الفصل 47 | من 58 فصل

رواية رحلة عذابي أنا 💘 الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم عشق جنوبي💞

المشاهدات
19
كلمة
8,584
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

الفصل : الثاني والأربعين
بعنوان #نبضي_يسنده_نبض

علي يجافيه النوم كالمعتاد في الفترة الأخيرة ، ينظر بشفقة الى اسراء المنهكة فهي حامل من جديد ، بات يراها شديدة التعلق به خاصة بعد حادثة اسلام واصابته بالعمى ، ترى فيه السند والعون والاب والزوج والصديق ، شفافيتها ووضوح مشاعرها أشبه ما تكون كطفلة وظاهرها كباطنها لا تخفي ولا تجاهد بأخفاء مشاعرها كما يفعل هو ...
هو يتظاهر بالتماسك وقلبه يكاد ينفطر خوفاً على تلك الملاك ، كانت ترى فيه الأخ والسند لها ولكنه خذلها كما خذل أخيه خالد ... أصدر الأحكام وتسبب بأخراجها مطرودة ومقهورة من بيتهم .. ليته كان يعلم بصدق مشاعر خالد تجاهها أو على الأقل بحبه لها ؛ ربما أختلف الأمر لو سارع الى تبرئة ملاك ؛ ربما كانت الآن تعيش معهم في رغد وراحة وأمان ... ااه ما أغباني ... لو يحصل لها شيء فلن أسامح نفسي مدى الحياة ... أعتقدت أنني بعدم قول الحقيقة أنقذها من براثن خالد بل من كل الظالمين من حولها ... فتعود الى جدتها وتعيش بأمان بين من يحبونها ... خالد لم تكن مشاعره واضحة ولم يسبق أن صرَّح بحبه لها بل الغالب كان سخطه وكرهه وحقده عليها ؛ خفت عليها منه وخفت من بقاءها عندنا .... والآن أحصد الحسرة والخوف عليها وعلى أخي الذي ما عاد يكلمني ولا أظنه سيسامحني أبداً طول العمر .

****

بعد أن دار في كل مكانٍ قد يخطر بباله للبحث عنها دون فائدة ، توجه الى المشفى ليمضي باقي الليل عند عمه أبو طلال ؛ يشعر بهمه وبحالته ؛ ملاك كانت مسؤولة منهما دون الآخرين ولكن كلاهما فرط بها ولم يحسن لها او يحسن معاملتها ؛ أب قاسي وزوج ظالم ..
فتح ابو طلال عينيه ونظر الى طلال النائم باستسلام والى خالد المهموم ، رفع سريره ليعدل جلسته ثم قال : خالد انت ليه طلقت ملاك ؟ ما كانت تطيعك او عملت شي أغضبك .
ابتسم خالد بألم ورفع رأسه الى الأعلى ليستعيد الذكريات ثم ناظر عمه وبغصة : طلقتها لأني أنسان ظالم مثلي مثل كل اللي حولي والا الحق أني ما شفت منها الا البراءة والأحترام وال.... خوف .
ابو طلال باستغراب : الخوف!
هز خالد رأسه وهو يحاول التماسك : ما أدري لكن كانت بس تشوفني يتملكها الخوف وتحاول تهرب ؛ لكن بالفترة الأخيرة صرت ألاحظ الخوف يقلب أحترام وحياء شديد لدرجة انها ما تعمل شي الا بأذني مثل امتحانات الثانوية .
أبو طلال بأسى : لعاد ليه طلقتها يا ولد أخوي .
خالد بأسى أكبر : قلتلك لأني ظالم وحكمت عليها من غير ما أسمع أو اتوثق وربنا راد بعد سنين أني أكتشف كم هي عندها عزة وكرامة وأنا فرطت بيها بكل سهولة.
أبو طلال : أن شاء الله بنلقاها وتكون بخير وعهد علي أعوضها كل اللي فات .
خالد بتشجع : واتمنى يا عمي لما بنلقاها أنك توافق أرجعها على ذمتي وأوعدك أني أحطها بعيوني .
أبو طلال بأمل صادق : يا رب ألقاها وأكحل عيني بشوفتها ، وعهد علي ما أجبرها على شي ، أن بغت ترجع لذمتك ما أمانع.

****

رقم غريب يرن عليه ...
أجاب معاذ فأتاه صوت انثوي خفيض بكلمات معدودة : انا نور .. اريد أتحدث معك بأمر مهم .
غمرته مشاعر الأبوة بسماع صوتها وخانته دموعه ربما فرحاً وربما أملاً في أن يأتي اليوم الذي تغفر له أبنته ما أقترفه هو وأمه في حقها .
انقطاع صوته جعل نور تشك بانقطاع الأتصال لكنه تدارك الأمر وقال بحنان بالغ : الك عمري لو تطلبينه .
نور برسمية : ما ينفع عالتلفون ؛ وين أقدر اشوفك ؟
معاذ بحماس : تعالي بيتي ؛ الحين بأعطيك العنوان ..
قاطعته نور بحدة : ما أبغى أروح بيتك اذا ممكن في مكان عام بيكون أحسن ...
في المقهى جلست نور بارتباك وقد طارت كل الكلمات التي تدربت على قولها وأبيها فقط يتمعن بها ويطيل النظر دون كللٍ او ملل ؛ لم يستعجلها بالكلام ولم يسألها عن شيء ، مجرد وجودها أمامه هو نعمة يشكر الله عليها ؛ ليته يستطيع ضمها بأحضانه وتعويضها عن عذاب السنين .
أخيراً لملمت شتات أفكارها وقالت بثقة : أكيد سمعت عن خطبتي .
سكتت وهو رد بحزن : واتمنالك السعادة ما دام هذي رغبتك واختيارك .
اكملت بنفس الثقة : هذا الزواج ما هو برغبتي ولا أختياري .
نظر لها بدهشة وهي أستمرت : هذا زواج فرضته علي الظروف وقلة السند وخوف أمي علي من أي شي أو كل شي ؛ وانت الحين باعتبارك موجود ؛ أطلب منك تنهي هذا الزواج بأي طريقة لأني ما أريد أستمر بيه .
معاذ لا زال مصدوم ولكن قال : أكيد شي ما هو برضاك لا يمكن أقبل باستمراره ؛ بس أمك تدري برغبتك هذي وما عندها أعتراض .
نور بغموض : للحين ما كلمت أمي ؛ قلت أشوف رايك بالأول .
معاذ بحيرة : يعني أمك ممكن تزعل أو تعترض؟
ردت نور بعصبية : هي حياتي والا حياتها !
ثم تمالكت اعصابها وقالت : انا بأقنعها وبأذن الله بتسمع كلامي ؛ المهم الحين ابغاك تتواصل مع زوج خالتي وتنهي هذا الزواج .
معاذ بنية صادقة : بأذن الله ؛ لا تحملي هم شي أنا كل اللي يهمني سعادتك وراحة بالك يا بنتي .
الكلمة الأخيرة هزت مشاعرها وكادت تدفعها للبكاء لكن تماسكت وهي تقول : وبعد عندي طلب أذاتقدر تساعدني بيه .
أخذت نفس وقالت بثقة : أريدك تكلم مدير الشركة الي كنت بأشتغل بيها وتقنعه يرجعني للعمل .
معاذ بهدوء : ايش رايك تشتغلين بفروع شركاتي الي بدأت أنقلهن للبلاد وتكوني عون لي بيها .
نور بحدة : لا ما أبغى ؛ أريد شغلي السابق وبس .
معاذ لا يريد ان يضغط عليها رد بحنان : أبشري باللي تبينه ؛ ثم وضع امامها مغلف وقال : ترى البيت اللي شريته لكم جاهز وبأي وقت تقدرين تسكنينه ؛ هذا عقد ملكيته ومفاتيحه وبطاقات الصراف لحساباتك بالبنك .
دفعت المغلف بقوة ونظرت له بعيون ملؤها التحدي : انا الي ابيه منك قلته وغير كذا ما يهمني ولا أبغى منك شي .
وقامت مسرعة لتغادر قبل أن تخونها دموعها وتضعف أمامه وعادت الى البيت الوضيع الذي تسكنه مع أمها في الحي الفقير والتعب من أخفاء مشاعرها قد بلغ حده .
قابلتها أمها بغضب : وين رحتي يا نور؟ الي ساعة برن على تلفونك مقفل ؛ وش في عندك؟
نور بأرهاق : رحت أقابل ابوي .
منيرة جلست على الأرض وبصوت مخنوق : وليه رحتي تقابلينه ! ليكون بترجعين عنده وتتركيني !
نور جلست بقرب أمها وبهدوء : رحت طلبته يطلقني من بندر .
أم نور أصابها صدمة وبقوة شدتها من عباتها : ما هو على كيفك تتطلقين ؛ بندر رجال محترم ويصونك و....
نور بصراخ : ما أبغاه وما أطيقه وما أحبه وأذا ودك تصممين على زواجي منه ترى بأذبح روحي ...ثم انهارت بالبكاء وهي تصرخ :  والله بذبح روحي واريحك مني ومن عاري وهمي ؛  انا ما أحب الا اسلام وما رح كون زوجة لأنسان غيره ؛ ارحميني يما وحسي معي ولو مرة واحدة بحياتك ؛ انا غلطت وأعترف بغلطتي لكن اوعدك ما عدت أكررها ؛ خليني بس أعيش الحياة الي أبيها وامشي بالطريق الي أخترته عن قناعة ؛ لا توقفين في وجه سعادتي ياااااااا أمي .

