقته التي تقع في الطابق الثاني ..اخرج مفتاح الشقة و فتح الباب , دخل الى شقته وهو مهيَأ للشجار , يريد ان يفرغ غضبه عليها , يعلم جيداً أن لا ذنب لها فيما حدث لعائلتها , و لكنها الطريقة الوحيدة لإفراغ غضبه والا سيجن , رمى بمعطفه الطبي ومفتاح سيارته على الأريكة بطريقة تنم عن العصبية التي لم تنفك منه منذ تلك الحادثة , رفع صوته وهو يناديها : نور

لم يسمع جواباً فرفع صوته أكثر : نوور
ولم يسمع جواباً ايضاً , أخذ يبحث عنها , لم تكن في غرفة المعيشة و لا يبدو انها في غرفة النوم , اذاً بالتأكيد هي في المطبخ , سلك الممر الذي يؤدي الى المطبخ , كان الباب مغلقاً , وصوت شفاط المطبخ المزعج ينبعث منه الى جانب صوت تباكي طفلته و تذمر نور , فتح الباب وتكاثفت ابخرة الطعام الكثيفة في وجهه .. ستنشقها لتحشر في حلقه و يكح بقوة .. نظرت نور اليه و قد كانت تقابل قدر الكبسة الذي كان مصدر تلك الأبخرة التي تملأ المطبخ ..و تحمل طفلتها التي كانت تبكي بانزعاج ..استعجلت تصب الماء و قدمته له : بسم الله عليك !! اشرب .. اشرب

اخذ الكأس منها و شربه بسرعة ... لتختفي الحشرة و ارتاح حلقه على اثر جرعة الماء .. ابتلع ريقه و نظر نحو نور التي تُحدق به .. ارتاب من مظهرها الذي ينم عن الارهاق ..شعرها منفوش تلف عليه منديل أزرق ..ترتدي مريلة متسخة ، جبينها يقطر عرقاً و عينيها محمرتين من أثر البصل الذي كانت تقطعه .. اما الطفلة فكان وجهها محمر غارق بالدموع
منصور : ليه تاركة البنت تبكي ؟
تذمرت بانزعاج : هاذي بنتك لا ترحم و لا تخلي رحمة ربك تنزل ..اذتني بصياحها ودلعها , مب راضيه تقعد ف الصالة تلعب بالعابها ولاهي مخليتني فحالي , شسوي فيها ؟
انقل تركيزه من نور الى الطفلة فأثارت شفقته مد يديه نحوها ليتلقط سارة الباكية منها : خلصي اللي عندك و انا بجلس معها .
خرج من المطبخ حاملاً اياها و هو يحاول تهدئتها
جلس على الأريكة و اخذ يُنشف وجهها من الدموع و يمسح مخاط أنفها .. و يُطبطب على ظهرها الى ان هدأت .. مالت نحوه و مرغت وجهها الصغير في رقبته ثُم رفعت رأسها و اخذت تُحملق في وجهه بملامح تقطر براءة... تلك البراءة في عينيها ، دقات قلبها البريء التي شعر بها وهي بين يديه ، و ايضاً نعومة وجنتيها التي لامست رقبته .. كان كل ذلك كفيلاً بتهدئة أعصابه وتغيير مزاجه السوداوي .. ابتسم بالرغم عنه وهو يسمعها تنطق بـ : بابا ثم تضحك بلطف
رفعها و أنزلها بسرعة و قد آنسه صوت ضحكاتها الذي ارتفع .. تساءل في نفسه كم من الوقت مضى و هو مشغول عن طفلته .. متى كانت آخر مرة قضى وقتاً ممتعاً معها ؟

في الفترة الأخيرة كان كل ما يفعله عند عودته للمنزل هو الشجار مع نور , وتذكيرها بفضائله عليها , و ان تحمله وصبره قد نفذ منه ومن فضيحة عائلتها التي لا تحتمل و انه قد قام بما عليه و أكثر. وان لو أن شخصاً آخر لما كان تحمل كل ما يجري و ما كان صبر كل هذا الصبر , متناسياً معاناة نور وأن ما حدث بالطبع قد آلمها أكثر منه , و أنها تشعر بأضعاف ما يشعر به هو , ف متى سينتهي هذا الشجار العقيم ؟

قطعت سارة أفكاره بسحبها نظارته الطبية من عينيه .. حدقت به و ضحكت بشغب ثم وضعت النظارة في فمها
.. انجذب لها و لشكلها البريء ، لا تدرك شيئاً حولها ..كأنها تعيش في عالمها الداخلي الخاص الذي لامعنى للحزن فيه .. قبَّل وجنتيها ثم دغدغ بطنها مستأنساً بها وبضحكاتها .

