تحميل رواية «رهان الدكش» PDF
بقلم هاجر عبدالحليم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ رهان الدكش بقلم هاجر عبدالحليم.
رواية رهان الدكش الفصل الأول 1 - بقلم هاجر عبدالحليم
حكاوي جور الشام
للمتألقة هاجر عبدالحليم
تقدم
في قلب حارةٍ تُدعى السبتيّة،
لا مكان للضعف، ولا صوت يعلو فوق صوت البقاء.
هناك… يعيش الدكش،
رجلٌ تربع على عرش الحارة، يخشاه الجميع ويحسبون له ألف حساب،
لكن خلف تلك القسوة اسمٌ آخر لم يندثر بعد: ياسين.
وهناك أيضًا رهف،
فتاةٌ تحمل عبء الحياة وحدها، بين قهوةٍ صغيرة وأسرةٍ تنهشها الظروف،
قلبها عالق بين الخوف والكرامة، وبين الصمت والصراع.
قهوةٌ متواضعة كانت الشرارة الأولى،
لكنها تحولت إلى ساحة اختبار للكرامة، والسلطة، والمصير.
رهانٌ أُطلق بتهور،
ودينٌ قديم عاد ليُفتح من جديد،
ومشاعر وُلدت من صدام… وقد تنتهي إما بحبٍ مستحيل أو بكارثة لا مفر منها.
وحين يقرر الدكش أن يثبت وجوده أمام الحارة كلها،
فإنه لا يخوض معركة مع الآخرين فقط… بل مع نفسه أيضًا.
فهل ينتصر على رهانه؟
أم يخسر كل شيء دون أن يدرك؟
وهل تسمح له رهف بالاقتراب…
أم تظل السبتيّة حائلًا بين قلبين لم يلتقيا صدفة؟
لسبتيّة — وقت المغرب
كان المغرب يهبط على السبتيّة ببطءٍ ثقيل، بينما الشمس تغسل الحيطان القديمة بلون ذهبيّ متعفر بالتراب.
رائحة الشيشة بالتفاح تختلط برائحة الكشري المتصاعدة من عربة عم لطفي، وصوت أغاني المهرجانات يتقافز بين توك توك مارٍّ، وقهوة مزدحمة، وبلكونة مفتوحة في الدور الثالث.
الأطفال يلعبون الكرة بشرابٍ ملفوف في منتصف الشارع، والنساء يجلسن أمام البيوت يقمعن البامية ويتابعن الداخل والخارج بفضول لا يهدأ.
وسط هذه الفوضى الحيّة، شقّ صوت زمّارة حاد السماء.
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
توك توك أسود، على جانبيه رسمة تاج ذهبي وفانوسان كبيران، ومكتوب بخط أحمر مشرشر:
“الدكش — ملك السبتيّة”.
اندفع بسرعة، ثم خمّس أمام قهوة السلطنة بخمسة دائرية جعلت العجل يصرخ على الأرض.
وقبل أن يتوقف تمامًا، كان صاحبه قد قفز منه بخفة.
كان الدكش، ابن السادسة والعشرين، أسمر البشرة بفعل الشمس، ممتلئ الذراعين، عريض المنكبين، يرتدي تيشيرتًا أبيض ضيقًا يبرز عضلاته، وبنطال جينز ممزقًا عند الركبة، وكابًا أسود بالمقلوب. سلسلة فضية غليظة تلمع عند عنقه، وأنسيال يحيط بمعصمه.
مظهره يصرخ “سرسجي” من النظرة الأولى، لكن في عينيه كان هناك شيء آخر؛ تعب قديم يختبئ خلف الاستعراض.
نفخ صدره، ورفع ذراعيه في الهواء، ثم صاح بصوتٍ هزّ الشارع:
الدكش: “وسع للملك يا جدعان! الدكش وصل! السبتيّة نورت بيا والله!”
ضحك الرجال الجالسون على القهوة؛ عم سيد البواب ضرب كفًا بكف، وحمادة الميكانيكي صفّر، وزغلول بتاع الخضار مال على الطاولة يضحك.
في هذه اللحظة خرجت رهف من باب القهوة.
كانت تحمل صينية استانلس فوقها خمس كوبايات شاي كشري.
في الرابعة والعشرين من عمرها، محجبة بطرحة سوداء ملفوفة ببساطة، وترتدي عباية داكنة واسعة ذات أكمام طويلة. ملامحها هادئة، لكن عينيها مشتعلة بعصبية جاهزة.
ما إن رأت التوك توك واقفًا بهذا الشكل حتى انقبض فكها.
صاحت من بعيد دون أن تنظر إليه كامل النظر:
رهف: “يا دكش! يا بني آدم يامغفل انت قولتلك مية مرة ماتخمّسش قدام باب القهوة! هتكسر لي ف مرة الكوبايات والحاج يخصمها مني!”
استند الدكش بكوعه على التوك توك، وأمال رأسه بميوعة مستفزة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصف ساخرة.
الدكش: “إيه يا ست رهف؟ مالك مخشبة وشك عليا كدا م براحة؟ ده أنا بعمل جو… عشان الزباين. شوفي القهوة اتملت إزاي أول ما جيت انا رزاق وافتح خير لأي حد.”
