رواية وريث العنقاء: رمح الثأر — الفصل 9 — بقلم عاصم حسن زاهر
تراجعت الصغيرة إسراء بخطوات مرتعشة، وقد جمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها بذهول مطلق تحت تأثير صدمة مرعبة لم تكن في الحسبان. في زاوية الكهف المعتمة، رأت وبوضوح شديد هيئة طائر مهيب، صقر ضخم لا عهد لها بمثله، واقفا بثبات على كتف عاصم، باسطاً جناحيه الكبيرين ليحجب بهما وجه الفتى تماماً وهو يأكل ثمار التوت. والغريب في الأمر، أن عاصم نفسه كان يتناول طعامه بهدوء، لا يرى ذلك الطائر الطيفي ولا يشعر بوجوده الجاثم على كتفه!
اندفعت الطفلة راكضة نحو فم الكهف بأقصى سرعتها، والذعر يسبق خطواتها. وعندما وصلت إلى والدها، كانت تلتقط أنفاسها المتلاحقة بصعوبة وهتفت بذعر: «أبي! هناك طائر.. طائر يشبه الصقر يقف على كتف "الذئب" ويغطي وجهه بجناحيه!»
اتسعت عينا الفارس زاهر ونهض مستنكراً: «ماذا تقولين؟! صقر على كتف الذئب؟! هل رأيتِ هذا حقاً أم يتراءى لكِ؟»
ردت بنبرة حازمة والدموع تترقرق في عينيها: «نعم يا أبي، أحلف لك أنني رأيته بعيني هاتين!»
صمت زاهر لوهلة، ثم عقد حاجبيه وتذكر واجب الحرمة، فقال بنبرة عاتبة: «ولكن.. ما الذي جعلكِ تتلصصين على الذئب وتتجسسين عليه من الأساس؟»
طأطأت إسراء رأسها بخجل وقالت: «لقد أردت فقط أن أرى وجهه المخفي.. ولكنني رأيت ذلك الطائر المرعب بدلاً من وجهه».
تنهد زاهر وقال بصرامة: «لقد حذرتكِ سابقاً، الفتى قطع وعداً لأمه الراحلة بألا يرى أحد وجهه حتى ينجز انتقامه».
أجابت بنبرة منكسرة: «حسناً يا أبي.. لن أكررها مرة أخرى أبداً».
جلس زاهر مجدداً والشكوك تعصف برأسه وتكاد تذهب بعقله، وأخذ يحدث نفسه بقلق: "ما هذا الغموض الكثيف والأسرار المرعبة التي تلف هذا الطفل؟ هل هو حارس روحي؟ أم يا ترى كانت إسراء تتوهم تحت أضواء الظلال المرتعشة؟"
قطع حبل شروده وهواجسه صوت عاصم الواثق وهو يخرج من عمق الكهف قائلاً: «أنا جاهز الآن لبدء التدريب».
التفت إليه زاهر، ونفض عنه غبار الشك، ثم قال بحسم: «حسناً هيا بنا.. دعنا نبدأ».
خرجا معاً إلى الساحة الترابية الفسيحة الممتدة أمام الكهف، والتي تقارب مساحتها ثلثي مساحة ملعب كرة قدم. التفت زاهر نحو الفتى وأشار بيده إلى الميدان قائلاً: «أولاً.. ستركض حول هذه الساحة مئتي دورة كاملة، ولا أريدك أن تتوقف لثانية واحدة».
نظر إليه عاصم بطرف عينه وقال مستخفاً: «هل هذا هو التدريب الشاق والإنذار الصارم الذي توعدتني به ليلة أمس؟»
ابتسم زاهر ابتسامة داهية وقال بنبرة جافة: «نعم، هذا هو التدريب.. ولكن، ستحمل معك هذه الصخرة فوق كتفيك طوال الركض! ابدأ حالاً ولا تجادلني».
كانت الصخرة تزن حوالي ثلاثة كيلوغرامات، ورغم أن الوزن قد يبدو يسيراً، إلا أنه كان ضخماً وثقيلاً على جسد طفل نحيل في مثل عمره.
لم ينطق عاصم بحرف اعتراض؛ انحنى ورفع الصخرة بكلتا يديه، ووضعها فوق كتفيه الصغيرتين، وبدأ يركض بصعوبة بالغة. ومع كل خطوة، كان الوقت يمر بطيئاً وثقيلاً كالجبال، والشمس قد كبدت السماء واشتدت حرارتها في منتصف النهار.
