الفصل 15 | من 16 فصل

الفصل الخامس عشر

المشاهدات
8
كلمة
1,154
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

رواية وتيد ضي الجزء الخامس عشر 15 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الخامسة عشر عناق الضياء.. وعهد الصقر “شفرة الأمان.. وملحمة الروح” ***** حين تكتمل الفصول، وتلتقي الأرواح بعد شتات، يخرس لسان الخوف لتنطق دقات القلوب بحقيقتها الكبرى. في ليلةٍ لم تشهد القاهرة بمثل بهائها، تلاشت غيوم الماضي لتشرق شمس ‘الضيّ’ في محراب الصقر.

لم يكن الفرح مجرد طقوسٍ تُقام، بل كان إعلان انتصارٍ للحق، وعهداً كُتب بالدموع والشهامة. من عتمة الطريق الصحراوي وإشارة الاستغاثة الصامتة، إلى أضواء القاعة التي شهدت على ولادة أملٍ جديد للبشرية؛ هكذا يصوغ القدر معجزاته. وحين أُغلقت الأبواب، وانصفت جموع المهنئين، بقيت القلوب وحدها تلتمس الدفء، لتبدأ ملحمة العشق الحقيقية خلف عتبات الدار. ملحمة لا تنتهي بانتهاء السطور، بل تولد مع كل فجرٍ جديد! *****

كانت الأجواء داخل البيوتي سنتر الفاخر تضج بالحياة والحماس منذ خيوط الصباح الأولى. تحول المكان إلى وكر للجمال، حيث سادت حالة من الاستعداد القصوى لاستقبال الليلة الموعودة. في الجناح الملكي، كانت “ضيّ” تجلس كالملكة على مقعدها، وحولها خبراء التجميل ومصففو الشعر يضعون اللمسات الأخيرة بحرص شديد، فاليوم ليس كأي يوم، اليوم تزف “الضيّ” لصقرها.

بجوارها، كانت نرمين لا تتوقف عن الحركة، تطلق قفشاتها المرحة لتخفيف التوتر عن قلب ضيّ، بينما تشرف “ياسمين” “سميحة” اللتان تواجدتا في نفس الصالون على كل صغيرة وكبيرة بعيون تملؤها دموع الفرحة والترقب. كانت ياسمين ترتدي فستاناً سواريه راقياً باللون الكحلي الوقور، بينما تأنقت سميحة بفستان من الحرير الناعم يليق بأم العروسه.

وكلما نظرت ياسمين إلى ضيّ وهي ترى الفستان الأبيض المطرز بحبات اللؤلؤ ينسدل عليها بحشمة وجمال ساحر، كانت تدعو لها في سرها بصوت مخنوق من شدة التأثر. انتهت التجهيزات، وأصبحت ضيّ واقفة في وسط الغرفة بكامل بهائها، طرحة زفافها الطويلة تمتد خلفها كأجنحة الفراشة، وقد أدارت ظهرها نحو الباب بناءً على طلب مصور السيشن.

دقت الساعة المعلنة عن وصول كريم دلف إلى الغرفة بخطوات ثقيلة، نبضات قلبه تتسابق مع أنفاسه، كان يرتدي بدلة زفاف رسمية (توكسيدو) سوداء قاطعة، رفعت من هيبته وجاذبيته إلى حد لا يطاق. وقف على بعد خطوتين منها، فتوقفت الأنفاس في الغرفة همس بصوت رجولي دافئ يشوبه بعض الهزار ليداري ارتباكه: “طب إيه؟ هنفضل مدينا ظهرنا كده كتير ولا سيادة العروسة ناوية تعذبنا في الليلة دي؟

التفتت ضيّ ببطء وما إن وقعت عيناه على وجهها الذي يشع نوراً ورقة، حتى تجمد كريم في مكانه. تلاشت الكلمات من على شفتيه، واتسعت عيناه بشغف ولوعة هزت كيانه من الداخل تقدم منها بخطوات بطيئة، وامتدت يداه المرتجفتان لترفع الطرحة عن وجهها بوقار. لم يتمسك الصقر الصارم؛ انحدرت دموع دافئة وصادقة من عيني كريم وهو يرى حلمه يتحقق، وفي المقابل انهمرت دموع ضيّ فرحاً.