وضعت رهف الصينية بعنف على ترابيزة عم سيد حتى تناثر الشاي قليلًا، ثم التفتت إليه رافعة حاجبها.
رهف: “جو هو احنا ف حنة اختك ولا اي! غور يا دكش شوف لك حتة خمّس فيها بعيد عن أكل عيشنا الله يرضي عليك.”
تعالت ضحكات الرجال.
مال حمادة بجسده للأمام وهو يغمز:
حمادة: “الدكش قلبه رهيف… خصوصاً عليكي.”
التفتت له رهف بعينين متسعتين ووضعت يدها على خصرها.
رهف: “وإنت يا حمادة يا ريت تخليك في المواتير اللي بتبوظها، بدل ما م تحفل عليا. عايز شاي ولا أرجع مكاني؟”
رفع حمادة كفيه مستسلمًا.
حمادة: “لا خلاص عايز بس زيادة”
لكن الدكش لم يضحك.
تبدلت ملامحه فجأة، وضاقت عيناه.
هو لا يحب أن يذكر أحد اسم رهف بهذا الشكل، حتى ولو كان مزاحًا.
اعتدل في وقفته، وضرب بيده على جسم التوك توك ضربة خفيفة.
الدكش: “حمادة… لم لسانك. رهف دي خط أحمر. واللي يقرب له… السبتيّة كلها عارفة الدكش هيعمل إيه؟.”
استدارت رهف إليه بالكامل، وأشارت إلى نفسها بكف مفتوحة في دهشة مستفزة.
رهف: “خط أحمر ودا من امتي؟! وأنا قلت لك تدافع عني ولا وكلتك محامي ليا؟! أنا أعرف أخد حقي بدراعي يا كابتن! ماتعملش فيها سي السيد.”
ثم استدارت ورحلت
قهقه عم سيد، وظهرت فراغات أسنانه وهو يقول:
عم سيد: “يا واد يا دكش… البت دي الوحيدة في السبتيّة اللي مش عاملة لك حساب. إيه؟ ملك الحارة مش قد بنت الحاج سالم احنا نعملها قرار إزالة وقتي؟”
تصلب جسد الدكش.
كلمة “مش قدها” ارتطمت بصدره بقسوة.
هذه الكلمة سمعها كثيرًا منذ مات أبوه؛
مش قد المسؤولية، مش قد الفقر، مش قد البيت.
رفع ذقنه بعناد، وأشار ناحية رهف بإصبعه متحديًا:
الدكش: “!و شاورت لها بصباعي تيجي جري! بس أنا اللي مش عايز رهف مش النوع اللي يخليني اجري وراه انا اخري انكشها ببقي مبسوط بكدا”
قزقز زغلول لبًا وضحك.
زغلول: “يا راجل؟ طب ما تتراهن معايا!”
التفت إليه الدكش، والغرور بدأ يعميه.
الدكش: “أتراهن طب حلو انا موافق!”
حمادة: “على إيه بقا؟”
ضرب الدكش صدره بكفه، وصاح:
الدكش: “أتراهن… إني أخلي رهف سالم تقول لي ‘بحبك يا دكش’ قدام السبتيّة كلها… في شهر واحد بس!”
ساد الصمت ثانية، ثم انفجرت القهوة كلها ضحكًا.
عم سيد: “شهر؟! يا ابني دي لو قالت لك ‘صباح الخير’ يبقى معجزة!”
نفخ الدكش أنفه وقال بتحدٍ أعمى:
الدكش: “هي شهر وحياتك! ولو ماحصلش… أبقى صبي عند أبوها في القهوة! أغسل الفناجين وأكنس البلاط! وأبيع التوك توك دا!”
حمادة: “تمام نتفرج ونشوف”
خلف باب القهوة الزجاجي، كانت رهف واقفة.
صينية الشاي بين يديها ترتعش حتى اصطكت الكوبايات.
وجهها تبدل لونه من شدة الغضب، وانحبست أنفاسها.
همست من بين أسنانها:
رهف: “أنا بقيت رهان يا دكش الكلب؟! ماشي… والله لأخليك إنت اللي تبوس التراب اللي بمشي عليه. وتقول ‘آسف يا ست رهف’ قدام الحارة كلها.”
بعد ساعة — مع أذان المغرب
كانت القهوة قد هدأت قليلًا، ولم يبق فيها إلا بعض الزبائن.
جلس الحاج سالم، والد رهف، خلف الكاشير على كرسي خشبي قديم.
رجل في الخامسة والخمسين، الطيبة تملأ وجهه لكن المرض نحت فيه بوضوح. كان يسعل بين اللحظة والأخرى، وصدره يعلو ويهبط بتعب.
وضعت رهف أمامه كوب ينسون، وجلست على ركبتيها قليلًا لتكون في مستواه.
رهف: “يا با اشرب ده. وادخل ريح شوية. أنا هقفل المحل خلاص.”
رفع الحاج سالم عينيه إليها وابتسم ابتسامة باهتة.
