الفصل 11 | من 17 فصل

الفصل 11

المشاهدات
9
كلمة
770
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

لم تنم بيري ليلتها؛ كانت الدموع تجف على وجنتيها لتنهمر من جديد، وعقلها يسابق الزمن. في الصباح الباكر، استغلت نوم جسار العميق بعد أيام من السهر والقلق عليها، وتسللت بهدوء نحو الغرفة المغلقة التي فتحتها لها الجدة بالأمس.

جمعت كل الأوراق والمستندات الدامغة، والشيكات الموقعة بخط يد والدها، والتقارير الطبية التي تثبت جريمــته البشعة بحق الطفلة نور ووالدة جسار. وضعت كل ذلك في حقيبتها، وخرجت من القصر متجهة مباشرة إلى قصر عاصم السلحدار لتواجهه للمرة الأخيرة والنهائية كابنة. دخلت القصر بخطوات حزينة ولكنها ثابتة، لتجد والدها عاصم يجلس في ردهة بيته وعلامات الغضب والغل تملأ وجهه بعد الخسائر المادية وتنازله القسري عن نصف أملاكه لجسار.

ما إن لمح بيري حتى وقف بلهفة، لكنه تفاجأ بنظراتها الصارمة والباردة التي لم يعهدها منها قط. عاصم بغضب وغل أعمى: "بيري! أنتي كويسة يا بنتي؟ الراجل اللي اسمه جسار ده أنا مش هسيبه.. وحياة دموعك ودلوعتك اللي اتكسرت في بيته لأندمه! أنا بجهز لخطه مع آسر وأبو صلاح عشان ندفنه مكانه، ونرجع كل الفلوس والشركات اللي خدها مني باللي ذراع! بيري بدموع نزلت

زي الجمر ونبرة صوت ميتة: "لو فكرت تعملها.. أو تقرب من جسار مجرد خطوة واحدة.. مش هتشوف وشي تاني طول حياتك يا عاصم بيه.. وهتكون خسرتني للأبد". عاصم بصدمة وعدم تصديق: "عاصم بيه؟ أنتي بتقوليلي أنا عاصم بيه يا بيري؟ وبتدافعي عن الراجل اللي خد نص أملاكي وكسر عيلتنا؟ ده أنا أبوكي اللي عملت عشانك كل حاجة! بيري بصرخ وصوت مخنوق من الوجع: "أبويا؟ أبويا طلع قا..تل وسفا..ح!

أبويا بنى ثروته ودلعي بد..م طفلة عندها 6 سنين خد منها الكلية بتاعتها وسابها تموت! أبويا دمر عيلة كاملة واغـــتصب أم قدام ابنها الصغير! أنا شوفت الأوراق والتقارير وشيكاتك المكتوبة بخط إيدك للقـــــاتلين يا بابا! حرام عليك.. حرام عليك دمرتني ودمرت براءتي!

سقطت الكلمات على رأس عاصم كالصاعقة، وتراجع للخلف وجسده يرتجف بعد أن تيقن أن سره الأسود المدفـــون منذ خمسة عشر عاماً قد انكشف تماماً لأحب الناس إلى قلبه. حاول الاقتراب منها يبرر، لكنها تراجعت باحتقار ودموعها لا تتوقف. عاصم بتلعثم وبكاء ذليل: "أنا.. أنا عملت كده عشان الشغل يا بيري.. عشان اسم السلحدار ميعلنش إفلاسه والشركات متقفلش.. كنت عايز أضمن ليكي ولأختك عيشة ملوكية.. سامحيني يا بنتي! بيري

بنبرة حاسمة ومفيهاش تراجع: "أنا عمري ما هسامحك.. ولا ربنا هيسامحك على القهر والدم ده.. الجلسة انتهت يا بابا، وأنا هصلح اللي إنت عملته بطريقتي".

استدارت بيري وخرجت تركض من القصر، متجهة بسيارتها مباشرة نحو مديرية الأمن. دخلت مكتب رئيس المباحث، ويدها ترتجف بشدة، وأخرجت الملف الأسود كاملاً من حقيبتها ووضعته على المكتب. بكت بنحيب يقطع القلوب وهي تقدم البلاغ والمستندات الرسمية التي تدين والدها الحبيب بجرائم القــــتل العمد، والاتجار بالأعضاء البشــــرية، والاغتصـــــاب. سجلت شهادتها كاملة، ووقعت على المحضر وهي تشعر أن روحها تخرج من جسدها مع كل جرة قلم.

في تلك الأثناء، استيقظ جسار في قصره فلم يجد بيري بجانبه، وانتابه ذعر قاتل. هرع نحو مكتب المراقبة ليتفاجأ بأنها أخذت مستندات القضية وخرجت. تتبع حركتها عبر رجاله ليعلم أنها دخلت مديرية الأمن. انطلق بسيارته كالمجنون، ودخل المديرية ليرى بيري تخرج من مكتب التحقيق، وجهها شاحب كالأموات، وعيناها خالتان من الحياة، وجسدها يترنح كأنه فقد السند بالكامل.

اندفع جسار نحوها، وجذبها ليرتمي جسدها النحيل والمستسلم تماماً بين ذراعيه. نظرت إليه بعيون مكسورة وقالت بصوت واهن: "أنا سلمت بابا للشرطة يا جسار.. أختك نور وأمك حقهم رجع بالقانون.. خلاص مبقاش في انتقام".

تأمل جسار ملامحها المحطمة، وشعر بنغزة ندم وعذاب وعقاب داخلي تنهش قلبه كالحوت. شعر بذنب هائل؛ فهو من أحضرها إلى هذا الجحيم، وهو من ترك نار انتقامه تحرق براءتها ونقاءها وتجبرها على العيش في صراع لتدمر والدها بيديها. بكى جسار ندمًا وهو يشدد من قيد ذراعيه حولها، ويمسح على رأسها بحنان دافق. جسار بنبرة مليانة وجع وندم ودموع نزلت على وشها: "ليه عملتي كده في نفسك يا بيري؟ ليه يا روحي دبحتي قلبك بالشكل ده؟

أنا مكنتش عايزك تعيشي الوجع ده كله.. أنا ندمان يا بيري، ندمان إني دخلتك المعركة دي، وعرفت إن صعب عليكي قوي تعملي كده مع أبوكي.. سامحيني يا قلب جسار، أنا السبب في كل كسرتك دي! بيري وهي بتدفن وشها في صدره وبتتكلم بضعف: "أنا عملت كده عشانك أنت يا جسار.. عشان أغسل الوجع اللي عيشته لوحدك خمستاشر سنة.. مكنش ينفع أسيب حق عيلتك يضيع، حتى لو التمن هو قلبي.. أنا ماليش غيرك دلوقتي يا جسار.. أرجوك متسبنيش".

جسار وهو بيشيلها بين إيديه وبيمشي بيها بره المديرية وعيونه مليانة عشق وحماية: "مش هسيبك وعمري ما هسمح لحاجة تكسرك تاني.. أنتي فديتي روحي بنقائك، ومن الليلة دي مفيش غير حبك وبس اللي هيعيش في قلبي".

خرج بها جسار من مديرية الأمن كملك يحمل أثمن ما يملك في الوجود، عازماً على قفل باب الماضي بكل آلامه، لتبدأ بيري في التعافي داخل حصون عشقه الجارف، بينما تحركت سيارات الشرطة في نفس اللحظة لإلقاء القبض على عاصم السلحدار ليدفع ثمن خطاياه الماضي

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...