*

على طاولة الطعام ، تطعم نور سارا بطعام الأطفال الخاص , اما هو فقد كان سارحاً بأفكاره , يتأمل زوجته وطفلته , لماذا لا يعود نمط حياته الهادئ كما كان ؟ الى اين سيصل شجارهما ؟ أخذ يراجع نفسه ..كلماته الجارحة التي كان يسمعها نور كل يوم , و ما ذنبها هي ان اخطأت اختها ؟ ومن الطبيعي جداً أن تقف مع عائلتها و تدافع عن اختها ولا تتقبل الفضيحة , من الطبيعي جداً ان ترد عليه وتدافع عن نفسها وعن أهلها , انهم اهلها في النهاية و هذا ما يفعله افراد العائلة لبعضهم البعض .. و ان لم تقف مع اهلها في ازماتهم فمتى تقف ؟ شعر بتأنيب الضمير ...لقد كانت دائماً تتحمل غضبه حتى في اتفه الأمور .. اعترف انه كان أنانياً معها , كان يفكر بنفسه ومكانته المرموقة والفضيحة و الاشاعات و " كلام الناس " ..غافلاً عن مشاعر زوجته ومعاناتها .
نظرت نحوه نور و قد لاحظت شروده.. قالت باستغراب : منصور ليه ما تاكل ؟ بيبرد الأكل

نظر الى طبق الكبسة بالدجاج المحمر الذي اعدته نور لأجله , وهاج بطنه بشهوة الطعام ولكنه حافظ على جموده , جرفته مشاعره نحو زوجته و بطيبها وصفاء قلبها , بالرغم من تصرفاته القاسية معها الا انها لازالت تفكر به ولم تنسى واجباتها اتجاهه , خجل من نفسه عندما تذكر انه كان يريد مشاجرتها بسبب كلام ابو سلطان
نظر اليها و قال بهدوء : تسلم ايدك
نور : الله يسلمك عليك بالعافية
بدأ بالأكل و الضمير يُأنبه و العواطف تتحدث عنها ..أما هي فكانت متعجبة من هدوئه الغريب

*

يهتف بها : و يا روح البابا .. و يا قلب أبوك

يجلس معها على ارضية الغُرفة و تتناثر الدمى حولهما .. اندمج بمُجاراتها باللعب و كأنه طفل مثلها , تارة يقبلها وتارة يحادثها بلغتها الغير مفهومة ، امسك بكفيها الصغيرين ليساعدها على الوقوف , فبالرغم من اتمامها عامها الأول الا انها لم تخطي خطواتها الأولى بعد , اخرج هاتفه المحمول من جيبه و شغَل الكاميرا وبدأ بتصويرها لتوثيق خطواتها الاولى

امسك بذراعها بيد و بالهاتف الموجه نحوها باليد الاخرى : يلا يا بابا ...خليك شجاعة , انا بترك ايدك اللحين عشان تمشي لوحدك .. اتفقنا ؟

افلت يدها و ترك مسافةً بسيطة بينهما .. مرت عدة لحظات و هو يُصورها دون ان تتحرك ...بقيت واقفة على قدميها للحظات و بدت خائفة و هي تُحدق نحوه .. برمت شفتيها و تباكت بدلال و هي تمُد ذراعيها نحوه .. بينما انفجر ضاحكاً و هو يراها خائفة من الوقوع : ههههههههههههه تعالي هنا تعالي يا خوافة

مضى لها ورفعها واحتضنها و هو يضحك عليها .. في هذه اللحظات خرجت نور من الحمام بعد ان استحمت طويلاً لتتخلص من رائحة المطبخ .. تأملها و هي تلوح بشعرها القصير المبلل ..كانت تبدو جميلة ببشرتها المتوردة ..لم يعد يتذكر متى آخر مرة نظر اليها بهذه الطريقة .
التقت عينيها في عينيه فابتسمت : اشوفك رايق اليوم ...صوت ضحككم واصل لعندي
اجابها بسخرية : هاذي العجوز بنتك ..الخايبة ما ادري متى بتمشي العجوزة
ضحكت لتعليقاته على سارا : هههههههههه أي مادري ليه للحين ما مشت ..مع أن الاطفال الا في سنها و اصغر منها بدو يخطو
منصور : يحق لها بنت منصور تدلل

صمتا للحظات ..يفكر كلٌ منهما بالآخر ..تذكر ذلك القرص ..يجب أن تعرف نور به
قال لها بجدية : نور اليوم جاني ابو سلطان المستشفى
فتحت فاهها و قالت بصدمة : لييه ؟ وش فيه بعد
احضر لها القرص ومده لها : عطاني هذا السي دي , يقول ان وصل لولده سلطان و يخص هالة
اخذت نور القرص منه : الله يستر من اللي فيه .. انت فتحته ؟
نفى بسرعة : لا و ليش افتحه ..يمكن فيه شي خاص
نور : طيب انا بروح اشوف وش فيه