الحاج سالم: “أريح فين يا بنتي بس؟ وإيجار المحل؟ ودوايا؟ ومصاريف أخواتك؟ لو قفلنا يوم… ناكل منين بكرا؟”
انقبض قلب رهف، ومدت يدها تمسح على كتفه بحنان.
رهف: “ربنا كبير يابا متشيلش هم الدنيا اوي كدا مش مستاهلة.”
انفتح باب القهوة.
دخل الدكش هذه المرة دون صياح، ودون استعراض.
كان هادئًا على غير عادته.
الدكش: “صباح السكر عليكم”
رفع الحاج سالم رأسه وابتسم له بمحبة.
الحاج سالم: “ازيك يا ياسين يا ابني. تعالى اشرب شاي.”
توقفت رهف لحظة.
“ياسين”.
لا أحد يناديه بهذا الاسم إلا أبوها.
أما الدكش، فقد رمش بعينيه سريعًا؛ هذا الاسم يوجعه ويربك قلبه كل مرة.
رمقته رهف باحتقار وقالت:
رهف: “عايز إيه هو انت طالعلي ف البخت ياجدع انت م تحل عن سمايا بدل م انت لازق فيت بغرا ؟”
تجاهلها، وأخرج من جيبه ورقتين فئة المائتين، ثم وضعهما على الكاشير.
الدكش: “ده حساب الشهر اللي فات يا حاج. كنت اتزنقت ف كام مصلحة خلوني مش عارف الاحق ف قصرت شوية… سامحني على التأخير.”
ابتسم الحاج سالم وربت على يده.
الحاج سالم: “ماتقولش كده. إنت زي ابني. وبعدين إنت اللي بتاخد بالك من القهوة لما أغيب.”
بلع الدكش ريقه، ثم قال بصوت أخفض:
الدكش: “عن إذنك يا حاج. عايزك في كلمتين بره.”
خرج الاثنان.
أما رهف، فاقتربت من الباب على أطراف أصابعها، وألصقت أذنها بالخشب.
الحاج سالم: “خير يا ابني؟”
خفض الدكش رأسه، وصوته خرج مبحوحًا:
الدكش: “يا حاج… الدكتور قال إيه طمني؟”
تنهد الحاج سالم طويلاً، وسعاله قطع أنفاسه.
الحاج سالم: “القلب تعبان يا ياسين. ومعدش فيه حيل وعايز عملية بالشيء الفيلاني… بـ80 ألف جنيه. منين يا ابني؟ منين اجيبهم بس م ع يدك العين بصيرة وإلايد قصيرة؟”
تجمدت رهف خلف الباب، وارتفعت يدها إلى فمها.
ثمانون ألفًا؟!
قبض الدكش على يده حتى برزت عروقه.
الدكش: “هتتصرف يا حاج. ربنا ماينساش حد. إنت وقفت جنبي لما أبويا مات وكان خير السند لازم اردلك دا…وانا ربنا يقدرني واشيلك في عيني.”
امتلأت عينا رهف بالدموع، لكنها تماسكت سريعًا.
عاد الدكش إلى الداخل بوجه متجهم.
وقعت عيناه عليها فورًا.
الدكش: “انتي واقف عندك بتعملي اي؟.”
ارتبكت رهف، ومسحت دمعة كانت توشك أن تهرب.
رهف: “هخش اعملك شاي.”
وفي أثناء إعدادها الشاي، كانت يداها ترتجفان؛
الرهان، ومرض أبيها، وهذا الوجه الجديد للدكش… كلها أشياء تشوش قلبها.
تاني يوم الصبح — السابعة صباحًا
كانت السبتيّة تستيقظ ببطء.
وقف الدكش بتوك توكه أمام القهوة.
غسله، وعلّق عليه وردًا بلديًا أحمر ذبل نصفه، وشغّل أغنية قديمة لعبد الحليم بصوت منخفض.
خرجت رهف تحمل كيسًا لتشتري العيش، وما إن رأته حتى عقدت ذراعيها أمام صدرها.
رهف: “إنت إيه اللي موقفك هنا من بدري؟”
فتح الدكش باب التوك توك بحركة استعراضية.
الدكش: “توصيلة VIP لست البنات. للفرن… و أي حتة تاني احنا ف خدمة ست البنات.”
رمقت الورد بعين ساخرة.
رهف: “VIP اي بذمتك؟ ده توك توك كحيان ومعدوم العافية! وإيه الورد الميت ده اللي لا ريحة ولا منظر؟ سارقه من تربة؟”
احمر وجهه قليلًا، وحكّ رقبته بحرج.
الدكش: “لا… قصدي… ده ورد… انا جيبته عشان انول الرضا!”
رفعت رهف الكيس ولوّحت به أمام وجهه.
رهف: “الورد لو بيتكلم كان شتمك! شيل القرف ده!”
ومشت.
خرج حمادة من الورشة يضحك.
حمادة: “ياعيني ع الحلو اللي تبهدله الايام!”
انحنى الدكش والتقط الورد ثم رماه على الأرض بغيظ.
الدكش: “إخرس يا حمادة! دي بتتقل! أنا عارف شغل بنات هي معجبة ومش راضية تبين!”