*****

لم يعجبها المكتب الذي أختاره ناصر لها رغم فخامته والمبالغة في تأثيثه وديكوراته لأنه بعيد عن كل الأقسام وأقرب ما يكون لمكتبه " شكله ناصر يبغى يتحكم بي وبشغلي !! لكن بأحلامه ، أنا عزيزة والأيام بيننا يا زوجي العزيز ..."
بينما ناصر يشعر بالراحة لأنها أصبحت عنده  وأمام عينيه ، رن هاتفه  وتفاجئ بالمتصل ....روعة .. أخيراً وبعد غيبة تتصل به وهو لا يعلم سبب أنقطاعها عنه !!
وروعة يأكلها الحقد والغضب من عزيزة ولا بد أن توجه لها ضربةً قاسية في علاقتها مع زوجها وربما أكثر ..
ناصر : يا هلا بالقاطعين .... والا ما عدتم بحاجتنا نسيتونا !!
روعة بغنج بالغ : يعدمني عمري أذا بأنسى جميلك ومساعدتك استاذ ناصر ولكن غصب عني أنجبرت ما أعود أكلمك .
ناصر بصدمة : وليه من جبرك ما تكلميني !!
روعة بحزن مفتعل : والله كأنها الست عزيزة ما عجبها أني بكلمك عشان كذا قامت ترمي علي بالكلام قدام أختي بحفلة النقيب فهد اني بكلمك وأبعث لك رسايل ولا بعد عن زياراتك للبوتيك والكل يسمع .. وصاروا أمي وخواتي يعزرون علي ويلوموني ؛ فأضطريت أقطع صلتي وكلامي معك عشاني وعلى شان سمعتي اللي شوهتها مرتك .
وتظاهرت بالبكاء وناصر تمالك نفسه ليخفف عنها : ولا تزعلي يا أخت روعة وحقك علي واوعدك ما يتكرر اللي صار .
روعة لم تعجبها كلمته " أخت روعة " فأكملت بغنج زائد : والله على قد ما أنا زعلانة منها الا أن عتبي الأكبر عليك .
ناصر بضيق : وليه تعتبين علي!
روعة بخبث : لأنك تطلعها على مكالماتنا ورسائلنا مع ان هذا عمل وما يصير أي أحد يطلع عليه .
بصعوبة استطاع ناصر انهاء المكالمة مع روعة وهي تظن أنها شحنت قلبه على زوجته ولا تدري أن ما فعلته أحيا في قلب ناصر شعور جميل وأمل بأنَّ عزيزة قد تحبه كما يفعل هو ..
يشعر بتشوش والأفكار تتزاحم في رأسه .." أدري بعزيزة قوية وجريئة لكن ليه عملت كذا مع روعة !! معقولة في قلبها مشاعر جهتي وتغار علي من روعة !! والا كيف عرفت أني رحت لها البوتيك وأبعث لها بالرسايل لولا انها مهتمة بي وتتابع كل شي أساويه "
أسترخى على كرسيه الفخم والأبتسامة على وجهه والسعادة تغمر قلبه وشبك يديه خلف رأسه وهو يتخيل أن عزيزة تغار عليه وتقف بوجه كل من تحاول الأقتراب منه .
نعم يعترف لنفسه بأنه يحبها وما عاد ينوي اخفاء حبه أكثر ؛ أستيقظ من أفكاره وقام ليتفقد عزيزة ومكتبها الجديد بقربه وأمام عينيه .

