البداية
”عباس بيه عمل حادثة بعربيته .. وبيقولوا إنه مات!”
تلك الكلمات لم تكن مجرد شائعة، بل كانت شرارة أُلقيت في مخزن بارود، لتلتهم في دقائق معدودة سكون ذلك الصباح. ولتتحول جنبات الشركة لساحة ملتهبة من مشاعر أبسطها الخوف والطمع .
لم يكن النهار قد انتصف بعد، حتى دبت فوضى عارمة زلزلت أركان المبنى الإداري الفاخر. غادر الموظفون مكاتبهم لينتشروا في الطرقات كخلايا نحل فزعة، يتلفتون، ويتساءلون بوجوه شاحبة وأنفاس متلاحقة عن مدى صحة النبأ الصادم.
لم تكن المعضلة هي موت “عباس” الذي كان لايزال يرتدي ثوب الصحة واللياقة رغم أقترابه من منتصف الخمسينات من عمره ، إلا أن الموت قضاء مقدور علي الجميع.
لكن الفاجعة الحقيقية التي ألجمت الألسن كانت تكمن في السؤال الذي لم يجد له مجيب ” لمن ستؤول تلك الأمبراطورية؟؟ ”
كان الجميع يعلم، يقيناً، أن صاحب الشركة لا وريث له. رجل عاش حياته طولاً وعرضاً، وتعددت علاقاته النسائية حتى صارت ملء السمع والبصر، لكنه لم يربط عنقه بميثاق زواج يوماً . والأدهى من ذلك، إن أحداً لم يعرف له يوماً أخاً أو أهلاَ أو أقارب ! فكان كما يُقال في الأمثال الشعبية “مقطوعاً من شجرة”. بل أن بعض الألسن الخبيثة كانت تؤكد في مجالس النميمة أنه نشأ مجهول النسب في ملجأ للأيتام منذ أن كان رضيعاً.
تلك القلعة الاقتصادية الضخمة التي تتجاوز أصولها مائتي مليون جنيه لمن ستخضع؟ ومن سيجلس على عرش هذه الثروة الطائلة؟
بينما كانت علامات الارتياح تلوح على بعض الوجوه، وبعض العيون تتبادل نظرات شماتة خفية ، كان الخوف من المستقبل والقلق علي مصدر الرزق ينهش أخرون ، لكني فضلت أن أقف وحدي بعيداً في زاوية ميتة ، أحاول أن أخفي قلقي وحيرتي وأراقب الجميع .
الجميع يعلم أنني لم أتزوج بعد رغم تجاوزي الثلاثين من عمري، ولم تكبلني الواجبات والمسئوليات ، ولكن القليلون هم من يعلمون حقيقة مرض أمي الذي يغتال راتبي أول كل شهر .
ظل الشك يحاصرني، حتى خرج الأستاذ ممدوح المدير المالي للشركة من مكتبه. لم تكن سنواته التسع والأربعون تظهر على حركته الصارمة وهو يشير إليّ بسبابته ويناديني بنبرة حادة …
: ” عمرو .. دخل زمايلك حالاً لمكاتبهم.. مش عايز فوضى في الشركة، عندي اجتماع مغلق مهم جداً دلوقتي ، ساعة بالكتير وأرجع ، عايز أشوف كل واحد علي مكتبه وفي شغله.. مفهوم؟”
بلعت ريقي وحاولت استجماع شجاعتي …
: “تمام حضرتك… لكن بعد أذنك ممكن سؤال؟ عباس بيه فعلاً مات ؟”
رمقني بنظرة حادة معاتبة، وتهكم واضح قائلاً …
: “حتى أنت يا عمرو؟! كنت فاكرك أكبر من كده. أنت محاسب في الشركة دي من ٩ سنين ، يعني المفروض تكون في مركز قيادة، مش تمشي ورا شوية كلام !”
تراجعت أمام منطقه معتذراً …
: “أنا آسف يا أستاذ ممدوح.”