ومن بعيد وصلهم صوت رهف:
رهف: “ده أنا هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه يا دكش!”
العصر — أمام الفرن
ثلاثة عيال من صيع المنطقة كانوا يضايقون فتاة تحمل شنطة عيش.
كانت رهف.
شدت الشنطة إلى صدرها وهي تدفع أحدهم.
الواد الأول: “إيه يا حلوة… ما تجيبي رغيف؟”
دفعت رهف كتفه بقوة.
رهف: “امشي يا حيوان من هنا بدل م انسل الشبشب ع دماغك”
اقترب الثاني منها.
الواد التاني: “مين دا اللي حيوان يابت؟”
وفجأة، انطلق توك توك الدكش من آخر الشارع كالرصاصة، وفرمل بعنف أمامهم.
نزل منه ووجهه مشتعل، وعروقه نافرة.
أمسك الأول من ياقة قميصه ورفعه.
الدكش: “بتغلس عليها ليه؟”
ارتبك الشاب.
الواد: “إنت مالك يا عم! دي واحدة…”
لكن الدكش لم يمهله؛
رزعه قلمًا دار معه وجهه.
وصاح بصوت هزّ الشارع:
الدكش: “اللي يخص دكش مفيش …..يقرب منه البت دي مراتي والله لو لمحتك ف شارع هي فيه لاكسر مناخيرك سامعني”
تجمدت رهف.
شهقت، واتسعت عيناها.
مراتي؟!
فرّ الأولاد جريًا.
أمسكت تيشيرته من صدره تهزه بعنف.
رهف: “إنت عقل فوت؟! مراتك مين يا دكش انا ع الزمن اتجوزك انت اصوم واصوم وافطر عليك؟! إنت فاكر نفسك مين؟!”
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه ساخنة.
نظر إليها مرتبكًا لأول مرة.
الدكش: “أنا… أنا آسف. الكلمة طلعت غصب عني. بس… بس مقدرتش أشوفهم بيكلموكي كده. دمي فار. وقلبي اتكوي”
دفعته رهف بكل قوتها.
رهف: “دمك فار؟! وإنت مالك بيا! مش عايزة حماية منك ولا من غيرك!”
خفض صوته، وقد خفتت حدته فجأة.
الدكش: “عارف إنك بـ ميت راجل. بس… بس الحارة دي مالهاش أمان. وأنا… أنا مسؤول. هنا… في السبتيّة… أنا ملك الحارة. وإنتي… إنتي من الحارة. يعني في حمايتي غصب عنك.”
دمعت عيناها من الغيظ.
وأشارت بإصبعها في وجهه.
رهف: “وهو الكبير بيراهن ع بنات الناس عشان يذلهم قدام الخلق الله يرضي عليك بلاش تقول ع نفسك راجل وسند غير لما تستاهلها فعلا”
، ثم جرت وهي تبكي.
ظل الدكش واقفًا مكانه كأن أحدهم صفعه.
كلمة “تبقى راجل بجد” اخترقت صدره.
وصل حمادة إليه يلهث.
حمادة: “يا دكش! إيدك بتجيب دم!”
نظر إلى يده؛ كانت مجروحة فعلًا، والدم يسيل منها دون أن يشعر.
همس بشرود:
الدكش: “دي علمت عليا”
ربت حمادة على كتفه.
حمادة: “يا صاحبي…”
ركب الدكش التوك توك وأدار الموتور بعصبية.
الدكش: “انا مخنوق وعايز اطير من هنا”
انطلق.
ومن شرفة بيتها، كانت رهف تراه.
رأت الدم على يده.
ورأت انحناءة ظهره لأول مرة.
مسحت دمعتها وهمست:
رهف: “ع الله تحس”
ثم وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بعنف.
بالليل — أمام بيت رهف
طرق خفيف على الباب.
فتحت رهف فلم تجد أحدًا.
على الأرض كيس صغير.
انحنت والتقطته.
في داخله:
شريط دواء للقلب، ومطهر، وبلاستر.
وورقة صغيرة مكتوب عليها:
“عشان الجرح. وعشان الحاج. ماتقوليش لحد. اني جيبتهم بقا
الدكش”
اتسعت عيناها.
هذا الدواء وحده غالٍ.
من أين أتى به؟
رفعت رأسها نحو الشارع.
كان توك توكه متوقفًا بعيدًا، وهو ممدد داخله.
أما الدكش، فكان مستيقظًا، ينظر إلى بلكونتها.
إحدى يديه ملفوفة ببلاستر، وبطنه يعتصرها الجوع… فقد صرف كل ما معه على الدواء.
أخرج من جيبه ورقة قديمة صفراء، متنية الأطراف.
شهادة مدرسية.
“الطالب ياسين عبد التواب — الأول على المدرسة الإعدادية.”
ابتسم ابتسامة حزينة، ثم همس لنفسه:
الدكش: “شهر واحد يا رهف… يا تخليني أرجع ياسين. الحقيقي.. يا هفضل دكش طول عمري وساعتها هنندم احنا الأتنين.”