دخلت الى الغرفة واغلقت الباب عليها , أما هو أخذ يكمل لهوه مع سارا , وهو يدعو ان لا يجلب هذا القرص مشكلة أخرى

*

اخرجت الحاسوب ووضعت القرص في محرك الأقراص , ليبدأ المقطع , احترقت من الداخل و عينيها تكاد تخرجان من محجريها و هي ترى هالة ترتدي الثوب الأحمر ذاته !! كانت تتحرك بطريقة غريبة وكأنها ثملة ..وبرفقتها شاب تم التغطية على وجهه وهو يضحك ويلمس هالة بطريقة اثارت حفيظتها , لم تستطع ان تُكمل .. اغلقت الحاسب بقوة , لم تصدق عينيها , هذا لا يعقل , حتماً هناك خطأ في الموضوع , هناك حلقة ناقصة يجب ان تعرفها , امتلأت نفسها بالهم والحزن و غرقت في صمت و ذهول غريبين , هل فعلاً ليلى على حق ؟

تشابكت الأفكار في رأسها و قيدتها , و أخذت الحيرة تنهش عقلها , أجهشت بالبكاء , و هي لا تدري ماذا تفعل ؟ ومن تصدق ؟ ومن يرسل الصور ؟ لماذا يريد أذيتهم بهذه الطريقة البشعة ؟

فاجأتها حركة الباب فأشاحت وجهها بارتباك , علمت أنه منصور فحبست أنفاسها ومسحت دموعها بينما اقترب منها وجلس بجانبها , لاحظ ملامحها الحزينة وبقايا الدموع في عينيها : وش فيك ؟ السي دي فيه شي ؟؟
قالت بكبرياء : ماله داعي تعرف , الموضوع ما يخصك , وانت تعبت معنا وأدري انك خلاص ما عاد فيك تتحمل فضايحنا أكثر , حفظت الاسطوانة منصور ماله داعي تعيدها !!
قالت كلماتها ونهضت عنه ..لا تريد ان يجرحها أكثر .. لا ينقصها المزيد فما رأته في هذا القرص كان فوق طاقتها , و لكنه لم يتركها , أمسك بمعصمها مانعاً إياها من الذهاب : نور !! اجلسي و خلينا نفكر مع بعض و نحاول نشوف حل لهالموضوع
حاولت الافلات منه و هي تقول : ليش ؟ انت قلت ما تبغى تتدخل اكثر , منصور اللي فيني يكفيني واذا بتقول شي يضايقني فماله داعي ,
شد على معصمها اكثر : أقولك اجلسي ..أنا ابغى اساعدك يا نور
استجابت له و جلست بجانبه تستمع لما يقول
سألها : القرص فيه شي يخص هالة ؟
أومأت برأسها بالايجاب ثم قالت بدفاع : منصور أنا أعرف اختي زين ..هالة مو من هالنوع من البنات , هالة متربية و محترمة و فوق هذا خجولة , مستحيل تغلط هالغلطة .. ما تقدر .
دفعتها عاطفتها للمبالغة و هي تصفها : هالة تخاف حتى من ظلها ..ترتعد اذا شافت رجال غريب يناظرها و تخاف !!
اكملت و هي تنظر نحوه برجاء : مستحييل تسوي كذا !! منصور هاذي اختي واعرفها ..ماتسويها والله ماتسويها

منصور بتفهم : طيب مين برايك اللي رسل الصور لسلطان ؟ عندكم مشاكل مع أحد ؟ فيه أحد حاقد على هالة و يبغى يأذيها ؟

نور بعد تفكير : لا !! هالة صداقاتها قليلة و ما تحتك بالناس كثير . وحتى لو كان عندنا مشاكل , ليه يفضحنا بذي الطريقة ؟ ليش كل هذا الحقد ؟ و ليش يرسل الصور فنفس يوم الزواج ؟ ليش اختار هالتوقيت بالذات ؟
انزلت رأسها و خانها صوتها و قالت بتباكي : حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل ..الله لا يوفقه !!

لاحظ منصور جرس صوتها الحزين وأدرك انها على وشك البكاء فتأثر بها وحاول تهدئتها : طيب نور ركزي معي , اهدي وصلي ع النبي , خلينا نفكر فيها بعقل ..هالة وين كانت تروح ؟ ومع مين ؟

اجابته و هي تكاد تبكي : هالة من البيت للمدرسة ومن المدرسة للبيت ..ما كانت تطلع الا معي او مع ليلى او مع الهنوف .. و طلعاتها مع صديقاتها قليلة مررة !!

