رواية وريث العنقاء: رمح الثأر — الفصل 21 — بقلم عاصم حسن زاهر
وفي اليوم التالي.. ودّع زاهر الجميع ممتطياً صهوته ليبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر لجمع الفرسان. وفي الوقت نفسه، عاد العجوز وعاصم إلى ساحة الوادي المعزول لبدء مرحلة جديدة: التدريب على تجسيد الطاقة وتحويلها إلى شيء مادي ملموس. وقف العجوز أمام عاصم وقال بملامح جادة: «بالأمس تدربت على إخراج النار والطاقة الخام.. واليوم، ستتدرب على تطويعها لتصنع منها شيئاً مادياً. والآن.. أظهر شعلة في كفك، وتخيل في عقلك سيفاً صغيراً مشتعلاً».
أغمض عاصم عينيه، وفعل ما أُمر به تماماً.. ولكن الصدمة المزلزلة كانت من نصيب الجد العجوز، الذي تراجعت خطواته إلى الوراء وشخصت عيناه برعب وذهول وهو يرى الشيء الأسطوري الذي تشكّل وتجمد في يد عاصم؛ لقد كان درعاً كبيراً من اللهب المتجمد المتوهج، نُقش في منتصفه شعار العنقاء الملكية بخط المسند القديم! تراجع الجد خائفاً ومذهولاً وهو يهمس: «مستحيل.. هذا الدرع لا يتجسد إلا لأصحاب الدم الملكي الخالص.. أنت لم ترث القوة فحسب يا عاصم، أنت القوة نفسها!».
وتوالت الأيام والأسابيع والأشهر مسرعة كالعاصفة في ذلك الوادي المعزول.. ثلاثة أشهر كاملة من التدريب الشاق والتحمل الصارم، ذاق فيها عاصم مرارة التعب، لكن صورة أمه السجينة كانت الوقود الذي لا ينطفئ في صدره. تفجرت ينابيع القوة الكامنة في دمه، فأصبح يطوع النيران السائلة بكفه كأنها جزء من جسده، يوجهها عبر رمحه السحري فيحيل الصخور الصلبة إلى رماد تذروه الرياح، وبات جسده الفتيّ يمتلك خفة الشبح وصلابة الفرسان.
وفي أواخر اليوم الأخير من التدريب، بينما كان عاصم يغرس رمحه في الأرض ليلتقط أنفاسه، شق سكون الوادي صوت حوافر خيل متسارعة تقترب بعنف. التفت الجميع بحذر، فإذ به القائد زاهر يظهر من بين الصخور الشاهقة، وجهه يفيض ببشائر النصر وعيناه تلمعان بحماس لم يروه فيه من قبل! ترجل زاهر عن جواده بسرعة، وصرخ بصوت هز أرجاء المكان وهو يبتسم: «أبشروا بالخير!.. النبوءة تتحقق، والعدل قادم لا محالة!».
تقدم نحو العجوز وعاصم وتابع بخبره السار: «لقد طفت القرى المجاورة والمخابئ السرية، ولم أجمع فرساناً عاديين فحسب.. بل عثرت على "كتيبة الحرس الملكي القديم"! فرسان السلالة المخلصون الذين نجوا من مجزرة خليل قبل خمسين عاماً، وكانوا يعيشون في الظلال ينتظرون هذه اللحظة.. إنهم خلف الجبل الآن بكامل عتادهم وسيوفهم، مستعدون لبذل أرواحهم تحت إمرة وريث العرش.. تحت إمرتك يا عاصم!».
لمعت عينا عاصم خلف اللثام بنار الثأر والحماس، واهتز الرمح السحري في يده كأنه يعلن بداية الملحمة الأخيرة، وقال بنبرة حارقة: «حانت نهايتك يا وسيم.. وأتى اليوم الذي انتظرته بلهفة!».