استدار ممدوح وتابع سيره بخطواته الهادئة الواثقة التي يطبعها دائماً بطابع الهيبة والحزم ، حتي رأيته يدخل مكتب “شيماء” السكرتيرة الخاصة لعباس بيه ، والتي رغم سنوات عمرها التي لم تصل بعد للثلاثين إلا إنها تمتلك مفاتيح الكثير من الأسرار في الشركة، ولا أبالغ إن وصفتها بأنها الصندوق الأسود الحقيقي لعباس بيه وكل ثروته.
لا أنكر إعجابي الشديد بجمالها وجاذبيتها منذ يومها الأول في الشركة، ولكنها منذ البداية قابلت إعجابي برد صادم وبرود تام. في الوقت الذي كانت منشغلة فيه بنسج خيوط شباكها حول عباس!
ولم تمضِ دقائق حتى لحق بهما عم “جمال” رئيس العمال، ذلك الكهل الذي خط الشيب رأسه في مصانع هذه الشركة ولم يتبقي له إلا سنوات معدودة ليبلغ سن التقاعد ، ثم تبعتهم مباشرة الأستاذة “صابرين” مديرة التصدير التي تجاوزت الثامنة والثلاثين بملامحها الصارمة .
استمر ذلك الاجتماع الرباعي خلف الأبواب المغلقة لعدة ساعات، كانت الأنفاس فيها محبوسة في الخارج.
الجميع يترقب هل مات عباس حقاً أم إنها مجرد إشاعة؟ وماذا يخفي الكبار خلف هذا الباب المغلق ؟
وفجأة، انفتح الباب ليخرج منه عم جمال وحده، يبرطم بغضب أعمى ووجه محتقن، متوجهاً بخطى واسعة نحو مبنى المصنع الملحق بالمبنى الإداري.
بعدها بقليل، أضاءت شاشات الهواتف معاً؛ كان إشعاراً برسالة من شيماء السكرتيرة على الجروب الرسمي للعاملين بالشركة ، تنعى فيها عباس بيه رسمياً، وتؤكد خبر وفاته. تبعتها رسالة أخرى أكثر صرامة، تنبه الجميع بحضور اجتماع عاجل ومصيري لكافة موظفي وعمال الشركة والمصنع، في اليوم التالي للجنازة مباشرة.
ما إن تأكد الخبر حتي أصبح السؤال الذي يشغل الجميع ، ماذا بعد ؟
أقتربت مني نورهان وسألتني : وبعدين يا عمرو ؟ هنعمل ايه ؟
ابتسمت ببرود : ولا أي حاجة .
نورهان تبتسم بسخرية : ايه البرود اللي انت فيه ده يابني ! بقولك عباس بيه مات والشركة ممكن تقفل !
اجبتها : وأحنا في ايدينا ايه نعمله ؟!
نورهان : يعني هنكمل في الشركة ولا نشوف شركة تانية من دلوقتي ؟
أجبتها بنفس البرود : عن نفسي أنا مكمل، مش همشي .
نورهان بدهشة : وأفرض الشركة وقعت و قفلت ؟
: يبقي وقتها أشوف أي شغل تاني .
نظرت إليّ نورهان بدهشة أكبر : أنا مش عارفة جايب البرود بتاعك ده منين ! طبعاَ ما أنت مش متجوز ولا عندك مسئوليات !
أجبتها بسخرية أيضاً : يعني أنتي اللي عندك !
نورهان تبتسم بدلال : ما أنا قولتلك قبل كده نحط أيدينا في أيدين بعض ونتجوز .
ضحكت في عناد : بعد الشر يا شيخة.
نوهان : بقي كده ! أنا برضو شر ؟!
ضحكت مازحاً : ده أحلي شر ده ولا ايه .
نورهان تضحك : فكر يا ابني ، دي فرصة مش هتتعوض .
ضحكت : لا يا بنتي شكرا مش عايز .
نورهان : أحسن ، خليك كده تفضل عازب لحد ما تموت وحيد زي عباس .
ثم تركتني وأنصرفت.
لم تكن نورهان تعلم بأن قلبي مازال معلقاً هناك خلف ذلك الباب المغلق !
كل ما كان يهمني في تلك اللحظة أن أراقب الجميع في صمت ، أراقب تلك المباراة التي بدأت للتو.