وصديقاتها كلهم نعرفهم ..و حامد بنفسه اللي كان يوصلها اذا بتطلع , منصور أنا فكرت كثيير بالموضوع بس مب لاقية حل , مب لاقية شي , هذا الشخص الا رسل الصور نيته واضحه انه يبغى يخرب , والا ليه رسل الصور لسلطان , ليه ما رسلها لأبوي أو حامد ؟
منصور : شكله يعرف سلطان ,او له علاقة بسلطان
نور : أي ويمكن له عداوة مع سلطان و يبغى يأذيه , بس كيف نعرفه مين هو وكيف نوقفه عند حده

ابعد عينيه عنها و صمت تردد قبل ان يعرض عليها المساعدة اذ انه قرر ان يتنحى جانباً ... و لكنه لم يستطع و نظر لها و قال : أنا بكلم سلطان وبشوف أقاوله ..وكيف وصلوا له الصور بالضبط ..لازم نعرف هالخسيس الا رسل الصور ونوقفه عند حده , لازم يتحاسب , وأنا عندي معارف في المباحث , وان شاء الله يقدرون يجيبونه من تحت الارض
تعجبت نور من ردة فعله المفاجئة , و كيف تغير رأيه ,و كيف اصبح هادئاً ويحاول مساعدتها , لم تصدق ما سمعته منه : والله ؟ بتكلم سلطان ؟
نظر الى عينيها المتفاجئتين : أي لازم نفهم منه و

لم يكمل كلامه فقد اقتربت منه وعانقته بقوة و القت بثقل رأسها على كتفه ..لم تنطق بأي كلمة , فقد كانت فرحتها لا توصف ..أخيرا استمع اليها و صدقها , لقد ازاح ذلك الثقل الكبير عنها وازال بعض تعبها , و شعرت اخيراً ان هناك من يشاركها في همها و من تستطيع الاعتماد عليه .. همست في اذنه : ما أدري وش كنت بسوي من دونك ..الله يخليك لي
وضع يده على ظهرها برقة , ابتعدت عنه قليلاً ليرى ملامح وجهها التي تبدلت من الحزن الى الأمل , اكتفى بالابتسام لها , فقد كان بعكسها لا يجيد وصف مشاعره بالقول , دائماً ما كان يعبر عن حبه لها بالأفعال لا بالأقوال .

*

يختلط لهيب العواطف بصقيعها .. هل يتمنى موتها ام يتمنى انها لم تُخطئ .. ام ان حُبه الابوي لها يمنعه من تصديق هذه الترهات ؟
اول لحظاته معها ..عندما وضعوها لتستلقي على ذراعيه , وقتها كانت صغيرة ولا تُقدَر بثمن , في تلك اللحظة عرف انه قد وقع في حبها .. كبرت أمام عينيه , و لم تنمحي ملامح الطفولة منها , و لم تختفي نظرات البراءة من عينيها , يتذكر تفاصيل حياتها البريئة الى ان اصبحت عروساً ,يحاول ان يدرك ما الخطأ الذي ارتكبه لتخطأ طفلته ما اخطأت و تفضحه و تلعب في شرفه , هل خطأه انه احبها ؟ ام لأنه في حياته كلها لم يرفض لها طلباً ؟ هل هو الدلال الزائد الذي جعلها تفعل ما فعلت ؟

كان غارقاً في حزنه العميق , الغضب ,الشعور بالذنب , الاستياء , عدم التصديق و خيبة أمل كبيرة ,يشعر انه فقدها الى الأبد , مات حبها في قلبه ,و اصبحت في عالم الاموات ..بالنسبة اليه ,و لكنه يشعر بالحنين الى طفلته الصغيرة , تلك الصغيرة البريئة التي لا تخطئ , يتذكر كلماتها الأخيرة و دموعها , و أنينها , بدأ يتسرب الى ذهنه شعور قاتل بأنه قد يكون ظلمها , و لكن الصور وكلام ابو سلطان يثبت ادانتها , الشك والحيرة مثل حبل المشنقة الملفوف على عنقه بدون أي مقاومه منه .
كانت نور تقف خلف الباب .. جاءت الى هنا بقصد لقاءه و الحديث معه تردد في الدخول , فوالدها لم يعد والدها الذي تعرفه , تمنت لو ان يلين قلبه ولو قليلاً لتتمكن من التفاهم معه بهدوء طرقت الباب : يبه اقدر ادخل ؟ ابي اكلمك في موضوع
سمح لها بالدخول فدخلت وجلست بجانبه ترددت للحظات قبل ان تتحدث : يُبه
ابو حامد : قولي يا نور
نور : انا ابغى اكلمك عن هالة
صمت واشاح بوجهه جانباً
نور : أدري انك ماتبغى تتكلم عن هالموضوع , بس مايصير كذا نرمي البنت و ما نسأل .. انا احس ان اختي مظلومة , ولازم نفهم منها , ولين ما تهدأ الامور انا قلت ندخلها دار الحماية , بنت خالتي ياسمين تشتغل هناك و بتدير بالها عليها , بس لازم موافقتك اول !!
ابو حامد : يعني تفكرين ان انا ابغى اظلمها , هاذي بنتي يا نور .. كل ما حاولت اكرهها ما اقدر , بس وش بيدي اسوي ؟؟ اكذب عليك اذا قلت ما تهمني وعساها الموت , هاذي بنتي يانور