*****

تأقلمت ملاك بالعمل الجديد بسرعة وكسبت ثقة الست جليلة " أم تركي " ورغم أن العمل أصبح يتعبها أكثر ولكنها تتحامل على تعبها ونغزات صدرها لتثبت كفاءتها عند الجميع .
وفاء تجالسها كثيراً ، فهي لا تدرس ولا تعمل وواضح انها اجتماعية وتحب العلاقات مع الناس والكلام وأسلوبها جذاب وتجعل للحدث أثارة وتشويق بنبرتها وأسلوبها المرح وتقول عن نفسها " ماني فالحة بشي غير الأكل والكلام " .
صحيح هي ممتلئة قليلاً ولكن ليس على نحو لافت وخفة دمها وميلها للمزاح يطغى على شخصيتها .
شهقت وهي تقول : معقول انت معك معهد متوسط .
ملاك بثقة : أي والحمد لله كنت الأولى بتفوق .
وفاء بحسرة : يهنيالك يا نغم ؛ والله انا عدت الثانوية ثلاث مرات وما نجحت بها ؛ ما أدري كأنه الكلام ما يفوت مخي عامله بلوك .
ملاك بابتسامة : يجوز ميولك ما هي للدراسة ؛ ما حاولتي تتعلمين مهنة أو حرفة او أي دورات تدريبية.
وفاء بقرف : مالي روح ولا خلق أقعد وأتعلم أحس بروحي تطلع ويدي لو أساوي بها أي شي بيخترب ههههههه.
ملاك بضيق : وليه تضحكين يعني مستحيل الا في شي تحبينه وشاطرة بيه .
وفاء بمرح : أي والله أني شاطرة بالحكي والمزح والتسلية على مواقع التواصل ، وبالبيت كل شي احب أعلق عليه مع أني أخبص الدنيا وترجع على راسي لكن ولا يمكن أتوب ههههه ، المشكلة ما أحد يتحمل مزحي الا فارس الله يرجعه بالسلامة يجوز لأنه دوم غايب عن البيت ههههههه والا عبد العزيز دوم معاه هواش ومناقرة ما يحتمل مزح وصلاح أيام وأيام حسب مزاجه .
ملاك بتفكير : دامك تعرفين طبعهم حاولي تتعاملين مع كل واحد حسب طبعه وكذا بتتجنبين المشاكل .
وفاء بنفي : ما أقدر اذا ما قلت اللي ببالي أحس بنفجر .
ملاك بذكاء : طيب وش رايك اللي يخطر ببالك تكتبينه وتحتفظين به مو كذا أحسن؟
وفاء لم تعجبها الفكرة : ما أحب الأقلام والكتابة تذكرني بالدراسة .
ملاك بحماس : ما له داعي القلم والورق ؛ استفيدي من جوالك وشاركي بالمنتديات فيها مجالس لتبادل الأحاديث والأفكار وعبري عن نظرتك للمجتمع والناس والأحداث وأكيد بتلقين تجاوب .
وفاء بسخرية : تخيلي بأنشر واتكلم عن عايلتنا وأحوالنا للناس وش يقولون عني والله فارس لينحرني بدون رحمة ، لا يا عيني .
ملاك بأقناع : ومين قال تعلنين أسمك ، استخدمي أسم وهمي واكتبي براحتك ومو شرط تذكرين تفاصيل احداث ، يكفي تصيغيها بأسلوبك وهي تجربة أن عجبتك استمري وان ما عجبتك ألغي ويا دار ما دخلك شر .
صفنت وفاء وهي تدرس بالفكرة وقد راقها ذكاء ملاك وأفكارها .
قطعت عليها ملاك  أفكارها وهي تناولها صحن السلطة وسكين لتساعدها بالتقطيع : الحين ورجينا مهارتك بالسلطة  وساعديني يا ست وفاء .
وفاء بابتسامة : ما دخلني أذا طردوك بعد ما يشوفوا سلطتي .
ملاك : ما عليه فداك المهم تتعلمين شي ههههههه.
عدة مرات تدخل ام تركي المطبخ وترى أنسجام وفاء مع نغم وهذا لا يثير أستغرابها لأن وفاء أجتماعية وتتأقلم بسرعة مع الناس ؛ يا ليت آلاء عندها بعض هذا المرح في شخصيتها وتطوي صفحة الماضي..... لكن الحمد لله على الأقل اقتنعت بتقديم الثانوية ودخول الجامعة ودراسة التخصص الذي تحبه .