رواية رهان الدكش الفصل الثاني 2 - بقلم هاجر عبدالحليم
السبتيّة — الساعة التاسعة صباحًا
كانت الشمس قد خرجت منذ قليل، لكن السبتيّة استيقظت قبلها كعادتها.
صوت عربات الفول يملأ الشارع، ونداءات الباعة تتقاطع مع صريخ الأطفال المتجهين إلى المدرسة، ورائحة العيش الساخن تتصاعد من الفرن القريب فتملأ الجو دفئًا.
أما قهوة السلطنة، فقد كانت كعادتها مفتوحة منذ الفجر، بابها العتيق يستقبل الجدعان منذ ثلاثين سنة كاملة.
في الداخل، جلس الحاج سالم خلف الكاشير الخشبي القديم.
كان وجهه شاحبًا على غير عادته، وعيناه مطفأتين من الإرهاق، لكن ابتسامته لم تكن تفارق شفتيه كلما دخل زبون.
رجل يحاول أن يخفي مرضه خلف الطيبة.
أما رهف، فكانت، تحرك أبريق الشاي بيد، وترص الفناجين باليد الأخرى.
شعرها ملفوف بإحكام تحت الطرحة السوداء، وعلى طرف عبايتها بقعة شاي بنية من الليلة الماضية لم تلحق أن تغسلها.
انفتح باب القهوة.
دخل الدكش.
لكن هذه المرة لم يسبقه صوت زمارة، ولا دخلة استعراضية، ولا ضحكات عالية.
دخل صامتًا، كتفاه منخفضتان قليلًا، وعيناه في الأرض.
إحدى يديه مربوطة ببلاستر أبيض من خناقة الأمس، وكان الألم يلسعها مع كل حركة.
رفع رأسه وقال بهدوء:
الدكش: “صباح الخير يا حاج.”
رفع الحاج سالم عينيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة متعبة.
الحاج سالم: “صباح النور يا ياسين يا ابني. تعالي افطر معايا لقمة عقبال م رهف تعملك الشاي
لم تلتفت رهف حتى، وظلت تصب الشاي وهي تقول ببرود:
رهف: “. مش سبيل هو يابا انا مش بعمل ببلاش.”
أخرج الدكش عشرة جنيهات ووضعها على الكاشير بهدوء.
الدكش: “حسابه وصل. وعليه قرش زيادة… عشان خاطر الحاج وعيونه.”
وقبل أن يرد أحد…
وضع الحاج سالم يده على صدره فجأة.
تقلص وجهه، وانسحب الدم منه في لحظة، ثم أصدر الكرسي تحت جسده صريرًا حادًا.
الحاج سالم: “آه… يا… يا رب…”
شهقت رهف، وسقطت الصينية من يدها.
تناثر الزجاج والشاي في كل اتجاه.
رهف: “ياباااا!
وفي أقل من ثانية كان الدكش قد اندفع نحوه.
أسنده من تحت إبطيه، فبدا جسده خفيفًا على نحو مفزع من شدة المرض.
الدكش: “ياحاج! حاج سالم!
كانت رهف تبكي وترتعش وهي تهز كتف أبيها.
رهف: “في اي؟ هو كان كويس؟ يابا…قوم بالله عليك انا خايفة
دخل عم سيد من الباب على الصوت، وعيناه اتسعتا.
عم سيد: “يا نهار إسود! مالو الراجل؟!”
التفت له الدكش صارخًا، وصوته ملأ المكان بقوة جعلت الجميع يتحرك:
الدكش: “اتصل بالإسعاف يا عم سيد! بسرعة!
حمل الحاج سالم بين ذراعيه، وركض به نحو الكنبة الموجودة في آخر القهوة.
أنزله عليها برفق، ثم فك أول زرين من جلابيته ليسهّل عليه التنفس.
التفت إلى رهف التي كانت شبه مشلولة من الذعر.
الدكش: “هاتي مية يا رهف! وشوفي الدوا بتاعه فين!”
أخذت تبحث بعينين ضائعتين ويدين ترتعشان.
رهف: “فين هو فين؟… فين؟… أهوه!”
أعطته الشريط.
أخرج البرشامة ووضعها تحت لسان الحاج سالم.
ساد صمت ثقيل.
حتى الشارع بالخارج كان قد توقف.
الناس تجمعت أمام القهوة، لكن لا أحد يجرؤ على الدخول.
بعد دقيقتين بدتا كأنهما دهر، فتح الحاج سالم عينيه ، وأنفاسه تخرج متقطعة.
همس بصوت خافت:
الحاج سالم: “ياسين… القهوة… الباب… البنات…”
انحنى الدكش عليه فورًا، وأمسك يده بكلتا يديه.
الدكش: “متخافش يا حاج ووحد الله كدا أنا هنا. ماحدش هيقرب لها والله ارتاح إنت بس وخد نفسك وبلاش تتكلم كتير.”
أغمض الحاج سالم عينيه من جديد، لكنه هذه المرة كان نائمًا… لا غائبًا.
هبطت رهف إلى الأرض بجوار قدم أبيها، ودفنت وجهها في ركبتيها، تبكي بكتمان يهز كتفيها.
رفع الدكش عينيه إليها.