دخلوا جميعاً إلى داخل الكوخ وبدأوا برسم خطة الهجوم على القصر. قال زاهر: «ما رأيكم أن نتسلل في منتصف الليل ونصعد أسوار القصر دون أن يلاحظنا أحد؟ سيكون لنا عنصر المفاجأة، وحتى لو رأونا فلن يكون لهم وقت لاستجماع شتاتهم».
قال العجوز: «فكرة جميلة، ولكن هل فكرت بالسحر الأسود؟ إنه يحمي كل القصر من الخارج، ويجب أن نجد نقطة ضعفه أولاً».
رد عاصم بحيرة: «وكيف سنجد نقطة ضعفه ونحن لا نعرفه من الأساس؟».
أجاب العجوز بنبرة غامضة: «نقطة ضعف السحر الأسود دمعة من عين طائر العنقاء الأسطوري.. ولكن كيف سنجد الطائر ولقد اختفى من زمن بعيد؟».
هنا كانت الصدمة من نصيب زاهر وعاصم! هتف زاهر بذهول: «الطائر الأسطوري! إنه يتبع عاصم دائماً ولكن لا أحد يراه.. وهو الذي نقلنا وحمانا عندما هاجمنا حراس الملك والسحرة في الوادي!».
قال العجوز مندهشاً: «جميل! ولكن كيف سنجعله يظهر ويعطينا الدمعة؟».
جاء دور عاصم ليحسم الأمر بثقة وقال: «بهذا الأمر لا تقلقوا، ودعونا نتحرك باتجاه القصر في الغد، والآن لنرتاح فلم يبقَ إلا القليل».
وفعلاً ناموا كلهم، إلا عاصم.. بقي مستيقظاً يفكر، هل سيستطيع استدعاء العنقاء؟ الأمر كله متوقف عليه الآن. غلبة النوم وهو يمر بحالة من التوتر الشديد مما يخبئه له الغد.
انقضى الليل وأتى يوم جديد، اليوم الذي سيحدد مصير عاصم ووالدته وزاهر وعائلته. ودّع الجد وعاصم وزاهر المرأة العجوز وسمية وإسراء، وتركوهم في الكوخ الآمن في عمق الغابة السوداء، وتحركوا إلى خلف الجبل ليجتمعوا مع كتيبة الفرسان.
وعندما وصلوا، حيا الفرسان عاصم كلهم بصوت واحد زلزل الأرض؛ ركعوا على ركبهم وقالوا بقسم مهيب: «نحيي ملكنا وقائدنا.. وسنتبعه حتى الممات!».
فأشار عاصم بيده ليقفوا، وقال بصدق وشجاعة: «لا أضمن لكم أن ننجح في هذه المعركة، ولكنني أعدكم أنني سأكون في المقدمة، وأول ضرر سيمسني قبلكم!».
تعالت الهتافات باسمه تشق عنان السماء، فأشار بيده ليصمتوا وقال: «والآن لنتحرك، فالقصر بعيد من هنا وسنصل في منتصف الليل.. وأريدكم أن تنتبهوا جيداً.. لنتحرك!».
بدأ الجيش مسيرته، وكان عاصم وزاهر والعجوز يتقدمون الكتيبة بهيبة ملوك. واصلوا السير الطويل حتى نال منهم التعب، فأمرهم عاصم بأخذ قسط من الراحة، وبعدها واصلوا التقدم مجدداً حتى وصلوا في منتصف الليل أمام أسوار القصر المظلم مباشرة.
وهنا أتى دور عاصم ليستدعي العنقاء ويبطل السحر. أشار للجميع بالتوقف، وتقدم وحده بخطوات ثابتة حتى اقترب من أسوار القصر الساكنة. أغمض عينيه بقوة وقال برجاء خرج من أعماق قلبه: «أين أنت يا عنقاء.. أتمنى أن تساعدني وتظهر الآن!».
