وسط هذا المشهد المرعب، كان زاهر وعائلته وعاصم-الذئب-يشهدون ذهولاً حقيقياً أمام هذه القوة غير الطبيعية التي لم تدر بخلد بشر من قبل. ولكن، ومع اشتداد وطأة الاهتزاز وعنفوان الأرض، حدث ما لم يكن في الحسبان.. انشقت الأرض فجأة، وانفجرت من تحت أقدام عاصم لتكشف عن هوة سحيقة، مظلمة ولا قاع لها!
هبط عاصم في العتمة، ومزق صوته جدران الكهف بصرخة رعب حارقة: «آآآآهه!».. حاول بكل ما أوتي من قوة وجبروت أن يتشبث بحافة الهوة، يصارع السقوط بأصابعه، ولكن هيهات.. فقد خانته الأرض، وهوى في الأعماق السحيقة.
في تلك اللحظة القاتلة، انقشعت الصدمة عن عق الفارس زاهر؛ وبحرفية وخبرة السنين، وثب بجسده كالفهد ليمسك بيد عاصم قبل أن يغرق في الظلام، ولكن.. كان الوقت قد فات، وابتلعت الهوة الفتى. ولمّا أراد زاهر دون تردد أن يقفز خلفه في أعماق الهوة ليلحق به، اصطدم فجأة بجدار خفيّ، صلبٍ وبارد كأنه مصنوع من الزجاج غير المرئي، ليرتد الفارس للخلف بعنف.
وفي تلك اللحظة الرهيبة، دوى صوتٌ جهنمي، عميق ومرعب، تغلغل في أرجاء الكهف واهتزت له القلوب، وكأنه قادم من قاع الجحيم قائلاً:
«لا أحد يستطيع دخول المكان السري.. إلا السليل المباشر!»
تملكت الصدمة زاهر، واشتعل عقله بالتوتر والغضب. صار يدور في أركان الكهف كالمجنون، يضرب بقبضتيه الفولاذيتين ذلك الجدار الخفي ويصرخ بأعلى صوته: «اللعنة! ما هذه القوى الملعونة؟! ومن يكون هذا "الذئب" الذي دخل حياتنا بدون استئذان، ليقلب عالمنا رأساً على عقب؟!»
في هذه الأثناء، عند فوهة الكهف، كانت سمية وإسراء تجلسان ملتصقتين ببعضهما، والدموع تنهمر من عيونهما من شدة الرعب والهلع. نظر زاهر إليهما، فاستعاد عقله واتزانه كقائد وفارس، واقترب منهما بخطوات ثابتة ليربت على كتفيهما قائلاً بنبرة حازمة تحاول طرد الخوف: «لا تخافوا.. سنجد طريقة بإذن الله تمكننا من إخراج "الذئب" من هذه الهوة اللعينة. لن نتركه هناك!»
في تلك الأثناء، كان عاصم ما زال يهوي في غيابات الجب السحيق، يمزق الصمت بصرخات رعبة المتواصلة. استسلم الفتى لفكره الأسود، وظنّ واثقاً أنها النهاية المحتومة؛ فجسده الغض لن يتحمل وطأة الارتطام بالقاع، وسيموت في الحال.
ولكن، ومع اقترابه الوشيك من جحيم القاع، حدثت معجزة برمجتها قوةٌ خفية؛ تباطأت سرعة هبوطه بشكل مفاجئ كأن هناك أيادٍ غير مرئية تسنده برفق، وعندما حطت قدماه على الأرض، استقر بنعومة فائقة وكأنه هبط على فراش وثير من الحرير.
وقف عاصم على قدميه، يرتجف رعباً، يتلفت يميناً ويساراً ويشخص ببصره إلى الأعلى، لكن العتمة كانت كفناً يلف المكان. تقدم بخطوات مرتبكة، تكاد تخذله من شدة الوجل. ومع كل خطوة يخطوها في ذلك القبر المظلم، اخترق المسامع صوتٌ حنونٌ دافئ، يقطر عطفاً من مكان قريب قائلاً: «بني.. لقد أتيت أخيراً.. لقد كنت أنتظرك منذ ثماني سنوات!»