كنت علي يقين بأن الكرة الآن أصبحت في ملعب شيماء، وأنها أول من سيحاول الأستحواذ الكامل عليها والتهديف مبكراً بإنفراد تام ، ولكن هل سيكتفي الباقون بدور المتفرج والمشاهد من المدرجات ؟!
مازلت أقف أتابع الجميع حتي خرج ممدوح من المكتب يحاول أن يخفي سعادته خلف علامات الحزن الظاهري التي رسمها بإتقان علي ملامح وجهه.
ناداني بنبرة حزينة: تعالي يا عمرو .
وقفت أمامه أراقب ملامحه بدقة وما يخفيه بداخله ورائها : نعم يا أستاذ ممدوح .
حاول ممدوح أن يبدو متأثراً : عباس بيه مات فعلاً يا عمرو، وأحنا لازم كلنا نكون أيد واحدة .
أجبته متظاهراً بالحزن : البقاء لله يا استاذ ممدوح . أكيد طبعاً ، معاك حق .
ممدوح : أنا عايزك تكون دراعي اليمين الفترة الجاية وتثبت كفاءة علشان ممكن تكون مدير الحسابات بعد كده .
ابتسمت ابتسامة مصطنعة : ده شرف ليّ حضرتك، ويارب أكون عند حُسن ظنك .
ممدوح : عايزك تجهزلي بيان كامل بكل الأرصدة الدانية والمدينة للشركة حتي تاريخ النهاردة .
: حاضر هيكون جاهز في اقرب وقت إن شاء الله .
أنصرف ممدوح وقد بدأت أفهم من بين حروفه أنه بدأ يستعد من الآن لأعتلاء كرسي القيادة بالشركة .
كنت علي يقين بأن هذا اليوم الأستثنائي لن ينتهي داخل أروقة الشركة بل سيمتد خارج حدودها، لذلك لم أتعجب حينما رأيت شيماء تدخل سيارة ممدوح عقب خروجهما من الشركة معاً !!
ولكن كانت المفاجأة قوية بالنسبة لي حينما وجدت مدام صابرين تقترب مني أمام مبني الشركة وتسألني : أنت رايح فين دلوقتي يا عمرو ؟
: كنت مروح .
صابرين : طيب تعالي أوصلك في سكتي .
ركبت سيارتها إلي جوارها ، ورأيتها للمرة الأولي تبتسم وتسألني : أنت ساكن فين يا عمور ؟
: ساكن في حدايق القبة .
صابرين : ياااه ! وبتيجي كل يوم المشوار ده كله ؟
ابتسمت : خلاص أتعودت يا مدام صابرين . أنا من تسع سنين في الشركة.
أمسكت بحقيبتها الجلدية وأخرجت منها علبة سجائر وأعطتني منها سيجارة فأخذتها منها رغم تعجبي الشديد ، فهي المرة الأولي التي أراها تدخن أمامي !
شعرت بدهشتني ، فقالت : أتعودت عليها من أيام ما كنت متجوزة ، منه لله بقي طليقي هو اللي عودني عليها.
فسألتها : أنتي مطلقة يا مدام صابرين ؟
فابتسمت : بلاش كلمة مدام دي . أحنا الفرق بينا مش كبير للدرجادي.
: لكن أنتي مديرة التصدير وأحنا لسه محاسب صغير .
صابرين : مش صغير ولا حاجة ، المفروض تكون مدير الحسابات أو حتي المدير المالي للشركة ، لكن هو كده ممدوح مبيحبش يرفع حد علشان يفضل محافظ علي كرسيه .
: ياريت يا مدام صابرين لو تكلميه عني .
صابرين : قولتلك بلاش كلمة مدام دي .
ضحكت : ماشي يا صابرين ، بس اللي يشوفك في الشغل حاجة وبره الشغل حاجة تانية !
ضحكت صابرين ضحكة عالية : وفي البيت حاجة تالتة خالص وحياتك .
: يعني ايه ؟
صابرين : يعني كل مكان وله الأسلوب المناسب له ، الشغل غير البيت غير مع أصحابي .
: معاكي حق .
صابرين : المهم سيبك من ممدوح دلوقتي، وخليك معايا وأنت تكسب .
: مش فاهم !
صابرين : ايه رأيك نقعد في أي حته وأنا أفهمك كل حاجة.