لمست في كلماته الحنان الذي طالما عرفته فيه : يبه , هالة بريئة وانا راح اثبت هالشي , لا تتسرع وتحكم عليها , منصور قال لي ان بيتحرى عن الموضوع , ومن اللي راسل الصور , لازم نعرف اللى رسل الصور يبه ,منصور معارفه كثيرة وان شاء الله ينحل الموضوع واثبت لك ان هالة مظلومة وان هالصور مب صحيحة

ابو حامد : أتمنى انها مظلومة يا يبه , بس اخاف يطلع العكس , سالت دموعه على خديه : واذا طلع العكس ؟؟ اذا طلعت صدق فاجرة

تقدمت اليه وهي لم تتحمل رؤية دموعه : تكفى لا تستعجل وتحكم عليها , هاذي هالة وتربيتك , انا ماقدر اشوف دموعك تكفى عشاني يبه ,

قبلت رأٍسه ويديه : انت خلي الموضوع علي , وخلينا ندخلها دار الحماية , ي انا اخاف اجيبها هنا البيت وحامد يسوي فيها شي

ابو حامد : مو بس حامد , انا خايف عليها حتى من نفسي , اخاف اشوفها وانا اللي أأذيها , بتردد : هاتي الاوراق اللي بايدك وخلينا ندخلها ده اللي تقولين بيه


مهما فعلت تظل طفلته الصغيرة , ويظل والدها , تظل تفاحة عينيه ,التي يخاف عليها حتى من نفسه, حتى مع احتمال ان تكون مذنبة , كان خائفاً عليها


,



الهنوف


كانت تجلس شاردة الذهن , ويجلس بجانبها ابنها محمود ذو السبعة أعوام يكتب واجباته ,

محمود وهو يرفع اليها كتابه : ماما شوفي خطي حلو

الهنوف وهي لم تنظر اليه ولازالت شاردة : أي حلو

محمود : بس انتِ ماناظرتي في الكراسة , كيف قلتي حلو

الهنوف : افف محمود , كمل حل واجباتك ولا تزعجني

محمود ابتعد عنها بتذمر واكمل الكتابة على كراسته

قامت من مكانها فجأة وذهب الى احدى الغرف واغلفت الباب عليها , امسكت بهاتفها , واختارت احدى الارقام المسجلة لديها وضعت الهاتف على اذنها تنتظر سماع الرد

جاءها صوت أنثوي : الو
الهنوف : الوو انا الهنوف
المرأة : ايوا وش بغيتي
الهنوف : تكفيين ما ابغاك تذكرين اسمي في اللي صار , انتِ تعرفين ان انا مالي ذنب , يكفي البنت المسكينة في المستشفى ويقولوا انها انجنت , لا تخربين حياتي أنا بعد ,أنا عندي ولد و حامل , حرام اذا مو عشاني عشان اولادي

المرأة : هههههههههههههه وش فيك خفتي ؟

الهنوف : أي وبموت من الخوف اذا عرف زوجي بيذبحني , تكفين الله يخليك استري ع الموضوع

المرأة : اطمني يا قلبي بما انك تسوين اللي اقوله بالحرف الواحد ما راح يصير لك شي

الهنوف : أكيد ؟؟ اتطمن يعني

المرأة :ههههههههههههه أي تطمني وحطي ف بطنك بطيخة صيفي , خلاص انا اخذت الا ابيه و مايهمني افضحك او اسوي لك شي

الهنوف بارتياح : مشكورة , الله يستر عليك مثل ما سترتي علي بس ممكن سؤال

المرأة : اييش ؟

الهنوف : ليه عملتي كذا بهالة ؟ حرام البنت مسكينة و

قاطعتها المرأة بنرفزة : لا تتدخلين بشي ما يعنيك يالهنوف لا تخليني اغير رايي فيك

الهنوف : لا لا لا اسفه , خلاص انا بسكر الحين وبمسح رقمك من عندي انا ما ابغى مشاكل معك

المرأة : بس انا ما بمسح رقمك يمكن احتاجك

الهنوف : ها ليش بعد

المرأة : مادري يمكن احتاجك للضرورة , واذا ما شفتك معي يمكن اسوي شي ما يعجبك ياقلبي

الهنوف بخوف : لا تكفين

لم تسمع رد فقد اغلقت تلك المرأة الخط , شعرت باحدهم يفتح الباب

نور : الهنوف وينك ؟ ولدك يبغاك تذاكرين له

الهنوف فزعة : اففف وانتِ ليه ما تدقين الباب قبل لاتدخلين مافي خصوصية ف هالبيت

نور : انا صار لي مدة ادق الباب وانت ما تردين

الهنوف : كنت اكلم اختي في الجوال , وما انتبهت , خوفتيني اففف

نور : طيب حصل خير ليه معصبه ؟


ذهبت الهنوف الى محمود واخذت تصرخ عليه : انت متى بتعتمد على نفسك وتذاكر لوحدك , اذيتني