*****

تتهامس طالبتان بقرب ميسون : عرفتي منو ذيك اللي رافعة خشومها وما تكلم أحد .
الثانية : مين قصدك ! آلاء !
الأولى : أي آلاء هذي من عيلة ال... وشايفة روحها عالناس كلها مع انها بصعوبة دخلت الجامعة وأكبر مننا بسنين .
لفت ميسون اسم العائلة فهي نفس عائلة ناصر زوج أختها عزيزة ، معقول أنها بتقرب لأبو دالية؟
الأولى تكمل نميمتها : يقولون كان خاطبها ابن خالها سنين وفجأة تركها ؛ الله العالم لويه ؛ حتى قالوا صابها أنهيار عصبي ؛ وأمها صار معها مرض بالقلب ومن يومها قاطعت أخوها وما تكلمه .
الثانية : الله يستر على خلقه ؛ لكن واضح انها تحسنت لأنها متفوقة على كل الدفعة واتوقع تجيب الأولى .
ميسون تستمع بأحتقار للفتاتين وتستغفر ربها لأنها سمحت لنفسها بالتصنت على حديثهن ولكن ماذا تقول " الشيطان شاطر "
وعلى سيرة الشيطان وينها نوف الخبلة الي ساعة بنطرها عشان نروح ..... لتكون سبقتني وطلعت من الجامعة .. أووووف والله آخرتها تورطني معها بمصيبة "
هرعت ميسون خارجاً ودارت ببصرها بقلق تبحث عن نوف وللصدمة لمحتها من بعيد تحت شجرة ومر من قربها شاب ناولها ورقة وعاد أدراجه ليقطع الشارع ، ركضت نحوها ميسون بجنون وأمسكت بذراعها بقوة وهزتها وهي تصرخ : يا قليلة الحيا وش تساوين هني وكيف تسمحين للكلب يقرب منك ويعطيك ورقة .
سمع يوسف كلامها وعاد أدراجه غاضباً فلن يسمح لهذه الفتاة بأهانته مهما كان الثمن ، نوف تشير لميسون لتخفض صوتها ولكن ميسون لا تبالي .
أقترب منها يوسف وبغضب : وانت وش دخلك بها ؛ تكلِّم اللي تكلِّمه ، هذا ما يخصك .
ميسون تجاهلته تماماً وأخذت تشد بيد نوف لتغادر معها وهي تتوعدها بالعقاب ونوف لا تتحرك من مكانها من شدة الخوف .
تجمع الشباب حول يوسف والفتاتين ليروا ما يحصل وميسون لا تهتم لأي منهم .
أقترب صلاح وكله حنق من ميسون وتجاهلها المتعمد واحتقارها لهم وقال بصوت مستفز : اتركها يا يوسف هذي زعلانة لأنك طنشتها وكلمت صديقتها هههههه.
رغم انها حاولت ضبط أعصابها قدر الأمكان ولكن طبيعتها العصبية غلبت عليها وبدون تفكير أو تقدير لعواقب الأمور صفعت صلاح وبكل قوتها على وجهه وأمام جميع أصدقائه ثم مسكت يدها بندم ومشت بثقة نحو الليموزين متجاهلة نوف التي وضعتها في هذا الموقف المعقد .
صلاح في أوج صدمته وانهدار كرامته أمام تجمع الشباب الكبير لمس خده وهو غير مستوعب ما حصل ؛ لم يكن متوقعاً لضربتها ولم يستطع تداركها لأنها ضربته بيدها الشمال ( ميسون يسارية )
أراد اللحاق بها ولكن يوسف أمسك به بقوة فأفلت يده وأتجه نحو سيارته في الشارع المقابل وهو يستمع لهمسات الشباب وضحكاتهم الخافتة فلا أحد منهم يجرؤ على استفزازه .
بينما ميسون ركبت السيارة وأشارت للسائق بالمسير ويدها ترتجف بشدة ليس خوفاً او ندماً فقد نال ما يستحقه ولكن تشعر بالضيق لأنها لامست وجه رجلٍ غريبٍ بيدها ؛ كيف حدث هذا واين كان عقلها ؛ تدرك أن عصبيتها وسرعة أنفعالها لا بد من أن توقعها في مأزق ..." كله منك يا نوف وعهد علي ما أكلمك ولا لساني يخاطب لسانك طول عمري ؛ طلعتي واحدة تافهة ورخيصة وما يشرفني هذي الأشكال أرافقها "
دخل البيت واتجه الى غرفته بغضب شديد وأخذ حمام ماء بارد ليخفف غضبه وكله تصميم على الثأر من هذه الحقيرة مهما كلف الأمر .
طرقت بابه الخادمة لتبلغه أن أباه يريد حضوره الى مكتبه بالسرعة القصوى " الله يستر ؛ أبوي ما يستعمل هالكلمة الا للشديد القوي "
أطاع نداء أبيه واتجه بسرعة الى مكتبه ليجد كل من عبد العزيز وتركي يجلسان بأنتظاره ، سلّم بأدب وجلس .
نظر لهم الأب وبحزم  : تدرون مكتب المقاولات والأستشارات الهندسية كلّف مبالغ كبيرة وأنا تشجعت لهذا الأستثمار الكبير لأن عندي ولدين دارسين هندسة عمارة وهندسة مدنية ( قالها وهو ينظر الى عبد العزيز وصلاح )
لكن اللي شايفه ان صلاح مهمل بالعمل وما يتابع مهماته بالشركة وكل العبء طايح براس عبد العزيز ؛ عشان كذا أنا جمعتكم الحين لتحديد مصير الشركة ؛ إما يستلمها عبد العزيز بالكامل ويتنازل صلاح عن نسبته ويدبر روحه بأي عمل حكومي أو يتعهد بالألتزام والدوام والعمل الجدي والقرار له والحين يخبرنا به .
توجهت الأنظار بكل جدية الى صلاح الذي لم يزل لم يفق من صفعة ميسون لتصدمه صفعة أبيه وأخوته ، فهم بنظره أتفقوا عليه وقرروا نبذه من عمله ومؤكد هذا بسبب تذمر عبد العزيز المستمر ولكن ليس صلاح من يستسلم .
وضع قدماً فوق قدم وقال بثقة : ما دام عبد العزيز ما يقدر على الشركة بروحه فأنا أكيد ما رح أتخلى عنه وأدور عمل حكومي مريح ؛ ويبشر من باكر التزم معه وماله داعي الخوف على الشركة.
قالها وهو ينظر بتحدي ل عبد العزيز المنصدم من كلامه أو غير المصدق فقال بغضب : هذا وده يضحك علينا بكلمتين وباكر تعود حليمة لعادتها القديمة .
رد عليه صلاح بثقة : أعتبر أبوي وأبو بدر شهود أذا لا سمح الله ما التزمت اعتبر الشركة بيننا أنتهت .
ابو تركي أعجبه كلام صلاح وثقته وكله أمل أن لا يخيب ابنه  ظنه به وعاد صلاح الى غرفته وهو غير مصدق ما قاله وما تعهد به وكأن صفعة هذه الفتاة صحَّت فيه أشياء كثيرة ؛ لن ينسى نظرة الشباب الذين كان يعتبرهم أعز أصدقاءه له ؛ أحس فيها بالشماتة والتشفي والاستهزاء ؛ ما عاد يرغب بالعودة للتسكع معهم او حتى مرافقتهم ؛ آن الأوان لأن يلتفت الى حياته ومستقبله وعمله ؛ أما هذه البنت الحقيرة فسيأخذ حقه منها وإن طال الزمن .

******

لم يجد عزيزة بمكتبها ؛ أتصل بها فلم ترد ، ثم بعثت له برسالة بأنها ذهبت في جولة الى المصنع لمتابعة العمل .
أنتظر حتى عادا الى المنزل وخاطبها بغضب : مرة ثانية لما تطلعين جولة للمصنع تعطيني خبر مفهوم .
تفاجأ بها ترد عليه بهدوء : حاضر يا أستاذ ناصر .
ثم أستدارت نحو المطبخ لتفقد الغداء دون أنتظار رده .
تتعامل معه برسمية وتحاول تقنين الحوار بينهما بشتى الطرق وهذا يثير غضبه بل سخطه ولكنه لا يرغب بالخروج عن طوره في تعامله معها .
أثناء الغداء كعادتها تنشغل مع دالية ولا تعيره انتباهاً ؛ يأكل بغيض ولا ينتبه لطعامه ؛ فنظره مركز نحوها بشعرها المنسدل وجمالها الطبيعي فهي نادراً ما تضع المساحيق على وجهها وتطعم دالية بحب وحنان لقمة بلقمة وفي داخله صوت يصرخ " أنا كمان محتاج لحبك وحنانك ، ليه تحرميني منه يا عزيزة "
لم ينتبه لقطعة السمك التي تناولها بشوكها فعلقت بحلقه ولم يتمكن من بلعها أو لفظها ؛ شخر بقوة وهبت عزيزة نحوه لتساعده وقد أنتابها الجزع ودالية تصرخ بخوف على أبيها الغير قادر على بالتنفس وقد بدأ لونه بالأزرقاق.
عزيزة صرخت بالخادمة للأتصال بالأسعاف واستمرت بمحاولة مساعدته بالضغط على صدره وظهره والهمس له بكلمات التشجيع لتهدئته حتى أخرج الشوك والدماء ترافقه من تجرُّح حلقه ولكن على الأقل يستطيع الآن التنفس وتم أسعافه الى المشفى لأكمال علاجه ترافقه عزيزة ودالية الباكية دون توقف .