انحنى كريم وقبّل جبهتها قبلة طويلة وعميقة رآها كل من في الغرفة كأنها صك ملكية وأمان، ثم ضمها إلى صدره بعنف وجنون، مخبئاً إياها بين ذراعيه العريضتين وهو يهمس في أذنها بصوت باكي: “أنتِ حلالي يا ضيّ بقيتي ملكي وبقيت ملكك خلاص مفيش قوة في الدنيا تقدر تبعدك عن حضني تاني” انتقل العروسان إلى موقع التصوير (السيشن) والذي اختاره كريم بعناية ليكون ذو طابع رومانسي فوق العادة.

طوال التصوير، لم يخلُ الجو من هزار كريم ومداعباته لكسر خجل ضيّ الشديد؛ كان يهمس لها بكلمات جريئة تجعل غمازاتها تظهر وعينيها تتسعان كسوفاً، ليلتقط المصور كادرات عفوية تشع حباً وشغفاً يميل للجنون.

وفي داخل سيارة الزفاف المزينة بالورود البيضاء، كان كريم يقود بيده اليسرى بينما يده اليمنى تقبض على كف ضيّ بقوة لا ترحم، يرفع كفها بين الحين والآخر ليقبله بولع، بينما كانت الأغاني الرومانسية الهادئة تملأ السيارة، وعيناهما تلتقيان في مرايا السيارة بلغة غنية عن كل كلام الأرض. وصل الموكب إلى القاعة الملكية، وبمجرد دخول العروسين، اشتعلت الأجواء بالزغاريد الحارة جداً والتصفيق الجهوري.

بدأ الدي جي بتشغيل الأغاني الصاخبة وهيصة الفرح المصرية الأصيلة. رقص كريم مع أصدقائه الضباط الذين حاصروه بحماس كبير وتنطيط، بينما كانت ضيّ ترقص برقة وسط زميلاتها ونرمين التي كانت تقود ساحة الرقص بخفتها المعهودة. حتى جاءت الفقرة الرئيسية والسرية التي خطط لها كريم لتهز وجدان الحضور سكت الدي جي فجأة، وصعد كريم إلى المنصة ممسكاً بالميكروفون، وإلى جواره ضيّ. نظر إلى المعازيم بنظرة قائد محنك، وقال بصوت قوي

ومؤثر وصل إلى عمق القلوب: “مساء الخير على كل الحبايب اللي شرفونا انهاردة أنا واقف هنا مش بس عشان أحتفل بفرحي على البنت اللي قلبي اختارها، أنا واقف هنا عشان أشكر الظروف، أشكر ليلة عتمة على طريق صحراوي، ليلة لولا إن ربنا هدانى فيها (علامة استغاثة) صامتة، مكنتش واقف بينكم النهاردة” ساد الصمت التام في القاعة، ورفع كريم يده عالياً أمام الجميع، وقام بضم أصابعه الأربعة فوق إبهامه ببطء وتكرار، وتابع بنبرة

توعية استرشادية حاسمة: “الإشارة دي.. دي شفرة الأمان العالمية للاستغاثة.. الإشارة دي معناها (أنقذني.. أنا في خطر) أنا برفعها انهاردة قدامكم كلكم عشان أعمل وعي لكل الناس؛ لما تشوفوا أي حد، بنت، طفل، أو راجل بيعمل الإشارة دي في أي مكان، في عربية، في شارع، من ورا شباك اوعوا تتجاهلوه! انقذوه فوراً وبلغوا السلطات يمكن لما تنقذوا حد بالإشارة دي، يكون هو ده حظكم، وسعدكم، وهناكم في الدنيا