ولأول مرة… يرى رهف القوية، سليطة اللسان، العنيدة… مكسورة هكذا.
شعر بشيء يعصر قلبه.
اندفع حمادة إلى الداخل يلهث.
حمادة: “الإسعاف على وصول! بس قالوا لازم حد يجي معاه المستشفى!”
رفعت رهف رأسها فجأة ونهضت.
رهف: “أنا! أنا هروح معاه!”
لكن الدكش اعترض طريقها فورًا.
الدكش: “والقهوة؟ هتسيبيها لمين؟
صرخت فيه بعينين حمراوين:
رهف: “تتحرق القهوة! أبويا أهم!”
اقترب منها خطوة، وصوته خرج حاسمًا لا يحتمل جدالًا.
الدكش: “أبوكِ لو فاق وعرف إنك قفلتي أكل عيشكم هيروح فيها تاني وساعتها مش هيسامحك! أنا هروح معاه. وإنتِ امسكي المحل وابقي اطمنك ع طول.”
رمشت رهف غير مصدقة.
رهف: “إنت؟! إنت هتروح مع أبويا؟!”
رفع عينيه إليها مباشرة.
الدكش: “أيوه. أنا. ولا مش مأمناني على أبوكي يا ست رهف؟”
سكتت.
نظرت إلى أبيها… ثم إليه.
مجنون. سرسجي. مستفز. مراهن عليها.
لكنه هو من حمل أباها الآن.
وهو من لحقه.
وهو من أحضر الدواء الليلة الماضية.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
رهف: “طب… طب لو جراله حاجة… والله ما هرحمك يا دكش هتشوف مني وش عمرك م شوفته وهيزعلك جامد اوي مني.”
ثبت نظره فيها وقال دون تردد:
الدكش: “لو جراله حاجة… ادفنيني جنبه ف نفس الثانية واوعدك هسامحك دنيا واخرة امين كدا ؟.”
وصلت الإسعاف.
ساعد المسعفين في حمل الحاج سالم، ثم صعد معه.
وقبل أن يُغلق الباب، ألقى نظرة أخيرة على رهف الواقفة في منتصف القهوة المحطمة.
الدكش: “ماتقفيش كده. لمي القزاز. وافتحي القهوة من تاني وشوفي اكل عيشك. أبوكي راجع يارهف.”
وأغلق الباب.
وقفت رهف في مكانها، حولها الشاي المسكوب والزجاج المكسور.
اقترب عم سيد منها بحذر.
عم سيد: “يا بنتي… هنعمل إيه؟
مسحت دموعها بظهر يدها، ثم شمرت كمي عبايتها.
رهف: “هنفتح. زي ما قال ياعم سيد الدنيا مينفعش تقف ودي امانة ابويا”
المستشفى الحكومي — بعد ساعة
الممر مزدحم، رائحة المطهر خانقة، وأصوات المرضى والممرضات تختلط بصراخ متقطع.
كان الدكش يقف أمام غرفة الطوارئ، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا.
يده المجروحة نزفت تحت البلاستر، لكن عقله لم يكن حاضرًا مع الألم أصلًا.
خرج الطبيب أخيرًا.
الدكتور: “إنت ابن الحاج؟”
رفع الدكش رأسه بسرعة، ثم قال متلعثمًا:
الدكش: “أيوه… يعني… زي ابنه هو اللي مربيني خير يا دكتور؟”
خلع الطبيب الكمامة قليلًا.
الدكتور: “جلطة بسيطة. لحقناه. بس لازم يتحجز 3 أيام تحت الملاحظة. ولازم راحة تامة شهر على الأقل. مجهود ممنوع. زعل ممنوع. اظن واضح”
اتسعت عينا الدكش.
الدكش: “شهر؟! طب والعملية يادكتور؟”
هز الطبيب رأسه.
الدكتور: “العملية دي قصة تانية. دي محتاجة 80 ألف. بس الأول لازم حالته تستقر.”
الرقم دوّى في رأسه كضرب الطبول.
بلع ريقه بصعوبة.
الدكش: “ممكن أشوفه؟”
الدكتور: “دقيقتين بس. وماتقلقوش هو لازمله راحة عكس كدا احنا بنجازف.”
دخل الغرفة.
كان الحاج سالم مستلقيًا على السرير، المحاليل معلقة في يده، ووجهه أبيض كالشمع.
اقترب الدكش ببطء، ثم جلس بجواره وأمسك يده.
الدكش: “قوم يا حاج… السبتيّة من غيرك ضلمة. ورهف… رهف مكسورة قوي. قوم عشانها. وعشاني… عشان لسه مارديتلكش الجميل.”
فتح الحاج سالم عينيه نصف فتحة.
الحاج سالم: “القهوة… يا ياسين…”
أومأ الدكش بسرعة.
الدكش: “في عيني.
أغمض الحاج سالم عينيه ونام.
خرج الدكش من الغرفة، وأسند ظهره إلى الحائط.
أخرج سيجارة، ثم تذكر أين هو، فأطفأها قبل أن يشعلها.
تحسس جيبه.
خمسون جنيهًا فقط.