تركتها نور وهي متعجبة من تصرفاتها الغريبة , صعدت الى الطابق الثاني لتجد ليلى تجلس وحدها في الغرفة

نور : مادري وش فيها مرت اخوك , مب طبيعية

ليلى : ليش هو فيه أحد طبيعي بعد الا صار

نور وهي تجلس بجانبها : معصبة وتصارخ على الولد وكانت شوي و تضربني بعد ما شفتها تكلم بالجوال

ليلى : اتركيها عنك مع نفسها

نور : وانتِ شفيك بعد , احسك متضايقة ؟

ليلى : آآآه يا نور , ام يوسف ماعندها سالفة ف البيت الا سالفتنا , من تشوفي تبدي تسأل عن هالة وعن ابوي , وكل ما احقرها مافي فايدة ترجع تسأل , كأنها ماصدقت تحصل شي عشان تضايقني فيه

نور : ماعليك منها , انتِ اهم شي زوجك ما يتأثر بكلامها

ليلى : لا الحمد لله يوسف مقدر الوضع وهو بنفسه يقول لي ان ما اعطيها أي اهتمام واطنش , بس لمتى ؟ لا واليوم لما رحت الجامعة كيف البنات يطالعوني , صحيح ان ماحد تكلم بس نظراتهم تكفي , فششلة انحرجنا كثيير مع المعازيم والناس يا نور , يعني هالخايس مالقى يرسل الصور الى ف يوم العرس

نور ولم يكن يهمها الناس بقدر ما تهمها هالة : الله يرد كيده في نحره

ليلى التفتت لنور : وانتِ كيفك مع زوجك ؟ بعده معصب من الموضوع كل ما اتذكر صراخه عليك ذاك اليوم ونظراته لنا في المستشفى , اقول الله يعينك كيف متحملة ؟

نور : لا الحمد لله منصور بدا يهدى شوي , وقال ان بساعدني عشان نعرف مين الا رسل الصور , يقول ان عنده معارف في الشرطة , وبحاول يحل الموضوع ويطلعه من تحت الأرض

ليلى : شهالتغير المفاجئ ماشاء الله

نور : لا منصور صحيح بسرعة يعصب , واذا عصب يصير مستفز وماينطاق بس قلبه طيب ولما يهدئ يصير اطيب منه مافيه

ليلى : الله يهديه ولا يغير عليكم يا رب , بس وش تفرق اذا عرفنا مين رسل الصور , ما احس بيتغير شي

نور : طبعا بيتغير يا ليلى , احنا لازم نعرف مين و وش يبغى وليه يبغى يفضحنا

ليلى : تتوقعين الا رسل الصور نفسه الا كان معاها في الصورة
نور : ما ادري , انا اعتبر هذا الا معاها في الصور مو موجود , انا بعدني احس ان اختي مظلومة
ليلى : يا ليتني اقدر افكر مثلك


في وقت مُتأخِر من الليل
بعد ان عادت من منزل والدها
دخلت الى غرفتها .. اتجهت نحو السرير لتراه و قد غفى بجانب طفلته ..تأملتهما و ابتسمت لشكلهما اللطيف ، كانت سارة نائمة على ذراعه و يداها الصغيرتان على صدره , اقتربت من زوجها وطبعت قبلة على خده
أحس بملمس شفتيها على بشرته .. قال و هو مغمض العينين : ليه ما نمتي ؟
نور : الحين بنام ..تصبح على خير
التقطت سارة من حضنه بهدوء لكي لا توقظها .. حملتها و وضعتها في مهدها بعد قبلت جبينها و سمّت عليها .
هذه التفاصيل الصغيرة في حياتها تروي قلبها هياماً
و تجدد الحب في خلاياها
عادت و استلقت بجانب منصور و راحة البال تغمر روحها .. رؤية زوجها و ابنتها ينامان بهناء و احساسها بالانتماء لهُما .. كفيل بجعلها تبتسم رغم الهموم و رغم كُل شيء !!
تفاصيل صغيرة تخلق احاسيس كبيرة
تنفست رائحة عطره .. اقتربت منه اكثر و في اقترابها منه دفء و طمأنينة ..تذكرت تساؤلها هذا الصباح ... هل لازالت سعيدة أم لا ؟ هل لازالت تحبه ؟
اجابت عقلها بعواطفها الصادقة ...نعم لازلت أحبه ,
.. و سأحبه الى ان ينتهي الحب من الوجود ...فيا رب التفاصيل الصغيرة أدم علينا الفرح