*****

جلسات العلاج أصبحت خفيفة لطيفة على عادل الصغير ولم يعد يبكي كما في بداية العلاج بل انه اعتاد على قرب سناء ويطيعها في أشاراتها له وفي كل مرة تمضي سناء وقت طويل في تفهيم ام عامر بما عليها فعله من تدريبات وأم عامر تجد صعوبة في فهم المطلوب .
سناء بضيق : أيش رايك المرة الجاي خلي أمه تتكرم وتحضر وأنا بفهمها كل المطلوب .
أم عامر بحزن : أمه ما هي موجودة وعماته كلهن بالدوامات وما في غيري يرافقه  وسامحيني يا بنتي أن كنت بغلبك .
سناء بحنان : لا يا خالة لا تفهميني غلط كل ما فيها أني بغيت أمه تكتب ملاحظات وانا الي آسفة اني زعلتك .
ام عامر بحماس : هي ولدي عامر دائماً موجود أشرحي له كل شي .
أرادت سناء الرفض كالعادة ولكن مصلحة الصغير أهم لأن جدته غير متعلمة ولا يمكنها القيام بكل التعليمات لوحدها .
جاء عامر على عجل وبدأت سناء تشرح وتوضح له كل شيء وأعجبها أنه لا ينظر ناحيتها أبداً ... دائماً نظره للأسفل مما أسعدها فتحمست للشرح والتوضيح دون توتر أو أضطراب بل أنها سمحت له بمتابعة الجلسة معهم ومساعدتها في الأمساك بعادل .
وبعد أنقضاء الجلسة شاهدها وهي تمسح عرقها بتعب ؛ فهذه الجلسات مرهقة وطويلة والأطفال يصعب ترويضهم .
احس بتعبها وشعر بالحزن عليها وبعد أن شكرها بشدة مدَّ يده بمبلغٍ من المال أكرامية لتعبها ؛ نظرت الى المال بيده باستغراب ثم أستوعبت أنه أكرامية فقالت مبتسمة : مشكور أستاذ لكن اذا تبغى تعمل خير اتمنى تتبرع في ذاك الصندوق لجمعية العمود الفقري spine society .
وتركته عائدةً لاكمال عملها وهي تبتسم كعادتها وراقبته وهو يضع النقود في الصندوق وعادل بحضنه يشير لها من خلف كتف أبيه بالوداع ...

****

أخيراً جاء آخر الأسبوع وتوجهت بعد انتهاء دوامها برفقة تهاني الى العيادة المجانية في حارتهم ؛ أعداد كبيرة من المراجعين وانتظار طويل ومتعب وهي أصلاً مرهقة من دوامها وبعد ساعات أنتظار جاء دورها ودخلت عند الطبيبة .
أستمعت الطبيبة عدة مرات بقلق الى نبض قلبها ثم قالت بهدوء : واضح انه عندك مشكلة في القلب وان شاء الله حسب توقعي تكون بسيطة يلزمك تصوير تلفزيوني وتخطيط للقلب وهذا للأسف ما هو متوفر عندنا .
أنزلت ملاك رأسها بيأس وضيق فهي كانت تشعر بذلك ولكن ما باليد حيلة ولا تملك مالاً لمراجعة طبيب مختص .
جلست الطبيبة على مكتبها قائلة : الحين بأكتبلك مقويات لازم تاخذينها وجهك شاحب ؛ الا قوليلي كم شهر الك حامل ؟
رفعت ملاك رأسها بصدمة ونظرت الى تهاني التي تنظر لها متفاجئة ونظرت كلتاهما الى الطبيبة وشهقتا معاً : حامل !!
الطبيبة باستغراب : يعني معقول ما تدرين أنك حامل ! أوما شعرتي بحركة الجنين داخل الرحم !
ملاك تفتح فمها ببلادة .. أي حمل وأي حركة وأي جنين ، بطنها غير منتفخ ولم تشعر بأنها حامل أو ستصبح أم !!
الطبيبة يمر عليها حالات كهذه خاصة عند البكرية لذلك بدأت تسألها بعض الأسئلة وملاك تجيب وأعادت فحصها سريرياً وأكدت لها الحمل وبأنها حامل لأكثر من خمسة شهور وأن الجنين يتحرك ولكن لا بد لها من عمل فحوصات كثيرة وشاملة ولا بد من مراجعة طبيبة نسائية لفحصها على الجهاز المخصص وضروري مراجعة طبيب قلب لتقييم حالتها مع الحمل ..
لن تقدر على شيءٍ من هذا كله الا اذا استلمت راتبها من أم تركي وهذا لن يكون الا بنهاية الشهر .
علمت من الطبيبة أن هناك طبيب للقلب يقدم استشارات مجانية كعمل خيري في جمعية مرضى القلب وانه يمكنها مراجعته في الاسبوع القادم .
عادت مع تهاني وهي مذهولة لا تقول شيئاً ورغم فرحة الجميع الا أن شعورها مختلف تغطت بفراشها وهي تشعر بأحمرار وجنتيها واضطراب قلبها المضطرب أصلاً .
وضعت يدها على بطنها وانتظرت دقائق حتى أحست بركلة خفيفة .. ياااه ما أجمله من شعور ؛ ستصبح ام وسيكون لها طفلاً يملأ حياتها بالبهجة والسرور ؛ وتحتضنه وتلاعبه وتغمره بحبها وحنانها .. سيكون لها عائلة أخيراً
" اكيد رداد سيفرح مثلها بالحمل ؛ فكلاهما وحيد وليس لهما أحد ، سيكون هذا الطفل كل عالمهما وسبب يدفعهما للجد والعمل في هذه الحياة القاسية ؛ يا ترى ولد أم بنت ؟ لا تريد بنتاً تريد ولداً ؛ ليس كرهاً بالبنات ولكن تخاف أن تشبه رداد وعندها ستتعقد من حياتها للأبد ... ولماذا التشاؤم ربما كانت البنت تشبهها وهي كما يقولون عنها جميلة ... ابتسمت ولكن بلحظة تذكرت : " ما أبغى بنت ويطلع حظها مثل امها او جدتها والا حتى جدة جدتها... نحن بتطاردنا لعنة الظلم والإتهام بالباطل طوال عمرنا ويا خوفي باكر مصيرها مثلنا "
غيَّرت اتجاه نومها واتجاه تفكيرها " ان شاء الله ربنا بيرزقنا بولد ويكون قوي مثل أبوه ... وشلون بيكون قوي وانا ما آكل الا القليل والي ما يفيد ... يا ويل قلبي عليه أكيد ما يحصل حاجته من الغذاء المفيد وحتى الفيتامينات الي كتبتهن الطبيبة ثمنهن مرتفع وما أقدر أوفره .
أنسابت دموعها بألم وحزن على جنينها المحروم بسبب عدم قدرتها على توفير احتياجاته .
وبتشجيع لنفسها " قريب ويرجع رداد ونروح سوا لمشفى الدكتور فيصل ونعمل كل الفحوصات وآخذ العلاجات ومن الحين وطالع لازم أكون حريصة وأعتني بحملي وطفلي عسى وجوده ينير عالمي الحزين ...."

****

=============>>>>يتبع

******

قليلاً ما تنام وقليلاً ما تدرس ؛ تحمد الله انه لا يكلمها الا قليلاً ولم يعد يغدق عليها كلمات الحب والغرام ...... اقترب زواجهم ولا بأس مضطرة لمصلحة أمها وأخواتها على تحمل فهد وأن كانت تشك في أنه سيتم زواجه منها ... ما عاد يهمها ؛ هي منذ سنوات أخذت عهد على نفسها أن تضحي من أجل أمها وأخوانها وستفعل بلا أي تردد .
حالياً ساعدت في دفع رسوم دراسة راشد لهذا الفصل في الجامعة وستبذل جهدها بتوفير كل ما يلزم وستغلق باب قلبها على أي مشاعر تجاه فهد مهما كانت حسنة أو سيئة ؛ ستعتبره استثماراً مالياً واستلزم منها بعض التضحيات.