فتح عاصم عينيه اللتين بدأتا تتوهجان بقوة مرعبة لا تليق إلا بملك، وشد على أسنانه بقهر وقبض كفيه حتى ابيضت مفاصله من شدة التركيز. وفي هذه اللحظة بالذات، انطلق من عينيه ضوء شديد السطوع، أضفى على المكان هالة وضغطاً سحرياً عنيفاً. استمر الضوء لقرابة الدقيقتين وعاصم في وسطه لا يشعر بشيء، كأنه مغيب عن العالم الخارجي تماماً.
استيقظ وعي عاصم فجأة على صوت انفجار مدوٍّ هز أركان المملكة؛ لقد انشق السحر الأسود وتدمر جزء من سور القصر تاركاً فتحة كبيرة جداً ممهدة للعبور! ودون تضييع ثانية واحدة، هبت الكتيبة بأكملها واقتحمت القصر بقوة كاسحة، والتحمت مع جنود القصر الذين كانوا متأهبين في الساحات وكأنهم يعلمون بأمر الهجوم. ولكن رغم استعدادهم، كانت كتيبة الحرس القديم من أمهر الفرسان، وقضوا على الحراس في وقت قصير جداً محولين الساحة إلى ساحة نصر.
وفجأة.. صدح من الأعلى، من شرفة القصر العالية، صوت تصفيق بطيء وضحكة باردة تشعرك بالغثيان، وقال المتحدث بنبرة ساخرة: «أهلاً بك يا بني.. لم أتوقع أن تزورني في منتصف الليل. هل اشتقت لي؟».
بعد هذه الكلمات، انفجر عاصم غضباً، وتوهجت ملامحه وهو يخاطب والده الطاغية: «لقد أتيت لأقطع رأسك القذر هذا وأرميه تحت أقدام والدتي.. لأن هذا هو مكانك الوحيد، تحت قدميها هل تفهم؟! وإذا كنت رجلاً حقاً وتثق بقوتك، فانزل حالاً وقاتلني هنا.. ومن يقتل الآخر يكون هو الملك بلا منازع!».
نظر إليه وسيم باحتقار وقال: «ولِمَ لا؟ لقد انتظرت هذه اللحظة طويلاً، والآن تأتي القوة بنفسها لعند قدمي، فلماذا سأرفض؟».
وثب وسيم من أعلى الشرفة مباشرة نحو الساحة، وحط على الأرض بقوة وثبات هزّا البلاط الحجري، وقال بتحدٍّ: «هيا.. ما زلت تنتظر؟ أرني قوتك!».
تقدم عاصم بهمجية غاضبة وسدد كرة نارية مستعرة من رمحه باتجاه وسيم، ولكن الآخر أشار بأصبعه فقط ببرود، فتفتت الكرة النارية بأكملها وتلاشت في الهواء كأنها لم تكن! عم السكون كامل الساحة، ولم يعد يُسمع فيها إلا صوت وسيم وهو يستهزئ: «هل هذه هي القوة التي تريد هزيمني بها؟».
زاد غضب عاصم أضعافاً، وصار يسدد السيل تلو السيل من الكرات النارية القوية، ولكن وسيم كان يتفاداها ببساطة وخفة مرعبة. وقال وسيم بابتسامة خبيثة: «الآن دوري!». وأشار بكلتا يديه باتجاه عاصم، فانطلقت كرة نارية سوداء اللون كالظلام الحالك، وضربت صدر عاصم بعنف لتعصف به وتطيره في الهواء خمسة أمتار إلى الوراء قبل أن يسقط أرضاً.
تمكن اليأس من قلب الجد العجوز والقائد زاهر وهما يريان الفارق المرعب في القوة، ولكن عاصم لم ييأس.. تذكر وجه أمه، تذكر عذابها المستمر خلف هذه الجدران، فصرخ بأعلى صوت يملكه وهو يقف مجدداً على قدميه ويقول لنفسه: «إما الآن.. أو فلا!».