*

في احد الفنادق ، يقضي عروسان جديدان ليلتهما ... و هذه هي الليلة الثالثة من بعد الزفاف .. و لكن العروس الفاتنة لازالت تنفر منه و أيضاً حزينة لم تفرح أبداً بعكس العرائس ..تُطبق الصمت على شفتيها و لا تتحدث الا قليلاً .
اما العريس فهو مهووس مولع بها و يحاول ارضاءها بشتى الطرق معتبراً صمتها و بُعدها عنه مجرد خجل عذري سيزول حتماً و لم يكن يعرف ما يخفيه قلبها الحزين حقاً ..
تجلس الريم على طرف السرير شاردة الذهن ..ترتدي قميص أبيض حريري ...وجهها خالي من المساحيق ..شعرها الاسود الطويل مرفوع بإهمال و لكنها على كُل حال تبقى عروساً فاتنة ، فهي ذات وجه رقيق ..صغير ، متناسق القسمات ، بشرة بيضاء صافية متشربة بحمرة و جيد طويل و جسد رشيق متناسق كعارضات الأزياء .
ينظر اليها خالد بلهفة و كأنها قطعة من الحلوى يريد التهامها بأقرب فرصة اقترب منها بفظاظة محاولاً ان يُحيط ذراعه عليها و لكنها منعته وابتعدت عنه و هي تكاد تفقد وعيها من رائحته الكريهة التي تشبه رائحة البصل ممزوجة بشيء من دخان السجائر ..
خالد بإحباط : يعني لي متى هالحيا ؟ قطعتي قلبي يا الريم حرام عليك
قالت بتحذير : بعد عني لا تقرب !!
خالد بخيبة أمل : افا ليش ؟؟
الريم : معليش انا بعدني ما تعودت عليك وحركاتك تضايقني
التمعت عينيه بإعجاب شديد فقد بدت اجمل و هي تتكلم اما هي فالتمعت عينيها بقهر و هي تكاد تبكي لم تُخفي نظرات الاشمئزاز و بان الضيق على ملامحها و هي تُحدق به ..وجهه المستطيل و انفه أفطس و يبدو بعنقه الضخم المستدير و ذراعيه القصيرين أشبه ما يكون بإبريق شاي لم يكن شكله هو المشكلة بل رائحته العفنة و مظهره المهمل ...ذلك هو المصيبة بنظرها !! فلم يسبق لها ان ترى احداً بهذا الاهمال في حياتها والأدهى والأمر ان يكون هو زوجها !!!!!!!!
ضحك فبانت اسنانه الصفراء المقرفة و فاح نفسه الكريه : يا بعد حيي والله , اهم شي تكونين مرتاحة .. انا ما يهمني الا راحتك
سرحت بمخيلتها قليلاً الى وليد ، شتان بين وليد المهتم بنفسه و هذا الكريه ، و كأن القدر يعاقبها على علاقتها مع وليد بزواجها من خالد
بلغ بها الضيق مبلغاً عظيماً و هي تتخيل انها ستقضي حياتها القادمة كلها معه ..ياله من رجل مقزز ، كيف امكنه ان يجلس مع عروسه في اول ايامهم بهذا الشكل وهذه الرائحة ؟
تمنت لو أن الزمن يرجع الى الوراء و تنمحي الذكريات المؤلمة التي كانت سبب انفصالها عن وليد ويعود كل شيء الى ما كان عليه .. تُقسم انها ستتقبل بكل حماقات وليد و سيئاته فقط لو يعود الزمن الى الوراء !!
عادت الى واقعها المرير على صوته : حبيبتي أنا بروح اشوف العشا عشان يركبونه لنا الغرفة
امتنت انه سيذهب اخيراً فقالت براحة : أي روح

خرج من الغرفة اخيراً ..تنفست الصعداء و هي تحاول ان تتمالك نفسها و اخذت تُحدث نفسها بصوت مرتفع : بسيطة يا الريم بسيطة ..كل شي يتصلح ..اصلاً اهم شي الاخلاق ,..أي اهم شي الأخلاق ومع الايام انا بقدر اغيره .
كانت تحاول ان تهدئ من نفسها بكلمات يائسة , عديمة الحيلة , وهي تندب حظها في داخلها و لا جدوى .. سقطت دموعها من عينيها و همست : يا ربي انا شسويت في عمري ؟؟؟
لا تستطيع التراجع بعد ان تم الرفاف .. ثُم إنه كان خيارها الوحيد .. لم تستطع الرفض و لم تستطع العدول .. أهم قرار في حياتها لم تستطع اتخاذه !! لقد أُجبرت و كان خيارها الوحيد !!

سمعت طرقاً على الباب ..و لابُد انه خالد.. تأففت و هي تتباكى : افف ياربي مسرع ماجا !! ما يمدي حتى افتك منه شوي .. يا رب صبرني على هالبلوى !