ميسون لا زالت لا تقدر على النوم الا وهي تؤنب نفسها على ما فعلت ، صحيح لم تره مجدداً وصحيح قطعت علاقتها نهائياً مع نوف لكن لأنها لأول مرة تخطئ لا بد لها ان تعاهد نفسها بانها لن تعيد الكرة مرة أخرى ...
أما صلاح فمشهد الصفعة لا يفارق عينيه رغم أنه أغرق نفسه بالعمل ؛ ومصمم على الثأر من هذه البنت حتى انه تجاهل أصدقائه ما عدا يوسف الذي يرد على مكالماته باقتضاب وواضح انه يحرص على صداقته وربما يلوم نفسه للتسبب بما حصل له .

***

ام تركي اخبرتها بأن لها وجبتي طعام مجانيتان هما أفطار وغداء ومع شعورها بالأمتنان الا أنها أدركت أن تهاني هي من طلبت ذلك من الست جليلة ؛ وبصراحة لن ترفض فمصلحة جنينها على المحك وعليها ان تضحي لأجله بالكثير .
ارادت تهاني ان تنظف مكتب ابو تركي ولكنها خافت على كتبه الثمينة فطلبت من ملاك مرافقتها .
وقفت ملاك بأنبهار أمام المكتبة الضخمة الغنية بالكتب القيمة وبدأت بدون وعي تتفقدها وتقرأ فيها .
دخلت آلاء لتاخذ أوراقاً فصدمها منظر الخادمة التي تقرأ بتركيز شديد بأحد الكتب .
شكت بامرها واقتربت منها فوجدتها تقرأ بكتاب " العقد الأجتماعي "
وقفت بخوف عندما شعرت بوجود أحد فسقط الكتاب على الأرض وزاد حرجها عندما نزلت آلاء لألتقاطه ومسح الغبار عنه .
قالت مبتسمة : لأول مرة من شهور أحد يأخذ كتاب من المكتبة ويقرأه ؛ وش عجبك بذا الكتاب؟
ملاك ارتاحت لابتسامتها فقالت بأريحية : جان جاك روسو مبدع في كتاباته ويوصل أفكاره من خلال رواياته بسلاسة وأقناع .
آلاء باهتمام : وانت قرأتي هذا الكتاب من قبل ؟
ملاك بحماس : أنا سمعت عن هذا الكتاب وتمنيت اقدر أقرأه لأني قرات روايته "أميل" وعجبني كلامه عن تربية الأطفال وانه ينبغي تعليمهم بأناة وتفاهم وان المعلم لازم يراعي اهتمامات الطفل ويتجنب العقاب الصارم ويبعد عن الدروس المملة ويراقب أفكار الأطفال وسلوكهم.
تفاجأت آلاء بثقافتها وقالت بابتسامة : في عيلتي كلها ما أحد يحب الثقافة والأدب الا أنا وابن عمي محمود الي اسمه على أسم أبوي وهو بالعادة يستعير من الكتب ويقرأها لكن عمله بيشغله كثير عن القراءة والأدب ؛ حتى أبوي الي كان عنده شغف بالقراءة صارت من النادر ما يقرأ ؛ أعتبري المكتبة تحت تصرفك واقرأي الي تبينه ولكن بحرص ومن غير ما يأثر على شغلك .
سبحان الله تشعر براحة شديدة مع هذه العائلة حتى في لحظات تفقد فيها أدراكها للزمان والمكان ؛ ينتابها شعور بأنها جزء من هذا الكيان ؛ ابو تركي هو الرجل الوحيد الذي كلمته في هذه العائلة ويبدو عليه الوقار والأحترام كزوجته تماماً وبناتهم غاية في اللطف والآن آلاء التي نادراً ما تتكلم او تضحك أكتشفت أنها تتسم بالحساسية المفرطة ولا تسيء لأحد .
حدثتها تهاني بقصة خطبتها على أبن خالها الذي أحبها بقوة وجعلها تتعلق به وهي بصدق الأحساس بادلته الحب وبنت مستقبلها وأحلامها معه وسخرت كلماتها وأشعارها لترجمة مشاعر الحب والغرام له حتى حصلت الانتكاسة عندما رفض اخوها تركي ان يتزوج ابنة خاله وفضّل الزواج من فتاة من خارج العائلة مما أثار غضب زوجة خاله فقررت الانتقام بأجبار أبنها على تطليق آلاء والزواج من أحدى قريباتها والأبن أنصاع لضغط أمه عليه وآثر رضاها على حبه وغرامه ؛ مما أصاب آلاء بأنهيار عصبي حاد دخلت على أثره المشفى وتعافت منه بعد شهور طويلة لكن جرح قلبها يأبى أن يتعافى رغم مرور السنين ؛ وعلى ذمة تهاني فأن أم تركي أصابها أحتشاء بعضلة القلب على أثر هذه الحادثة ولا زالت تتعالج منه الى اليوم .
رأت أطفالاً يلعبون في الخارج وبدت أصواتهم معروفة ؛ يلعبون مع بدر وأخواته ؛ تمعنت بالنظر لهم من النافذة وان كانت بصعوبة عرفتهم لكن هم وأن كبروا ... هم وان تغيرت ملامحهم ...نفس الروح ونفس الخصام والمناكفة ، خاصة تلك الصبية الجميلة سحر وأختها الصغرى سمر تقلدها بكل شيء وسيف يمارس دور الرقيب عليهن .... انهم اولاد العميد محمود وحنين .
ماذا يفعلون هنا ؛ وما صلة القرابة بين أبو تركي والعميد محمود ؛ أقشعر بدنها من فكرة أكتشاف العميد محمود لوجودها هنا ؛ حتى الصغار لا يجب أن يروها بكل الأحوال ، تخاف أن يتعرفوا عليها .
سألت تهاني بحذر عن الضيوف فأجابتها وفاء التي جاءت لتجلس مع ملاك في المطبخ : هذي مرت ولد عمي العميد محمود عندنا ؛ دمها ثقيل وما أحب مقابلتها .
أبتسمت ملاك على اسلوب وفاء التي جلست بقربها وفتحت هاتفها لتريها ما نشرته في منتدى فكري ثقافي والردود عليه .
ملاك قرأت بتمعن ثم بحماس : أسلوبك جميل ومن اول مرة في تفاعل مع كلامك مع أنه عامي وبلهجة شعبية لكن ممتع ومسلي وفيه روح فكاهة ؛ يا ريتك تكتبين بالفصحى .
وفاء بصدق : ما أقدر أكتب الا كذا والفصحى زمان تخاصمت وياها وحِلفَت ما يخاطب لسانها لساني .
ملاك بضحكة : هههههه ما أقولك عندك أسلوب جذاب وممتع ؛ أستمري الله يوفقك ولكن أحذري تتعاملين الا مع البنات ؛ الرجال ما لهم أمان ولا تعطين معلوماتك لأحد ؛ أنت مشروع كاتبة ساخرة على أعلى المستويات .
أم تركي بعثت رسالة ل وفاء تريدها مساعدتها في مجاملة حنين التي واضح أنها غير محبوبة عند هذه العائلة .
قامت وفاء بتأفف وغرقت ملاك بأفكارها : يعني محمود اللي كلمتني عنه آلاء هو نفسه العميد محمود ..... يا الله على هذي الصدفة الغريبة .