همس لنفسه:
الدكش: “80 ألف !… يا رب. أجيبهم منين؟ أبيع التوك توك؟ مايجيبش 20 دا لو جاب. أسرق طيب؟ أبقى جبان وابن حرام. أشتغل ؟ فين شغل يجيب 80 ألف في شهر بس ياعالم قفلت زي الدومنة يادكش؟”
تذكر الرهان.
وتذكر رهف.
وتذكر القهوة.
زفر بعنف.
الدكش: “الله يعينا ع اللي داخلين عليه
قهوة السلطنة — وقت الظهر
كانت القهوة مفتوحة، لكنها شبه فارغة.
وقفت رهف وحدها بين الوابور والطاولات، تصنع الشاي وتمسح الترابيزات، لكن عينيها معلقتان بالباب كل لحظة.
كل دقيقة تمر كانت تمر كسنة.
دخل حمادة.
حمادة: “ها يا ست رهف… الحاج عامل إيه؟”
خرج صوتها مبحوحًا من كثرة القلق:
رهف: “ماعرفش. الدكش ماردش عليا.”
حمادة: “طب عايزة أي مساعدة؟ أنزل أقف معاكي؟”
هزت رأسها.
رهف: “لا. شكراً يا حمادة.”
دخل زغلول بعدها مباشرة وجلس.
زغلول: “عايزين شاي. وعلى الحساب.”
رفعت رهف عينيها إليه ببرود.
رهف: “مفيش على الحساب يا عم زغلول. الحاج عيان اللي يشرب حاجة يدفع تمنها وقتي وإلا ميجيش.”
تجهم وجهه.
زغلول: “إيه يا بت! ده إحنا زباين المحل!”
وضعت الكوباية على الترابيزة بخبطة قوية.
رهف: “والزبون اللي مايحاسبش… يبقى مايلزمناش! عايز تشرب… ادفع. مش عايز… الباب يفوت جمل.
أخرج الفلوس.
ابتسم عم سيد من بعيد.
عم سيد: “بنت ابوكي بصحيح.”
وفي هذه اللحظة…
انفتح الباب.
دخل الدكش.
كان وجهه ذابلًا، وهدومه مبهدلة، وتراب المستشفى عالقًا عليه.
نسيت رهف كل شيء، وركضت نحوه.
رهف: “بابا… بابا عامل إيه؟”
ألقى بنفسه على كرسي وهو يلهث.
الدكش: “عايش. هيتحجز 3 أيام. والدكتور قال راحة شهر.”
انهارت ساقاها وجلست.
رهف: “الحمد لله… الحمد لله يارب.”
وانفجرت بالبكاء.
هذه المرة لم يكن بكاء خوف… بل بكاء نجاة.
رفع الدكش عينيه إليها.
أنفها محمر، وعيناها متورمتان.
سألها:
الدكش: “القهوة… عاملة إيه؟”
مسحت دموعها سريعًا وعادت تتصلب.
رهف: “وإنت مالك؟”
رفع رأسه وقال بجدية:
الدكش: “شغل العند ف الوقت دا يخليني اشوفك طفلة ومش مراعية الظروف اللي احنا فيها
رهف: انت اللي حاكك نفسك معانا
نهض من كرسيه.
الدكش: ” انا بسدد دين أبوكِ وبنفذ امانته اللي حطها ف رقبتي وهنفذها ذوق عافية انا هشتغل معاكي هنا ف القهوة
شهقت رهف.
رهف: إنت تطفش الزباين!”
خلع الكاب من فوق رأسه، وألقاه على الترابيزة.
الدكش: “هتعلم. وهنشوف هطفشهم ولا هجيب لك زباين السبتيّة كلها يارهف
رهف: “ولو قولت لا؟”
اقترب خطوة، وخفض صوته.
الدكش: “قولي ومش هنفذ عشان الدكش مش بيمشي ورا ستات
قهوة السلطنة — بعد العصر
بدأت ملامح القهوة تتغير شيئًا فشيئًا.
الهدوء الذي خيّم بعد الحادث لم يدم طويلًا، لكن شيئًا مختلفًا كان قد استقر في الجو؛ نوع من الترقب، كأن المكان نفسه ينتظر قرارًا جديدًا من الدكش.
كان واقفًا خلف الطاولة، يرتدي مريلة القهوة فوق تيشيرته الأبيض.
المشهد بدا غريبًا على الجميع؛ الدكش، ملك السبتيّة، يتحول إلى صبي قهوة.
مرر زبون شاب من أمامه وهو يضحك ساخرًا:
زبون 1: “إيه يا دكش! قلبت قهوجي ولا اي صحيح متزعلش ع الراجل لو مات ازعل عليه لو خاب؟”
رفع الدكش عينيه إليه ببطء، ثم وضع الكوب أمامه بعنف محسوب، حتى ارتجف السائل داخله.
الدكش: “اسمي ياسين يا محترم.
ابتلع الزبون ريقه بسرعة وأمسك الكوب بصمت.
من بعيد، كانت رهف تراقبه.
كانت تقف خلف الوابور، يداها تتحركان تلقائيًا، لكن عينيها ثابتتان عليه.
كل حركة منه كانت تثير داخلها خليطًا غريبًا من الغضب والقلق… والانتباه.