انتفض عاصم، وبدأ يبحث عن مصدر الصوت بجنون وهلع، صارخاً: «أمي؟! أهذه أنتِ؟! أين أنتِ؟ أرجوكِ يا أمي.. لماذا لا أراكِ؟!»
جاء الراد هادئاً كالنسمة: «لا يمكنك رؤيتي يا بني.. لا تتعب نفسك بالبحث، واستمع إليّ جيداً».
صمت عاصم للحظة، استجمع سمعه، ثم قال بنبرة متشككة: «ولكن.. صوتكِ مختلف بعض الشيء.. أنتِ لستِ أمي!»
دافع الصوت عن حقيقته الشجية: «أنا هي أمك الحقيقية يا بني.. أما تلك التي عشت في كنفها فليست والدتك التي أنجبتك؛ لقد اضطررتُ لتركك عندها لتربيك، عندما كان أعدائي يلاحقونني في كل حدب وصوب ليقتلونني ويمحوا سلالتنا».
اشتعلت النخوة في صدر الفتى، وصاح: «ومن هم أعداؤكِ؟! أنا سأنتقم لكِ! ولكن.. يجب أن تثبتي لي أولاً أنكِ أمي الحقيقية!»
أجاب الصوت بحكمة أزلية: «منذ اللحظة الأولى التي تفاعل معك فيها الرمح، شعرتَ في أعماقك أنك مختلف عن الجميع. وهذه المرة الثانية التي يظهر فيها الدليل؛ أنت استطعت عبور الهوة والدخول إلى هذا المكان السري، بينما الفارس الذي معك اصطدم بجدار خفي ومنعته القوة. هذا أكبر دليل على أنك ابني.. وأنك الوريث الوحيد الباقي من عائلتي الملكية».
سألها عاصم بلهفة حارقة: «ومن هم أعداؤكِ؟ أخبريني!»
فقالت بنبرة يسكنها الأسى: «لا أستطيع إخبارك الآن.. ولكن عندما تكبر، ستتكشف لك الحقيقة بنفسها. السر كله يكمن في هذه البلاد، وسوف تدركه كاملاً عندما تبلغ سن السادسة عشرة».
في تلك اللحظة، انشقت العتمة عن قلادة ذهبية على شكل قلب، تشع بوهج ناري مهيب يحاكي توهج الرمح، طفت في الهواء واستقرت أمامه. وتابع الصوت: «هذه القلادة ستمنحك قوة مهيبة وجبارة، وعندما تستخدمها بذكاء، لن يستطيع كائن على وجه الأرض الوقوف في وجهك.. ولكن، لن تتمكن من تفعيل طاقة القلادة الكاملة إلا عندما تبلغ عامك السادس عشر».
هنا، فاض به الكيل، ولم يعد يحتمل ثقل هذا المصير المرعب؛ صرخ بصوت باكٍ ومتهدج: «أمي! أنا لا أريد كل هذا! لا أريد قوى ولا أسلحة! أنا أريدكِ أنتِ فقط.. أريد حياة هانئة مستقرة مثل أي طفل عادي!»
همس الصوت همسة أخيرة تلاشت كالدخان: «أنت لست كأي طفل يا عاصم.. لقد كُتب مستقرك ومستقبلك بالفعل.. وداعاً يا بني».
واختفى الصوت، وعاد الصمت المطبق ليعم المكان.
انهار عاصم في مكانه بجمود، والدموع تحرق وجنتيه، وفجأة.. اشتد سطوع القلادة بقوة مفرطة، مطلقةً وميضاً حارقاً أعمى بصره بالكامل، وفي اللحظة ذاتها، شعر بجسده يرتفع عن الأرض، وكأنه يطير في الهواء متجهاً نحو مصير مجهول!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!