تقدمت لتفتح الباب .. و قد قررت ان تقوم بما قامت به في الليلة السابقة و التي قبلها .. ستتحجج بأن معدتها تُؤلمها و تتركه يلتهم الطعام وحده و تستغل فرصتها لتخلُد الى النوم و تتعامل معه على أنه غير موجود .. و لكنها بعد ان فتحت الباب ارتددت الى الوراء و احتبس نفسها و سرت في جسدها رعدة من اعلى رأسها الى اخمص قدميها وهي ترى هذا الجسم المفتول العضل ، الجبهة العريضة ،النظرة القاسية التي تعرفها جيداً
وضعت يدها على فمها واختفت تعابير وجهها في صدمة : وليد !!
اخذت نفساً و أكملت : انت ايش تسوي هنا !!!!! انت اكيد انهبلت ؟
اغلق الباب خلفه و اقترب منها .. و تلاقت نظراته الغاضبة بنظراتها الفزعة الخائفة ، امسك بذراعيها ... يحاول ضمها وهي تحاول ابعاده عنها بأي طريقة : الريم انا جيت عشان اخذك و نهرب من هنا , كل شي يتصلح ..وأنا سامحتك وانتِ لازم تسامحيني
نطقت بصوت مرتبك خائف : ولييد روح لا يجي خالد يشوفك , اطلع بررا حررام علييك ,انا الحين متزوجة ما يصير الا تسويه ,تكفى اطلع لا تخرب حياتي اطلع
الوليد و قد مضى يفقد عقله و رشده بسرعه فائقة كان يترنح كالمجنون و كأنه عائد من معركة خاسرة ..يضغط على ذراعيها بقوة ممسكاً اياها و كأنها دجاجة : ما بطلع الا و انتِ معي
صرخ بها بقوة : ما اتحمل تكونين لغيري ما تفهمين ؟؟؟؟؟ انا حاولت انساك بس ما قدرت كل ما اتذكر انك معاه ف غرفة لحالكم يجن جنوني

تحاول ان تبتعد ولا تستطيع .. تريد ان تدفعه خارجاً و قوتها تخذلها : انت واحد مجنون و مريض , كيف قدرت تجي لهنا بعد كل اللي صار , اطلع براا ,اقولك اطلع برا , ما ابيك صرخت بقوة : ما ابييك ما احبك انت ما تفهم

اجابها بتحدي : مو على كيفك و بتروحين معي غصباً عليك !!
انهارت اعصابها بين ذراعيه بعد ان فائت محاولاتها لدفعه خارجاً للفشل فقد كان جسدها نحيفا هزيلاً مقارنةً بجسده القوي العريض
توسلت اليه : تكفى رووح .. حرام عليك لا توديني في داهية انت كنت السبب يا وليد , انت الا دمرتنا والحين جاي ليشش ؟ اتأخرت يا وليد اتأخرت
تجاهل توسلها و هو يسحبها معه و يتلفت يُمنةً و يسرى : جيبي عباتك خلنا نطلع من هنا بسرعه , يلا مافي وقت انا ما بطلع الا وانتِ معي !!
توسلت مرة اخرى و قالت بذل : اذا تحبني صحيح روح , اذا صدق تجبني روح واتركني .. تكفى وليد !

أما هو فقد كان تائهاً لا يُدرك خطورة ما يقوم به الآن .. مشوش بكلماتها و غارق في الغضب ..تجتاحه الرغبة العارمة في اخذها والذهاب بعيداً ..ينظر الى عينيها الخائفتين و يزيد جنونه ...يعيش في الحاضر ولكن قلبه وقراراته لازالت في الماضي .. و ليس في باله سوى ان تعود الريم له فهي مُلكه و لا يحق لأحد ان يأخذها منه .. نعم هي ملكه لذلك سيُغطيها بعباءتها و يُكمم فمها ليهرب بها و ليحدث ما يحدث .
مرت فترة و هي تبكي و تتوسل اليه .. بينما عثر هو على عباءتها و حقيبتها .. حاول ان يُغطيها لكنها قاومت و هي تتشبث بالطاولة .. أحاط خصرها بذراعه و حملها .. صرخت وقد باح صوتها : لا وليد تكفى لا !!
كمم فمها بكفه و غطاها بالعباءة .. و لكنه افلتها من يده و هو يسمع صوتاً من خلف الباب
: الريم افتحي الباب ...معك احد في الغرفة ؟؟

اخذ خوفها يزداد شيئاً ف شيئاً وهي لا تعرف ما يمكنها فعله مع الوحش المجنون الذي يمسك بها و زوجها الذي يقف خارجاً

غمرها شعور مرعب وكأن نهايتها قد اقتربت و أغلقت عينيها - بغير إرادة منها - ودعت دعاءً قصيراً .


انتهى

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...