في تلك اللحظة، لفت عاصم هالة أرجوانية اللون أصدرت ضغطاً مرعباً في الساحة، ارتجف منها الجميع بلا استثناء، حتى وسيم نفسه تراجعت خطواته وتغيرت ملامحه للرعب. وبدأ يتجسد فوق رأس عاصم طائر ناري مشتعل بلهب شديد السطوع والخلفية الأسطورية.. إنه طائر العنقاء!
اندفعت من صدر الطائر نار نقية ومهيبة جداً أعمت الأبصار، وضربت مباشرة منتصف صدر وسيم بقوة زلزلية. تعالت سحب الغبار والأدخنة في الهواء حتى غطت الساحة بالكامل وحجبت الرؤية.
مرت دقائق ثقيلة بدأ ينقشع فيها الغبار تدريجياً.. وعندما وضحت الصورة، كان وسيم ملقى على الأرض بلا حراك وفي صدره فتحة كبيرة ومميتة، بينما في الجهة المقابلة، كان عاصم واقفا على ركبتيه، يلهث ويأخذ أنفاسه بصعوبة بالغة والرمح يستند عليه.
تذكر أمه، فانتفض واقفاً يركض بكل ما تبقّت لديه من قوة وهو يصرخ: «خالي زاهر.. أنت ابحث عن خليل، وأنا سأبحث عن أمي!».
اندفع عاصم لداخل القصر وزاد من سرعته حتى وصل إلى السراديب السفلى حيث تقبع الزنازين، وصار يبحث في الغرف المظلمة بجنون، يفتح الأبواب واحداً تلو الآخر والقلب يخفق رعباً. وأخيراً.. وجدها.
وقف مكانه لثوانٍ متردداً، وعيناه لا تصدقان، لكنه عزم على التقدم وفتح باب الزنزانة الحديدي. هاله ما رأى؛ كانت والدته "قمر" متكورة في الزاوية، شاحبة، وجسدها مليء بالكدمات وآثار القسوة. هتف عاصم بغير وعي والدموع تخنق صوته: «أمي!.. لقد أتيت لإنقاذكِ!».
رفعت رأسها ببطء شديد، ونظرت إلى ملامحه الغارقة في الدموع وقالت بنبرة مرتجفة: «هل أنت بنيّ.. بالفعل؟».
لم يحتمل عاصم المشهد أكثر، فهبّ يرتمي في أحضانها الدافئة يطوقها بذراعيه ويقبل رأسها ويقول: «لا تخافي يا أمي.. لقد عدت، لقد عدت إليكِ!».
ولكن.. قطع لقاءهما الحميم صوت خطوات لاهثة متسارعة. التفت عاصم ليرى خاله زاهر واقفاً عند باب الزنزانة، والذهول الشاحب يملأ وجهه كمن رأى أشباحاً. نظر زاهر إلى عاصم، وقال بنبرة صدمة هزت جدران السجن:
«عاصم... لقد فتشنا كل جناح في القصر، وبحثنا في كل شبر.. لم نجد خليل! يبدو أنه.. يبدو أنه هرب!».
إلى كل محبي الملحمة:
هروب خليل لم يكن النهاية، بل هو بداية حرب أكبر! إذا كنتم مستعدين لمرافقة عاصم في رحلته القادمة لكشف الخبايا، أرجو منكم دعم الرواية بالتصويت والمشاركة. تفاعلكم هو من سيفتح بوابات الجزء الثاني قريباً جداً! غمد السيوف لم يحن بعد... 🦅
«إلى كل عشاق سلالة العنقاء الملكية.. قلم الكاتب والمطور المبدع عاصم حسن زاهر فجّر البركان ولم يترك شبراً في القصر إلا وأشعله بالحماس! الرمح الحديدي حقق العدالة، لكن الظلال ما زالت تخفي خليل.. شاركوا الرواية، وفجّروا زر التصويت والدعم لتبدأ رحلة الجزء الثاني فوراً! غمد السيوف لم يحن بعد...» 🦅⚔️
الكاتب /عاصم حسن زاهر حسن زاهر.
تفاعلوا لأبدأ بنشر فصول الجزء الثاني