*****

بحمد الله خرج ناصر من المشفى بالسلامة وطوال فترة وجوده فيها لازمته عزيزة وأدت واجبها نحوه كزوجة مطيعة وهو في كل لحظة يشكر فضلها بعد الله في أنقاذ حياته فلولا شجاعتها وتشجيعها له لربما مات أختناقاً.
الزوار كثر ويتتابعون وهو يأمل بلحظة أنفراد مع عزيزة يعبر لها عن شكره وامتنانه .
صلاح أمضى النهار كاملاً في أحدى ورش البناء التابعة لمشروع تشرف عليه شركتهم وكان يأمل بالراحة والنوم الهانئ بعد أن يتسلى قليلاً بمحادثة البنات على مواقع التواصل لكن اصرار أبيه على ذهابهم جميعاً لتهنئة ناصر بالسلامة جعله يذهب معهم على مضض .
نزل من سيارته دون أغلاقها جيداً حتى دوى صوت جهاز الأنذار فعاد لأقفالها متخلفاً عن أبيه وأخوانه ؛ عندها لمح سيارة أجرة تقف أمام المدخل وتنزل منها أمرأتان وتدخلان ، الأولى عرفها أم عزيزة زوجة ناصر فقد رآها في جاهة خطبة ناصر والثانية كأنه يعرفها ومع أقترابهما منه أصابته صدمة بل صعقة مثلما أصابتها هي ؛ أنها الحقيرة التي صفعته أمام الجامعة ... يااااااه أخيراً رماها القدر في طريقه .
سلمت أم عزمي عليه وهو لا زال مصدوماً وصوت تركي ينادي عليه : صلااااااح وينك يا رجال تعال فوووت .
برؤيته أنقطع الهواء من حولها وفقدت قدرتها على التنفس وعاد الأرتجاف ليدها : "سبحان الله وش جابه بطريقي ؛ وشلون كان يطَّلع علي بحقد وكره "
تمالكت نفسها واستعادة رباطة جأشها وهي تقول " وأنا مالي بيه يروح يبلط البحر والي ما يطلع بأيديه يطلع برجليه ؛ ماله عندي شي هو الي غلط بحقي ويستاهل ما جاه ....."
لكن بدافع الفضول سألت عزيزة عن الضيوف ومنها علمت أن غريمها أسمه صلاح وعنده شركة مقاولات هندسية ....

******

كانها عصفور محبوس في قفص وتمَّ فك أسره .....
للتو معاذ أتصل بها وأخبرها أن ورقة طلاقها من بندر في حوزته ؛ تكاد تطير من الفرحة " الله يبعث له اللي تحبه وتستاهله أكثر مني ؛ المهم الحين انا حرة وما عدت على ذمة بندر ."
أمها تقبلت الأمر على مضض بعد ان رأت انهيارها المخيف وفقدانها الرغبة في الحياة وبصراحة بوجود معاذ بدأت منيرة تشعر بأن مسؤولية وهم نور ومستقبلها قد خف عن عاتقها ؛ مع انها لم تقبل منه أي نقود او غيرها لكن مجرد وجوده في حياة أبنته ومعرفته بقراراتها ومتابعته لها يخفف عنها الكثير من الهواجس والأعباء .
نور في عز فرحتها جاءتها رسالة من معاذ : " نسيت ابلغك ... المهندس أسلام يقول تقدرين ترجعين للشغل من باكر "
غمرها شعور الفرح والأمتنان وهتفت بحماس : من باكر برجع للشركة .
أمها لم ترها بهذا الحماس والفرح منذ وقتٍ طويل ؛ لن تقف بوجهها بعد الآن ومتأكدة تماماً بأن أبنتها تعلمت الدرس جيداً ولن تكرر الأخطاء السابقة .

******

ان تكون طبيباً نعمة من الله لا تقدر بثمن ؛ هكذا شعرت رغد وهي تسمع دعاء المرأة العجوز لها بعد أعطائها العلاج .
غادرت الغرفة وهي تسمع همهمتها بالدعاء لها بأن يرزقها بأبن الحلال الذي يستحقها ؛ فتبسمت بأنشراح ..
لاقتها جميلة في صالة المرضى وهي تشعر بالغيض والقرف من العمل فقالت بعصبية : وانت وش عندك تبتسمين على هالصبح !
رغد وسعت أبتسامتها لتغيظها : وليه ما أبتسم وانا من صباح ربنا تجيني الدعوات الي تشرح القلب .
جميلة بنغزة : يدعون لك والا يدعون عليك يا دكتورة رغد.
رغد بثقة : الا يدعون ومن كل قلبهم ان الله يرزقني الزوج الي يقدر جمالي وخفة دمي.
وادارت رأسها بتعالي لتغيظ جميلة لكن صدمها وقوف الدكتور فيصل خلفها ويستمع كلامها .
نظرت له بأحراج ولم تستطع فهم التعابير على وجهه ؛ من فترة عاد له الوجوم والعصبية ويصعب على الجميع التعامل معه .
يخفي الكثير في قلبه لذلك عاد الى مكتبه محملاً بالهموم ؛ أمه انتكست حالتها بعد أن تركتهم ملاك يبدو أنها أحبتها وتعلقت بها ؛ والحل الأنسب بالنسبة له أن يتزوج ويحضر لأمه من تؤنس وحدتها وقلبه المتعلق برغد يخاف أن يقدم على خطبتها فترفض ويخيب أمله ؛ لا يدري ماذا يفعل وكل يوم تزداد حيرته ومخاوفه.
جاءه اتصال من الممرضة بالبيت تخبره بتعب امه فأسرع لرؤيتها وساءه تدهور حالتها فقرر أدخالها المشفى لأخضاعها للفحوصات والتحاليل لأعطائها العلاج الأنسب .

****

المهندس فواز يرحب بها بحرارة وكذلك باقي موظفي القسم وهي تشعر بالأمتنان لعودتها للعمل في نفس القسم السابق ؛ لم تقابل أسلام ولن تسعى لذلك ولن تخلف وعدها لنفسها ولأمها بان لا تعيد أخطاء الماضي والآن كل ما تريده هو أن تكون بقربه ولو من بعيد ؛ قمة التناقض ولكن هذا هو الحب ليس له دستورٌ او قوانين .
من الأمس لم يهدأ قلبه عن الخفقان والونين ؛ نور قلبه ستعود للعمل بقربه وكيف سيحتمل قربها وهي عنه من البعد ما لا يطيق ، في ذمة غيره اصبحت ولو لم تكن متزوجة فما فعلته جدتها بأخواله كافٍ ليحول بينهما ... قصة حبه لنور كُتبت نهايتها قبل بدايتها وحُكِم عليها بالموت الرحيم .