زي ما ضيّ كانت هي حظي، وسعدي، وهنايا، والسبب كان إشارة الاستغاثة دي اللي جمعتني بيها” تأثر الجميع بشدة، واقشعرت الأبدان من رسالته النبيلة. وفجأة، أومأ كريم للدي جي، فاشتعلت أغنية إيقاعية قوية ومخصصة. تحرك الشباب والبنات في القاعة بتنسيق مذهل؛ حيث وقف الشباب في صفين متقابلين، وتقدمت الفتيات والزميلات ليعطوا ظهرهم للقاعة، ورفعن أيديهن وراء ظهورهن صانعيات “إشارة الاستغاثة” معاً بأسلوب استعراضي مبهر.

تقدم الشباب والضباط نحوهم، وبدأوا يرقصون معاً في لوحة فنية رائعة، ليرفع الجميع أيديهم بنفس الإشارة وسط بهجة وتنطيط وزغاريد هزت القاعة، لتصبح تلك الشفرة هي شعار ليلة العمر. انتهى الحفل الصاخب، وتحرك الموكب متوجهاً إلى شقة العروسين الجديدة. صعد الجميع إلى الشقة كريم وضيّ، وخلفهما ياسمين، وسميحة، ونرمين، والأستاذ جلال، حاملين معهم “عشاء العروسة” والحلويات الفاخرة التي أعدتها ياسمين بحب مسبقاً.

وضعوا الطعام في المطبخ، ووقفوا في الصالون لوداع العروسين. في تلك اللحظة، تجلت مشاعر الأمومة الصادقة في أبهى صورها؛ انهمرت دموع السيدة “سميحة” وهي تنظر لولدها الوحيد وعريسها البطل، واحتضنت كريم بقوة وهي تبكي من فرط السعادة قائلة: “مبروك يا حبيب قلبي شفتك عريس يا كريم والحمد لله رب العالمين خلي بالك منها يا ابني، ضيّ أمانة في رقبتك”

وفي المقابل، كانت “ياسمين” تبكي بحرقة وفرحة عارمة وهي تضم ضيّ إلى صدرها للمرة الأخيرة قبل الرحيل، وتمسح على شعرها قائلة بصوت مخنوق: “أنا اطمنت عليكِ يا ضيّ يا بنتي خلاص بقيتي في حِمى راجل بجد اسمعي كلامه يا حبيبتي وما تخافيش، الدنيا هتعدي والليلة حلوة وربنا يسعدكم” أما “نرمين”، فغمزت لضيّ وضغطت على يدها ضاحكة وسط دموعها: “يلا يا ست البنات، ورينا بقى اللاف لاف والملحمة التاريخية مبروك يا روحي” تلاقت النصائح

والتوصيات من الكبار: “خليك حنين عليها يا كريم” “اسمعي كلامه يا ضيّ” وتمنوا لهما السعادة المطلقة، ثم انسحبوا جميعاً بخطوات هادئة، وأغلقوا الباب خلفهم ليبقى العصفوران وحدهما داخل قفصهما الذهبي. أُغلق الباب وساد الشقة هدوء حميمي ساحر، لا يقطعه سوى أنفاسهما المتسارعة. التفت كريم نحو ضيّ التي كانت تقف في وسط الريسبشن بجسد مرتجف، وعيناها معلقتان بالأرض، والخجل يكسوها كدثار حريري.

سار نحوها ببطء، وخلع جاكيت بدلته وألقاه على الأريكة بإهمال، ثم اقترب منها حتى لفحها دفء أنفاسه. امتدت يده لتطوق خصرها برقة تامة، بينما يده الأخرى رفعت ذقنها برفق لتلتقي عيناهما في صمت مشحون بعاطفة عميقة، مشتعلة، تميل للجنون والشغف لتبدأ أولى لحظات ملحمتهما الخاصة خلف الأبواب المغلقة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...