ركض عاصم عشر دورات فقط، ومع نهاية الدورة العاشرة، خارت قواه تماماً وسقط على الأرض الترابية يلهث بعنف، وقد بلل العرق جسده ووشاحه.
اقترب زاهر منه بخطوات عسكرية صارمة، ووقف فوق رأسه قائلاً ببرود: «انهض.. وابدأ من جديد!»
نظر إليه عاصم بذهول تام وهتف وهو يلتقط أنفاسه: «ماذا؟! أبدأ من جديد؟! لقد قطعت عشر دورات كاملة بالفعل!»
رد زاهر بملامح جامدة: «عشر دورات؟ لم أرك وأنت تقطعها.. أريدك أن تبدأ العد من الصفر والآن!»
قال عاصم بإنهاك: «ولكني لا أستطيع.. بالكاد أكملت تلك العشر!»
هنا، انفجر زاهر بصراخ هادر وشديد، رج أرجاء الساحة وأرعب عاصم في أعماقه، حيث صاح زاهر بقسوة: «إذن انهض واغرب عن وجهي واخرج من هنا! أنا لا أحتاج إلى طفل عاجز لا يستطيع تحمل التدريب من أجل الانتقام لأمه! لا أريد انتقاماً باهتاً لشخص يترك منظر عائلته المضرجة بالدماء ويسستسلم عند أول عقبة!»
نزلت كلمات زاهر كالسياط الملتهبة على روح عاصم. اشتد عزمه فجأة، وتفجر إصراره برغم الألم النفسي والجسدي العنيف الذي تسببت فيه تلك الكلمات القاسية. نهض الفتى من الأرض كالمبعوث من الموت، وأحكم قبضته على الصخرة وبدأ يركض من جديد، لكن هذه المرة بعزيمة فولاذية، عازماً على إكمال المئتي دورة كاملة؛ من أجل والدته، ومن أجل أخته الراحلة، ومن أجل كل من أحبهم وسقطوا ضحايا.
في تلك الأثناء، كان زاهر يراقب ركض الفتى، وشعر بألم خفي في قلبه لإجباره على القسوة عليه، وقال في خوالج نفسه باعتذار صامت: "أنا آسف يا ذئب.. ولكن هذه هي الطريقة الوحيدة لأصنع منك محارباً ومقاتلاً فذاً لا يهاب شيئاً في هذا الوجود.. فهذا العالم لا يرحم الضعفاء".
مضى اليوم بأكمله، وغابت الشمس وتسلل الظلام، وما زال عاصم يركض ويعد خطواته بصوت متهدج يملأه الإعياء: «مئة.. وثمانية.. وتسعون.. بقي القليل.. سأتحمل هذا من أجلكِ يا أمي...»
ومع ذكره لاسم أمه، انطلقت في جسده دفقة طاقة مفاجئة، فركض بسرعة أكبر وكأن التعب قد تلاشى من عروقه سحراً. وأخيراً.. أكمل الدورة المئتين بنجاح، فرمى الحجرة الثقيلة من فوق كتفه، وسار بخطى متعثرة متهالكة حتى دخل الكهف حيث يجلس زاهر وسمية وابنتهما.
قال لهم عاصم بنبرة متقطعة ونفس أخير: «لقد.. أكملت الدورات.. بالكامل».
وما إن أنهى كلمته حتى تهاوى جسده وسقط أرضاً مغشياً عليه مباشرة.
انتفض زاهر من مكانه بهلع، وحمله من الأرض بخفة، ثم أسجعه برفق ولين فوق كومة من القش الدافئ في زاوية الكهف. لاحظ زاهر أن عقدة اللثام الأبيض قد ارتخت وكانت على وشك الانفتاح وكشف وجهه، فمد يده بحرص وأحكم ربط اللثام بنفسه دون أن يتلصص على ملامحه، ثم وقف عند مدخل الكهف ليحرسهم.
نظرت إليه سمية بعينين باكيتين وقالت بمعاتبة: «زاهر.. أرجوك، لا تقسُ عليه إلى هذا الحد.. إنه ما زال طفلاً صغيراً ولا يتحمل كل هذا العذاب».
رد عليها زاهر وهو ينظر إلى الأفق المظلم: «أعرف ذلك يقيناً يا سمية.. ولكنها الطريقة الوحيدة لأجعله الأقوى.. إن هذا العالم الذي نحن فيه لا يرحم أحداً أبداً».
قطع حديثهما صوت أنين خافت ومتقطع قادم من زاوية القش.. كان عاصم يتقلب في غيبوبته ويهذي بصوت طفولي حزين: «أمي..... أمي.....»