اقترب حمادة وهو يضحك:
حمادة: “يا جدعان! الدكش بقى صبي! أقسم بالله السبتيّة هتشوف أيام سودا!”
التفت الدكش نحوه فورًا، وألقى عليه فوطة المطبخ.
الدكش: “تعالى ساعد بدل ما تتريق! امسح الترابيزة دي اوام!”
تراجع حمادة خطوة وهو يضحك:
حمادة: “أنا؟! أنا ميكانيكي يا عمنا تخصص عربيات لامؤخذة!”
الدكش: “والنهاردة صبي عندك مانع؟. كلنا صبيان عند الحاج سالم لحد ما يقوم.”
ساد صمت خفيف بعد الجملة.
رهف توقفت للحظة عن الحركة.
كلماته لم تكن استعراضًا هذه المرة.
كانت شيئًا آخر.
شيئًا جادًا بشكل يزعجها دون أن تفهم لماذا.
زغلول يدخل القهوة
دخل زغلول بخطوات واثقة كعادته، وجلس دون مقدمات.
زغلول: “شاي… وعلى الحساب.”
رفع الدكش رأسه إليه مباشرة.
لم يبتسم.
لم يعلّق.
فقط اقترب.
الدكش: “قولت لك مفيش على الحساب. الحاج عيان، والدواء غالي. هتدفع… ولا تشرب في بيتكم وتريحنا وتريح نفسك.”
اتسعت عينا زغلول بدهشة.
زغلول: “إنت هتبلطج عليا يا دكش؟”
اقترب الدكش خطوة إضافية، وانحنى قليلًا نحوه، وصوته خرج منخفضًا لكنه حاد كالسيف.
الدكش: “هتدفع ولا تورينا عرض كتافك
تدخلت رهف بسرعة وهي تقترب:
رهف: “سيبه يا دكش! هتودينا في داهية!”
نظر إليها لحظة، ثم أرخى قبضته.
تركه.
زغلول التقط أنفاسه بسرعة، ثم أخرج النقود ورماها على الطاولة بغضب، وخرج وهو يتمتم بالشتائم.
التفتت رهف للدكش وهي تضربه في كتفه:
رهف: “مش هترتاح غير لما تقفلهالنا
أمسك كتفه من أثر الضربة، لكنه لم يتألم بقدر ما ابتسم بشكل خافت:
الدكش: هتعامل معاهم بحنية عشان نين عيونك ياستو انا!”
رهف: ” اشتغل وانت ساكت!”
رفع حاجبيه بمكر خفيف:
الدكش: “. بقى كده ماشي اتقل يارز براحتك مسيرك تستوي
المساء — هدوء القهوة
بعد أن خفّ الزحام، بدأت القهوة تستعيد أنفاسها.
رهف كانت تعد النقود خلف الطاولة، تحاول أن تخفي ارتجاف يديها وهي تجمع حصيلة اليوم؛ مبلغ ضعيف بالكاد يكفي الأساسيات.
الدكش كان جالسًا على كرسي خشبي في الزاوية، يربط يده المصابة من جديد.
كان صامتًا هذه المرة.
صمت غيره هو أيضًا.
رفعت رهف عينيها نحوه.
اقتربت دون أن تتكلم، ثم أخذت علبة المطهر من الدرج وجلست أمامه.
رهف: “هات إيدك.”
رفع رأسه باستغراب:
الدكش: “هاه؟”
رهف: “هات إيدك يا دكش! هتسيبها تتلوث كدا يعني؟”
أعطته يدها برفق، وبدأت تنظف الجرح.
كانت أصابعها ترتجف قليلًا، لكنها كانت تحاول إخفاء ذلك.
أما هو…
فكان يراقبها بصمت.
يراقب وجهها القريب، رموشها وهي تتحرك، طريقة تنفسها وهي تحاول التركيز.
شيء جديد عليه تمامًا.
شيء يربكه.
الدكش: “على فكرة… إنتِ…”
لم تكمل.
قاطعته بسرعة وهي تضغط على البلاستر:
رهف: “إيه؟”
توقف لحظة، ثم قال بصوت أخف:
الدكش: “إنتِ… بتعملي الشاي حلو. اوي تصدقي أحلى من شاي أمي الله يرحمها.”
ارتبكت فجأة،
الدكش: “آآآه! براحة يا مفترية!”
قامت بسرعة، وأغلقت العلبة بعنف:
رهف: “تستاهل! عشان تبطل تحشر نفسك في اللي مالكش فيه!”
اتجهت نحو الباب وهي تهم بالخروج.
ناداها بصوت منخفض:
الدكش: “رهف…”
توقفت دون أن تلتفت.
رهف: “نعم.”
الدكش: “هوني ع نفسك”
صمتت لحظة.
ثم قالت بصوت مكسور رغم قوتها:
رهف: الوحدة وحشة وانا ولا حاجة من غير ابويا.”
اقتربت نبرة صوته قليلًا:
الدكش: “مش هتبقي لوحدك”
لم ترد.
فتحت الباب وخرجت.
وبقي هو وحده في القهوة، يحدق في الفراغ