****

يلازم أمه ويقبل يدها ويهيئها لتحمل الفحوصات والصور اللازمة ويخفف عنها الخوف بدعاباته ومزحاته الخفيفة .
دخل عنده فريق المتدربين لتسليمه قوائم العمل التي أنجزوها والقوا التحية وتمنيات الشفاء لوالدته المريضة.
همس في أذن أمه بكلمات ثم قام للأستلام منهم وهي تراقبهم بأهتمامٍ شديد .
غادر الطلاب وهم قد أنهكهم التعب من يوم العمل الشاق
وبصوتٍ هادئٍ على غير عادته نادى : رغد
عادت رغد ووقفت لتلقي تعليماته .
فيصل : ممكن اطلب منك خدمة لو سمحت .
لا تصدق سمعها ! معقول هذا الدكتور فيصل الذي يتكلم !!
رغد : تفضل دكتور بأمرك .
فيصل بابتسامة : ممكن تتكرمين علينا اليوم وترافقين الوالدة خلال الفحوصات .
تفاجأت بطلبه ولكنها ردت بابتسامة ساحرة : جاهزة وعلى طول .
هي بصراحة أكتشفت انها تحب مرافقة كبار السن وتحب مساعدتهم ولا مانع عندها من مرافقة هذه العجوز الطيبة ذات الملامح السمحة ؛ حتى لو كانت أم الدكتور فيصل بحد ذاته .
جلست بقربها وبدأت بمحادثتها كأنها تعرفها من سنين طويلة وأم فيصل تتأملها بابتسامة هادئة فهذه التي همس أبنها بأذنها قبل قليل أنه يتمناها زوجة له.

******

لم تتخيل ناصر بهذا الدلع والأتكال !!!
منذ خروجه من المشفى وهو يعتمد عليها كلياً حتى في تناول طعامه وكأنه ينتقم منها ليعوض الشهور التي حرمته بها من رعايتها وحنانها .
كانت تطعمه بهدوء قطع المثلجات التي نصحه بها الطبيب عندما ارجع رأسه الى الخلف وهو يئن .
اقتربت منه بخوف وأسندت رأسه على كتفها لتطمئن عليه ؛ عندها ارخى رأسه على صدرها وبكل حب : الله لا يحرمني منك يا حياتي .
تمالكت نفسها وأسندته على السرير وخرجت مسرعة حتى لا تسمع المزيد .
واتجهت الى غرفة دالية ، وجدتها تدرس فجلست بقربها لتساعدها بدروسها .
دالية باستغراب : خالة عزيزة انت ليه ترجفين !
عزيزة بانكار : لا ما هي برجفة هاي تقنية جديدة عشان يتحسن خطي وأنا أكتب .
دالية بصدق : ما أظن يا خالة يتحسن خطك أبد مهما تحاولين ؛ يا ريته مثل خط الدكتورة فاطمة يجنن كأنه خط فنان.
عندها تذكرت عزيزة فاطمة العروس " الله العليم تلقاها الحين محتاسة وما تعرف تدبر أمورها زين "
بما ان عزيزة مشغولة بمرض زوجها فقد وجدت فاطمة هذه حجة لها حتى لا تشتري الا القليل تجهيزاً لزفافها القريب ولتوفر ما أمكنها من النقود فقد قررت أنها لن تحاول ان تبهر فهد او تجذبه لحبها ... من لا يريدك لا تسعى له ..... هذه قناعتها ؛ هو لا يحبها وهي لا تعني له شيئاً فلماذا تجهد نفسها بشراء ما لا يلزم .

****

لأول مرة دعت سناء ملاك لتجلس معها ومع اخواتها في جناحها ؛ ليس من باب الشفقة ولكن من باب الأعجاب بشخصيتها وذكائها ؛ يكفي انها اوجدت لوفاء كيان تنشغل به .
الجناح راقي وانيق وناعم مثل صاحبته ويتسم بالألوان الرومانسية الهادئه وتنتشر فيه الدمى والدببة الجميلة وكانها طفلة في العاشرة.
سناء تتكلم بحماس : ولو تدرون صدمتي لما دريت ان ام عادل هي روعة اخت حنين زوجة ابن عمنا العميد محمود ؛ مسكينة جدته حاملة همه وتتولى رعايته .
ملاك بحزن واستغراب : ليه وينها امه ليه ما ترافقه .
سناء : لأنها مطلقة ويقولون لما عرفت ان ولدها بحاجة لعلاج ورعاية رمته على أبوه ورفضت تعتني بيه .
ملاك مصدومة بمعرفة أن روعة تطلقت وأبنها مريض ويعاني  "يا رب لا تمتحنا وتحمي ابني من كل شر او سوء "
وفاء بغضب : حتى ان أمي سمعت من الحريم أنها كانت تلف وتدور على أبن عمي ناصر .
لم يرق لملاك الكلام بهذه الطريقة عن ابنة عمها : الناس ما ترحم واللي تتطلق الناس يساوونها شوربة ويكثرون البهارات عليها .
تداركت نفسها ونظرت الى آلاء التي بدا عليها التأثر من الكلام .
وفاء كعادتها الساخرة : هذي أكيد ما تعرف عزيزة ؛ بحياتي ما شفت مثل شخصيتها وقوتها وعلى قولة أمي مع انها ما درست حتى الأعدادي لكن فهمها أكثر من اللي معهن دكتوراة .
قلبها زادت خفقاته بسماع اسم عزيزة معقول هي نفسها .
ملاك : منو هذي عزيزة .
سناء : هذي مرت أبن عمي ناصر تزوجها بعد ما حرَّم الجيزة سنين بعد وفاة زوجته .
ملاك تحاول ربط الامور : وناصر هذا عنده مصانع ألبسة وبنت أسمها دالية .
سناء بدهشة : أيوة كيف عرفتي يا نغم !
ملاك تحاول أخفاء أضطرابها : كأني سمعت تهاني بتتكلم عنها .
مكالمة جاءت سناء قطعت حديثهن وملاك سرحت بفكرها : "معقول هالدنيا وصدفها الغريبة ؛ عزيزة أعز مخلوق على قلبي قريبة مني وتزوجت يا فرحتي لك يا عمري ؛ أكيد كنت تبغيني أنا أعملك مكياج فرحك أدري أنك الحين عتبانة علي كثير لكن ما هو بيدي ؛ ما أقدر أكلمك ولا أرتمي بحضنك وأشكي لك همي ...كيف أكلمك وأنت صرت من عيلة العميد محمود ؛ يا رب تكون متهنية وسعيدة بحياتك مع هالناصر مع أني أخبر أنك ما كنت تطيقنه "
حبست ملاك دمعة تحايلت على السقوط عندما قاطع افكارها صرخة سناء الحماسية : أحزروا من بيجينا ويسهر معانا الحين؟
البنات بصوت واحد : ميين !
سناء بفرحة : مراااااام
ملاك بابتسامة : مين هذي مرام .
آلاء بنعومة : هذي مرام بتكون بنت عمي زايد وخطيبة أخوي فارس ...
.
.
.
انتهى الفصل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...